«الفعل» فى كل لغة، وفى كل لغة راقية على وجه الخصوص، هو مصدر التعبير عن أفكار المتحدثين بهذه اللغة؛ هو اللفظ الذى يصور النشاط والحركة وكل ما تموج به حياة البشر من فكر ووجدان. ويدلنا على هذا أن اللغات البدائية:
التى لا تتعدد فيها صور الحياة المتطورة، تعتمد - أكثر ما تعتمد - على «الأسماء»، وتستعين بقدر قليل من «الأفعال». وحينما يرتفع مستوى تفكيرها إلى الحاجة إلى مزيد من التمييز بين صور نشاطها التى يعبر عنها بصيغ «الأفعال»، تستعين عندئذ بإضافة ألفاظ إلى مجموعة «الأفعال» التى لديها - ألفاظ تعدّل معانى هذه الأفعال، وتنوع دلالاتها، كإلحاق ما يقابل عندنا فى العربية «الظرف» أو «الحال». ومن أمثلة ذلك «الأفعال» التى تنتمى إلى أصل «أنجلوسكسونى» فى اللغة الإنجليزية، قبل أن تثرى هذه اللغة بالأفعال التى استعارتها من الغتين العريقتين، اللاتينية واليونانية ..
وإن نظرة سريعة إلى بعض تلك الأفعال «الأولية» فى أى معجم إنجليزى، لتدل على مدى تنوع الدلالات لفعل الواحد، بإضافة هذه المكملات النحوية إليه.
ففعل) Get (مثلا يعبر عن عشرة معان (أى ما يساوى عشرة أفعال مختلفة) بسبب الإضافات التى تلحقه، مثل) Away - out) N، IN (الخ. وفعل) L ck (يدل، بسبب مثل هذه الإضافات، على سبع دلالات. وفعل) Set (على سبع كذلك، وفعل) Put (على نحو عشرين.
[ ١ / ٣ ]
وقد كان اختيار النحاة العرب المصطلح «فعل» لهذا الجزء من الجملة اختيارا موفقا، وهو لا شك اختيار مستوحى من معناه ووظيفته فى اللغة، فهو - كما أشرت - مصدر الفعل والنشاط والحياة فى التعبير.
وشبيه بهذا التوفيق فى اختيار مصطلح ذى إيحاء لمعنى هذا اللفظ النحوى، أى «الفعل»، المصطلح الذى تستعمله له اللغات الأوربية جميعها، وهو لفظ (Verp) و(Verpe) المستعار من اللفظ اللاتينى (Verpuw)، ومعناه «الكلمة». كأن وظيفة «الفعل» فى الجملة هى «الكلمة المعبرة»، هى اللفظة المؤدية لأهم معنى فى الجملة.
وهنا أشعر بميل للمجازفة بهذه الدعوى: وهى أن الجملة الاسمية التى يقتصر عليها التعبير فى اللغات الهندية
الأوربية (فليس فى هذه اللغات ما يقابل الجملة الفعلية فى اللغات السامية) ليست فى جوهرها وأدائها إلا جملة فعلية ذات ترتيب خاص فى وضع ألفاظها، بحيث لا يبدأ فيها بالفعل، ولكنها لا تستغنى أبدا عن الفعل فى مناط الإسناد، حتى فى أبسط صورها، عند ما يكون مناط الإسناد هو مجرد فعل الكينونة، أو ما يسمى فى اصطلاحنا النحوى «الكون العام».
ونظرا لأهمية هذا الجزء من التركيب اللغوى، أى الجملة، وهو «الفعل»، قد اهتم به علماء اللغة والنحو فى جميع اللغات، حصرا وتوضيحا، وجدولة، وتأليفا.
ولكل لغة مواضع اهتمامها بضبط «الأفعال» فيها، من حيث اشتقاقها، وتصريفاتها، وما هو مطرد منها على نسق واحد (وهو قليل فى معظم اللغات)، وما هو غير مطرد على قياس، بل يختلف اختلافا قليلا أو كثيرا عن القياس، وما هو شاذ شذوذا كاملا.
وطلاب اللغات، من أهلها ومن غيرهم، يجدون أن أهم صعوبة تواجههم هى إتقان صيغ الأفعال وتصريفاتها. وحسبى أن أشير - تمثيلا لا حصرا - إلى الجداول
[ ١ / ٤ ]
والمجموعات التى تحصر أنواع التصريفات المختلفة للأفعال فى كل من اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية.
