مسألة القول في الفصل بين المضاف والمضاف إليه
بسم الله الرحمن الرحيم
٦٠- مسألة: [القول في الفصل بين المضاف والمضاف إليه] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف وحرف الخفض لضرورة الشعر. وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز ذلك بغير الظرف وحرف الجر.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن العرب قد استعملته كثيرًا في أشعارها، قال الشاعر:
[٢٦٥]
فَزَجَجْتُهَا بِمَزَجَّةٍ زَجَّ القَلُوصَ أَبِي مَزَادَهْ
_________________
(١) هذا البيت من الشواهد التي لا يعرف قائلها، ولا يعرف له سوابق أو لواحق، حتى قال جار الله في المفصل "١/ ٢٩١ بتحقيقنا": "وما يقع في بعض نسخ الكتاب من قوله: فزججتها بمزجة البيت فسيبويه بريء من عهدته" ا. هـ، وقد استشهد بهذا البيت رضي الدين في شرح الكافية في باب الإضافة، وشرحه البغدادي في الخزانة "٢/ ٢٥١" والزمخشري في المفصل، وابن يعيش في شرحه "ص٣٤١" وابن جني في الخصائص "٢/ ٤٠٦" والأشموني "رقم ٦٥٦ بتحقيقنا" وزججتها: طعنتها بالزج، والزج -بضم الزاي وتشديد الجيم- الحديدة التي تركب في أسفل الرمح، فأما الحديدة التي تركب في أعلى الرمح فهي السنان -بزنة الكتاب- ويروى "فزخختها" بخاءين مكان الجيمين، ماضٍ من الزخ وهو الدفع مطلقًا، أو الدفع في وهدة، والمزجة -بكسر الميم وفتح الزاي وتشديد الجيم- الرمح القصير كالمزراق، والمزخة في الرواية الأخرى: اسم الآلة من الزخ، والقلوص -بفتح القاف- الناقة الشابة، وأبو مزادة: كنية رجل، ومحل الاستشهاد في هذا البيت قوله "زج القلوص أبي مزادة" فيمن رواه بفتح القلوص وجر أبي مزادة بالياء نيابة عن الكسرة، حيث فصل بين المضاف = ١ انظر في هذه المسألة: شرح الأشموني مع حاشية الصبان "٢/ ٢٣٧ بولاق" وتصريح الشيخ خالد الأزهري "٢/ ٧١ بولاق" وشرح ابن يعيش على المفصل "ص٣٣٩" وشرح الرضي على الكافية "١/ ٢٧٠".
[ ٢ / ٣٤٩ ]
والتقدير: زج أبي مَزَادَةَ القَلُوصَ، ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالقلوص، وهو مفعول، وليس بظرف ولا حرف خفض، وقال الآخر:
[٢٦٦]
تمرُّ على ما تستمرُّ، وقد شَفَتْ غَلَائِلَ عبدُ القَيْسِ منها صُدُورِهَا
_________________
(١) = الذي هو قوله زج والمضاف إليه الذي هو قوله أبي مزادة بمفعول المضاف الذي هو قوله القلوص، وبيان ذلك أن زج مصدر فعل يتعدى إلى المفعول به، فهو يعمل عمل الفعل المتعدي: يرفع فاعلا، وينصب مفعولا، وتجوز إضافته إلى أيهما شاء المتكلم ثم يأتي بعد ذلك بالآخر، وقد أراد المتكلم ههنا أن يضيف هذا المصدر إلى فاعله وهو أبو مزادة، ففعل ذلك، ولكنه جاء بالمفعول بين المضاف والمضاف إليه، ولو أنه اتبع المهيع لقال: زج أبي مزادة القلوص، أو لقال: زج القلوص أبو مزادة، فأضاف المصدر إلى فاعله ثم أتى بمفعوله أو أضاف المصدر إلى مفعوله ثم أتى بفاعله، فلما لم يفعل أحد الوجهين مع تمكنه منه بغاية اليسر علمنا أنه لا يرى بهذا الفصل بأسًا، وأنه يعتقد جوازه من غير ضرورة ولا شذوذ، قال ابن اجني: "وفي هذا البيت عندي دليل على قوة إضافة المصدر إلى الفاعل عندهم، وأنه في نفوسهم أقوى من إضافته إلى المفعول، ألا تراه ارتكب ههنا الضرورة -مع تمكنه من ترك ارتكابها- لا لشيء غير الرغبة في إضافة المصدر إلى الفاعل دون المفعول" ا. هـ.
(٢) هذا البيت من الشواهد التي لا يعرف قائلها، بل ذكر المؤلف أنه مصنوع، وقد استشهد به رضي الدين في باب الإضافة في شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "٢/ ٢٥٠" وذكر أن ابن السيد أنشده في أبيات المعاني عن الأخفش، وتمر: من المرور، وتستمر: من الاستمرار، والغلائل: جمع غليل وهو الضغن، وشفي: أصله أن يقال: "شفى الله المريض يشفيه" أي أذهب عنه العلة، وشفاء الضغن: يراد به ذهابه واقتلاعه من الصدور، ومحل الاستشهاد بهذا البيت قوله "شفت غلائل عبد القيس منها صدورها" فقد زعم الكوفيون أن الشاعر قد فصل بين المضاف الذي هو قوله غلائل والمضاف إليه الذي هو قوله صدورها بأجنبي وهو فاعل شفت الذي هو قوله عبد القيس والجار والمجرور الذي هو قوله منها، وأصل الكلام على هذا التخريج: وقد شفت عبد القيس منها غلائل صدورها، وفي البيت تخريج آخر يخرجه عن الاستشهاد لهذه المسألة، وذلك أن تجعل غلائل مقطوعًا عن الإضافة وإنما ترك تنوينه لكونه، على صيغة منتهى الجموع فهو ممنوع من الصرف، وتجعل قوله "صدورها" بالجر مضافًا إلى محذوف مماثل للمذكور، وأصل الكلام على هذا: وقد شفت غلائل عبد القيس منها غلائل صدورها، وكل ما في البيت على هذا التخريج أن الشاعر قدم المفعول على الفاعل وحذف المضاف لدلالة ما تقدم عليه، فأما تقديم المفعول فلا ينازع أحد في جوازه، وأما حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه على جره فله نظائر منها قراءة من قرأ ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ بجر "الآخرة" على تقدير: والله يريد ثواب الآخرة ومنها قول ابن قيس الرقيات، وهو الشاهد رقم ١٩ السابق: رحم الله أعظما دفنوها بسجستان طلحة الطلحات فإن هذا البيت يخرج على تقدير: رحم الله أعظما دفنوها بسجستان أعظم طلحة الطلحات.
[ ٢ / ٣٥٠ ]
والتقدير: شفت غلائل صدورها عبد القيس منها، ففصل بين المضاف والمضاف إليه، وقال الآخر:
[٢٦٧]
يَطُفْنَ بِحُوزِيِّ المَرَاتِعِ لَمْ تُرَعْ بِوَادِيهِ مِنْ قَرْعِ القِسِيَّ الكَنَائِنِ
_________________
(١) هذا البيت من كلام الطرماح بن حكيم "انظر الديوان ١٦٩" وقد أنشده ابن منظور "ح وز" وابن جني في الخصائص "٢/ ٤٠٦ ط الدار" وابن الناظم في شرح ألفية والده ابن مالك، وشرحه العيني "٣/ ٤٦٢ بهامش الخزانة" والبيت في وصف بقر الوحش، وتطفن: أي تدرن حوله، تقول: طاف الرجل بالقوم، وطاف عليهم، وأطاف أيضًا: أي استدار، وأطاف فلان بالأمر؛ إذا أحاط به، وأنشد أبو الجراح: أطفئت به نهارا غير ليل وألهى ربها طلب الرجال وقال أبو خراش: أطفت عليه الطير وهو ملحب خلاف البيوت عند محتمل الصرم وأصل الحوزي: التوحد المنفرد، وأراد به في بيت الشاهد فحل البقر الوحشي الذي يصفه، والمراتع: جمع مرتع وهو مكان الرتع، يريد أنه منفرد بهذه الأماكن يرتع فيها ما شاء، ولم يرع -بالبناء للمجهول- أي لم يخف، والقرع: الضرب، والقسي جمع قوس، والكنائن: جمع كنانة، وهي جراب توضع فيه السهام. ومحل الاستشهاد بالبيت قوله "قرع القسي الكنائن" فإن الرواية فيه بنصب "القسي" وجر "الكنائن" فيكون تخريجه على أن قوله "قرع" مصدر مضاف إلى قوله "الكنائن" الذي هو فاعل المصدر، وقد فصل بين المضاف والمضاف إليه بقوله "القسي" الذي هو مفعول المصدر ونظير ذلك قراءة ابن عامر في الآية ١٣٧ من سورة الأنعام التي تلاها المؤلف ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ بنصب "أولادهم" وجر "شركائهم" على أن قتل" مصدر مضاف إلى فاعله وهو قوله ﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾ وقد فصل بينهما بمفعول المصدر وهو قوله ﴿أَوْلادِهِمْ﴾ ومثل ذلك أيضًا قول الشاعر: عتوا إذا أجبناهم إلى السلم رأفة فسقناهم سوق البغاث الأجادل الرواية فيه بنصب "البغاث" وجر "الأجادل" ومجازها أن قوله "سوق" مصدر مضاف إلى فاعله وهو قوله "الأجادل" وقد فصل بينهما بمفعول المصدر وهو قوله "البغاث" وأصل الكلام: فسقناهم سوق الأجادل البغاث، ومثله قول عمرو بن كلثوم: وحلق الماذي والقوانس فداسهم دوس الحصاد الدائس الرواية بنصب "الحصاد" وجر "الدائس" وتخريجها أن "دوس" مصدر مؤكد لعامله وهو مضاف إلى فاعله الذي هو قوله "الدائس" وقد فصل بينهما بمفعول المصدر الذي هو قوله "الحصاد" وأصل الكلام: فداسهم دوس الدائس الحاصد. ونظيره قول أبي جندل الطهوي: يفركن حب السنبل الكنافج بالقاع فرك القطن المحالج الرواية فيه بنصب "القطن" وجر "المحالج" وتخريجها أن قوله "فرك" مصدر مؤكد لعامله الذي هو قوله "يفركن" وقد أضاف هذا المصدر إلى فاعله الذي هو قوله "المحالج" وفصل بينهما بمفعول المصدر وهو قوله "القطن" وأصل الكلام: فرك المحالج القطن.
