(أ)
أحمد الله الذى علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، على آلائه ونعمه، وأثنى عليه بما لا يحصى من أفضاله فى خفى الأمر وظاهره.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله سيد المرسلين وخاتم النبيين، صلّى الله عليه وعلى آله، وصحابته وسلم تسليما.
أما بعد فإن التصريف والاشتقاق من أبرز ظواهر العربية، وأشرف علومها، وقد أدرك النحويون واللغويون قيمة كل من هذين العلمين فى وقت مبكر، وأولوهما كل اهتمام.
ولما كانت أبنية الأسماء، وأبنية الأفعال هى مادة التصريف والاشتقاق، فقد ظفرت هذه الأبنية باهتمام علماء اللغة، والنحو، والتصريف، وألف فى هذه الأبنية جلة من العلماء، وكان للأفعال نصيب وافر من هذه الدراسات. وكان لنحاة الأندلس سبق إلى هذا الميدان، إذ شاركوا بباع طويل فيه، ولعلهم أرادوا بذلك أن يسجلوا لأنفسهم سبقا فى مجال من مجالات العلوم يقفون به مع العلماء المشارقة على قدم المساواة.
وتنصّ كتب التراجم وفهارس الكتب على كثير من الكتب التى ألفت فى أبنية الأفعال قبل كتب المدرسة الأندلسية، غير أنها إلى الرسائل أقرب منها إلى الكتب، ومن هذه التواليف القائم بنفسه مثل:
- كتاب فعلت وأفعلت للأصمعى، ومنه نسخة مخطوطة بالقاهرة ثانى ٢/ ٢٨
[ ١ / ٨ ]
- وكتاب فعلت وأفعلت لأبى عبيد، ومنه نسخة مخطوطة بالقاهرة ثا ٣/ ٢٨١
- وكتاب فعلت وأفعلت لأبى حاتم السجستانى، ومنه عدة نسخ مخطوطة بالقاهرة.
- وكتاب فعلت وأفعلت لأبى إسحاق الزجاج، مطبوع فى القاهرة ١٣٦٨ هـ.
ومن هذه التآليف الذى جاء فصولا وأبوابا فى تواليف أخرى مثل
- ما جاء عن فعلت وأفعلت فى «إصلاح المنطق» لابن السكيت، مطبوع فى القاهرة ١٩٤٩ م.
- وما جاء عن أبنية الأفعال فى «أدب الكاتب» لابن قتيبة، مطبوع فى القاهرة ١٣٢٨ هـ.
- وما جاء عن فعلت وأفعلت فى «فصيح ثعلب»، مطبوع فى القاهرة ١٣٦٨ هـ.
- وما جاء عن فعلت وأفعلت فى «جمهرة ابن دريد»، مطبوع فى حيدرأباد ١٣٤٥ هـ.
وإذا كانت المحاولات السابقة قد وقفت كتبها عند أبنية خاصة، فإن هناك كتبا أخرى تعرض أصحابها للأفعال عامة دون تخصيص بناء منها، وعلى رأس هولاء من المتقدمين «أبو عبيد»، «فابن السكيت»، ومن المتأخرين «ابن سيده».
وفتح «ابن القوطية» أحد علماء الأندلس ونحاته فى القرن الرابع الهجرى بتأليفه كتاب الأفعال الطريق أمام تلاميذه، ومن جاء بعدهم فحذوا حذوه، ووجدنا عدة مصنفات فى هذا الموضوع ترجع فى أغلبها لعلماء من الأندلس وهى:
- كتاب الأفعال لأبى بكر بن القوطية الذى توفى فى سنة سبع وستين وثلاثمائة هـ.
- وكتاب الأفعال لأبى مروان عبد الملك بن طريف الأندلسى تلميذ «ابن القوطية» ذكره «ابن خير» فى فهرسته، وصاحب «بغية الوعاة» فى ترجمة «ابن طريف» فقال: «وله كتاب حسن فى الأفعال (١)»، وتوفى «ابن طريف» سنة أربعمائة تقريبا
_________________
(١) فهرسة ابن خير ٣٥٦. وبغية الوعاة ٢ - ١١١.
[ ١ / ٩ ]
- وكتاب الأفعال لأبى منصور محمد بن على بن عمر بن الجبّان - أحد العلماء المشارقة - ذكره صاحب «بغية الوعاة» فى ترجمة أبى منصور، فقال: «وصنف أبنية الأفعال (١)» وقد توفى بعد سنة ست عشرة وأربعمائة هـ.
- وكتاب الأفعال لأبى القاسم على بن جعفر السعدى اللغوى المعروف بابن القطاع الصقلى، ذكره «ابن خلكان» فى ترجمته (٢)، توفى سنة خمس عشرة وخمسمائة هـ.
- وكتاب الأفعال لأبى عبد الله محمد بن يحيى بن هشام الأنصارى الخزرجى الأندلسى، قال عنه صاحب البغية: «وصنف فصل المقال فى أبنية الأفعال (٣)»، توفى سنة ست وأربعين وستمائة هـ.
وليس بين أيدينا من كتب هذه المدرسة غير:
- كتاب الأفعال لابن القوطية، طبع فى ليدن ١٨٩٤ م، والقاهرة ١٣٧١ هـ - ١٩٥٢ م.
- وكتاب الأفعال لابن القطاع، طبع فى حيدرأباد ١٣٦١ هـ
وكتاب الأفعال لأبى عثمان سعيد بن محمد المعافرى القرطبى ثم السرقسطى المعروف بابن الحداد، توفى فى
حدود سنة أربعمائة، شهيدا فى إحدى الغزوات. وهو الذى أقدّمه محققا لأول مرة، وسوف يتبين لنا أنه أتمّ وأكمل كتاب يقدم للمكتبة العربية فى هذا الموضوع بإذن الله.
_________________
(١) بغية الوعاة ١ - ٨٥.
(٢) وفيات الأعيان ٣ - ١١ الترجمة ٤٢٠.
(٣) بغية الوعاة ١ - ٢٦٧
[ ١ / ١٠ ]
(ب) السرقسطى، ومكانته العلمية، ومؤلفاته
١ - نسب أبى عثمان
هو سعيد بن محمد المعافرى اللغوى، من أهل قرطبة، يكنى أبا عثمان، ويعرف بابن الحداد (١)، ولقّبه بالحمار كل من «حاجى خليفة» صاحب كشف الظنون، و«بروكلمان» فى تاريخ الأدب العربى.
وعبارة كشف الظنون: «ومنهم - أى ممن صنف فى الأفعال - أبو عثمان سعيد بن محمد السرقسطى المنبوز بالحمار (٢)
وعبارة «بروكلمان» - الترجمة العربية - «وكان أشهر تلاميذ ابن القوطية» أبا عثمان سعيد بن محمد المعافرى، القرطبى، السرقسطى المعروف بابن الحداد الحمار (٣). ولم يكن أبو عثمان أول من لقب بالحمار. إذ لقب به الخليفة الأموى «مروان بن محمد بن مروان» آخر خلفاء بنى أمية، يتحدث الفخرى عنه، فيقول: «ويقال له الحمار وإنما لقب بالحمار، قالوا: لصبره فى الحرب، وكان شجاعا صاحب دهاء ومكر (٤)».
«وأبو عثمان» هى الكنية التى اختارها «سعيد بن محمد» لنفسه، وآثر أن يصدر بها كلامه فى الأفعال.
وليس نسب المعافرى فى اسم أبى عثمان دليلا على أن أبا عثمان ينتمى إلى أصل عربى؛ لأنه يجوز أن يكون أحد الموالى الذين ينتسبون إلى قبيلة «معافر» بالولاء.
_________________
(١) الصلة ١ - ٢١٣، وبغية الوعاة ١ - ٥٨٩.
(٢) كشف الظنون ١ - ١٣٣.
(٣) «بروكلمان» الترجمة العربية ٣ - ٢٨١
(٤) الآداب السلطانية ١٠٩
[ ١ / ١١ ]
ولأبى عثمان سميان من نحاة الأندلس يشتر كان معه فى الاسم، واسم الأب والكنية، ويشترك أحدهما معه فى لقب الجد، هما:
«سعيد بن محمد الغسانى أبو عثمان بن الحداد .. عده الزّبيدى من نحاة الطبقة الثالثة الأندلسيين (١)، وذكر «الزبيدى» له يرجح أنه غير أبى عثمان صاحب الأفعال.
«وسعيد بن محمد النحوى القرطبى أبو عثمان» (٢)، روى عنه أبو الحسن على بن أحمد بن سيده وغيره، ورواية ابن سيده الذى ولد فى حدود الأربعمائة من الهجرة عنه، ترجح أنه غير صاحب الأفعال كذلك.
٢ - مولد أبى عثمان
والنصوص التى كتبت عن «أبى عثمان» فى كتب التراجم لا تساعد على تحديد تاريخ مولده، ومكانه، ومعرفة الفترة الأولى من حياته، ومراحل تلك الحياة، وعدم المعرفة بتواريخ محددة لميلاد كثير من العلماء ظاهرة شائعة.
والمدخل الذى يقربنا من فترة زمنية لمولد هذا العالم ما جاء فى «الصلة» و«بغية الوعاة» من أنه أخذ عن «أبى بكر بن القوطية»، وهو الذى بسط كتابه فى الأفعال، وزاد فيه، وتوفى بعد الأربعائة شهيدا (٣).
وما جاء كذلك فى «تاريخ الأدب العربى» «لبروكلمان» من أنه «كان أشهر تلاميذ ابن القوطية قتل فى إحدى الغزوات بعد سنة ٤٠٠ هـ». (٤)
_________________
(١) طبقات الزبيدى ٢٦١، وبغية الوعاة ١ - ٥٨٩
(٢) بغية الوعاة ١ - ٥٨٩
(٣) الصلة ١ - ٢١٤، والبغية ١ - ٥٨٩
(٤) بروكلمان الترجمة العربية ٣ - ٢٨١
[ ١ / ١٢ ]
وما جاء فى مقدمة «أبى عثمان» لكتابه من أنه روى أفعال ابن القوطية على مؤلفه - ﵀ - (١).
وإذا قارنا تلمذته على ابن القوطية الذى توفى سنة سبع وستين وثلاثمائة (٢)، وروايته كتابه عليه، واستشهاده
فى إحدى الغزوات بعد سنة أربعمائة هـ، وقدرته على الجهاد فى هذه الفترة، أمكننا أن نقول: إن مولده كان فيما حول سنة أربعين وثلاثمائة من الهجرة؛ لأن هذه البداية تصل بأبى عثمان عند وفاة شيخه إلى سن تسمح بتلمذة، وتمنح شهرة على الأقران من تلاميذ ابن القوطية، وتمكن من روايته كتاب شيخه عليه، وتصحيح تلك الرواية، وفى نفس الوقت تحتفظ لأبى عثمان بعد سنة أربعمائة هـ بقدرة تمكنه من المشاركة فى الجهاد، وجهاد عالم عامل قوى الإيمان، يتطوع للجهاد طمعا فى الاستشهاد، وهو فى الستين من عمره أمر كثير الحدوث.
٣ - نشأة السرقسطى
تقف المصادر التى ترجمت لأبى عثمان، والنصوص التى بين أيدينا عنه - كما قلنا - قاصرة عن تزويد الباحث بما يمكنه من التعريف بنشأة هذا العالم فى سهولة، وقصور المصادر لا يعنى العجز، ولا يعفى الباحث من تتبع الظروف التى أحاطت بتلك الشخصية، وتحليلها، والربط بين نتائجها من أجل استنتاج ما يمكن أن يقترب من درجة الحقائق عن تلك الشخصية، والبيئة العلمية التى عاش فيها أبو عثمان، والخيوط الرفيعة التى بين أيدينا عن تلمذته، وكتابه «الأفعال»، ثم شهادته مجاهدا فى سبيل الله، يمكن أن تكون منابع نستقى منها بعض معارف هذه النشأة.
_________________
(١) مقدمة أفعال أبى عثمان.