أما لغتنا العربية، بمالها من تطور عظيم، واتساع وتقدم، فلها نصيبها من هذه الميزة التى هى فى حقيقتها صعوبة - صعوبة المجد والرقى - فمن ذلك تحديد صيغ الفعل الثلاثى الذى هو أساس لصيغ الزيادة (إذا استثنينا القلة العددية للفعل الرباعى الأصل). وأفعالنا الثلاثية تحتاج إلى علم واسع، وجهد عظيم، لتحديدها - فى صيغتها ومعانيها - «فالبطاقة الشخصية» لكل فعل تحتوى على بنيته أو صيغته فى أحد الأبواب الستة المعروفة (وأحيانا خارج نطاقها)، كما تحتوى على تحديد وظيفته، لزوما وتعدّيا، ثم على الدلالات التى يعبر عنها.
وأشير هنا إلى ضبط بنية الفعل بقليل من الأمثلة التى تدل على مدى الحاجة إلى حصر الأفعال وتحديد ضبط كل منها، ولو لم يكن لكل فعل إلا بنية واحدة فى أحد الأبواب الستة للفعل الثلاثى لكان هذا كافيا فى وجوب تحديد هذه البنية أو الصيغة التى لا سبيل إلى معرفتها إلا بالتوقيف والتعليم، (وإن يكن هناك ما يشبه الضوابط للاهتداء إلى بعضها)، فكيف الحال ومئات الأفعال لها أكثر من صيغة واحدة فى أحد الأبواب الستة!.
فمما يأتى من بابين مثلا: نشأ ينشأ (من باب فتح)، ونشؤ ينشؤ (من باب شرف)؛ وهزئ يهزأ (من باب سمع)، وهزأ يهزأ (من باب منع)؛ وبصر يبصر (من باب شرف)، وبصر يبصر (من باب فرح).
ومما يأتى من ثلاثة أبواب: بطر (من باب فرح، ومن باب نصر، ومن باب ضرب)؛ وفطن (من باب فرح، ونصر،
وشرف)؛ ونعم (من باب فرح، ونصر، وضرب)؛ وفضل (من باب نصر، وفرح، ثم فضل يفضل من غير باب).
[ ١ / ٥ ]
ومما يأتى من أربعة أبواب: حسب (من باب نصر، وشرف، وفرح، وورث) ومثله برأ يبرأ (من باب فتح) وبرئ يبرأ (كفرح)، وبرأ يبرؤ (كنصر)، وبرئ يبرؤ (على غير باب)، وملح (كفتح، ونصر، وشرف، وفرح).
وقد تنبه علماء اللغة العربية لأهمية «الفعل» فى بنائه ومصدره ومعناه، فألفوا الرسائل ثم الكتب فى ذلك.
ومن أهم هذه الكتب:
كتاب الأفعال لأبى عثمان سعيد بن محمد المعافرى القرطبى ثم السرقسطى (المعروف بابن الحداد) الذى توفى فى حدود سنة أربعمائة هجرية، أى منذ نحو ألف سنة.
وكان من بين الأهداف التى من أجلها ألف ابن الحداد كتابه هذا وفاؤه لأستاذه ابن القوطية. فقد عرض فى هذا الكتاب أكبر قدر من أفعال اللغة العربية، وأوضح قياس تصاريفها، وبين الصحيح والمعتل منها، والمجرد والمزيد، والمتعدى واللازم.
ومصادر الفعل الثلاثى. وعددا آخر من المشتقات. وكان أساس المادة التى اختارها وكتب عنها هو «كتاب الأفعال» لابن القوطية. أستاذه الذى أثبت وفاءه له بهذه الطريقة العملية. بتأليف كتاب يستكمل فيه عمل أستاذه ويستدرك ما تركه.
وهذا الوفاء الذى يحمله التلاميذ لأساتذتهم معروف بين علماء العربية. فهناك مثال شبيه بهذا، عند ما ألف أبو الفتح عثمان بن جنى كتابه «المحتسب فى تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها». وقد ألفه وفاء لذكرى أستاذه أبى على الفارسى الذى كان ينوى أن يضع كتابا فى هذا الموضوع، ولكن منيته عاجلته.
وقد حقق الكتاب الذى أقدمه هنا الدكتور حسين محمد شرف، تحقيقا علميا، اعتمد فيه على مخطوطتين. وقد عرف بهما تعريفا دقيقا، وقارن بين نصيهما، وتعقب الشواهد التى فى النص فشرحها ونسب ما أمكنه منها إلى قائليها.
[ ١ / ٦ ]
ويسرنى أن أقدم هذا الجزء من التحقيق للشادين والعلماء، فهو جزء عزيز عظيم من تراثنا اللغوى الذى يقوم على نشره مجمعنا للغة العربية، فى نطاق الأعمال العلمية التى ينشرها تحقيقا لرسالته.
مهدى علام
المعادى ١٩ من المحرم ١٣٩٥
٣١ من يناير ١٩٧٥
[ ١ / ٧ ]