[ ٢ / ٣٥١ ]
والتقدير: مِنْ قَرْعِ الكَنَائِنِ القِسِيَّ، وقال الآخر:
[٢٦٨]
فَأَصْبَحَتْ بَعْدَ خَطِّ بَهْجَتِهَا كأنَّ قَفْرًا رُسُومَهَا قَلَمَا
والتقدير: بعد بهجتها، ففصل بين المضاف الذي هو "بعد" والمضاف إليه الذي هو "بهجتها" بالفعل الذي هو "خط" وتقدير البيت: فأصبحت قفرًا بعد بهجتها كأن قلما خط رسومها. وقد حكى الكسائي عن العرب: هذا غلام والله زيد، وحكى أبو عبيدة قال: سمعت بعض العرب يقول: إن الشاة لَتَجْتَرُّ فتسمع صوت والله رَبِّهَا، ففصل بين المضاف والمضاف إليه بقوله "والله"، وإذا جاء هذا في الكلام ففي الشعر أولى، وقد قال ابن عامر أحد القراء السبعة ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ بنصب "أولادهم" وجر "شركائهم" ففصل بين المضاف والمضاف إليه بقوله "أولادهم" والتقدير فيه: قتلُ شركائِهِم أولادَهم، ولهذا كان منصوبًا في هذه القراءة، وإذا جاء في القرآن ففي الشعر أولى.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز ذلك لأن المضاف والمضاف إليه بمنزلة شيء واحد؛ فلا يجوز أن يفصل بينهما، وإنما جاز الفصل بينهما بالظرف وحرف الجر، كما قال عمرو بن قَمِيئَةَ:
[٢٦٩]
لَمَّا رَأَتْ سَاتِيدَمَا اسْتَعْبَرَتْ للهِ دَرُّ اليوم مَنْ لَامَهَا
_________________
(١) أنشد ابن منظور هذا البيت "خ ط ط" ولم يعزه، وهذا البيت مهلهل النسج مضطرب التركيب، يصف الشاعر فيه الديار بالخلاء وارتحال الأنيس وذهاب المعالم، وأصل نظام البيت هكذا: فأصبحت بعد بهجتها قفرًا كأن قلما خط رسومها؛ ففصل بين أصبح وخبرها، وبين المضاف والمضاف إليه، وبين الفعل ومفعوله، وبين كأن واسمها، وقدم خبر كأن عليها وعلى اسمها، فصار أحجية من الأحاجي، واستشهاد المؤلف به في قوله "بعد خط بهجتها" حيث فصل بين المضاف الذي هو قوله "بعد" والمضاف إليه وهو وقوله "بهجتها" بأجنبي وهو قوله "خط" وهو فعل ماضٍ فاعله مستتر فيه يعود إلى القلم الذي في آخر البيت، ومفعول خط هو قوله "رسومها" وأصل هذه العبارة: كأن قلما خط "هو" رسومها.
(٢) هذا البيت من كلام عمرو بن قميئة صاحب امرئ القيس في رحلته إلى بلاد الروم، وهو الذي يقول فيه: بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه وأيقن أنّا لاحقان بقيصرا والبيت من شواهد سيبويه "١/ ٩١" والزمخشري في المفضل "رقم ٩٩" وابن يعيش في شرح المفصل "ص٣٣٩" ورضي الدين في باب الإضافة من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "٢/ ٢٤٧" وساتيدما: جبل عند ميافارقين، واستعبرت: بكت من وحشة الغربة ولبعدها عن أهلها، والعرب تقول "لله در فلان" إذا دعوا له أو تعجبوا من =
[ ٢ / ٣٥٢ ]
ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف؛ لأن التقدير لله در من لامها اليوم، وقال أبو حيّة النّميري:
[٢٧٠]
كما خُطَّ الكتابُ بِكَفّ يومًا يهوديّ يُقَارِبُ أو يُزِيلُ
_________________
(١) = بلوغه الغاية في شيء ما، وصف الشاعر امرأة نظرت إلى ساتديما فذكرت به بلادها فاستعبرت شوقًا إليها، ثم قال: لله در من لامها اليوم على بكائها، يتعجب من شأن لائمها وينكر عليه فعله؛ لأنها عنده قد بكت بحق فلا محل للومها. ومحل الاستشهاد هنا بهذا البيت قوله "در اليوم من لامها" فإن قوله "در" مضاف وقوله "من لامها" اسم موصول مضاف إليه، وقد فصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف وهو قوله "اليوم".
(٢) هذا البيت من كلام أبي حية النميري، واسمه الهيثم بن الربيع، وهو من شواهد سيبويه "١/ ٩١" وابن جني في الخصائص "٢/ ٤٠٥" والأشموني "رقم ٦٦٢" وابن هشام في أوضح المسالك "رقم ٣٥٨" وابن عقيل "رقم ٢٤٠" وشرحه العيني "٣/ ٤٧٠ بهامش الخزانة" ورواه ابن منظور "ع ج م" غير أنه روى صدره: كتحبير الكتاب بكف يوما وصف أبو حية رسوم الدار فشبهها بالكتاب في دقتها والاستدلال بها، وخص اليهودي لأن اليهود هم أهل الكتابة، وجعل كتابته بعضها متقاربًا وبعضها مفترقًا متباينًا لاقتضاء آثار الديار تلك الصفة والحال، ومعنى قوله "يزيل" يفرق ما بينها ويباعد. ومحل الاستشهاد بالبيت قوله "بكف يوما يهودي" فإن قوله "كف" مضاف إلى قوله "يهودي" وقد فصل بينهما بالظرف وهو قوله "يوما" وهذا الظرف أجنبي من المضاف إذ لا عمل له فيه، وهو نظير بيت عمرو بن قميئة "رقم ٢٦٩" ونظيرهما قول الآخر وهو من شواهد الأشموني "رقم ٦٥٨": فرشني بخير لا أكونن ومدحتي كناحت يوما صخرة بعسيل ومحل الاستشهاد به في قوله "كناحت يوما صخرة" فإن قوله "ناحت" مضاف إلى قوله "صخرة" وقد فصل بينهما بالظرف وهو قوله "يوما" غير أن هذا الظرف متعلق بالمضاف الذي هو قوله ناحت، لأن هذا المضاف اسم فاعل يعمل عمل الفعل فيجوز أن يتعلق به الظرف، ونظيره قول الآخر وهو من شواهد سيبويه "١/ ٩٠" وابن يعيش "ص٣٣٩". رب ابن عم لسليمى مشمعل طباخ ساعات الكرى زاد الكسل عند من رواه بجر "زاد الكسل" فإن هذه الرواية تخرج على أن قوله "طباخ" مضاف إلى قوله "زاد الكسل" وقد فصل بينهما بالظرف وهو قوله "ساعات الكرى" وهذا الظرف منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، ويروى بنصب "زاد الكسل" وتخرج على أنه أضاف قوله "طباخ" إلى "ساعات الكرى" ويكون قوله "زاد الكسل" مفعولا به لقوله طباخ، وفاعله ضمير مستتر فيه، ونظيره تمامًا ما أنشده سيبويه. يا سارق الليلة أهل الدار يروى بنصب "أهل الدار" على أنه أضاف قوله "سارق" إلى الظرف، ويروى بجر "أهل الدار" على أنه أضاف قوله "سارق" إلى قوله "أهل الدار" وفصل بينهما بالظرف الذي هو قوله "الليلة".
[ ٢ / ٣٥٣ ]
ففصل بين المضاف والمضاف إليه؛ لأن تقديره: بكف يهودي يومًا، وقال ذو الرمة:
[٢٧١]
كَأَنَّ أصواتَ من إِيغَالِهِنَّ بنا أَوَاخِرَ المَيْسِ أَصْوَاتُ الفَرَارِيج
وقال امرأةٌ من العرب دُرْنَا بنتُ عَبْعَبَةَ الجَحْدَرِيَّة، وقيل: عَمْرَةُ الجُشَمِيَّة:
[٢٧٢]
هما أَخَوَا في الحرب مَنْ لا أخا لَهُ إذا خاف يومًا نبوةً فدعاهما
_________________
(١) هذا البيت من كلام ذي الرمة غيلان بن عقبة، وهو من شواهد سيبويه "١/ ٩٢" وابن جني في الخصائص "٢/ ٤٠٤" ورضي الدين في باب الإضافة من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "٢/ ١١٩ و٢٥٠" و"من" للتعليل، والإيغال: الإبعاد، تقول: "أوغل في الأرض" إذا أبعد فيها، والضمير يعود إلى الإبل، والأواخر جمع آخرة الرحل، وهي العود الذي يستند إلى الركب، والميس -بفتح الميم وسكون الياء. شجر تتخذ منه الرحال والأقتاب، وإضافة الأواخر إليه على معنى من، مقل الإضافة في قولهم: باب ساج، وخاتم فضة، والفراريج: جمع فروج، وهو الصغير من الدجاج، ويروى "إنقاض الفراريج" بكسر الهمزة، والإنقاض: مصدر "أنقضت الدجاجة" أي صوتت، ومحل الاستشهاد بالبيت هنا قوله: "أصوات من إيغالهن بنا أواخر الميس" فإن قوله: "أصوات" مضاف إلى قوله: "أواخر الميس" وقد فصل بين المضاف والمضاف إليه بالجارين والمجرورين اللذين هما قوله: "من إيغالهن بنا" وأصل الكلام: كأن أصوات أواخر الميس أصوات الفراريج من إيغالهن بنا، وسنذكر لك نظائر هذا مع شرح الشاهد الآتي:
(٢) هذا البيت لشاعرة من شواعر العرب من كلمة ترثي فيها أخوين لها، وقد اختلف الرواة في تسميتها، فسماها سيبويه والزمخشري وابن يعيش "درنا بنت عبعبة، من قيس بن ثعلبة" وسماها أبو تمام في ديوان الحماسة عمرة الخثعمية، وروى الخطيب التبريزي عن أبي رياش أن الصواب أن قائل الأبيات "درماء بنت سيار بن عبعبة الجحدرية" والبيت من شواهد سيبويه "١/ ٩٣" والزمخشري في المفصل "رقم ١٠٠ بتحقيقنا" وابن يعيش في شرحه "ص٣٤٠" وابن جني في الخصائص "٢/ ٤٠٥" وابن الناظم، وشرحه العيني "٣/ ٤٧٢ بهامش الخزانة" وأصل النبوة -بفتح وسكون الباء الموحدة- أن يضرب بالسيف فلا يمضي في الضريبة، رثت أخويها فهي تقول: لقد كانا لمن ليس له أخ في الحرب ولا ناصر يأخذ بيده أخوين: ينصرانه إذا دهمه العدو، ويأخذان بيده إذا غشيه الهول فخاف ألا يستطيع دفع الهلاك عن نفسه، ومحل الاستشهاد بالبيت قوله: "أخوا في الحرب من لا أخا له" فإن قوله: "أخوا" مثنى الأخ مضاف إلى الاسم الموصول وهو قوله: "من" وقد فصل بين المضاف والمضاف إليه بالجار والمجرور الذي هو قوله: "في الحرب" وأصل الكلام: هما أخوا من لا أخا له في الحرب، ونظيره -فيما رأى ابن مالك- الحديث "هل أنتم تاركو لي صاحبي" فإن قوله ﷺ: "تاركو" مضاف وقوله: "صاحبي" مضاف إليه، وقد فصل بينهما بالجار والمجرور الذي هو قوله: "لي" ونظيره قول الشاعر: لأنت معتاد في الهيجا مصابرة يصلى بها كل من عاداك نيرانا =
[ ٢ / ٣٥٤ ]
ففصل بين المضاف والمضاف إليه؛ لأن تقديره: هما أخوا من لا أخا له في الحرب؛ لأن الظرف١ وحرف الجر يتسع فيهما ما لا يتسع في غيرهما، فبقينا فيما سواهما على مقتضى الأصل.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما ما أنشدوه فهو مع قلّته لا يعرف قائله؛ فلا يجوز الاحتجاج به.
وأما ما حكى الكسائي من قولهم "هذا غلامُ واللهِ زيدٍ" وما حكاه أبو عبيده عن بعض العرب من قولهم "فتسمع صَوْتَ والله رَبِّهَا" فنقول: إنما جاء ذلك في اليمين لأنها تدخل على أخبارهم للتوكيد، فكأنهم لما جازوا بها موضعها استدركوا ذلك بوضع اليمين حيث أدركوا من الكلام؛ ولهذا يسمونها في مثل هذا النحو "لغوًا" لزيادتها في الكلام في وقوعها غير موقعها.
والذي يدل على صحة هذا أنا أجمعنا وإياكم على أنه لم يجئ عنهم الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير اليمين في اختيار الكلام.