(٢) تاريخ ابن الفرضى ١ - ٣٧٠
[ ١ / ١٣ ]
وإذا كانت «قرطبة» قد حققت فى النصف الأول من القرن الرابع الهجرى على يد الخليفة الأموى «عبد الرحمن الناصر «٣٠٠: ٣٥٠ هـ» نوعا من الاستقرار السياسى، وحقق لها هذا الخليفة النصر فى الداخل والخارج (١)، وأقبلت على «قرطبة» وفود ملوك الروم وسائر الأمم خاضعة راغبة فى موادعته (٢)، فإنها فى النصف الثانى من هذا القرن قد حققت فى عهد الخليفة الحكم المستنصر وعهد الحاجب «المنصور بن أبى عامر - الذى تسمى بالحاجب - سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة هـ (٣)» نهضة علمية، وفكرية، ولغوية واسعة، وأصبحت جامعتها من أشهر جامعات العالم.
وكان يدرس الحديث فيها «أبو بكر بن معاوية القرشى»، وفيها أملى «أبو على القالى» - ضيف الأندلس - دروسه عن العرب قبل الإسلام، وكان «ابن القوطية» يدرس النحو.، وكان يدرس بقية العلوم أساتذة من أعلام العصر،
وكان الطلبة يعدون بالآلاف (٤).
وإذا كان «المعافرى» أشهر تلاميذ ابن القوطية» وكتاب الأفعال له بسط لكتاب شيخه بعد أن أفرد له عنايته، وجعل له حظا من نظره (٥) حتى خرج أكمل وأشمل كتب الأفعال التى بين أيدينا، وأوفاها نحوا، وصرفا، ولغة، وأدبا، ثم آثر التطوع والجهاد فى سبيل الله، وفضل ما عنده، فإنى أقول مرجحا: إن أبا عثمان سعيد بن محمد المعافرى القرطبى السرقسطى ولد فى «قرطبة» أو رحل إليها صغيرا مع أسرته من «سرقسطة» حيث مجالات العمل فى «قرطبة» متوافرة، وأنه نشأ، وشب فى «قرطبة» يتمتع بقدرات فطرية طيبة من الذكاء، وملكة الحفظ، وروح التدين، والقدرة على الاستيعاب، والتقى بهذه القدرات مع شيوخ
_________________
(١) تاريخ الأدب العربى فى الأندلس د - إحسان عباس ١٤
(٢) نفح الطييب ١ - ٣٤٣
(٣) الدولة الإسلامية فى الأندلس محمد عبد الله عنان ٢ - ٥٥٢
(٤) نفس المصدر ٢ - ٥١٧
(٥) مقدمة أفعال أبى عثمان.
[ ١ / ١٤ ]
عصره فى جامعة «قرطبة» ونهل من علومهم، وأنه اختص من بين هؤلاء العلماء أبا بكر بن القوطية، فلازمه، وقرأ عليه، واحتل مكان الصدارة بين طلبته، وتخرج عليه فى علوم اللغة، والنحو، والتصريف، كما تتلمذ على كتب مكتبة «قرطبة» التى جمع فيها الخليفة الحكم المستنصر ثروة زاخرة من الكتب فى مختلف فروع العلم والمعرفة، واتصل بالقرآن وعلومه، والحديث وشروحه، تدفعه إلى ذلك روح دينية تمكنت منه، فصرفته عن الدنيا، والبحث عن الشهرة فيها، وحببت إليه الآخرة، والعمل من أجل الفوز بها.
٤ - شيوخ أبى عثمان
نصت المصادر التى ترجمت له على تلمذته لأبى بكر محمد بن عمر بن القوطية.
وكان أبو بكر هذا رأسا فى اللغة والنحو، حافظا للأخبار وأيام الناس، فقيها محدثا، متقنا، كثير التصانيف، صاحب عبادة ونسك، روى عن سعيد بن جابر، وطاهر بن عبد العزيز وسمع بإشبيلية من محمد بن عبيد الزبيدى، وبقرطبة من أبى الوليد الأعرج، مدحه «أبو على القالى»: بأنه أنبل من رأى بقرطبة فى اللغة، وقد تخرج عليه كثير
من علماء الأندلس، وكان أبو عثمان المعافرى أشهر تلاميذه.
توفى - ﵀ - يوم الثلاثاء لسبع بقين من ربيع الأول سنة سبع وستين وثلاثمائة هـ (١).
وروى أبو عثمان فى كتابه عن شيخ من معاصريه هو:
أبو العلاء صاعد بن الحسن بن عيسى الربعى البغدادى اللغوى. صحب الفارسى والخطابى وروى عنهم، وكان متقدما فى علم اللغة، وكان أحضر الناس شاهدا، وأرواهم. لكلمة غريبة. دخل الأندلس سنة ثمانين وثلاثمائة، وأصبح من متقدمى ندامى المنصور بن أبى عامر توفى - ﵀ - بصقلية سنة سبع عشرة وأربعمائة هـ (٢).
_________________
(١) له ترجمة فى تاريخ علماء الأندلس ١ - ٣٧٠، ومعجم الأدباء ١٨ - ٢٧٢، وبغية الوعاه ١ - ١٩٨، وشذرات الذهب ١٣ - ٦٢، وطبقات المالكية ٩٩. وغيرها.
(٢) له ترجمة فى وفيات الأعيان ١ - ٢٢٩، ومعجم الأدباء ١١ - ٢٨١، ونفح الطيب ٢ - ٨٦، والمعجب ١٩
[ ١ / ١٥ ]
وقد نقل «أبو عثمان» عن «أبى العلاء» مصرحا بالرواية عنه فى سبعة أفعال من كتابه هى: أدا - أشر - أتم - أرم - ألق - هرّ - هبص.
ومع من التقى بهم «أبو عثمان سعيد المعافرى» من الشيوخ، وأخذ عنهم من العلماء يظل «أبو بكر بن القوطية» شيخه الأول، وصاحب الفضل الأكبر فى إذكاء نبوغه، وتخريجه عالما فى اللغة، والتصريف، والنحو، وأغلب الظن أن «أبا عثمان» ظل وفيا لشيخه، ملازما له، آخذا عنه حتى توفى الشيخ - ﵀ -، وأن أفعال «ابن القوطية» كانت الدافع الأول الذى دفع أبا عثمان» لتأليف أثره الوحيد الباقى بين أيدينا، والذى كان سببا فى كشف شخصيته، ونشر أثره.
٥ - مذهبه النحوى
إن الحركة اللغوية والنحوية التى عاش «أبو عثمان» فى كنفها، وتتلمذ على شيوخها وتخرج فيها جاءت ثمرة عدة عوامل، فى مقدمتها:
رحلة علماء من الأندلس إلى المشرق العربى، التقوا فيه بالعلماء المشارقة المتقدمين من بصريين وكوفيين، وتتلمذوا عليهم، ورووا عنهم، وتخرجوا على أيديهم، وعادوا إلى الأندلس يحملون علم البصريين، وعلم الكوفيين، وعلم من أخذ عن المدرستين، وجمع بين المذهبين، رواية ومؤلفات، وعلى هذا العلم تخرج النحاة واللغويون فى
الأندلس.
وإذا رجعنا إلى كتاب «أبى عثمان» وجدنا أنه روى عن شيوخ المدرستين، روى عن أبى زيد، والأصمعى، وابن دريد، وأبى حاتم من شيوخ البصريين، وروى عن ابن الأعرابى، وابن السكيت، وأبى عبيد من شيوخ الكوفيين، وروى عن غير هؤلاء من الفريقين، وأنه لم يرض لنفسه أن يكون أسير مذهب بعينه، أو يتعصب لقول، وإنما يأخذ عن المتقدمين، ويروى لكثير منهم، وينتصر للمحسن بعد أن يمحص ما روى عنه، ويتثبت من أنه الصواب. ولا عجب فى هذا فتلك خطة التآليف فى ذلك العصر الذى نضجت فيه العلوم وتحددت المذاهب.
[ ١ / ١٦ ]
٦ - شخصية أبى عثمان العلمية
لم يظفر «أبو عثمان المعافرى» بما يستحق من اهتمام العلماء الذين ألفوا فى التراجم من المشارقة والمغاربة على السواء، قريبين من عصره، أو متأخرين، حتى علماء الأندلس الذين عاصروه، وتتلمذوا على «أبى بكر بن القوطية» شيخ أبى عثمان مثل أبى الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف بن الفرضى صاحب تاريخ علماء الأندلس، ولم يكن «أبو عثمان» بدعا فى ذلك، بل كان هذا نصيب كثير من العلماء، وبخاصة علماء الأندلس، يقول «بروكلمان» عن علماء مصر، واليمن، والأندلس «والترجمة لهؤلاء العلماء محدودة فى كتب التراجم، فبينما نرى أن علماء البلاد الأخرى احتلت أسماؤهم الكثير من صفحات كتب التراجم أو معظمها، إذ بنا نرى أن علماء مصر، واليمن، والأندلس لم ترد تراجمهم إلا فى كتب قلة من كتب التراجم، وبعضهم لم يذكر فى شئ منها (١).
وإذا عزت النصوص المكتوبة التى تفيد فى تأكيد مكانة هذا العالم، فإن كتاب الأفعال - بما حوى من ثروة لغوية، ونحوية، وصرفية، وأدبية، ودراية بالقراءات، ونقول غير محدودة عن العلماء المتقدمين، ودقة تامة فى نسبة ما رواه عنهم، وإثبات كل هذا بشواهد من الشعر، والرجز، والقرآن، والحديث، والأمثال، وأقوال الأعراب يقف بنا أمام عالم يتميز فى إنتاجه العلمى بسمات من أبرزها:
- الصبر والأناة والاستقراء لآراء العلماء حول المعنى الواحد.
- تتبع آراء العالم فى أكثر من موضع وأكثر من كتاب.
- عرض الآراء، وتمحيصها، ونقدها إن كان للنقد مكان.
- الاستيثاق التام فى نقل الآراء ونسبة الرواية والاستشهاد إذا أدى ترك النّص إلى اللبس.
- ثقافة، وسعة معارف، وثروة من الفوائد التى يحفل بها الكتاب.
_________________
(١) بروكلمان الترجمة العربية ٣ - ٢٧٤
[ ١ / ١٧ ]
- عالم أديب ذواقة لا يقف عند البيت الذى يورده لإثبات القاعدة وإنما يروى المقطوعة الشعرية، والنادرة الطريفة التى تربى ذوقا، وتكسب تجربة.
- ثقافة دينية، ودراية واسعة بعلوم القرآن والحديث.
- أمانة علمية فائقة، ودقة تامة فى نسبة الأقوال لمن تقدم من العلماء.
٧ - وفاته
لا نعرف على وجه التحديد تاريخ وفاة «أبى عثمان»، وتجمع الروايات التى بين أيدينا على أنه توفى بعد الأربعمائة، شهيدا فى إحدى الوقائع.
يقول «ابن بشكوال» (١) فى الصّلة: «وتوفى بعد الأربعمائة شهيدا فى إحدى الوقائع.
ونقل السيوطى فى البغية (٢) عبارة ابن بشكوال».
ويقول «بروكلمان»: قتل فى إحدى الغزوات بعد سنة أربعمائة هـ ألف وعشر بعد الميلاد (٣).
وإذا رجعنا إلى المصادر التاريخية للتعرف على الظروف التى مرت بها «قرطبة» مع خاتم المائة الرابعة، والسنوات التى تلتها، وحاولنا الاعتماد على هذه الظروف فى الاقتراب من تحديد تاريخ الوفاة على وجه التقريب وجدنا أن «قرطبة» عاشت فى حالة صراع عنيف حول الخلافة، وفتن ضارية عصفت بحضارتها، وشردت الكثير من أبنائها (٤)، وعرفنا أن المسلمين شغلوا فى هذه الفترة عن الغزو الخارجى بالفتن الداخلية، ورجحنا أن «ابن الحداد السرقسطى» قد استشهد فى إحدى هذه الفتن وبخاصة فتن سنة أربعمائة، أو فتن سنة ثلاث وأربعمائة، وهو يدافع عن «قرطبة»، وعن حق الخليفة الذى آمن بأنّه صاحب الحق فى الخلافة من بين المطالبين.