وأما قراءة من قرأ من القراء: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ فلا يَسُوغُ لكم الاحتجاج بها: لأنكم لا تقولون بموجبها؛ لأن الإجماع واقع على امتناع الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول في غير ضرورة الشعر، والقرآن ليس فيه ضرورة، وإذا وقع الإجماع على امتناع الفصل [به] بينهما في حال الاختيار سقط الاحتجاج بها على حالة الاضطرار، فبان أنها إذا لم يجز أن تجعل حجّة في النظير لم يجز أن تجعل حجة في النقيض.
والبصريون يذهبون إلى وَهْي هذه القراءة وَوَهْم القارئ؛ إذ لو كانت صحيحة لكان ذلك من أفصح الكلام، وفي وقوع الإجماع على خلافه دليل على وَهْيِ القراءة، وإنما دعا ابن عامر إلى هذه القراءة أنه رأى في مصاحف أهل الشأم "شركائهم" مكتوبا بالياء ومصاحف أهل الحجاز والعراق "شركاؤهم" بالواو، فدلّ٢ على صحة ما ذهبنا إليه، والله أعلم.
_________________
(١) = والاستشهاد في قوله "معتاد" في الهيجا مصابرة" فإن قوله "معتاد مضاف إلى قوله "مصابرة" وقد فصل بينهما بالجار والمجرور وهو قوله "في الهيجا" وأصل الكلام: لأنت معتاد مصابرة في الهيجا. ١ قوله "لأن الظرف وحرف الجر يتسع فيهما" تعليل لقوله فيما سبق "وإنما جاز الفصل بينهما بالظرف وحرف الجر". ٢ أي فدلَّ وهي القراءة وعدم صحة الاستدلال بها على صحة ما ذهبنا إليه.
[ ٢ / ٣٥٥ ]
٦١- مسألة: [هل تجوز إضافة الاسم إلى اسم يوافقه في المعنى؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز إضافة الشيء إلى نفسه إذا اختلف اللفظان. وذهب البصريون أنه لا يجوز.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأنه قد جاء في كتاب الله وكلام العرب كثيرًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ اليقينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] واليقين في المعنى نعت للحق؛ لأن الأصل فيه الحق اليقين، والنعت في المعنى هو المنعوت، فأضاف المنعوت إلى النعت وهما بمعنى واحد، وقال تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ [يوسف: ١٠٩] والآخرة في المعنى نعت الدار، والأصل فيه وللدار الآخرة خير، كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿ولَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ [الأنعام: ٣٢] فأضاف دار إلى الآخرة، وهما بمعنى واحد، وقال تعالى: ﴿جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [قّ: ٩] والحب في المعنى هو الحصيد، وقد أضافه إليه، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤] والجانب في المعنى هو الغربي، ثم قال الراعي:
[٣٧٢]
وقَرَّبَ جانب الغربي يَأْدُو مَدَبَّ السَّيلِ، واجتنب الشِّعَارَا
_________________
(١) أنشد ابن منظور هذا البيت "د ب ب -ش ع ر" ولم يعزه، والبيت في وصف الحمار وحش، ودب السيل -بفتح الميم وداله مفتوحة أو مكسورة- موضع جريه، ويقال "تنح عن مدب السيل" بفتح الدال وكسرها، أي ابتعد عن مكان جريه والشعار -بفتح الشين بزنة السحاب، عن ابن السكيت والرياشي، وقال شمر والأصمعي هو بكسر الشين بزنة الكتاب مثل شعار المرأة -وهو الشجر الملتف، وقيل: هو ما كان من الشجر في لين ووطاء من الأرض يحله الناس يستدفئون به في الشتاء ويستظلون به في القيظ، ويقال "أرض ذات شعار" أي ذات شجر، يريد الشاعر أن هذا الحمار الوحشي قد اجتنب الشجر مخافة أن = ١ انظر في هذه المسألة: شرح الأشموني مع حاشية الصبان "٢/ ٢١٥ بولاق" وتصريح الشيخ خالد "٢/ ٤٠ بولاق" وشرح ابن يعيش على المفصل "ص٣٢٩ وما بعدها إلى ٣٣٣" وشرح الرضي على الكافية "١/ ٢٦٣-٢٦٦".
[ ٢ / ٣٥٦ ]
ومن ذلك قولهم "صَلَاةُ الأولى، ومَسْجدُ الجامع، وبَقْلَةُ الحمقاء" والأولى في المعنى هي الصلاة، والجامع هو المسجد، والبقلة هي الحمقاء، وقد أضافوها إليها، فدل على ما قلناه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز لأن الإضافة إنما يراد بها التعريف والتخصيص، والشيء لا يتعرف بنفسه، لأنه لو كان فيه تعريف كان مستغنيًا عن الإضافة، وإن لم يكن فيه تعريف كان بإضافته إلى اسمه أبعد من التعريف؛ إذ يستحيل أن يصير شيئًا آخر بإضافة اسمه إلى اسمه؛ فوجب أن لا يجوز كما لو كان لفظهما مُتَّفِقًا.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما ما احتجوا به فلا حجة لهم فيه؛ لأنه كله محمول على حذف المضاف إليه وإقامة صفته مقامه، أما قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ اليقينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] فالتقدير فيه: حق الأمر اليقين، كما قال تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] أي دين الملة القيمة، وأما قوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ [يوسف: ١٠٩] فالتقدير فيه: ولدار الساعة الآخرة، وأما قوله تعالى: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [قّ: ٩] أي حب الزرع الحصيد، ووصف الزرع بالحصيد، وهو التحقيق١؛ لأن الحب اسم لما ينبت في الزرع، والحصد إنما يكون للزرع الذي ينبت فيه الحب، لا للحب، ألا ترى أنك تقول "حصدت الزرع" ولا تقول "حصدت الحب" وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤] فالتقدير فيه: بجانب المكان الغربيّ، وأما قولهم "صلاة الأولى" فالتقدير فيه: صلاة الساعة الأولى، وأما قولهم "مسجد الجامع" فالتقدير فيه: مسجد الموضع الجامع، وأما قولهم "بقلة الحمقاء" فالتقدير فيه: بقلة الحبة الحمقاء٢؛ لأن البقلة اسم لما نبت من تلك الحبة، ووصف الحبة بالحمق، وهو التحقيق١؛ لأنها الأصل، وما نَبَتَ
_________________
(١) = يرمى فيها ولزم مدرج السيول لأن الصيادين يبتعدون عنه، ومحل الاستشهاد عن المؤلف بهذا البيت في هذا الموضع قوله "جانب الغربي" فإن المراد بالجانب هو نفس المراد بالغربي عن الكوفيين، وقد أضاف الشاعر "جانب" إلى "الغربي" فيكون قد أضاف اسمًا إلى اسم آخر بمعناه، وزعموا أن قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ من هذا القبيل، والبصريون يذهبون إلى أن الكلام تقدير مضاف يكون موصوفًا بما جعل مضافًا إليه، أي جانب المكان الغربي، فهو من باب حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، وهو تكلّف لا داعي له. ١ كذا في الأصل في الموضعين، والراجح عندنا أن الواو في قوله "وهو التحقيق" زائدة، وأصل الكلام: ووصف الزرع بالحصيد هو التحقيق، وكذلك في الموضع الثاني. ٢ في ر "بقلة الجنة الحمقاء" تحريف.
[ ٢ / ٣٥٧ ]
منها فرع عليها، فكان وصف الأصل بالحمق أولى من وصف الفرع، وإنما وصفت بذلك لأنها تنبت في مَجَارِي السيول فتقلعها، ولذلك يقولون في المثل "هو أحمق مِنْ رِجْلَةٍ" فإذا كان جميع ما احتجوا به محمولًا على حذف المضاف إليه وإقامة صفته مقامه على ما بيَّنَّا لم يكن لهم فيه حجّة، والله أعلم.
[ ٢ / ٣٥٨ ]
٦٢- مسألة: ["كلا" و"كلتا" مثنيان لفظًا ومعنًى، أو معنًى فقط؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن "كلا، وكلتا" فيهما تثنية لفظية ومعنوية، وأصل كلا "كل" فخفّفت اللام، وزيدت الألف للتثنية، وزيدت التاء في "كلتا" للتأنيث، والألف فيهما كالألف في "الزيدان"، والعمران" ولزم حذف نون التثنية منهما للزومهما الإضافة.
وذهب البصريون إلى أن فيهما إفرًادا لفظيًّا وتثنية معنوية، والألف فيهما كالألف في "عصًا، ورحًا".
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنهما مثنَّيان لفظًا ومعنًى وأن الألف فيهما للتثنية النقل والقياس:
أما النقل فقد قال الشاعر:
[٢٧٤]
في كِلْتَ رجليها سُلَامَى وَاحِدَهْ كِلْتَاهُمَا مَقْرُونَةٌ بِزَائِدَهْ١
_________________
(١) هذا البيت من شواهد رضي الدين في شرح الكافية "١/ ٢٨" وشرحه البغدادي في الخزانة "١/ ٦٢ بولاق" وشرحه العيني "١/ ١٥٩ بهامش الخزانة" ومن شواهد الأشموني "رقم ١٨" وقد أنشده ابن منظور "ك ل ا" ولم أعثر له على نسبة إلى قائل معين، ويروى: كلتاهما قد قرنت بزائده والسلامى -بضم السين وتخفيف اللام، بزنة الحبارى- واحدة السلاميات، وهي العظام التي تكون بين كل مفصلين من مفاصل الأصابع في اليد أو الرجل. ومحل الاستشهاد بهذا البيت في هذا الموضع قوله "في كلت" فإن البغداديين والفراء زعموا أن "كلت" ههنا مفرد كلتا في نحو قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ وزعموا أن "كلا" و"كلتا" مثنَّيان لفظًا ومعنًى، والألف فيهما زائدة للدلالة على التثنية، والتاء في "كلتا" = ١ انظر في هذه المسألة: شرحنا على شرح الأشموني "١/ ٤٥" وحاشية الصبان "١/ ٨٣ بولاق" وتصريح الشيخ خالد مع حاشية يس "١/ ٨٠ بولاق" وشرح رضي الدين على الكافية "١/ ٢٨" وشرح ابن يعيش على المفصل "ص٦٣ ليبزج".
[ ٢ / ٣٥٩ ]
فأفرد قوله "كِلْتَ" فدلَّ على أن "كِلْتَا" تثنية.
_________________
(١) = للتأنيث، وأصل كل واحد منهما قبل اللواحق "كل" بتشديد اللام -الذي يستعمل في نحو قولك "الأمر كله بيد الله" فحذفت لامها الثانية وكسرت كافها، ثم لو أردت المفرد المؤنث زدت التاء فقلت "كلت" كما قال الراجز "في كلت رجليها" وإذا أردت المثنى المذكر زدت الألف الدالة على التثنية فقلت "كلا الرجلين عندي رجل خير" وإذا أردت المثنى المؤنث زدت التاء للدلالة على التأنيث والألف للدلالة على التثنية فقلت "كلتا المرأتين عفيفة المئزر" وسيبويه ﵀ وجمهور نحاة البصرة لا يرتضون هذا الكلام، وعندهم أن "كلا" و"كلتا" مفردان لفظًا مثنيان معنًى، والألف فيهما هي لام الكلمة، فوزن "كلا" فعل -بكسر الفاء وفتح العين، نظير رضا ومعى- وهذه الألف التي في "كلا" منقلبة عن واو، وقيل: عن ياء، ووزن "كلتا" فعلى مثل ذكرى -والتاء فيها هي لام الكلمة، وأصلها واو على ما اختاره ابن جني، واختار أبو علي أن أصلها ياء، أما الألف في "كلتا" فهي زائدة لدلالة التأنيث، قالوا: والدليل على أن هاتين الكلمتين مفردان لفظًا مثنيان معنًى أنه يخبر عنهما بالمفرد ويعود الضمير إليهما مفردًا، ولو كانا مثنيين لفظًا ومعنًى لما جاز أن يخبر عنهما بالمفرد ولا أن يعود إليهما الضمير مفردا، وأيضا فإنا نجد العرب جميعًا إذا أضافوهما إلى الاسم الظاهر يلزمونهما الألف في الرفع والنصب والجر نحو "كلا الرجلين مؤدب" ونحو "كلتا المرأتين صالحة" وهو "إن كلا هذين الرجلين مستقيم" وما أشبه ذلك ولو كانا مثنيين لفظا ومعنى لوجب أن يجيئا بالياء في حال النصب والجر في لسان أكثر العرب من غير تفرقة بين ما إذا كان المضاف إليه مضمرًا وما إذا كان مظهرًا، كسائر المثنيات، واستمع إلى ما نقله ابن منظور عن الجوهري، قال: "كلا في تأكيد الاثنين نظير كل في المجموع، وهو اسم مفرد غير مثنى، فإذا ولي اسمًا ظاهرًا كان في الرفع والنصب والخفض على حالة واحدة، بالألف، تقول: رأيت كلا الرجلين، وجاءني كلا الرجلين، فإذا اتصل بمضمر قلبت الألف ياء في موضع الجر والنصب فقلت: رأيت كليهما، ومررت بكليهما، وتبقى في الرفع على حالها، وقال الفراء: هو مثنى، مأخوذ من كل، فخففت اللام وزيدت الألف للتثنية، وكذلك كلتا للمؤنث، ولا يكونان إلا مضافين، ولم يتكلم منهما بواحد، ولو تكلم به لقيل: كل، وكلت، وكلان، وكلتان، واحتج بقول الشاعر: في كلت رجليها سلامى واحده أراد في إحدى رجليها فأفرد، وهذا القول ضعيف عند أهل البصرة؛ لأنه لو كان مثنى لوجب أن تنقلب ألفه في النصب والجر ياء مع الاسم الظاهر؛ ولأن معنى كلا مخالف لمعنى كل؛ لأن كلا للإحاطة، وكلا يدل على شيء مخصوص، وأما هذا الشاعر فإنما حذف الألف للضرورة وقدر أنها زائدة، وما يكون ضرورة لا يجوز أن يجعل حجة، فثبت أنه اسم مفرد كمعى، إلا أنه وضع ليدل على التثنية، كما أن قولهم نحن اسم مفرد يدل على الاثنين فما فوقهما" ا. هـ كلامه. ونظير هذا الشاهد -في حذف الألف من "كلتا" بخصوصها- قول الشاعر الآخر، وهو من شواهد الرضي: كلت كفيه توالي دائمًا بجيوش من عقاب ونعم =
[ ٢ / ٣٦٠ ]
وأما القياس فقالوا: الدليل على أنها ألف التثنية أنها تنقلب إلى الياء في النصب والجر إذا أضيفتا إلى المضمر، وذلك نحو قولك: "رأيت الرجلين كليهما، ومررت بالرجلين كليهما، ورأيت المرأتين كلتيهما، ومررت بالمرأتين كلتيهما" ولو كانت الألف في آخرهما كالألف في آخر "عصًا، ورحًا" لم تنقلب كما لم تنقلب ألفهما نحو "رأيت عصاهما ورحاهما، ومررت بعصاهما ورحاهما" فلما انقلبت الألف فيهما انقلاب ألف "الزيدان، والعمران" دل على أن تثنيتهما لفظية ومعنوية.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن فيهما إفرادًا لفظيًّا وتثنية معنوية أن الضمير تارة يُرَدّ إليهما مفردًا حملًا على اللفظ، وتارة يردّ إليهما مثنى حملًا على المعنى.
فأما رَدُّ الضمير مفردًا حملًا على اللفظ فقد جاء ذلك كثيرًا، قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف: ٣٣] فقال: ﴿آتَتْ﴾ بالإفراد حملًا على اللفظين ولو كان مثنى لفظًا ومعنًى لكان يقول: ﴿آتَتْا﴾ كما تقول: الزيدان ذهبا، والعمران ضربا، وقال الشاعر:
[٢٧٥]
كِلَا أَخَوَيْنَا ذو رجال، كأنهم أُسُودُ الشّرَى من كل أَغْلَبَ ضَيْغَمِ
_________________
(١) = والعرب كما تشبع الحركات فتنشأ عنها حروف اللين "انظر الشواهد ٦-١٧ في المسألة الثانية" تقطع حروف المد، وتحذفها مجتزئة بالحركات التي قبلها؛ لأنها مجانسة لها ودالة عليها "وانظر الشواهد ٢٤٥-٢٥٤ التي مرت في المسألة ٥٦، ثم انظر لها نظائر في المسالة ٧٢" وفي هذا القدر ما يكفي أو يغني.
(٢) الشرى -بفتح الشين، بوزن الفتى- موضع تنسب إلى الأسود، ويقال للشجعان: هم أسود الشرى، قال بعضهم: شرى موضع بعينه تأوي إلى الأسود، وقيل: هو شرى الفرات وناحيته، وبه غياض وآجام ومأسدة، وقال الشاعر: أسود شرى لاقت أسود خفية والشرى: طريق في جبل سلمى أحد جبلي طيّئ كثير الأسد. والأغلب: يراد منه الأسد، والضيغم: الأسد أيضًا، وقيل: هو الواسع الشدق من الأسد، وأصل اشتقاقه من الضيغم وهو العض الشديد، ومحل الاستشهاد من البيت قوله "كلا أخوينا ذو رجال" فدل ذلك على أن "كلا" له جهة إفراد، وإلا لما صح الإخبار عنه بالمفرد؛ لأن المبتدأ والخبر يجب أن يتطابقا في الإفراد والتثنية والجمع، ولا تخلو جهة الإفراد في كلا أن تكون جهة اللفظ أو جهة المعنى، وقد اتفق الفريقان الكوفيون والبصريون على أن "كلا" مثنى في المعنى -وقد أخبر عن "كلا" بمفرد وهو قوله "ذو رجال"- فبقي جهة اللفظ، فوجب أن يكون مفردًا لفظًا، وهو ما ذهب إليه البصريون.
[ ٢ / ٣٦١ ]
فقال "ذو" بالإفراد حملًا على اللفظ، ولو كان مثنى لفظًا ومعنًى لقال "ذَوَا" وقال الآخر:
[٢٧٦]
كِلَا أَخَوَيكُم كان فَرْعًا دِعَامَة ولكنهم زَادُوا وأَصْبَحْتَ نَاقِصَا
فقال "كان" بالإفراد حملًا على اللفظ، ولم يقل "كانا" وقال الآخر:
[١٢٢]
أُكَاشِرُهُ وأعلم أن كِلَانَا على ما ساء صاحِبَهُ حَرِيصُ
فقال "حريص" بالإفراد ولم يقل "حريصان" وقال الآخر:
[٢٧٧]
كلانا يا يزيد يحب ليلى بِفِيَّ وفِيكَ مِنْ ليلى التُّرَابُ
فقال "يحب" بالإفراد على ما بيَّنَّا. وقال الآخر:
[٢٧٨]
كِلَانا ثَقَلَيْنَا وَاثِقٌ بِغَنِيمَةٍ وقد قَدَرَ الرَّحمن ما هو قادر
_________________
(١) أنشد ابن منظور صدر هذا البيت "ك ل ا" ونسبه إلى الأعشى، ولكنه رواه "كلا أبويكم" كما في الديوان "١٠٩" وأصل الفرع -بفتح الفاء وسكون الراء- القوس يكون خير القسي ومنه قالوا: فرع فلان فلانًا، أي فاقه، وقالوا: فرع فلان القوم، تفرعهم: أي فاقهم وعلاهم، والدعامة -بكسر الدال وتخفيف العين- سيد القوم ورئيسهم، وقالوا: فلان دعامة عشيرته، يريدون أنه سيدها، والاستشهاد بهذا البيت هنا في قوله "كلا أخويكم كان فرعًا" حيث أعاد الضمير من "كان" على "كلا" وهو ضمير المفرد الغائب، فدلَّ على أن في "كلا أخويكم" جهة إفراد، وهي جهة اللفظ، على نحو ما بيناه في شرح الشاهد السابق.
(٢) هذا البيت لمزاحم بن الحارث العقيلي، وكان يحب ليلى بنت مهدي صاحبة قيس بن معاذ المعروف بمجنون ليلى، وصحة رواية البيت مع بيتين يليانه هكذا: كلانا يا معاذ يحب ليلى بفي وفيك من ليلى التراب شركتك في هوى من كان حظي وحظك من مودتها العذاب لقد خبلت فؤادك ثم ثنت بقلبي؛ فهو مخبول مصاب ومعاذ: هو معاذ بن كليب العامرين كان مجنونا من مجانين ليلى، وكان مزاحم قد شركه في حبها، ويقال: إنه لما سمع هذه الأبيات من مزاحم التبس وخولط في عقله وقوله "بفي وفيك من ليلى التراب" دعاء على نفسه وعلى صاحبه بأنه يرجع كل منهما من حب ليلى بالخيبة من غير أن ينال حظا من مودتها. ومحل الاستشهاد بالبيت قوله: "كلانا يحب ليلى" حيث أعاد الضمير من "يحب" مفردًا إلى "كلانا" فدل ذلك على أن لكلا جهة إفراد، وهي جهة اللفظ، على نحو ما قررناه في الشاهد ٢٧٥، ونظير هذا البيت في الإخبار عن كلا بالمفرد قول ليلى العامرية: كلانا مظهر للناس بغضًا وكل عند صاحبه مكين فقال: "كلانا مظهر" فأخبر بالمفرد الذي هو "مظهر" عن "كلا" فهذا يدل على أن "كلا" مفرد لفظًا؛ لأن معناها مثنى بالإجماع.
(٣) هذا البيت من كلام إياس بن مالك بن عبد الله المعني، وبعده قوله: فلم أرَ يوما كان أكثر سالبًا ومستلبًّا سرباله لا يناكر =
[ ٢ / ٣٦٢ ]
فقال "واثق" بالإفراد. وقال الآخر:
[٢٧٩]
كِلَا يَوْمَيْ أُمَامَةَ يومُ صَدٍّ وإن لم نَأْتِهَا إلا لمَامَا
_________________
(١) = وأكثر منا يافعا يبتغي العلا يضارب قرنا دارعًا وهو حاسر وقد أنشد ابن منظور هذه الأبيات "ق د ر" وعزاها إليه. وثقل الرجل -بفتح الثاء والقاف جميعا- حشمه ومتاع بيته، وأراد به ههنا النساء، يقول: نساؤنا ونساؤهم طامعات في ظهور كل واحد من القبيلين على صاحبه، والأمر في ذلك يجري على ما قدره الله تعالى، و"مستلبًا سرباله" هو بنصب سرباله على أنه مفعول ثان لمستلب، وفي مستلب ضمير مستتر هو نائب فاعله وهو المفعول الأول. وأراد بقوله "لا يناكر" أنه لا ينكر ذلك لأنه مصروع قد قتل، ومن الناس من يرويه برفع "سرباله" على أنه هو نائب الفاعل وليس في مستلب ضمير، واليافع: المترعرع الداخل في عصر شبابه، والدارع: لابس الدرع، والحاسر: الذي لا درع عليه، و"قدر" في البيت الأول هو بالتخفيف و"قادر" اسم الفاعل منه، وفي حديث الاستخارة: "فاقدره لي ويسّره عليّ" ومعناه اقضِ لي به وهيّئ لي أسبابه. والاستشهاد بهذا البيت في قوله "كلا ثقلينا واثق" حيث أخبر بواثق وهو مفرد عن "كلا" فوجب أن يكون "كلا" مفردا لوجوب توافق المبتدأ والخبر، ولما كان "كلا" مثنى من جهة المعنى بالإجماع وجب أن يكون مفردًا من جهة اللفظ ليتم توافق المبتدأ وخبره، وهذا رأي البصريين في "كلا" أنها مفرد لفظًا مثنًى معنًى.