_________________
(١) الصلة ١ - ٢١٤
(٢) بغية الوعاة ١ - ٥٨٩
(٣) بروكلمان الترجمة العربية ٣ - ٢٨١
(٤) انظر تاريخ ابن خلدون ٤ - ٣٢٦، ونفح الطيب ١ - ٤٠٤، والكامل لابن الأثير ٧ - ٢٨٥
[ ١ / ١٨ ]
٨ - مؤلفاته
لم تحتفظ المكتبة العربية لأبى عثمان إلا بكتاب الأفعال، ولم أقف - على كثرة ما رجعت إليه من التراجم، والفهارس، والتواريخ، وكتب الطبقات - على آثار أخرى له.
والسؤال الذى يفرض نفسه.
أوقف تأليف «أبى عثمان» عند هذا الكتاب؟ أم أن لهذا العالم تواليف أخرى غير أنها لم تصل إلينا بعد؟
الاحتمال الأول يقول: إن كتاب الأفعال كتابه الوحيد؛ لأن الذين ترجموا له لم يذكروا له كتبا أخرى، ولو كانت له كتب أخرى لذكروها.
وأن «أبا عثمان» لم يحل فى كتاب الأفعال إلى كتب أخرى له شأن كثير من المؤلفين الذين نعرف كثيرا من ثبت كتبهم من خلال تواليفهم.
الاحتمال الثانى يقول: إن لأبى عثمان كتبا أخرى، وأنها لم تصل إلينا بعد؛ لأن الذين ترجموا له قلة من العلماء، ومصدرها الذى استقت منه واحد.
وأن كتب «أبى عثمان» لم تقرأ عليه، وتروعنه لانصرافه إلى الجهاد، وأن من صار إليه مؤلف منها ضنّ به لنفاسته. يرجح هذا أن أبا بكر محمد بن خير الأموى الإشبيلىّ من علماء القرن السادس، وأحد المصادر المبكرة الذى ترك فهرسة بالدواوين والكتب التى رواها عن شيوخه دقق فى سند رواية كل مؤلف حتى وصل به إلى مؤلفه غير كتب قليلة انقطعت سلسلة روايتها قبل مؤلفها، وأحدها أفعال أبى عثمان، وأن كتاب الأفعال مع غزارة مادته العلمية، ومع أنه أوفى كتب الأفعال التى ظهرت - حتى الآن - لم يظفر بما يستحق من اهتمام.
[ ١ / ١٩ ]
وأشعر أن لأبى عثمان كتبا أخرى غير الأفعال إلا أنها قليلة، ويقوم هذا الشعور على مسوغات منها:
أن كتاب الأفعال لأبى عثمان مع قيمته العلمية فى موضوعه قد أغفله كثير من أصحاب التراجم، وأغفلوا صاحبه، واقتصروا على ذكر «ابن القوطية» و«ابن القطاع (١)».
وأن الفتنة الكبرى التى حلت بقرطبة سنة أربعمائة هجرية على يد البربر ألحقت دمارا، كبيرا بمكتبة «قرطبة» ودورها، وربما فقدت كتب أبى عثمان فيما فقد (٢). وأن استشهاد «أبى عثمان» فى إحدى الوقائع كان عاملا من عوامل تعرض كتبه للضياع.
وأن هذه العقلية المستوعبة لآثار الفكر المتشعبة من معرفة بالأحكام، وإتقان للتراث الأدبى واللغوى، ومعرفة
غير يسيرة بأخبار الرجال، وطبقات العلماء والرواة، والمادة العلمية المتنوعة التى يفيض بها أثره الموجود الذى وصل إليها، كلها شواهد تدل على أن ثقافة هذا الرجل لم تكن محدودة بحدود اللغة وتصريفها، وربما كان للرجل آثار أخرى فى هذا الموضوع وفى غيره «٢» من الحقول الثقافية التى رأينا شواهد منها، ولعل الأيام تصدق ذلك، وتظهر آثارا أخرى من آثاره فتنصف عالما جديرا بالإنصاف، وتزوّد المكتبة العربية بأثر آخر من آثار عالم عظيم.
_________________
(١) انظر معجم الأدباء ١٨ - ٢٨٢، وفيات الأعيان الترجمة ٦٢٢، نفح الطيب المقرى ٤ - ٧٤ شذرات الذهب ٢ - ٦٢
(٢) انظر الدولة الإسلامية فى الأندلس ٢ - ٥٠٩
[ ١ / ٢٠ ]
(ج) التعريف بالكتاب
١ - اسم الكتاب
من الأمور التى لا يجد محقق كتاب ما مناصا من الوقوف عندها وتحقيقها اسم الكتاب موضوع التحقيق، وأفعال أبى عثمان قد ذكره كل من ترجم لصاحبه إلا أنهم لم يتفقوا على تسمية واحدة، فقد ذكره محمد ابن خير - ﵀ - فى كتابه فهرسة ما رواه عن شيوخه من الدواوين المصنفة فى ضروب العلم، وأنواع المعرفة باسم.
«كتاب الأفعال»
تأليف أبى عثمان سعيد بن محمد المعافرى اللغوى، ويعرف بابن الحداد. (١)
وبهذا الاسم ذكره «ابن بشكوال» - ﵀ - فى ترجمة «أبى عثمان»، فقال:
وهو الذى بسط كتابه - يعنى كتاب ابن القوطية - فى الأفعال وزاد فيه (٢)، وقال مثل ذلك السيوطى فى بغية الوعاة (٣)، وذكره بهذا الاسم كذلك أحمد فارس الشدياق بين المراجع التى اعتمدها فقال: وقال «أبو عثمان القرطبى» فى كتاب الأفعال (٤)، وقال فى موضع آخر: «وفى كتاب الأفعال لأبى عثمان سعيد بن محمد المعافرى القرطبى (٥)»
_________________
(١) فهرسة ابن خير ٣٥٦ ط إسبانيا ١٨٩٣ م.
(٢) الصلة ١ - ٢١٤
(٣) بغية الوعاة ١ - ٥٨٩
(٤) الجاسوس على القاموس ٦٣
(٥) نفس المصدر ١٨١
[ ١ / ٢١ ]
وذكره حاجى خليفة بين كتب الأفعال (١).
وذكره «بروكلمان» باسم الأفعال وتصاريفها (٢)، ولا نستطيع أن نجزم بأن «بروكلمان» يقصد بأن اسم الكتاب ما ذكره، وإنما يشير إلى موضوعه.
وذكر الكتاب باسم الأفعال فى النسختين اللتين استطعنا العثور عليهما منه، وقد اعتمدت تسمية الكتاب:
«الأفعال»
لذلك الإجماع الذى أجمع عليه كل الذين عرضوا للكلام عن المؤلف وذكر كتبه، أو نقلوا عنه، ولأن الاسم يتفق مع موضوع الكتاب، وأن صاحبه ذكر هذا الاسم صريحا فى خطبة كتابه (٣).
أقول لكل هذا اعتمدت اسم «الأفعال»
٢ - تاريخ تأليفه
ليس فى الكتاب ما يدل على تحديد زمن تأليفه بداية ونهاية، وليست هنالك قرينة تساعد على هذا التحديد كإحالة المؤلف فيه إلى كتب أخرى، إلا أن المؤلف ذكر صراحة، وجاء فى كتابه ضمنا ما قد يساعد فى تحديد فترة زمنية تم فيها تأليف هذا الكتاب.
قال المؤلف فى مقدمة «كتابه» أفردت له - أى لكتاب شيخه - عنايتى، وجعلت له حظا من نظرى بعد تصحيح روايتى إياه على مؤلفه - ﵀ (٤) -».
_________________
(١) كشف الظنون ١ - ١٣٣
(٢) «بروكلمان» الترجمة العربية ٣ - ٢٨١
(٣) مقدمة كتاب الأفعال
(٤) مقدمة أبى عثمان.
[ ١ / ٢٢ ]
هذا النص فى خطبة الكتاب يؤكد أن «أبا عثمان» ألف كتابه بعد وفاة شيخه الذى توفى سنة سبع وستين وثلاثمائة هـ.
وقال فى موضع آخر: «وكان الذى دعانا إلى هذا الكتاب ما علمته من الحاجب المنصور بن أبى عامر (١) - وفقه الله -
وهذا النص يؤكد أنه ألف الكتاب فى زمن حجابة المنصور بن أبى عامر، وقد تسمى المنصور بالحاجب سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة (٢) هـ.
وروى أبو عثمان فى باب الهمزة وباب العين، وهما أول بابين فى كتابه عن أبى العلاء صاعد بن الحسن بن عيسى الربعى البغدادى، وقد وفد أبو العلاء هذا إلى الأندلس سنة ثمانين وثلاثمائة من الهجرة (٣).
وإذا علمنا أن أبا عثمان بدأ فى تأليف كتابه بعد وفاة شيخه الذى توفى سنة (٣٦٧ هـ) وأنه ألفه للحاجب المنصور الذى تسمى بالحاجب سنة (٣٧١ هـ) وأنه روى فى أول بابين منه عن أبى العلاء صاعد الذى وفد إلى الأندلس سنة (٣٨٠ هـ).
وعلمنا كذلك أن المنصور بن أبى عامر توفى سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة هـ.
وهو قافل من إحدى غزواته، أمكن أن نقول: إنّ «أبا عثمان» ألف كتابه فى الفترة ما بين سنة ثمانين وثلاثمائة، وتسعين وثلاثمائة، أى: بعد قدوم أبى العلاء صاعد الأندلس، وقبل وفاة المنصور أبى عامر محمد بن أبى عامر - ﵀ -.
٣ - دوافع تأليفه
وحدد أبو عثمان نفسه فى خطبة كتابه دوافع التأليف، وتبين لنا مما ذكره أن هناك دوافع أربعة وراء التأليف:
_________________
(١) مقدمة أبى عثمان.
(٢) تاريخ ابن خلدون ٤ - ١٤٧، نفح الطيب ١ - ٢٥٩
(٣) المعجب فى تلخيص أخبار المغرب ٧٦
[ ١ / ٢٣ ]
دافعا أخلاقيا: يتمثل فى وفائه لشيخه، وإخلاصه له، ورغبته الصادقة فى استكمال عمله فى كتاب الأفعال، وشرح مختصره، وبسط تفسيره.
ودافعا علميا: يتمثل فى إيمان المؤلف بقيمة العلم بعامة، وإدراكه شرف البحث فى لغة العرب، وآدابها، وطرائفها، وإحكام قياس إعرابها، وتثقيف أفعالها بخاصة.
ودافعا تعليميا: يتمثل فى رغبة «المعافرى» فى تبسيط الكتاب للطالب، وتيسيره على الدارس، والوصول به إلى درجة من الكمال حتى يجد فيه كل راغب حاجته ومأربه.
ودافعا ذاتيا: يتمثل فى رغبة المؤلف فى كسب رضا الحاجب المنصور أبى عامر محمد ابن أبى عامر، والتقرب له، واستحقاق مكان التّجلة عنده، والزلفى لديه، إذ عرف حرصه على العلم، واقتناصه لفرائده، وعنايته بموارده.
٤ - موضوع الكتاب
يبحث «أبو عثمان» فى كتابه أفعال العربية ومعرفة إحكام تثقيفها، وقياس تصاريفها، ويبين الصحيح منها والمعتل، وأقل أصول الفعل. والمجرد والمزيد، وأبواب الزيادة وأبنية الأفعال الثلاثية، والمتعدى منها واللازم، وأبواب الماضى مع المستقبل، ومصادر الفعل الثلاثى، والمصدر الميمى، وأسماء الفاعلين والمفعولين، والصفات (١)، ويقدم محاولة طيبة فى حصر أفعال العربية، والتعريف بأبنيتها، ودلالتها، ويؤيد كل ذلك بما نقله عن ثقات العلماء، وفصحاء الأعراب، وما أثبته من شواهد (٢)، ويوضح أهمية الحاجة إلى دراسة الأفعال، ويطمئنّ إلى أنه ذكر كل ما يحتاج إليه الناظر فى الأفعال (٣).
_________________
(١) انظر باب علم الأفعال وتلخيص أبنيتها وقياس تصرفها ١/ ٥٥.
(٢) انظر أبواب الكتاب.
(٣) انظر باب علم الأفعال ١/ ٥٥.
[ ١ / ٢٤ ]
٥ - مادة الكتاب وطريقة عرضها
يحتوى كتاب المعافرى على قسمين رئيسين هما:
(أ) مقدمة الكتاب.