(٢) هذا البيت من كلام جرير بن عطية بن الخطفي "د٥٣٩" من قصيدة يقولها لهريم وهلال بن أحوز المازني، وأولها قوله: ألا حي المنازل والخياما وسكنا طال فيها ما أقاما وقد أنشد ابن منظور بيت الشاهد "ك ل ا" وعزاه إليه؛ ورواية اللسان مثل رواية المؤلف ههنا، ولكن الذي في ديوان جرير "كلا يومي أمامه يوم صدق" أي يوم صالح، والذوق يشهد أن رواية الديوان خير مما هنا، وتقول "فلان لا يزورنا إلا لماما" تريد أنه يزور في بعض الأحيان على غير مواظبة، ومحل الاستشهاد في هذا البيت قوله "كلا يومي أمامة يوم" حيث أخبر بيوم وهو مفرد عن "كلا" وذلك يدل على أن "كلا" مفرد، على نحو ما قررناه في الشواهد السابقة، ونظير بيت جرير قول امرئ القيس بن حجر الكندي: كلانا إذا ما نال شيئا أفاته ومن يحترث حرثي وحرثك ينسل ألا تراه قد أعاد الضمير على كلانا مفردا في "نال" وفي "أفاته" ومثله قول عبد الله بن معاوية بن جعفر بن أبي طالب: كلانا غني عن أخيه حياته ونحن إذا متنا أشد تغانيا فأخبر عن "كلا" بالمفرد هو قوله "غني" وأعاد الضمير إليه مفردًا في قوله "عن أخيه" وفي قوله "حياته"، ونظير ذلك قول القتال الكليبي: تضمنت الأروى لنا بطعامنا كلانا له منها نصيب ومأكل فأعاد الضمير إلى كلانا مفردًا في قوله "له" وعلى وجه الإجمال إنك لتجد العرب يراعون في "كلا" الإفراد أكثر مما يراعون التثنية، وعلى ذلك جرى أكثر كلامهم.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
فقال "يوم" بالإفراد. وقال أبو الأَخْزَرِ الحِمَّانِيُّ:
[٢٨٠]
فكلتاهما خرَّت وأَسْجَدَ رَأْسُهَا كما سجدت نَصْرَانَةٌ لم تَحَنَّفِ
فقال "خرت" بالإفراد. وقال الآخر:
[٢٨١]
فكلتاهما قد خُطَّ لي في صَحِيفَةٍ فلا العيش أهواهُ ولا الموتُ أَرْوَحُ
_________________
(١) أنشد ابن منظور هذا البيت "ن ص ر" وعزاه لأبي الأخزر الحماني، وقال: إنه يصف ناقتين طأطأتا رءوسها من الإعياء، فشب رأس الناقة في تطأطئها برأس النصرانية إذا طأطأته في صلاتها. وقول "أسجد رأسها" هو لغة في "سجد رأسها" تقول: أسجد الرجل، إذا طأطأ رأسه وانحنى، وكذلك تقول "أسجد البعير" ومنه قول الأسدي وأنشده أبو عبيد: وقلن له اسجد لليلى فأسجدا والنصرانة: واحدة النصارى، والمذكر عند الخليل نصران، وجعله نظير ندمان وندمانة وندامى، وقال ابن بري: قوله أن النصارى جمع نصران ونصرانة إنما أريد بذلك الأصل دون الاستعمال، وإنما المستعمل في الكلام نصراني ونصرانية، وإنما جاء نصرانة في بيت الأخزر على جهة الضرورة، وقوله "لم تحنف" أي لم تختتن، هذا أشبه ما يراد بهذه الكلمة ههنا، ويأتي تحنف بمعنى اعتزل الأصنام، وبمعنى عمل عمل الحنيفية، ومحل الاستشهاد بالبيت قوله "كلتاهما خرت وأسجد رأسها" حيث أعاد الضمير على "كلتا" مفردًا في قوله "خرت" وفي قوله "رأسها" فهذا يدل على أن "كلتا" عنده لها جهة إفراد، وإلا لما صح عود الضمير مفردًا عليها؛ لأن ضمير الغيبة يجب أن يطابق مرجعه إفرادًا وتثنية وجمعًا، وقد أجمع أهل البلدين على أن "كلتا" من جهة المعنى مثنى فلم يبقَ إلا جهة اللفظ، فوجب أن يكون "كلتا" مفردًا لفظًا.
(٢) خط -بالبناء للمجهول- كتب، تقول: "خط فلان بالقلم، أو غيره، من مثال مد" أي كتب، و"خط الشيء يخطه" كتبه، والصحيفة: ما يكتب فيه، وتجمع على صحائف وهو قياس نظرائها، وتجمع أيضًا على صحف -بضم الصاد والحاء جميعًا- وفي التنزيل العزيز: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى، صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ ونظير صحيفة وصحف قولهم: سفينة وسفن، شبهوهما بما لا تاء فيه من نحو قضيب وقضب وقليب وقلب، ومن العلماء من يثبت صحيفا -بغير تاء- فيكون الصحف جمع صحيف، كما أثبتوا سفينًا أيضًا -فيكون السفن جمع سفين، وقد يقال: إنهم جمعوا صحيفة وسفينة على صحيف وسفين ثم جمعوا صحيفًا وسفينًا الجمع على صحف وسفن، وانظر إلى قول طرفة بن العبد البكري: عدولية أو من سفين ابن يامن يجور بها الملاح طورًا ويهتدي تجد قوله: "أو من سفين ابن يامن" دالًا على الجمع، فيكون ما ذهبنا إلى أدق وأقيس وقوله "ولا الموت أروح" من قولهم "روح الشيء يروح روحًا -مثل فرح يفرح فرحًا" إذا كان أجلب للراحة. والاستشهاد بالبيت في قوله "كلتاهما قد خط" حيث أعاد الضمير إلى "كلتاهما" مفردًا في قوله "قد خط" فذلك يدل على أن لكلتا جهة إفرادًا، وهي جهة لفظه، لأنه من جهة المعنى مثنى باتفاق من الكوفيين والبصريين جميعًا على نحو ما قررناه في الشواهد السابقة، وكان من حق العربية عليه أن يقول "فكلتاهما قد خطت" فيؤنث الفعل؛ =
[ ٢ / ٣٦٤ ]
فقال: "خُطَّ" بالإفراد، والشواهد على هذا النحو كثيرًا جدًّا.
وأما رَدُّ الضمير مثنى حملًا على المعنى فعلى ما حكي عن بعض العرب أنه قال "كِلَاهُمَا قَائِمَان، وكِلْتَاهُمَا لقيتهما" وقال الشاعر:
[٢٨٢]
كلاهما حين جَدَّ الجَرْيُ بينهما قد أَقْلَعَا، وكلا أَنْفَيهِمَا رَابِي
_________________
(١) = لأن الاستعمال العربي على أنه إذا كان الفاعل ضميرًا مؤنثًا وجب في غير الضرورة إلحاق تأء التأنيث بالفعل المسند إلى هذا الضمير سواء أكان مرجع الضمير حقيقي التأنيث نحو "زينب قامت" أم كان مجازي التأنيث نحو "الشمس طلعت" فاعرف هذا.
(٢) هذا البيت من كلام الفرزدق همام بن غالب، وكان جرير بن عطية قد زوج ابنته عضيدة للأبلق، فعيره الفرزدق وهجاه، وقيل البيت المستشهد به قوله: ما كان ذنب التي أقبلت تعتلها حتى اقتحمت بها أسكفة الباب ولم يقف العيني على سبب الشعر ولا السيوطي فزعما أن الكلام في وصف فرسين، وتبعهما العلامتان الصبان والأمير، والصواب ما ذكرناه، وهذا البيت من شواهد ابن يعيش في شرح المفصل "ص٦٤" وابن جني في الخصائص "٢/ ٤٢١ و٣/ ٣١٤" والأشموني "رقم ٢٠" وابن هشام في المغني "رقم ٣٣٩" والضمير في "كلاهما" وما بعده يعود إلى عضيدة وزوجها الأبلق، أو يعود إلى جرير وابنته على نوع من الالتفات فقد كان من حق الكلام عليه -إذا أراد ذلك- أن يقول "كلاكما" وتعتلها: تجذبها جذبا عنيفا، وبابه نصر أو ضرب، وأسكفة الباب -بفتح الهمزة وسكون السين وضم الكاف وتشديد الفاء مفتوحة- عتبته، و"أقلعا" كفا عنه وتركاه، و"رابي" منتفخ. والاستشهاد بالبيت في قوله "كلاهما قد أقلعا" وقوله "وكلا أنفيهما رابي" فقد أعاد الضمير إلى "كلاهما" في العبارة الأولى مثنى وذلك قوله "أقلعا" مراعاة لمعنى "كلا" وأخبر عن كلا في العبارة الثانية بمفرد، وذلك في قوله "رابي" مراعاة للفظ "كلا" فدل ذلك على أنه يجوز مراعاة لفظ "كلا" ومراعاة معناها، ويجوز الجمع بين الوجهين في الكلام الواحد، قال ابن جني في تخريج قوله قد أقلعا "هذا محمول على المعنى كما يحمل على معنى كل ومن، نحو قوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إليكَ﴾ وفي موضع آخر ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُون إليكَ﴾ وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ فأعاد الضمير على اللفظ تارة بالإفراد وعلى المعنى أخرى بالجمع، فكذلك كلا لفظه مفرد ومعناه التثنية فلك أن تحمل الخبر تارة على اللفظ فتفرده، وتارة على المعنى فتثنية" ا. هـ ومثل قوله "كلاهما قد أقلعا" في عود الضمير إلى كلا مثنى -قول الشاعر وأنشده أبو عمرو الشيباني: كلا جانبيه يعسلان كلاهما كما اهتز خوط النبعة المتتابع فأخبر بقوله "يعسلان" وفيه ضمير المثنى عن قوله "كلا جانبيه" وقوله "كلاهما" الثاني توكيد لكلا الأول مراعاة للمعنى أيضا، ويجوز أن يكون "كلاهما" الثاني توكيدًا للضمير في قوله "يعسلان" فاعرف ذلك. ومن الجمع بين مراعاة لفظ "كلا" ومعناه قول الأسود بن يعفر في بعض الاحتمالات: إن المنية والحتوف كلاهما يوفي المخارم يرقبان سوادي
[ ٢ / ٣٦٥ ]
فقال "أقلعا" حملًا على المعنى، وقال "رابي" حملًا على اللفظ.
والحمل في "كلا، وكلتا" على اللفظ أكثر من الحمل على المعنى، ونظيرهما في الحمل على اللفظ تارة وفي الحمل على المعنى أخرى "كلٌّ" فإنه لما كان مفردًا في اللفظ مجموعًا في المعنى رُدّ الضمير إليه تارة على اللفظ وتارة على المعنى، كقولهم "كل القوم ضربته، وكل القوم ضربتهم" وقد جاء بهما التنزيل، قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] فقال ﴿آتِي﴾ بالإفراد حملًا على اللفظ، وقال تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] فقال ﴿أَتَوْهُ﴾ بالجمع حملًا على المعنى، إلا أن الحمل على المعنى في "كل" أكثر من الحمل على المعنى في "كلا، وكلتا".
والذي يدل على أن فيهما إفرادًا لفظيًّا أنك تضيفهما إلى التثنية فتقول: "جاءني كِلَا أَخَوَيكَ، ورأيت كلا أخويك، ومررت بكلا أخويك، وجاءني أَخَوَاكَ كِلَاهُمَا، ورأيتُهُمَا كِلَيْهِمَا، ومررت بهما كليهما" وكذلك حكم إضافة "كلتا" إلى المُظْهَر والمُضْمَر، فلو كانت التثنية فيهما لفظية لما جاز إضافتهما إلى التثنية؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه.
والذي يدل على أن الألف فيهما ليست للتثنية أنها تجوز إمالتها، قال الله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ [الاسراء: ٢٣] وقال تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف: ٣٣] قرأهما حمزة والكسائي وخلف بإمالة الألف فيهما، ولو كانت الألف فيهما للتثنية لما جازت إمالتها؛ لأن ألف التثنية لا تجوز إمالتها.
والذي يدل أيضا على أن الألف فيهما ليست للتثنية أنها لو كانت للتثنية لانقلبت في حالة النصب والجر إذا أُضِيفَتَا إلى المظهر؛ لأن الأصل هو المظهر، وإنما المضمر فرعه، تقول: "رأيت كلا الرجلين، ومررت بكلا الرجلين"، وكذلك تقول في المؤنث: "رأيت كلتا المرأتين، ومررت بكلتا المرأتين" ولو كانت للتثنية لوجب أن تنقلب مع المظهر كما تنقلب مع المضمر؛ فلما لم تنقب دلَّ على أنها ألف مقصورة، وليست للتثنية.
والذي يدل على أن "كلا" ليست مأخوذة من "كُلّ" أن كُلّا للإحاطة وكِلَا لمعنًى مخصوص؛ فلا يكون أحدهما مأخوذًا من الآخر.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقول الشاعر:
[٢٧٤]
في كِلْتَ رِجْلَيْهَا سُلَامَى واحده
[ ٢ / ٣٦٦ ]
فلا حجة فيه؛ لأن الأصل أن يقول "كلتا بالألف، إلا أنه حذفها اجتزاء بالفتحة عن الألف لضرورة الشعر، كما قال الآخر:
[٢٥٤]
فلست بمدرك ما فات مني بَلَهْفَ، ولا بِلَيْتَ، ولا لَوَ انِّي
[٢٨٣]
وَصَّانِي العَجَّاجُ فيما وَصَّنِي
أراد "فيما وصاني". وهذا كثير في أشعارهم.
وأما قولهم "إن الألف فيهما تنقلب في حالة النصب والجر إذا أضيفتا إلى المضمر" قلنا: إنما قلبت في حالة الإضافة إلى المضمر لوجهين:
أحدهما: أنهما لما كان فيهما إفراد لفظي وتثنية معنوية، وكانا تراة يضافان إلى المظهر وتارة يضافان إلى المضمر -جعلوا لهما حظًّا من حالة الإفراد وحظًّا من حالة التثنية، فجعلوهما مع الإضافة إلى المظهر بمنزلة المفرد على صورة واحدة في حالة الرفع والنصب والجر، وجعلوهما مع الإضافة إلى المضمر بمنزلة التثنية في قلب الألف من كل واحد منهما ياء في حالة النصب والجر؛ اعتبارًا بكلا الشبهين. وإنما جعلوهما مع الإضافة إلى المظهر بمنزلة المفرد لأن المظهر هو الأصل والمفرد هو الأصل فكان الأصل أولى بالأصل، وجعلوهما مع الإضافة إلى المضمر بمنزلة التثنية لأن المضمر فرع والتثنية فرع فكان الفرع أولى بالفرع، وهذا الوجه ذكره بعض المتأخرين.
والوجه الثاني: وهو أَوْجَهُ الوجهين، وبه عَلَّلَ أكثر المتقدمين -وهو أنه إنما لم تُقْلَبْ الألف فيهما مع المظهر وقلبت مع المضمر لأنهما لزمتا الإضافة وجر الاسم بعدهما؛ فأشبهتا لَدَى وإلى وعَلَى، وكما أن لدى وإلى وعلى لا تقلب ألفها ياء مع المظهر نحو "لَدَى زيدٍ، وإلى عمروٍ، وعلى بكر" وتقلب مع المضمر نحو "لديك، وإليك، وعليك" فكذلك "كلا، وكلتا" لا تقلب ألفهما ياء مع المظهر، وتقلب مع المضمر.
_________________
(١) هذا بيت من الرجز المشطور من كلام رؤبة بن العجاج، وقد أنشده ابن منظور "وص ى" وعزاه إليه، وتقول: أوصيت الرجل إيصاء، ووصيته -بالتضعيف- توصية؛ إذا عهدت إليه، وأوصيت له بشيء، وقد أوصيت إليه؛ إذا جعلته وصيك، وتواصى القوم: أوصى بعضهم بعضا. ومحل الاستشهاد بالبيت قوله: "وصني" فإنه أراد أن يقول: "وصّاني العجاج فيما وصّاني" بالألف في الفعل الثاني كما جاء في الفعل الأول، فلما يتأتّ له، فحذف الألف؛ ليستقيم له الوزن والقافية جميعًا.
[ ٢ / ٣٦٧ ]
والذي يدل على صحة ذلك أن القلب في "كلا، وكلتا" إنما يختص بحالة النصب والجر، دون حالة الرفع؛ لأن "لَدَيْكَ" إنما تستعمل في حالة النصب والجر، ولا تستعمل في حالة الرفع؛ فلهذا المعنى كان القلب مختصًّا بحالة النصب والجر دون حالة الرفع، وقد أفردنا في الكلام على "كلا، وكلتا" جزءًا استقصينا فيه القول عليهما، والله أعلم.
[ ٢ / ٣٦٨ ]
٦٣- مسألة: [هل يجوز توكيد النكرة توكيدًا معنويًا؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن توكيد النكرة بغير لفظها جائز، إذا كانت مؤقتة نحو قولك: "قعدت يومًا كله، وقمت ليلة كلها". وذهب البصريون إلى أن تأكيد النكرة بغير لفظها غير جائز على الإطلاق. وأجمعوا على جواز تأكيدها بلفظها نحو: "جاءني رجلٌ رجل، ورأيت رجلًا رجلًا، ومررت برجلٍ رجلٍ" وما أشبه ذلك.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن تأكيدها جائز النقلُ والقياسُ:
أما النقل فقد جاء ذلك عن العرب، قال الشاعر:
[٢٨٤]
لكنَّه شَاقَهُ أَنْ قيل ذا رَجَبٌ يا ليت عِدَّةَ حَوْلٍ كلِّهِ رَجَبُ
_________________
(١) هذا البيت من كلام عبد الله بن مسلم بن جندب الهذلي، وهو من شواهد ابن يعيش في شرح المفصل "ص٣٦٤" والأشموني "رقم ٧٦٣" وابن هشام في أوضح المسالك "رقم ٤٠٢" وفي شرح شذور الذهب "رقم ٢٢٨" وكلهم يروونه مثل رواية المؤلف، والصواب في روايته أنه بنصب "رجب" في آخر البيت لأنه من كلمة أولها: يا للرجال ليوم الأربعاء، أما ينفك يحدث لي بعد النهي طربا إذ لا يزال غزال فيه يفتنني يأتي إلى مسجد الأحزاب منتقبا وذلك على أن يكون الشاعر قد أتى باسم ليت وخبرها منصوبين، كما هو لغة قوم من العرب، ونظير قول العماني الراجز: كأن أذنيه إذا تشوفا قادمة أو قلما محرفا و"شاقه" بالشين المعجمة -أي أعجبه أو بعث الشوق إلى نفسه، ويروى "ساقه" بالسين المهملة، و"حول" بفتح الحاء وسكون الواو -هو العام، وأنشده ابن الناظم في شرح = ١ انظر في هذه المسألة: حاشية الصبان على الأشموني "٣/ ٦٧ بولاق" وشرح التصريح للشيخ خالد الأهري "٢/ ١٥٦ بولاق وما بعدها" وشرح الرضي على الكافية "١/ ٣١٠" وشرح ابن يعيش على المفصل "ص٣٦٤" وشرح ابن عقيل "٢/ ١٦٦ بتحقيقنا".
[ ٢ / ٣٦٩ ]
فأَكَّد "حول" وهو نكرة بقوله "كله"؛ فدل على جوازه.
وقال الآخر:
[٢٨٥]
إذا القَعُودُ كَرَّ فِيهَا حَفَدَا يومًا جديدًا كلّهُ مُطَرَّدا
فأكد "يومًا" وهو نكرة بقوله "كلّه".
وقال الآخر:
[٢٨٦]
زَحَرْتَ بِهِ لَيْلَةً كلّهَا فجئتَ بِهِ مُؤْيدًا خَنْفَقِيقَا
_________________
(١) = الألفية تبعًا لوالده "ياليت عدة شهر" وقال ابن هشام -وتبعه الشيخ خالد- إن ذلك تحريف؛ لأنه لا يتصوّر أن يتمنى أحد أن يكون الشهر كله رجبًا؛ فإن الشهر الواحد لا يكون بعضه رجبًا وبعضه غير رجب حتى يتمنى أن يكون كله رجبًا، ولكن الشاعر يتمنى أن تكون شهوره كلها رجبًا. والاستشهاد بالبيت ههنا في قوله "حول كله" حيث جر "كله" على التوكيد لحول، ولا شك أن كلمة "حول" نكرة محدودة أي أنها ذات أول وآخر معروفان، فيكون فيه دليل على جواز توكيد النكرة المحدودة، والرواية على هذا بتنوين "حول" وجر "كله" وقد رد ابن يعيش الاستدلال بهذا البيت وزعم أن الرواية بجر "حول" من غير تنوين على أن كلمة "حول" مضاف و"كل" مضاف إليه، وذلك تمحل بعيد، والذي نرجحه أن كلام ابن يعيش هذا محرف عما ذكره المؤلف من أن الرواية عندهم "يا ليت عدة حولي" بإضافة حول إلى ياء المتكلم، وهو أيضا تمحّل، ولكنه أقرب مما وقع في شرح المفصل. ونظير هذا البيت -في توكيد النكرة المحدودة بلفظ يدل على الشمول والإحاطة- قول العرجي وهو من شواهد مغني اللبيب: نلبث حولا كاملا كله لا نلتقي إلا على منهج
(٢) هذا البيت من شواهد ابن يعيش في شرح المفصل "ص٣٦٤" وقد أنشده ابن منظور "ط ر د" ولم يعزه أحدهما. والقعود -بفتح القاف- البكر من الإبل حين يركب، أي يمكن ظهره من الركوب، وأدنى ذلك أن يأتي عليه سنتان، والناقة قلوص، وحفد: فعل ماضٍ معناه خف في العمل وأسرع، وقال الشاعر: حفد الولائد حولهن وأسرعت بأكفهن أزمّة الأجمال واليوم المطرّد: الطويل، ويقال: الكامل التام، تقول: مرّ بنا يوم طريد، وطراد ومطرد، كله بمعنى الطويل، ومحل الاستشهاد بالبيت ههنا قوله "يوما جديدا كله" حيث أكد قوله "يوما" -وهو نكرة محدودة- بقوله "كله" فذلك يدل على أن العرب تستجيز تأكيد النكرة المحدودة بألفاظ التوكيد المعارف، وهذا ظاهر إن شاء الله.