(ب) صلبه.
وقد صدّر «أبو عثمان» كتابه بمقدمة بدأها بخطبة بين فيها فضل العلم، وقيمته.
وأهمية علوم العربية بعامة والأفعال بخاصة، وحاجة بقية العلوم إليها، وأظهر إعجابه بكتاب شيخه واهتمامه به، ودوافعه لتأليف كتابه، والخطوط العريضه لخطته فى دراسة هذا الكتاب.
وذيّل الخطبة بباب خاص بعلم الأفعال، وتلخيص أبنيتها، وقياس تصريفها، أوجز فيه ما يحتاج إليه الناظر فى الأفعال، وقدم فى صلب كتابه المادة العلمية:
وقد جمع فى الكتاب أكبر قدر من الأفعال، وكان أساس مادته كتاب «ابن القوطية» وأقوال ومؤلفات العلماء الثقات من المتقدمين، والتزم ذكر الأبنية، ومعانى الأفعال، ومصادرها، وما يقتضى الحال ذكره من خواص الصيغ، والصفات، والجموع.، واهتم كثيرا بذكر لغات القبائل، والظواهر الأدبية، واللغوية، والنحوية، والتصريفية، والاشتقاقية، والعروضية، وأيد كل ما أتى بشواهد من الشعر - قصيده ورجزه - والقرآن، والحديث، والأمثال، وكلام العرب، وظفرت المقطوعات الأدبية والروايات الشعرية بنصيب كبير من شواهده.
التبويب
١ - رتب «أبو عثمان» كتابه على مخارج الحروف على النحو الذى اختاره «سيبويه» وجاء على الوجه الآتى:
[ ١ / ٢٥ ]
٢ - وجعل تحت كل حرف من هذه الحروف أربعة أقسام استقامت له فى كل الحروف، وقدمها على الترتيب الآتى:
- الثلاثى على فعل وأفعل باتفاق معنى
- الثلاثى على فعل وأفعل باختلاف معنى.
- الثلاثى المفرد.
- الرباعى المفرد وما جاوزه بالزيادة مما لم يستعمل ثلاثيه فى معناه.
ولم يضطرب عليه هذا التقسيم إلا فى حرف الخاء. إذ أضاف فيه قسما خامسا، هو الخماسى (١).
٣ - وجعل تحت كل قسم من أقسام الثلاثى تقسيما آخر استقام له فى أكثر الحروف وقدمه على الوجه الآتى:
- المضاعف.
- الثلاثى الصحيح.
- الثلاثى المهموز.
- الثلاثى المعتل.
واستقام له هذا التقسيم، وما تخلف منه، إنما تخلف لعدم وجود أفعال تمثله فى الحرف الذى وقع تخلف القسم فيه (٢).
٤ - وجعل تحت كل قسم من أقسام الثلاثى السابقة أبوابا وفقا للصيغ المختلفة، والتزم فيها الترتيب الآتى:
فعل - بفتح العين -، فعل وفعل - بفتح العين وكسرها -، فعل وفعل - بفتح العين وضمها - فعل وفعل وفعل - بفتح
العين وكسرها وضمها -، فعل وفعل - بضم
_________________
(١) يمكن اعتبار كل قسم من هذه الأقسام بابا داخل الحرف.
(٢) يمكن اعتبار كل قسم من هذه الأقسام فصلا داخل التقسيم الذى انبثق منه.
[ ١ / ٢٦ ]
العين وكسرها، فعل - بضم العين -، فعل - بكسر العين - ولم يشذ عن هذا الترتيب إلا ما وقع سهوا، وهو نادر، وما تخلف من ذلك، إنما تخلف لعدم وجود أفعال تمثله فى الحرف، وقد سمى المؤلف هذا المستوى بابا، وذيل كثيرا منها بإضافاته التى استدركها على شيخه، وقدم لهذه الإضافات بالعبارة أو قريب منها: «ومما لم يرد منه شئ من هذا الباب فى الكتاب» (١).
٥ - وجعل الرباعى المفرد وما جاوزه بالزيادة مما لم يستعمل منه ثلاثى فى معناه أبوابا على حسب الصيغ، وقدمها فى كل حرف على النحو الآتى غالبا:
أفعل - فعلل - تفعلل - فعّل - تفعّل - افعللّ - افعنلل - افعوعل - فعول - فيعل - استفعل - انفعل - افتعل - فاعل - فوعل - تفوعل - تفاعل - افعنلى - افوعّل.
غير أنه لم يلتزم هذا الترتيب فى كل الحروف، بل قدم وأخر، وجاءت كلها فى حروف، وسقط بعضها فى حروف لعدم وقوفه على أفعال تمثل الصيغ التى لم ترد وجعل كل صيغة من هذه الصيغ أصلا أورد تحته ما جاء منه:
مكررا - أو مهموزا - أو معتلا
٦ - صنعة أبى عثمان فى كتابه ومنهجه
حدد «أبو عثمان» فى مقدمة كتابه الدور الذى قام به «ابن القوطية» فى كتابه «الأفعال» وحاجة هذا الكتاب إلى إعادة نظر ودراسة، كما حدد فيها السمات البارزة لمعالم شخصيته فى كتابه، وصنيعه فى هذا الكتاب، يقول: إن ابن القوطية قصد فى كتابه مقصد الغاية فى الاختصار، ولهذا تعسر على الطالب، وصعب على الدارس إلا من أعمل فيه الفكرة مع كل لفظ، وأتعب نفسه بالرجوع إلى الأصل الأول.
_________________
(١) يمكن اعتبار كل قسم من أقسام هذا المستوى بناء أو صيغة داخل التقسيم الذى أخذ منه.
[ ١ / ٢٧ ]
ويقول: كان غرض «ابن القوطية» فى كتابه «فعلت وأفعلت» خاصة، وترك ما جاوز ذلك من الأفعال الرباعية الأصلية، وما جاوزها بالزيادة.
ويقول فى شرح دوره، وبيان جهده فى الكتاب: «فتلافيت ما اختل منه بإلحاقه وترداد ذكره، وبسط تفسيره، وألحقت فيه الأفعال التى ترك ذكرها من الرباعية، وما جاوزها بالزيادة.
وألحقت فى كل باب منه ما لم يذكره إذ الإحاطة ممتنعة على البشر.
ولخصت ما وقع منها فى غير موضعه بنقله إلى الموضع الذى هو أحق به؛ ليخف على الدارس، ويسهل فيه وجدان لفظه على الطالب، وليكون الكتاب كاملا مقتضيا للمعنى الذى قصد به إليه.
وهكذا تعكس لنا شخصية «أبى عثمان» نفسها إلى جانب وفائه لشيخه، وإعجابه به، وإخلاصه له، واعترافه بفضله فى أربعة ملامح هى:
(ا) بسط الكتاب، وتفسير معانيه، وإعادة الفعل مع كل معنى، وذكر ما يرتبط به وبتصاريفه من فوائد نحوية، وصرفية، ولغوية، وغيرها، واستشهاد لكل ما يأتى به، وتذييل إضافته بلفظة «رجع» منبها إلى انتهاء إضافته، ومؤذنا برجوعه إلى كلام شيخه.
(ب) تدارك ما أهمله ابن القوطية فى كتابه، وإلحاق كل باب بما ندّ عن شيخه من أفعال هذا الباب.
(ج) عرض الأفعال الرباعية الصحيحة، وما جاوزها بالزيادة، وهى من الأبواب الجديدة التى اختص بها أبو عثمان.
(د) نقل ما ذكره ابن القوطية من أفعال فى غير موضعها إلى الموضع الذى ينبغى أن تكون فيه.
والواقع أن «أبا عثمان» قد وفىّ فى كتابه بما ألزم به نفسه إلى حد بعيد.
[ ١ / ٢٨ ]
٧ - قيمة الكتاب
عنى بكتاب الأفعال لابن القوطية من بين من عنى به عالمان كبيران: أحدهما «أبو عثمان السرقسطى» الذى نخرج كتابه محققا للمرة الأولى، والثانى عالم من علماء الأندلس كذلك جاء بعد «أبى عثمان»، وقد درس كل من العالمين كتاب الأفعال لابن القوطية، وهذباه، وتلافيا ما اختل على صاحبه فيه، ولا نعرف من كتب الأفعال التى استقلت بدراستها كتبا تحتفظ بها المكتبة العربية غير هذه الكتب الثلاثة، وقد طبع كتاب ابن القوطية مرة فى «ليدن» سنة (١٨٩٤ م) وأخرى فى القاهرة سنة (١٩٥٢ م)
وطبع كتاب ابن القطاع فى «حيدراباد» سنة (١٣٦٠ هـ).
وقد تبين لنا من الموازنة بين هذه الكتب الثلاثة أن كتاب أبى عثمان المعافرى، وكتاب ابن القطاع أوسع وأشمل كتابين تحتفظ بهما المكتبة العربية فى الأفعال.
وأن كتاب «أبى عثمان» أوفى وأكمل كتاب فى الأفعال يقدم حتى الآن إلى مكتبتنا العربية، فقد بسط فيه كتاب ابن القوطية، وتلافى ما اختل منه، وألحق فيه ما ترك، ونقل كل فعل إلى حيث يجب أن يكون، ونسب كل قول إلى قائله، وكل رواية إلى صاحبها، وانفرد بما لا يحصى من شواهد الشعر قصيده ورجزه، والقرآن الكريم، والحديث، والأمثال، وفصيح الكلام العربى، وفسر الغريب، وشرح المعمّى، وحدد القراءات، وعنى بشروح الحديث، وروى مضرب الأمثال، والطرف والنوادر، وأغنى كتابه بالظواهر الأدبية، والفوائد اللغوية، والنحوية، والصرفية، والعروضية، والاشتقاقية، واهتم بذكر أيام العرب، ولغات قبائلها، واللغات الدخيلة عليها. كما تبين لنا أن «أبا عثمان سعيد بن محمد المعافرى القرطبى ثم السرقسطى المعروف بابن الحداد» كان - ﵀ - عالما، حافظا، إماما فى اللغة، والنحو، والتصريف، والأدب وعلوم القرآن والحديث.
[ ١ / ٢٩ ]
٨ - نسخ الكتاب
وصل إلينا بعد طول البحث، ومداومة التنقيب، وبذل جهد الطاقة فى مراجعة فهارس الكتب والمكتبات نسختان من أفعال أبى عثمان.
النسخة الأولى
نسخة مصورة عن النسخة المخطوطة المحفوظة بمكتبة «مراد ملّا» تحت رقم ١٧٦٣، وهى نسخة نفيسة تقع فى مائتى لوحة ولوحة، كل لوحة من صفحتين متقابلتين فى حجم ٢٢ * ٣٠ سم، ومسطرتها سبعة وعشرون سطرا، متوسط كلمات السطر ثلاث وعشرون كلمة.
والنسخة مكتوبة بخط نسخ دقيق كل الدقة، وتمتاز بحسن الخط، وتناسق السطور، وقد أهمل الناسخ نظام التعقيبة فى ذيل الصفحات.
والنسخة مقسمة إلى عشرين كراسة كل كراسة عشر لوحات، ما عدا الكراسة الرابعة عشرة، فإنها تقع فى اثنتى عشرة لوحة، والكراسة العشرين فإنها تقع فى تسع لوحات، والنسخة مكتوبة بالمداد الأسود، وكتبت الأبواب والفصول والأفعال بنفس المداد، إلا أنها بخط أكثر وضوحا، وجاءت الأفعال فى صلب الصفحات.
وعلى حواشى النسخة تعليقات لعدد من العلماء، بعضها استقلت به، وبعضها جاء فى النسختين، وبخاصة تعليقات النصف الثانى من هذه النسخة، وكأن هذه الحواشى المشتركة من نسخة أبى عثمان - ﵀ - وقد ذيلت الحواشى بلفظة «حاشية» حتى لا تلتبس بالأصل.
وقد تدارك الناسخ بعض ما ندّ عنه فكتبه فى الحواشى، وذيله بلفظة «صح» ليفرق بينه وبين الحواشى.
[ ١ / ٣٠ ]
وقد تأثرت أجزاء من صفحاتها بالرطوبة والبلة وظهر أثر ذلك فى مدادها وكتابتها.
وطمس بعض عباراتها مما جعل تبين هذه الأجزاء صعبا وبخاصة فى المصورة، وكتب فى أعلى اللوحة الأولى منها:
الأفعال
لأبى عثمان سعيد بن محمد المعافرى القرطبى ثم السرقسطى المنبوز بالحمار، والنسخة تامة بدأت اللوحة الثانية بخطبة المؤلف، وأولها:
بسم الله الرحمن الرحيم، وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. الحمد لله بجميع محامده، وصلّى الله على محمّد خاتم أنبيائه، وأمينه على وحيه، وسلم تسليما.
ثم أما بعد حمد الله، والصلاة على نبيه فإنى رأيت
وكتب فى آخر لوحة منها: «تم الكتاب بأسره والحمد لله على ذلك كثيرا كما هو أهله، وصلّى الله على سيدنا محمد الذى ظهر فضله، وكان الفراغ من تعليقه غرة ربيع الآخر من سنة ست عشرة وستمائة.
ونقل الناسخ بخطه ترتيب حروف هذا الكتاب على النحو الذى أورده المؤلف.
وليس فى النسخة ما يحدد اسم الناسخ، وعلى النسخة عدة تمليكات وما صححته ممن يملكها: درويش حشمت المولوى
وعلى الورقة الأولى والأخيرة ختم الواقف وعبارته:
«وقف هذا الكتاب داماد زاده محمد مراد وفق الله خيره للعباد»
وقد رمزت لهذه النسخة بالرمز (أ) واعتبرتها أصلا. لأن الفروق بين النسختين محدودة، ولأنها أقدم كتابة، ولأن بالنسخة الثانية سقطا يعدل ثلاث لوحات.
[ ١ / ٣١ ]
النسخة الثانية
نسخة مصورة عن مخطوطة مكتبة «كوپريلى» تحت رقم ١٥١٨، وهى نسخة نفيسة تقع فى إحدى وسبعين وتسعمائة لوحة فى حجم ١٨ * ٢٤ سم، ومسطرتها واحد وعشرون سطرا، ومتوسط كلمات السطر إحدى عشرة كلمة، والنسخة مكتوبة بخط نسخ نفيس مع جودة تنسيق، والتزم الناسخ نظام التعقيبة فى ذيل كل صفحة يمنى.، وكتابتها بالمداد الأسود، وماز الناسخ الأبواب والفصول بوضوح الخط، وكتبت الأفعال على حواشى النسخة، وهى مقسمة إلى جزءين رئيسين:
الجزء الأول يقع فى أربعمائة وتسع وثمانين لوحة، وينتهى بنهاية حرف اللام.
وكتب فى ظهر أعلى اللوحة الأولى من هذا الجزء:
الجزء الأول من كتاب الأفعال
لأبى عثمان سعيد بن محمد المعافرى القرطبى ثم السرقسطى المنبوز بالحمار ﵀، وعفا عنه، ونفع به.
وبدأت اللوحة الثانية بمقدمة الكتاب وأولها:
بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم يسّر برحمتك. الحمد لله بجميع محامده، وصلى الله على محمد خاتم أنبيائه، وأمينه على وحيه، وسلم تسليما، ثم أما بعد حمد الله والصلاة على نبيه
وليس بين مقدمة النسختين من فروق غير تلك الفروق اليسيرة التى تقع بين النسخ من فعل النقلة. وكتب فى آخر لوحة من هذا الجزء:
انتهى حرف اللام بحمد الله وعونه
وهو آخر الجزء الأول ويتلوه فى الثانى «الراء».
[ ١ / ٣٢ ]
فعل وأفعل بمعنى
المضاعف.
والحمد لله وصلواته على محمد وآله وصحبه كتبه: يحيى بن المطرز الحنفى حامدا لله وشاكرا بدمشق المحروس فى سنة سبعين وستمائة بعون الله.
وإلى جانب هذا التذييل توجد صورة مقابلة، وما أمكن صحة قراءته منها «قوبل بالأصل المنسوخ منه بدمشق من (١) السلطان الملك (٢) مع المولى المالك علاء الدين الخوارزمى نفع الله به ونفع
الجزء الثانى
ويقع فى اثنتين وثمانين وأربعمائة لوحة، وكتب فى أعلى اللوحة الأولى منه:
الجزء الثانى من كتاب الأفعال لأبى عثمان سعيد بن محمد المعافرى القرطبى ثم السرقسطى المنبوز بالحمار - ﵀ -.
وكتب فى أعلى اللوحة الثانية:
بسم الله الرحمن الرحيم اللهم يسر برحمتك
الراء فعل وأفعل بمعنى
لضاعف:
وذيلت اللوحة الأخيرة بقول الناسخ:
تم الكتاب فى مستهل شهر الله الأصب رجب سنة سبعين وستمائة، كتبه أضعف خلق الله تعالى وأفقرهم إلى رحمته يحيى بن المطرز الحنفى غفر الله له، ولمن استكتبه، ولجميع المسلمين، والحمد لله حق حمده، وصلواته على محمد وآله وصحبه.
_________________
(١) لعلها من أصل.
(٢) لعلها: الملك الناصر.
[ ١ / ٣٣ ]
وإلى جانب هذا التقسيم نجد أنها مقسمة إلى اثنين وأربعين جزءا أشار الناسخ فى أكثر من موضع إلى أن هذه التجزئة هى تجزئة أبى عثمان، من ذلك:
«تم بعون الله وحمده الرابع عشر من تجزئة أبى عثمان.
والنسخة تامة، ومقابلة غاية فى الدقة على الأصل الذى نسخت منه والراجح أن أصل الملك الناصر منقول عن نسخة المصنف، إن لم يكن هو نسخة المصنف نفسها إذ نص المعارض على ذلك ومن نصوصه:
«بلغ مقابلة بأصل الملك الناصر وهى الأم الكبيرة»
وعلى النسخة عدة حواش لجماعة من العلماء، كما أن بها حواشى منقولة عن حواش بالأصل. جاء فى حرف الواو:
قال ابن السكيت، يقال هذه نخلة موقر وموقرة «حاشية بالأصل» وبالنسخة آثار رطوبة أخفت أجزاء من صفحاتها فى المصورة، كما أن بها خرما يعدل ثلاث لوحات متفرقة هى اللوحات:
٣٣٧ - ٤٦٨ - ٤٨٨ من الجزء الأول
والراجح أن علاء الدين الخوارزمى الذى تمت معه المقابلة هو الذى أمر الناسخ بكتابة هذه النسخة، وعليها عدة
تمليكات، وما أمكن صحة قراءته منها:
محمد بن عبد العزيز المعروف بابن الشامية الاسكندرى.
خليل بن أيبك الصفدى.
عبد الباقى بن موسى أبو البركات المشتهر بقره موسى.
عبد الباقى بن عبد العزيز الشهير بشيخ زاده.
[ ١ / ٣٤ ]
أبو الفتح السبكى
وغيرهم
كما أن عليها فى أكثر من موضع ختم الواقف، وعبارته:
«هذا ما وقف الوزير أبو العباس أحمد بن الوزير أبى عبد الله محمد عرف بكوپريلى أقال الله عثارهما»
وعلى كثير من صفحاتها وجد ختم آخر عبارته:
«وإنما لكل امرئ ما نوى»
وهذه النسخة تؤكد وصول النسخة إلى المشرق فى وقت مبكر، وتؤكد - أيضا - قيمة الكتاب، واهتمام العلماء به، ونسخه، وتملكه، وقراءته، والتعليق عليه، والأخذ عنه.
وقد رمزت لهذه النسخة بالرمز «ب».
[ ١ / ٣٥ ]
(د) منهج التحقيق
من أجل الوصول إلى نسخة صحيحة - ما أمكن - من كتاب الأفعال لأبى عثمان المعافرى، وحتى يظهر الكتاب فى صورة تتفق هى ومكانة هذا العالم العامل المجاهد سرت فى منهج التحقيق على النحو الآتى:
(١)
بحثت ما وسعنى البحث عن نسخ الأفعال فى مكتباتنا العربية، ومكتبات العالم مستعينا بفهارس الكتب، وكتب التراجم، وجمعت النسختين اللتين عثرت عليهما من الكتاب، وأرجح أنهما النسختان الوحيدتان الباقيتان حتى الآن من هذا الأثر النفيس، ونسخت النسخة التى اخترتها أصلا - بنفسى - وعارضتها بعد النسخ معارضة دقيقة بالنسخة المصورة التى نقلت منها، حتى أطمئن إلى عدم وجود سقط أو إضافة عند النسخ.
ثم عارضت هذه النسخة بالنسخة المصورة الأخرى التى عثرت عليها معارضة غاية فى الدقة، وسجلت الفروق بين النسختين تسجيلا دقيقا وافيا أملا فى قرب النسخة المحققة ما أمكن من الكمال، وتصوير النسختين كان سببا فى الحد من ظاهرة السقط والإضافة التى يسببها فعل النقلة الذين يتداولون نسخ الكتاب.
(٢)
استعنت بكتاب الأفعال لأبى بكر محمد بن عمر بن القوطية؛ لأنه الأصل الذى اتخذه «المعافرى» أساسا لكتابه، وكذلك بكتاب الأفعال لأبى القاسم على بن جعفر السعدى المعروف بابن القطاع؛ لأنه أيضا جعل كتاب ابن القوطية أساسا لكتابه، وجعلت الكتابين أصلين مساعدين فى التحقيق ورمزت لكتاب ابن القوطية بالرمز «ق»
[ ١ / ٣٦ ]
ولكتاب ابن القطاع بالرمز «ع» واستعنت كذلك بالمصادر التى اعتمد عليها، «المعافرى» فى جمع مادة كتابه ورجعت إليها فى مظانها، وسجلت فى حواشى التحقيق ما وجدت حول هذه المصادر من ملاحظات لها أو عليها.
(٣)
عنيت بضبط النسخة، وتخليصها من أخطاء النسخ، كما عنيت عناية تامة بعلامات الترقيم التى تبرز صحة النسخة، وتعين القارئ على توضيح المعنى، وصححت ما لحقه التحريف من رواية الأفعال، ومشتقاتها، وأشرت إلى ذلك فى حواشى التحقيق.
(٤)
بذلت فى شواهد الشعر ما أمكن بذله من جهد متواضع، ورجعت إلى هذه الشواهد فى مظان وجودها، من الدواوين، وأمهات الكتب باذلا أقصى الجهد فى ضبطها، وتصحيح روايتها، ونسبة كثير مما أغفل نسبته منها، وشرحت غامض الشّواهد، وبينت مكانها من الدواوين وأمهات كتب اللغة والنحو والأدب، وصححت ما لحقه التحريف من هذه الشواهد.
وكذلك خرجت شواهد القرآن والحديث والأمثال، وحددت أصحاب القراءات، وشرحت غريب الألفاظ، وبينت مكان الشاهد من القرآن وكتب الحديث وكتب الأمثال، وصححت ما وقع فيها من خطأ بفعل النقلة.
(٥)
شرحت - فى حدود قواعد التحقيق وأصوله - غوامض الكتاب، وعلقت كثيرا على القضايا التى جاءت به فى حواشى التحقيق معتمدا فى ذلك على مصادر الكتاب، وغيرها من كتب ثقات علماء اللغة والنحو قبل وبعد «أبى عثمان المعافرى» على
[ ١ / ٣٧ ]
نحو جعله حافلا بكثير من التفاصيل والآراء التى تكثر حاجة الدارسين إليها، وعرفت بأعلام العلماء، وبمن يحتاج من الشعراء، وصححت ما وقع من تحريف فى أسماء بعض الشعراء، وعرفت كذلك بالأماكن وأيام العرب.
(٦)
عنيت فى التحقيق بذكر ما ندّ عن «أبى عثمان» من كلام شيخه، ونبهت إلى مواطن أضافها «المعافرى» إلى نفسه - سهوا - وهى من كلام شيخه، وسجلت كل هذا فى حواشى التحقيق.
(٧)
سجلت فى حواشى التحقيق ما وجدت من تعارض بين أقواله وأقوال غيره من العلماء، وعنيت فى التحقيق ببيان صلة كتاب «أبى عثمان» بكتب الأفعال الأخرى وبخاصة كتاب الأفعال لأبى بكر بن القوطية، وكتاب الأفعال لأبى القاسم على بن جعفر المعروف بابن القطاع.