(٣) هذا البيت من كلام شييم بن خويلد، وقد أنشده ابن منظور "خ ف ق" رابع أربعة أبيات، وقبله: فقلت لسيدنا: يا حكيـ ـم إنك لم تأسُ أسوا رفيقا =
[ ٢ / ٣٧٠ ]
فأكد "ليلةً" هي نكرة بقوله: "كلها" ومؤيدًا خنفقيقًا: اسمان من أسماء الداهية. وقال الأخر:
[٢٨٧]
قد صَرَّتِ البَكْرَةُ يومًا أَجْمَعَا
_________________
(١) = أعنت عديا على شأوها تعادي فريقا وتنفي فريقا أطعت اليمين عناد الشمال تنحي بحد المواسي الحلوقا وقوله: "يا حكيم" هزء منه وسخرية به، أي أنت الذي تزعم أنك حكيم وتخطئ هذ الخطأ، وقوله: "أطعت اليمين عناد الشمال" مثل ضربه، يريد فعلت فعلا أمكنت به أعداءنا منا، وقوله: "زحرت به ليلة كلها" أصل الزحير والزحار -مثل النعيب والنعاب- إخراج الصوت أو النفس بأنين عند عمل أو شدة، ويقال للمرأة إذا ولدت ولدًا: زحرت به، وتزحرت به، وقوله: "وجئت به مؤيدا خنفقيقا" أي ناقصًا مقصرًا والاستشهاد بهذا البيت في قوله: "ليلة كلها" حيث أكد قوله: "ليلة" وهي نكرة محدودة لها أول وآخر معروفان معهودان بقوله: "كلها" وذلك يدل لمذهب الكوفيين الذين أجازوا توكيد النكرة، ونظير هذا البيت -في توكيد النكرة- قول الراجز. يا ليتني كنت صبيا مرضعا تحملني الذلفاء حولا أكتعا إذا بكيت قبلتني أربعا إذًا ظللت الدهر أبكي أجمعا الاستشهاد به في قوله: "حولا أكتعا" فإنه أكد قوله: "حولًا" وهو نكرة محدودة ذات أول وآخر معروفين بقوله: "أكتعا" وهو لفظ من ألفاظ التوكيد المعروفة. وقد بيّن ابن هشام الصحيح من المذهبين بإيجاز في قوله: "وإذا لم يفد توكيد النكرة لم يجز باتفاق، وإن أفاد جاز عند الكوفيين، وهو الصحيح، وتحصل الفائدة بأن يكون المؤكد محدودًا والتوكيد من ألفاظ الإحاطة، كاعتكفت أسبوعًا كله، وقوله: يا ليت عدة حول كله رجب ا. هـ.
(٢) هذا بيت من الرجز المشطور، وهو مجهول النسبة، وهو من شواهد ابن يعيش "ص٣٦٤" ورضي الدين في باب التوكيد من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "٢/ ٣٥٧" والأشموني "رقم ٧٩٤" وابن عقيل "رقم ٢٩٠" وقبل البيت المذكور قوله: إنا إذا خطافنا تقعقعا والخطاف -بوزن رمان- الحديدة المعوجة تكون في جانب البكرة، وتقعقع: تحرك وسمع له صوت، وصرت: صوتت، والبكرة: ما يستقى عليه الماء من البئر، وهي هنا بفتح الباء وسكون الكاف، وأصلها بالتحريك. والاستشهاد بالبيت في قوله: "يوما أجمعا" حيث أكد قوله: "يوما" وهو نكرة محدودة ذات مبدأ ونهاية بقوله: "أجمع" وزعم قوم منهم ابن جني في إعراب الحماسة بأن هذا البيت مصنوع، وزعم قوم آخرون منهم العيني بأن "يومًا" ليس بنكرة، وادعى أنه غير منون، وأن الألف منقلبة عن ياء المتكلم، وأصل الكلام "قد صرت البكرة يومي أجمعا" فقلب كسرة الميم فتحة فانقلبت ياء المتكلم ألفًا مثل قوله: تعالى: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ﴾ وقوله سبحانه: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ وهذا كله تمحل بعيد وغير =
[ ٢ / ٣٧١ ]
فأَكَّدَ "يومًا "بأجمع؛ فدلّ على جوازه.
وأما القياس فلأن اليوم مؤقت يجوز أن يقعد في بعضه، والليلة مؤقتة يجوز أن يقوم في بعضها، فإذا قلت "قعدت يوما كلُّهُ، وقمت ليلة كلَّهَا" صح معنى التوكيد؛ فدلَّ على صحة ما ذهبنا إلى.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن تأكيد النكرة غير جائز من وجهين:
أحدهما: أن النكرة شائعة ليس لها عين ثابتة كالمعرفة؛ فينبغي أن لا تفتقر إلى تأكيد؛ لأن تأكيد ما لا يعرف لا فائدة فيه، وأما قولهم "رأيت درهما كل درهم" وما أشبه ذلك فهو محمول على الوصف لا على التأكيد.
والوجه الثاني: أن النكرة تدل على الشياع والعموم، والتوكيد يدل على التخصيص والتعيين، وكل واحد منهما ضِدُّ صاحبه؛ فلا يصلح أن يكون مؤكدًا له، ولو جوزنا ذلك لكنا قد صيرنا الشائع مخصصًا، وهذا ليس بتأكيد، بل هو ضد ما وضع له؛ لأن التأكيد تقرير، وهذا تغيير، ولهذا المعنى امتنع أن يجوز وصف النكرة بالمعرفة أو المعرفة بالنكرة؛ لأن كل واحد منهما ضد صاحبه؛ لأن النكرة شائعة، والمعرفة مخصوصة، والصفة في المعنى هي الموصوف، ويستحيل أن يكون الشيء الواحد شائعًا مخصوصًا في حال واحدة؛ فكذلك ههنا.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما ما استشهدوا به من الأبيات فلا حجة فيه: أما قول الشاعر:
[٢٨٤]
يا ليت عِدَّةَ حَوْلٍ كلِّهِ رَجَبُ
فنقول الرواية الصحيحة:
[٢٨٤]
يا ليت عدة حولي كلِّهِ رَجَبُ
بالإضافة، وهو معرفة لا نكرة، وأما قول الآخر:
[٢٨٥]
يومًا جديدًا كله مطردًا"
_________________
(١) = مستساغ ومن الشواهد على جواز توكيد النكرة إن أفاد توكيدها ما أنشده سيبويه "١/ ٤٤": ثلاث كلهن قتلت عمدا فأخزى الله رابعة تعود الرواية عنده برفع ثلاث ورفع كلهن، وإن كان مذهبه في مثل ذلك النصب بالفعل بدليل قوله بعد إنشاده "فهذا ضعيف، والوجه الأكثر الأعرف النصب" وإنما كان هذا ضعيفًا لأنه لم يذكر العائد على المبتدأ، ولو أنه قال "ثلاث كلهن قتلته عمدا" لكان مرضيًا عنده، وعلى كل حال فإن الشاعر قد أكد قوله "ثلاث" وهو نكرة بقوله "كلهن" وذلك ظاهر إن شاء الله.
[ ٢ / ٣٧٢ ]
فلا حجة فيه؛ لأنه يحتمل أن يكون توكيدًا للمضمر في جديد، والمضمرات لا تكون إلا معارف، وكان هذا أولى به؛ لأنه أقرب إليه من "يوم" فعلى هذا يكون الإنشاد بالرفع، وأما قول الآخر:
[٢٨٧]
قد صَرَّتِ البكرة يومًا أجمعا
فنقول: هذا البيت مجهول لا يعرف قائله؛ فلا يجوز الاحتجاج به.
ثم لو قدرنا أن هذه الأبيات التي ذكروها كلها صحيحة عن العرب، وأن الرواية١ ما ادعوه لَمَا كان فيها حجة، وذلك لشذوذها وقلتها في بابها؛ إذ لو طردنا القياس ففي كل ما جاء شاذًّا مخالفًا للأصول والقياس وجعلناه أصلًا لكان ذلك يؤدي إلى أن تختلط الأصول بغيرها، وأن يُجْعَل ما ليس بأصل أصلًا، وذلك يفسد الصناعة بأسرها، وذلك لا يجوز. على أن هذه المواضع كلها محمولة على البدل، لا على التأكيد.
وأما قولهم "إن اليوم مؤقتٌ فيجوز أن يقعد بعضه والليلة مؤقتة فيجوز أن يقوم بعضها، فإذا أكدت صح معنى التوكيد" قلنا: هذا لا يستقيم فإن اليوم وإن كان مؤقتا إلا أنه لم يخرج عن كونه نكرة شائعة، وتأكيد الشائع المنكور بالمعرفة لا يجوز كالصفة؛ ولأن تأكيد ما لا يعرف لا فائدة فيه على ما بيَّنَّا، والله أعلم.
_________________
(١) ١ في ر "فإن الرواية" ولا يصح المعنى على الفاء.
[ ٢ / ٣٧٣ ]
٦٤- مسألة: [هل يجوز أن تجيء واو العطف زائدة؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن الواو العاطفة يجوز أن تقع زائدة، وإليه ذهب أبو الحسن الأخفش وأبو العباس المُبَرِّد وأبو القاسم بن بَرْهَان من البصريين.
وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن الواو يجوز أن تقع زائدة أنه قد جاء ذلك كثيرًا في كتاب الله تعالى وكلام العرب، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهاَ﴾ [الزمر: ٧٣] فالواو زائدة لأن التقدير فيه: فتحت أبوابها؛ لأنه جواب لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ كما قال تعالى في صفة سوق أهل النار إليها: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا َفُتِحَتْ أَبْوَابُهاَ﴾ [الزمر: ٧١] ولا فرق بين الآيتين، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٦، ٩٧] فالواو زائدة؛ لأن التقدير فيه: اقترب؛ لأنه جواب لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ﴾ وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١-٥] والتقدير فيه أذنت، لأنه جواب "إذا" والشواهد على هذا النحو من التنزيل كثيرة. وقال الشاعر:
[٢٨٨]
فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحةَ الحَيِّ وانْتَحى بنا بَطْنُ حِقْفٍ ذِي قِفَافٍ عَقَنْقَلِ
_________________
(١) هذا البيت من معلقة امرئ القيس بن حجر الكندي المشهور، وهو من شواهد الرضي في باب حروف العطف من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "٤/ ٤١٣" وأجزنا: أي قطعنا، تقول: جزنا نجوز -من مثال قلنا نقول- وأجزنا، كلاهما بمعنى واحد، وقال الأصمعي: أجزنا قطعنا، وجزنا سرنا فيه وخلفناه وراءنا، والساحة: فناء الدار، وهي أيضًا الباحة، والفجوة، والقروة، والنالة، ويقال: هي الرحبة كالعرصة، وانتحى: اعترض، والخبت: = ١ انظر في هذه المسألة: مغني اللبيب "ص٣٦٢" وشرح ابن يعيش على المفصل "ص١١٤٨" وشرح رضي الدين على الكافية "٢/ ٣٤٢".
[ ٢ / ٣٧٤ ]
والتقدير فيه: انتحى، والواو زائدة؛ لأنه جواب "لما" وقال الآخر:
[٢٨٩]
حتى إذ قَمِلَتْ بُطُونُكُمُ ورَأَيتُمُ أَبْنَاءَكُمْ شَبُّوا
_________________
(١) = بطن من الأرض غامض، ويروى "بطن حقف" كما رواه المؤلف، والحقف -بالكسر- ما اعوج وتثنّى من الرمل، والقفاف: جمع قف -بالضم- وهو ما ارتفع من الأرض وغلظ ولم يبلغ أن يكون جبلًا، والعقنقل -بوزن سفرجل- المنعقد الداخل بعضه في بعض، واعلم قبل كل شيء أن من الرواة من يروي البيت الذي بعد هذا البيت المستشهد به هكذا: هصرت بفودي رأسها فتمايلت على هضيم الكشح ريّا المخلخل وهذه رواية الخطيب التبريزي، وعلى ذلك يكون جواب "لما" الواقعة في أول البيت المستشهد به هو قوله "هصرت إلخ" عند الفريقين، ولا يكون في البيت شاهد لما جاء به المؤلف من أجله، ومن الرواة من يروي البيت الذي عقب البيت المستشهد به هكذا: إذا قلت هاتي نوليني تمايلت على هضيم الكشح ريا المخلخل وهذه الرواية هي التي دار حولها جدال الكوفيين والبصريين، وكلا الفريقين يسلم أنه لا بد لـ"لما" التي في أول بيت الشاهد من جواب؛ أما الكوفيون فيقولون: جواب لما في البيت نفسه وهو قوله "انتحى بنا بطن خبت" وكأنه قد قال: لما قطعنا ساحة الحي وفارقناها اعترض لنا بطن خبت، والواو في قوله وانتحى بنا إلخ زائدة، وأما البصريون فيقولون: الجواب محذوف، وكأنه قد قال: لما قطعنا ساحة الحي وفارقناها أمنا من ترصد الوشاة، أو نلنا ما كنا تمنيناه، أو نحو ذلك. قال الخطيب التبريزي: "وذكر بعضهم أن جواب لما قوله انتحى بنا، والواو مقحمة، ويجو أن تكون الواو غير مقحمة ويكون الجواب محذوفا، ويكون التقدير: فلما أجزنا ساحة الحي أمنا، وعلى هذا يكون رواية البيت بعده: إذا قلت هاتي البيت" ا. هـ.