* * *
والله أسأل لصاحب الكتاب رحمة، وللكتاب شهرة، وللباحث فيه نقعا، ولكل من عاوننى فيه أجرا، ولى عفوا وسترا لما أسأت إلى الكتاب فى شئ، فقد بذلت واجتهدت.
ربنا «سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ»
حسين محمد محمد شرف
[ ١ / ٣٨ ]
اللوحة الأولى من النسخة (ا)
[ ١ / ٣٩ ]
اللوحة الثانية من النسخة (ا)
[ ١ / ٤٠ ]
اللوحة الأخيرة من النسخة (ا)
[ ١ / ٤١ ]
اللوحة الأولى من الجزء الاول (النسخة ب)
[ ١ / ٤٢ ]
اللوحة الثانية من الجزء الأول (النسخة ب)
[ ١ / ٤٣ ]
اللوحة الأخيرة من الجزء الأول (النسخة ب.)
[ ١ / ٤٤ ]
اللوحة الاولى من الجزء الثانى (النسخة ب)
[ ١ / ٤٥ ]
اللوحة الثانية من الجزء الثانى (النسخة ب)
[ ١ / ٤٦ ]
اللوحة الأخيرة من الجزء الثانى (النسخة ب)
[ ١ / ٤٧ ]
الأفعال لأبى عثمان
سعيد بن محمد المعافرى القرطبى ثم السرقسطى المنبوز بالحمار
[ ١ / ٤٩ ]
مقدمة المؤلف
[٢/ ١] بسم الله الرحمن الرحيم وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب (١) الحمد لله بجميع محامده، وصلّى الله على محمد خاتم أنبيائه، وأمينه على وحيه وسلم تسليما.
ثم أما بعد حمد الله، والصلاة على نبيه، فإنى رأيت أحسن ما يقتنيه المقتنى العاقل، ويشرّفه ذو الشرف الفاضل العلم الذى به عرف الرب الخالق وبه استقرّت (فى) (٢) سجايا المخلوقين طاعته، وعذبت فى قلوب العلماء عبادته، وبه فهم عن الله، وعرف تأويل ما أتى به من (٣) الوحى على لسان نبيه المصطفى، وخير (٤) خلقه المرتضى.
وأنّ أشرف ما عنى به الطالب بعد كتاب الله - ﷿ - لغات العرب وآدابها، وطرائف حكمها؛ لأن الله ﵎: اختارها بين اللغات لخير عترة (٥) وأشرف أمة، ثم جعلها لغة [أهل] (٦) دار المقامة فى جواره ومحل كرامته، فهى أفصح اللغات لسانا، وأوضحها بيانا، وأقومها مناهج، وأثقفها أبنية، وأحسنها بحسن الاختصار تألّفا، وأكثرها بقياس أفعالها تصرّفا.
_________________
(١) عبارة ب: «بسم الله الرحمن الرحيم اللهم يسر برحمتك».
(٢) «فى» تكملة يقتضيها المعنى.
(٣) «من» ساقطة من ب، والمعنى يتم مع تركها.
(٤) «ب» و«خيرة».
(٥) أ «عثرة» بالثاء المثلثة، سهو من الناسخ، وعترة الرجل: رهطه الأدنون.
(٦) «أهل» تكملة من ب.
[ ١ / ٥١ ]
وأول ما يجب للناظر فى كلام العرب بعد إحكام قياس حركات الإعراب أن يحكم تثقيف الأفعال، لما يدخلها من القياس بالتصرف، ليتصل له قياس التصرف فى الأفعال بقياس تصرف الإعراب فى الأسماء. وأيضا فإن أكثر الكلام مشتق منها (١)، وأكثر ما تسأل (٢) الطلبة، والقراء، والفقهاء (٣) فعن التصريف والاشتقاق فى القرآن والسنة وكلام العرب.
وإنى تأملت ما ألفه فى ذلك من عنى بلغات العرب [من العلماء المتقدمين] (٤) كالزجاج (٥)، وأبى حاتم (٦)، وقطرب (٧)، وغيرهم من أهل العناية والعلم، فرأيت تواليفهم فى الأفعال غير موعبة (٨)، ولا مقتضية لإتقان ما قصدوه بزعمهم حتى تلافأ (٩) ذلك، وتولاه: محمد بن عمر بن القوطية (١٠) - ﵀ - فألف فى الأفعال كتابا حاز به قصب السبق، واستولى به على أمد الغاية، لم يتقدمه إلى مثله فى هذا الفن أحد من العلماء الماضين.
_________________
(١) يوافق أبو عثمان فى هذا - شأن أستاذه - الكوفيين. الذين يقولون: إن الأفعال أصل المشتقات، والبصريون يقولون: الأسماء أصل، والأفعال مشتقة منها، ولكل من الفريقين حججه التى تكفلت بتوضيحها الكتب المطولة.
(٢) ب «يسأل بياء فى أول الفعل: والحرفان جائزان.
(٣) أ «والطلبة»، ولفظة ب أدق دفعا للتكرار.
(٤) ما بين المعقوفين تكملة من ب.
(٥) الزجاج: أبو إسحاق إبراهيم بن السرى عالم بالنحو واللغة أخذ عن المبرد وتوفى حوالى سنة ٣١٦ هـ، له ترجمة فى: معجم الأدباء ١ - ١٣٩، وفيات الأعيان ١ - ٣١، بغية الوعاة ١٧٨.
(٦) السجستانى: أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان بن يزيد الجشمى، السجستانى، النحوى، نزيل البصرة وعالمها، توفى سنة ثمان وأربعين ومائتين «وفيات الأعيان ٢ - ١٥٥.
(٧) قطرب: أبو على محمد بن المستنير بن أحمد، وقطرب: دويبة ليلية. كان يبكر عند «سيبويه» فقال له: أنت قطرب ليل، فعرف بذلك. توفى سنة ٢٠٦ هـ له ترجمة، فى الفهرست ٨٤، وفيات الأعيان ٣ - ٤٣٩.
(٨) أ «موعية» بياء مثناة تحتية من أوعى، وما جاء عن ب أولى، لأنه يريد بيان عدم استقصاء كتب المتقدمين.
(٩) «تلافأ» لفظة ب ومكانها غير واضح فى أ، ولفأ تأتى بمعنى أعطاه أقل من حقه، وأعطاه أكثر من حقة، كما تفيد معنى استدراك شئ فات.
(١٠) به تعريف واف فى المقدمة ص ١٥.
[ ١ / ٥٢ ]
ولكنه - ﵀ - قصد فى هذا الكتاب مقصد الغاية فى الاختصار، حتى أخل ذلك بتبيّن (١) كثير مما جلب من الأفعال.
ونجتلب من (٢) ذلك مثالا مما وقع فى الكتاب نحو قوله:
عقل الرجل عقلا: راجعه عقله بعد شئ أذهبه، والصبىّ عقلا: ذكا بعد الصبا، والبعير: شددته بالعقال، والظلّ: إذا قام قائم الظهيرة، والشئ عقلة: حبسته (٣)، والرجل عقلة: شغزبيّة (٤) فصرعته، والأوعال والوحوش:
صارت فى معاقل الجبال، والقتيل عقلا غرمت ديته، [وعن القاتل: غرمت عنه الدية، والرجل أعقله: صرت أعقل منه] (٥)، والرجل على القوم:
سعى فى صدقاتهم، والطعام البطن: أمسكه، والبطن: استمسك.
والكتاب (٦) كله مبنى على هذه الرتبة فتعسّر من هذه الجهة على الطالب وصعب على الدارس إلا من أفرغ فيه تدبيره، وأجهد فكرته، وأتعب استطاعته، فأعمل الفكرة (٧) مع كل لفظ فى الرجوع إلى الأصل الأول (٨)، فصار الكتاب بذلك مخالفا لما بين أيدينا من كتب اللغة، وما عهدناه من التواليف القديمة.
وأيضا فإنه إنما كان غرضه - ﵀ - فى هذا الكتاب: فعلت وأفعلت خاصة، وترك ما جاوز ذلك من الأفعال الرباعية الأصلية مثل: دحرج، وسلهب (٩)
_________________
(١) ب «بتبيين» والتبين والتبيين جائزان.
(٢) أ «فمن» ولفظة ب أدق.
(٣) ب «حسبته» سهو من الناسخ.
(٤) العقلة الشغزبية: ضرب من الصراع يلوى فيه أحد المتصارعين رجل الآخر برجله (اللسان - شغزب).
(٥) ما بين المعقوفين تكملة من ب.
(٦) «والكتاب» ساقطة من ب.
(٧) ب «فكرته» ولو قال «وأعمل الفكر «لأمن التكرار، وأجاد التعبير.
(٨) سوف يتبين لنا خلال التحقيق أن كلا من العالمين خرج على منهجه فى القليل النادر.
(٩) سلهب: السلهب: الطويل عامة، وقيل: هو الطويل من الرجال، وقيل: هو الطويل من الحيل والناس. (اللسان - سلهب).
[ ١ / ٥٣ ]
وما جاوزها بالزيادة مثل: اقشعرّ، واحرنجم (١)، ومثل: احمارّ، واشهابّ.
فلما رأيت الكتاب قد اختل من هذه الجهة مع ما رأيت من فضله، وأنه قد بذّ فيه الأولين والآخرين.
أفردت له عنايتى، وجعلت له حظا من نظرى بعد تصحيح روايتى إياه على مؤلفه - ﵀ - (٢) فتلافيت ما اختل منه بإلحاقه، وترداد ذكره، وبسط تفسيره، وألحقت فيه الأفعال التى ترك ذكرها من الرباعية، وما جاوزها بالزيادة (٣)، وألحقت فى كل باب منه ما لم يذكره، إذ الإحاطة ممتنعة على البشر، ولخّصت (٤) ما وقع منها فى غير موضعه بنقله إلى الموضع الذى هو أحق به؛ ليخف على الدارس، ويسهل فيه وجدان لفظه على الطالب، وليكون الكتاب كاملا مقتضيا للمعنى الذى قصد (٥) به إليه.
ورتبته على مخارج الحروف على ما اجتلب ذكرها «سيبويه «*»» - ﵀ - (٦)
_________________
(١) احرنجم الرجل: أراد الأمر ثم رجع عنه، واحرنجمت الإبل: اجتمع بعضها على بعض، وازدحموا. (القاموس - حرجم).
(٢) العبارة تبين أنه تلقى كتاب الأفعال لأبى بكر بن القوطية على صاحبه بالرواية والرواية صنو الإملاء.
(٣) أ «من الزيادة» وما أثبت عن ب أجود.
(٤) أ، ب «ولخصت» ومن معانى لخصت: حبرت، وشرحت، وقربت.
(٥) عبارة أ «للمعنى الذى قصد الذى به» وتكرار الذى سهو من الناسخ. (*) سيبويه: أبو بشر عمرو بن عثمان، عرف بلقبه الفارسى، وهو أعلم المتقدمين والمتأخرين بالنحو، وصنف فيه الكتاب الذى لم يصنف فيه مثله، أخذ علمه عن الخليل، توفى سنة ١٨٠ هـ، له ترجمة فى وفيات الأعيان ٣ - ١٣٢، مراتب النحويين ٦٥، تاريخ بغداد ١٢ - ١٩٥.
(٦) ورتب الخليل بن أحمد الحروف على أساس المخارج، ووضعها على قدر مخرجها من الحلق، وهذا ترتيبه: ع ح هـ خ غ - ق ك - ج ش ض - ص س ز - ط د ت - ظ ث ذ - ر ل ن - ف ب م - وأى همزة (مقدمة كتاب العين ١ - ٥٣). وجاء تلميذه «سيبويه» فرتبها على النحو الآتى: ء - ا - هـ - ع - ح - غ - خ - ق - ك - ج - ش - ى - ض - ل - ر - ن - ط - د - ت - ص - ز س - ظ - ذ - ت - ف - ب - م - و-.
[ ١ / ٥٤ ]
وكان الذى دعانا إلى العناية بهذا الكتاب ما علمته من الحاجب المنصور أبى عامر محمد بن أبى عامر - وفقه الله (١) - من حسن اهتباله (٢) بالعلم والأدب ورسوخه فيه، وبحثه عن غوامضه، وتقديمه أهله، وتشريفه حامليه، وأهل العناية (به) (٣)، فاعتمدته - أبقاه الله - (٤)، بعنايتى تزلفا إليه، وتقمّما (٥) لمسرته؛ لعلمى أن الأدب أشرف البضائع عنده، وأقرب الوسائل لديه، أبقاه الله عزيزا مكرما مصونا، مسلما، وبالله [العون] (٦) والتوفيق.
وصلّى الله على محمد نبى الرحمة، وإمام الهدى، وسلم تسليما.
هذا باب علم الأفعال وتلخيص أبنيتها، وقياس تصرفها
اعلم أن الأفعال (٧) تنقسم قسمين: سالم، ومعتل (٨) وأقل أصولها ثلاثة أحرف، وما جاء منها على أقل من ثلاثة فلعلة دخلت الفعل أوجبت الحذف من الأصل، أو لتضعيف دخله (٩) فصار لفظه ثنائيا.
وأقصى ما ينتهى إليه الفعل أصليا أربعة أحرف نحو: دحرج، وسلهب ولا يتجاوز هذا العدد إلا مزيدا فيه، وأقصى ما ينتهى إليه بالزيادة ستة أحرف ثلاثيا كان، أو رباعيا.
_________________
(١) «وفقه الله»، ساقطة من ب.
(٢) «اهتباله» اشتغاله به، وطلبه إياه.
(٣) «به» إضافة يقتضيها المعنى.
(٤) «أبقاه الله» ساقطة من ب، والمعنى يستقيم من غيرها.
(٥) تقمما لمسرته، التقمم: الوصول إلى أعل شئ يحقق سروره.
(٦) العون؛ تكملة من ب.
(٧) «اعلم أن الأفعال «نهج أبو عثمان - ﵀ - منهج سيبويه، وغيره من العلماء المتقدمين فى تآليفهم، وقد رأينا سيبويه - ﵀ - يبدأ بالأمر «اعلم» فى أغلب أبواب كتابه.
(٨) زاد المتأخرون هذا التقسيم إيضاحا، فقسموا الفعل قسمين: صحيح ومعتل، وقسموا الصحيح إلى سالم، ومضعف، ومهموز، وقسموا المعتل إلى مثال، وأجوف، وناقص، وكثير من ملامح هذا التقسيم موجودة عند المتقدمين كذلك.
(٩) أ «دخلت» ولفظة ب أجود.
[ ١ / ٥٥ ]
فالثلاثى نحو: احمارّ، واشهابّ، واستكبر.
والرباعى نحو: اقشعرّ، واقمطرّ، ونحو: احرنجم، واعلنكس.
والزيادة فيه تكون من وجهين:
تكون من الحروف [٢ - ب] الزوائد العشرة المعروفة (١) التى يجمعها قولك:
«اليوم تنساه» وذلك نحو: استفعل، وافتعل، وانفعل (٢)، وما أشبه ذلك مما أصله الثلاثة.
وافعنلل نحو: احرنجم، واصعنفر (٣).
وتكون من نفس الحرف فيلحقه التضعيف نحو: اشهابّ، واقشعرّ (٤).
والثلاثية منها على ثلاثة أبنية: فعل، وفعل، وفعل نحو: ضرب، وسمع، وظرف.
فأما فعل وفعل، فقد يكونان لما يتعدى، ولما لا يتعدى
فأما فعل، فلا يكون لما يتعدى فى حال ألبتّة.
فمن الثلاثية ما لحقه التضعيف، فصار ثنائيا فى اللفظ نحو: رد، وكرّ (٥)، وما أشبه ذلك.
_________________
(١) أ: «المعرفة» سهو من الناسخ.
(٢) ترك التمثيل مع أوزان مزيد الثلاثى التى ذكرها، ومثل للرباعى بعد ذلك وأمثلة ما ذكر من أوزان على نسق ترتيبه: استخرج، وانتصر، وانكسر.
(٣) كان حقه أن يقول «مما أصله الأربعة» ليسير على نسق واحد فى التأليف وإن كان حذف ما يعلم جائزا.
(٤) المثالان يجمعان بين الزيادة بالتضعيف، وبما هو من الحروف الزوائد.
(٥) سوف نرى أنه سيطلق على هذا النوع بعد ذلك «الثنائى المضاعف» أو «المضاعف» فى أبواب الكتاب بناء على اللفظ، وهو يتبع فى ذلك أكثر العلماء المتقدمين ومنهم الخليل فى «العين»، وأبو بكر بن دريد فى «الجمهرة»، وأبو على القالى فى «البارع»، وأبو بكر بن القوطية فى «الأفعال».
[ ١ / ٥٦ ]
وهذا المضاعف يأتى على وجهين: «فعل وفعل» لا غير، ولم يأت منه على فعل إلا حرف واحد شاذ رواه يونس «*» وهو: لببت تلبّ لبّابة ولبّا، وأجود اللغتين: لببت تلب (١).
والضم يستثقل فى الفعل الماضى من المضاعف، لثقل التضعيف، وثقل الضم، فلما اجتمعا فروا منهما.
وما كان من هذا النحو المضاعف متعديا (٢)، فإن مستقبله يأتى على يفعل بالضم فى قول «الخليل «* *»» غير
أفعال يسيرة جاءت باللغتين وهى: علّه بالشراب يعلّه، ويعلّه، ونمّ الحديث ينمه وينمه، وهرّه يهره ويهره: كرهه (٣)، وشدّه يشدّه ويشدّه، وصدّ عنى يصدّ ويصدّ (٤).
وقد جاء من ذلك حرف (٥) شاذ بالكسر خاصة، وهو حببته أحبه، قال الشاعر:
١ - أحب أبا مروان من حب تمره وأعلم أنّ الرّفق بالجار أرفق (٦)
وينشد أيضا «إحب أبا مروان» بكسر الهمزة.
_________________
(١) (*) أبو عبد الرحمن يونس بن حبيب، أخذ الأدب عن أبى عمرو بن العلاء، وحماد بن سلمة، وكان النحو أغلب عليه، توفى سنة اثنتين وثمانين ومائة، وفيات الأعيان ٦ - ٢٤٢. (* *) الخليل بن أحمد الفراهيدى، صاحب كتاب «العين» وواضع علم العروض، توفى سنة سبعين ومائة. له ترجمة فى وفيات الأعيان ٢ - ١٥، ومعجم الأدباء ١١ - ٧٢، ومراتب النحويين ٢٧.
(٢) فى اللسان - لبب: وقد لببت ألب ولببت تلب بالكسر لبا ولبا ولبابة: صرت ذا لب، وفى التهذيب حكى: لببت بالضم، وهو نادر لا نظير له فى المضاعف.
(٣) كان حقه أن يقول: على فعل متعديا، لأن مستقبل فعل بكسر العين يأتى على يفعل بفتحها.
(٤) أ: «أكرهه» وما أثبت عن ب أجود.
(٥) وضع ابن القوطية فى مقدمته مادة: صد» تحت بناء «فعل» غير متعد وزاد فى موضعه نقلا عن الفراء: ونم الحديث ينمه وينمه، وبت الشئ يبته ويبته، بكسر العين وضمها فى المضارع وتوجد أفعال أخرى فى كتب المتأخرين من النحاة.
(٦) يعنى بالحرف: فعلا جاء بالكسر خاصة فى المضارع.
(٧) جاء الشاهد فى اللسان «حبب» أول بيتين منسوبين لعيلان بن شجاع النهشلى وفى التاج «حبب» غيلان، بغين معجمة، وهو أصوب وفى اللسان «من أجل تمره».
[ ١ / ٥٧ ]
وأما ما كان منه غير متعد، فإن مستقبله ياتى على «يفغل» بالكسر غير أفعال [أيضا] (١) أتت باللغتين، وهى:
شج يشج ويشج، وجدّ فى الأمر يجد ويجد، وجمّ الفرس يجم ويجم، وشبّ يشب ويشب، وفحّت الأفعى تفح وتفح، وترّت يده تتر وتتر (٢)، وطرّت تطرّ وتطرّ، وحدّت المرأة تحد وتحد، وشذّ الشئ يشذ ويشذ، ونسّ الشئ ينسّ وينس، إذا يبس، وشطّت الدّار تشط وتشط، ودرّت الناقة وغيرها تدر وتدر.
وقد شذ منه حرف واحد أتى بالضم خاصة، وهو: ألّ الشئ يؤل: إذا (٣) برق، وألّ الرجل يؤلّ: رفع صوته ضارعا، وأما قولهم: ذرّت الشمس تذر، وهبّت الريح تهب، فزعم الفراء «*» أن الضم إنما جاء فيهما على القياس؛ لأن فيهما معنى التعدى (٤)
وهذا الفصل الذى ذكرناه من أمر المضاعف هكذا رواه «يعقوب» «* *» عن الفراء، وهكذا أيضا نقله «ابن قتيبة «* * *»»
_________________
(١) (*) الفراء: أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء، وقيل له الفراء، لأنه كان يفرى الكلام، والفراء أعلم الكوفيين بالنحو واللغة، أخذ النحو عن الكسائى: توفى سنة ٢٠٧ هـ وفيات الأعيان ٥ - ٢٢٥. (* *) ابن السكيت أبو يوسف يعقوب بن إسحاق، روى عن الأصمعى، وأبى عبيدة، والفراء، توفى سنة ٢٤٤ هـ وفيات الأعيان ٥ - ٤٣٨، وانظر فى هذا الفصل إصلاح المنطق ٢٤٠ - ٢٤١. (* * *) ابن قتيبة: أبو محمد عبد الله بن مسلم الدينورى أخذ عن أبى حاتم السجستانى، وكان إماما فى اللغة والأدب، والأخبار وأيام الناس توفى سنة ٢٨٦ هـ، وفيات الأعيان ٢ - ٢٤٦. وانظر هذا الفصل فى أدب الكاتب ١٧٠ ط القاهرة ١٣٢٨ هـ.
(٢) «أيضا» تكملة من ب.
(٣) ب: «وثرت يده تثر وتثر» بالثاء المثلثة، وجاء الفعلان بالضم والكسر، قال صاحب التهذيب ١٤ - ٢٥٠ «وقال أبو عمرو: تر بضم عين المضارع بسلحه يتر ويتر: إذا قذف به، وجاء فى التهذيب ١٥ - ٥٧ «ثعلب عن (ابن الأعرابى يثر: بكسر العين إذا اتسع، وثر يثر: إذا بل سويقا أو غيره «وعلى هذا يكون ترك الفعل «ثر بالثاء المثلثة فى أ، والفعل «تر» بالتاء المثناة فى ب من فعل النقلة توهم التكرار أحد احتمالين، وثانيهما ترك أبى عثمان أحد الفعلين وحدث تصحيف من النقلة فى إحدى النسختين.
(٤) «إذا» ساقطة من ب.
(٥) هذا كله لما كان على بناء فعل - بفتح العين - متعديا وغير متعد، أما ما كان على بناء «فعل» - بكسر العين - فإن مستقبله على يفعل بفتحها.
[ ١ / ٥٨ ]
وقال الفراء «فإن جاء غير ما ذكرنا من الشواذ فقليل.
وهذا مذهب الكوفيين.
فأما أهل البصرة: «سيبويه (١)» وأصحابه، فإنهم إنما ذكروا ما ذكرناه من أمر المضاعف فى باب الخصال خاصة (٢).
فقال «سيبويه»: واعلم أن ما كان من التضعيف فى هذه الأفعال التى ليست بأعمال تعداك إلى غيرك، فإنه لا يكاد يكون فيه «فعل، وفعلت» يعنى من أفعال الخصال خاصة؛ لأنهم يستثقلون الضم والتضعيف، فلما اجتمعا حادوا عنهما (٣)».
والباب يجئ على جلس يجلس نحو: ذلّ يذل.
وقد قالوا أيضا: شححت: أشح، كما قالوا بخلت أبخل؛ لأن الكسرة أخف عليهم من الضمة، ألا ترى أن فعل أكثر فى كلامهم من فعل، والياء أخف من الواو وأكثر «٣»، فدل بكلامه على أنه عدل «بفعل يفعل» فى هذه الخصال خاصة من المضاعف إلى «فعل يفعل»، وقد ردوها أيضا فى القليل إلى «فعل يفعل» مثل: شححت تشح، وبخلت تبخل، فرارا من الضم إلى الفتح والكسر، من نحو ما ذكره «يونس» (٤) من لببت تلبّ على أصل الباب مثل:
ظرف يظرف، وحسن يحسن.
_________________
(١) أ: «فسيبويه»، وما أثبت عن ب أحود.
(٢) يعنى بالخصال: الصفات اللازمة.
(٣) العبارة منقولة عن الكتاب ٢ - ٢٢٦ بتصرف.
(٤) سبقت الإشارة إلى هذا القول ص ٥٧ من هذا الجزء.
[ ١ / ٥٩ ]
وقول أهل البصرة أثقف، لأنه لا يكاد يوجد غير ما ذكروا (١)، والذى حده أيضا أهل الكوفة قليل، ولو وجد منه مائة كلمة.
وقياس ما كان من جميع الثلاثية على «فعل» فمستقبله (٢) يأتى تارة بالضم، وتارة بالكسر نحو: ضرب يضرب، ودخل يدخل (٣).
وقد قال «أبو زيد» «*»: إذا جاوزت المشاهير من الأفعال نحو: دخل، وضرب (٤)، وما أشبه ذلك من مشهور الكلام، فقل إن شئت: «يفعل»، وإن شئت «يفعل» إلا ما كانت عينه أو لامه من حروف الحلق، فإنه يأتى على «فعل يفعل» وربما جاء على «يفعل ويفعل (٥)».
وما كان على «فعل» فمستقبله على يفعل، إلا أفعالا يسيرة شذت عن الباب وهى:
حسب يحسب، ونعم ينعم، ويئس ييئس، ويبس ييبس، والفتح فيها (٦) جيد، وهو أقيس.
_________________
(١) (*) أبو زيد: سعيد بن أوس الأنصارى أحد كبار أئمة اللغة، وإياه يعنى سيبويه حين يقول: «حدثنى الثقة» توفى سنة ٢١٥ وفيات الأعيان ٢ - ١٢٠. وقد نقل عنه أبو عثمان كثيرا فى كتاب الأفعال.
(٢) عرض أبو عثمان قول المدرستين، واختار قول أهل البصرة معللا سبب اختياره.
(٣) يعنى بالمستقبل المضارع.
(٤) كان الأولى أن يقدم مثال دخل يدخل على مثال ضرب يضرب، ليتفق مع نسق عبارته قبل ذلك.
(٥) ب «نحو: ضرب، ودخل، وهما سواء.
(٦) مثال ما جاء بالفتح والضم: جنح يجنح ويجنح، ودبغ يدبغ ويدبغ ومثال ما جاء بالفتح والكسر هنأ يهنأ ويهنئ، ونزع ينزع وينزع، أفعال ابن القوطية المطبوع ٢.
(٧) أ - ب «فيهما» وصوابه ما أثبت. ومن هذه الأفعال الشاذة كذلك: وغر، بمعنى: امتلأ غيظا، وحر، بمعنى: امتلأ حقدا، بئس بمعنى: ساءت حاله، وله، بمعنى: ذهب عقله لفقد حبيب، وهل بمعنى: فزع.
[ ١ / ٦٠ ]
وقد جاء منه أيضا على «فعل يفعل، وذلك قليل نحو:
فضل يفضل، ونعم ينعم فى بعض اللغات؛ وذلك أنهم يقولون: فضل وفضل، فاستغنوا بمستقبل فضل عن مستقبل فضل.
وقد زعم «يعقوب»: أن من العرب من يقول: فضل يفضل، مثل: حذر يحذر.
قال: وزعم بعض النحويين أن من العرب من يقول: حضر القاضى فلان ثم يقولون: يحضر (١)، وأنشد الفراء:
٢ - مامن جفانا إذا حاجاتنا حضرت كمن لنا عنده التّكريم واللّطف (٢)
وقد جاء من المعتل مثله، قالوا: متّ تموت، ودمت تدوم مكسور العين فى الماضى، ومضموم فى المستقبل، والأجود مت تموت ودمت تدوم بالضم.
وقد روى عن العرب أيضا: يمات، ويدام.
وقد جاء أقل من هذا، وأكثره شذوذا فى قولهم: كدت تكاد، والأعم كدت تكاد.
وأما المعتل فقد يجئ منه كثير على «فعل يفعل» نحو: ورم يرم، وولى يلى، وما أشبه ذلك (٣)
_________________
(١) إصلاح المنطق لابن السكيت ٢٣٧.
(٢) البيت لجرير، ورواية الديوان ١ - ١٧٤ «ما من جفانا إذا حاجتنا نزلت» وعلى هذه الرواية لا شاهد فيه. وانظر اللسان/ حضر.
(٣) من ذلك: «ورث يرث، ووثق يثق، وومق يمق، وورع يرع بكسر العين -، ووفق أمره يفق، وورى الزند يرى، ووسع يسع، ووطئ يطأ، وكان الأصل يوسع، ويوطئ - بكسر العين - فطرحت الواو لمجيئها بين ياء وكسرة، ثم فتحوا عين الفعل لمجئ حرف الحلق بعدها. «أفعال ابن القوطية ٣». وانظر فى أبواب الماضى الثلاثى ومستقبله المخصص ١٤ - ١٢٤ وما بعدها، والمزهر ٢ - ٤٢.
[ ١ / ٦١ ]
وأما مصادر (١) الثلاثية [٣/ ١] فغير محظور عليها بقياس، إنما ينتهى فيها إلى السماع (٢).
وكذلك ما بنى من مصادرها بالميم (٣) من السالمة والمعتلة.
فمنها ما يقاس (٤)، وكثير منها يشذ عن القياس.
وسترى كل نوع منها مع فعله على ما أتت به الرواية عن العرب إن شاء الله [تعالى] (٥) وأما [أسماء] (٦) فاعليها فكثيرة الشذوذ أيضا، ولكنا نذكر منها ما يستدل به على الأكثر من قياسها إن شاء الله.
فأما ما كان منها متعدّيا، فإن الفاعل منه على بناء «فاعل» نحو (٧): ضرب يضرب، وقتل يقتل (٨)، وشرب يشرب، فهو فاعل فى كل ذلك، وقد جاء منه على «فعيل» كأنهم أرادوا به الصفة اللازمة؛ لما فيه من معنى التكثير، والنسب،
_________________
(١) أ: «وأما مصادره» سهو من الناسخ.
(٢) ذكر ابن القوطية من أوزان مصادر الثلاثى أربعة وعشرين وزنا، هى:
(٣) أ: «الميم» وما أثبت عن ب أجود، ويعنى بهذه المصادر: المصادر التى زيدت الميم فى أولها.
(٤) ب: «فمنها يقاس».
(٥) «تعالى» تكملة من ب.
(٦) «أسماء» تكملة من ب.
(٧) ب: «مثل» وهما سواء.
(٨) ب: «فتل يفتل» بالفاء الموحدة تحريف من الناسخ.
[ ١ / ٦٢ ]
شبّهوه بظريف ونحوه، وذلك قولهم: هو ضريب قداح، وصريم للصارم، وأنشد «سيبويه» لطريف بن تميم العنبرى:
٣ - أو كلّما وردت عكاظ قبيلة بعثوا إلىّ عريفهم يتوسّم (١)
يريد: عارفهم.
وعلى «فعول» يقال: هو ضروب رؤوس الأعاجم، قال:
٤ - ضروب بنصل السّيف سوق سمانها إذا عدموا زادا فإنك عاقر (٢)
وأما ما لا يتعدى إلى مفعول، فما كان منه على «فعل» فاسم الفاعل منه:
فاعل أيضا نحو: قعد، وثبت، وسكت، فهو فاعل فى كل ذلك.
وما كان منها على «فعل»، فإن الفاعل منه على بناء «فعل»؛ لأنه إنما يكون ذلك فى الأدواء وما أشبهها مما يقع فى الهاجس نحو: وجع، وحبط، وسبق (٣) وغرض، وقنع، وبطن، وتبن (٤)، فهو «فعل» فى كل ذلك، وهو كثير، إنما ذكرنا منه شيئا يستدل به (٥)
وقد يأتى منه أيضا على «فاعل»، ولكنه فى الأقل نحو: زهد، فهو زاهد، وقنع، فهو قانع.
وقد يأتى أيضا على «فعيل» وهو أخو «فعل» نحو: مريض، وبطين (٦)
وقد يأتى أيضا على «أفعل» نحو: وجل فهو أوجل، ووجر فهو أوجر، وشعث فهو شعث وأشعث، وحدب فهو أحدب، وجرب فهو أجرب.
_________________
(١) الكتاب ٢ - ٢١٥، وجاء الشاهد فى اللسان - عرف منسوبا لطريف بن مالك العنبرى، أو طريف بن عمرو.
(٢) الشاهد لأبى طالب بن عبد المطلب من قصيدة يرثى خاله أبا أمية بن المغيرة، الديوان ٧٩، الكتاب ١ - ٥٧، الخزانة ٣ - ٤٤٦.
(٣) ب «عنق» بالعين المهملة، وسنق: بمعنى بشم «اللسان - سنق».
(٤) تبن: بمعنى: فطن.
(٥) عبارة أ «وإنما ذكرنا ما يستدل به» ولا فرق بينهما.
(٦) أ «ونكس» وأثبت ما جاء عن ب، وبطين؛ عظيم البطن.
[ ١ / ٦٣ ]
وقد يأتى أيضا على «فعلان» نحو: هيمان، وعطشان، وشبعان، وريان.
يبنون هذه الأشياء بناء أضدادها؛ لأنها كلّها واقعة فى القلب، أو فى البدن من (١) حسن أو قبيح (٢)، أو فرح، أو حزن.
وما كان منها على «فعل» فاسم فاعله على «فعيل» نحو: كرم فهو كريم، وجمل فهو جميل، ووسم فهو وسيم، وقبح فهو قبيح (٣)، وقد يأتى منه أيضا على «فعل» نحو: حسن، بطل، ورجل قدم، وامرأة قدمة (٤) يريد: أن لهما قدما
فى الخير.
وقد يأتى منه أيضا على «فعل» ساكن العين قالوا: رجل ضخم، وفخم، وجعد، ومكان سهل.
وقد يأتى منه أيضا على «أفعل» قالوا: شنع (٥) الشئ فهو أشنع.
وقد يأتى منه أيضا على «فاعل» نحو: طهر فهو طاهر، ومكث فهو ماكث، وقد جاء منه على «فعال» قالوا: شجاع، وسراع (٦)، وفعال (٧) أخو «فعيل» وعلى «فعال» نحو: جبان. وعلى «فعول» نحو: وقور (٨).
فهذا ما يحتاج إليه الناظر فى الأفعال.
ونسأل الله توفيقا مبلّغا إلى رضاه، موجبا للمزيد من فضله، وصلّى الله على محمد خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وسلم تسليما.
_________________
(١) أ «فمن» وأثبت ما جاء عن ب.
(٢) علق المقابل على هامش ب بقوله: يروى أو حزن بفتح الزين، وفتحها هكذا وجد بخط المصنف، وجاء فى اللسان - حزن: الحزن والحزن بسكون الزاى وفتحها نقيض الفزع، وهو خلاف السرور.
(٣) الصفات المذكورة هنا صفات مشبهة سماها المؤلف أسماء فاعلين، وذلك من باب التسامح.
(٤) أ: «رجل قدم وامرأة قدمة» بدال ساكنة فيهما، وما أثبت عن ب أصوب.
(٥) أ، ب «شنع» بكسر النون وصوابه هنا الضم، وإن جاز فى المادة الضم والكسر.
(٦) أ: «شراع» بشين معجمة مثلثة، وما أثبت عن ب أصوب.
(٧) أ «وفعال» بفتح الفاء، وصوابه بالضم.
(٨) تحدث أبو عثمان تحت اسم الفاعل عنه، وعن بعض صيغ المبالغة. وعن الصفة المشبهة باسم الفاعل.
[ ١ / ٦٤ ]
الهمزة