(٢) أنشد ابن منظور هذين البيتين "ق م ل" وأنشدهما ابن يعيش في شرح المفصل "ص١١٤٩" ولم يعزهما واحد منهما، وأنشدهما البغدادي في الخزانة "٤/ ٤١٤" نقلا عن الفراء في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ من سورة يوسف، ومعنى: "قملت بطونكم" شبعت وضخمت، وفسره ابن منظور بقوله عن التهذيب "وقملت بطونكم: كثرت قبائلكم، بهذا فسره لنا أبو العالية" ا. هـ ووقع عند ابن يعيش "حتى إذا شبعت بطونكم" ومحل الاستشهاد في البيت قوله: "وقلبتم ظهر المجن لنا" فإن هذه الجملة جواب لما في البيت الأول عند الكوفيين، وعلى هذا تكون الواو زائدة، قال الفراء: قوله تعالى: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ جواب "لما جهزهم" وربما أدخلت في مثلها الواو وهي جواب على حالها، كقوله في أول السورة ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إليه﴾ والمعنى -والله أعلم- وأوحينا إليه، وهي في قراءة عبد الله ﴿لَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ ومثله في الكلام: لما أتاني وأثب عليه، كأنه قال: وثبت عليه، وقد جاء في الشعر ذلك، قال امرؤ القيس: فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى.. البيت. وقال الآخر، وأنشد البيتين، أراد قلبتم" ا. هـ. وقال ابن يعيش: "وأما أصحابنا فلا يرون زيادة هذه الواو، ويتألون جميع ما ذكر وما كان مثله بأن أجوبتها محذوفة لمكان العلم =
[ ٢ / ٣٧٥ ]
وقَلَبْتُمُ ظَهْرَ المِجَنِّ لَنَا إنّ اللَّئِيمَ العَاجِزُ الخَبُّ
والتقدير فيه: قلبتم، والواو زائدة. والشواهد على هذا النحو من أشعارهم أكثر من أن تحصى.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الواو في الأصل حرف وُضِعَ لمعنى؛ فلا يجوز أن يحكم بزيادته مهما أمكن أن يُجْزَى على أصله، وقد أمكن ههنا، وجميع ما استشهدوا به على الزيادة يمكن أن يُحْمَل فيه على أصله وسنبين ذلك في الجواب عن كلماتهم.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] فنقول: هذه الآية لا حجة لكم فيها؛ لأن الواو في قوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ عاطفة وليست زائدة، وأما جواب ﴿إِذَا﴾ فمحذوف، والتقدير فيه: حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها فَازُوا ونَعِمُوا، وكذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، واقترب﴾ [الأنبياء: ٩٦، ٩٧] الواو فيه عاطفة، وليست زائدة، والجواب محذوف، والتقدير فيه: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون قالوا يا ويلنا، فحذف القول، وقيل: جوابها: "فإذا هي شاخصة"، وكذلك قول الله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق ١: ٥] الواو فيه عاطفة، وليست زائدة، والجواب محذوف، والتقدير فيه: إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخَلَّتْ وأذنت لربها وحقت يرى الإنسان الثواب والعقاب، ويدل على هذا التقدير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦] أي ساعٍ إليه في عملك، والكَدْحُ: عمل الإنسان من الخير والشر الذي يُجَازَى عليه بالثواب والعقاب.
وأما قول الشاعر:
[٢٨٨]
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا بطن حقف ذي قِفافٍ عقنقل
فالواو فيه أيضًا عاطفة، وليست زائدة، والجواب مقدر، والتقدير فيه: فلما
_________________
(١) = بها، والمراد في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ أدرك ثوابنا ونال المنزلة الرفيعة لدينا، وكذلك ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ تقديره: صادفوا الثواب الذي وعدوه، ونحوه، وكذلك قول الشاعر: حتى إذا امتلأت بطونكم وكان كذا وكذا تحقق منكم الغدر، واستحققتم اللّوم ونحو ذلك مما يصلح أن يكون جوابًا" ا. هـ.
[ ٢ / ٣٧٦ ]
أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا بطن حقف ذي قفاف عقنقل خَلَوْنَا ونعمنا، وكذلك أيضا قول الآخر:
[٢٨٩]
حتى إذا قَمِلَتْ بطونكم ورأيتم أبناؤكم شَبُّوا
وقلبتم ظهر المجن لنا إن اللئيم العاجز الخَبُّ
الواو فيه عاطفة، وليست زائدة، والتقدير فيه: حتى إذا قملت بطونكم ورأيتم أبناءكم شبوا وقلبتم ظهر المجن لنا بان غدركم ولُؤْمُكم.
وإنما حذف الجواب في هذه المواضع للعلم به؛ توخّيًا للإيجاز والاختصار.
وقد جاء حذف الجواب في كتاب الله تعالى وكلام العرب كثيرًا، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١] فحذف جواب "لو" ولا بدّ لها من الجواب، والتقدير فيه: ولو أن قرآنا سُيِّرَت به الجبال أو قطعت به الأرض لكان هذا القرآن، فحذفه للعلم به توخيا للإيجاز والاختصار، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٠] فحذف جواب "لولا" والتقدير فيه: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لفَضَحَكُم بما ترتكبون من الفاحشة ولعاجَلَكم بالعقوبة؛ وقال عبد مَنَافٍ بن رِبْعٍ الهُذَلِيُّ:
[٢٩٠]
حتى إذا أَسْلَكُوهُم في قُتَائِدَةٍ شَلَّا كما تَطْرُدُ الجَمَّالَةُ الشَّرُدَا
_________________
(١) أنشد ابن منظور هذا البيت "ق ت د -س ل ك" وأنشده ياقوت في معجم البلدان "قتائدة" ونسبه ابن منظور في الموضعين لعبد مناف بن ربع الهذلي، وتقول: سلك فلان الطريق، وسلك المكان يسلكه -من مثال نصره ينصره- سلكًا، وسلوكًا، وسلك فلان فلانا الطريق، وسلكه إياه، وأسلكه فيه، وأسلكه عليه، كل ذلك يقال وقال ساعدة بن العجلان: وهم منعوا الطريق وأسلكوهم على شماء مهواها بعيد وقال عدي بن زيد العبادي: وكنت لزاز خصمك لم أعرد وهم سلكوك في أمر عصيب وقتائدة -بضم القاف وبعد الألف همزة- اسم مكان بعينه، وقيل: اسم جبل معين وقيل: هي ثنية مشهورة، وأراد: حتى إذا أسلكوهم في طريق في قتائدة، وقوله "شلًا" معناه الطرد، تقول: شلّه يشلّه شلا -من مثال مده يمده مدا- وشل العير أتنه والسائق إبله: طردها، فانشلت، والشّرد: جمع شرود -من وزان صبور وصبر- وهي الإبل النافرة. والاستشهاد بهذا البيت لأن فيه حذف جواب إذا للعلم به ولقيام الدليل عليه، فكأنه قال: حتى إذا أسلكوهم في قتائدة شلوهم وطردوهم شلّا وطردًا مثل طرد الجمالة شوارد إبلهم.
[ ٢ / ٣٧٧ ]
ولم يأتِ بالجواب؛ لأن هذا البيت آخر القصيدة؛ والتقدير فيه: حتى إذا أسلكوهم في قُتَائدة شُلُّوا شلًّا، فحذف للعلم به توخّيًا للإيجاز والاختصار على ما بيَّنَّا.
ثم حذف الجواب أبلغ في المعنى من إظهاره، ألا ترى أنك لو قلت لعبدك "والله لئن قمت إليك" وسكتَّ عن الجواب ذهب فكره إلى أنواع من العقوبة والمكروه من القتل والقطع والضرب والكسر، فإذا تمثلَتْ في فكره أنواع العقوبات وتكاثرت عظمت الحال في نفسه ولم يعلم أيها يتقي؛ فكان أبلغ في رَدْعِهِ وزَجْرِهِ عما يُكْرَه منه، ولو قلت "والله لئن قمت إليك لأضربنك" وأظهرت الجواب لم يذهب فكره إلى نوع من المكروه سوى الضرب؛ فكان ذلك دون حذف الجواب في نفسه؛ لأنه قد وَطَّنَ له نفسَه فيسهل ذلك عليه، قال كثير:
[٢٩١]
وقلت له: يا عَزَّ كُلّ مُلِمَّةٍ إذا وُطِّنَتْ يومًا لها النفسُ ذَلَّتِ
وكذلك الحال في الإحسان، نحو "والله لئن زرتني": إذا حذفت الجواب تصورت له أنواع الإحسان إليه من إكرامه والإنعام عليه؛ فكان ذلك أبلغ في استدعائه إلى الزيارة وإسراعه إليها، ولو قلت "والله لئن زرتني لأعطيتك درهما" لم يذهب فكره إلى غير الدرهم قط١؛ فكان ذلك دون حذف الجواب في نفسه؛ لأنه ربما يكون مستغنيا عنه غير راغب فيه؛ فلا يدعوه ذلك إلى الزيارة، وإذا حذفت الجواب تصورت له أنواع الإحسان إليه؛ فكان ذلك أدعى له إلى الزيارة، كما كان الأول أدعى إلى الترك، على ما بيَّنَّا، والله أعلم.
_________________
(١) هذا البيت لكثير عزة، وقد أنشده ابن منظور "وط ن" وعزاه إليه، وعنده "كل مصيبة" والملمة: أصله اسم الفاعل المؤنث من قولهم "ألم بفلان أمر" أي نزل به، ثم استعملوه في النازلة من نوازل الدهر، وقوله "وطنت" هو بالبناء للمجهول مشدد الطاء مكسورة -من قولهم "وطن فلان نفسه على الأمر، ووطن نفسه للشيء" إذا حملها عليه فتحملته، وهو شبه التمهيد لقبولها ذلك الشيء، وذلت: انقادت وخضعت واحتملت ما حملها، والاستشهاد بالبيت في معناه، وهو أن كل شيء يعرض للإنسان إذا مهد نفسه لقبوله قبلته نفسه ورضيت به وصبرت عليه وإن كان مما يشق عليها احتماله. وشبه المؤلف جواب الشرط بهذا الأمر. فإن كان مذكورًا في الكلام كأن تقول "إن تلعب أضربك" وطن السامع نفسه على قبوله وراضها على أن تخضع له؛ فمتى وقع لم يكن شيئًا غريبًا على نفسه، وإن لم يذكر في الكلام كأن تقول "من يفعل كذا" وتقف عند ذلك، فإن السامع يتخيل كل ضرب من أضرب الثواب أو العقوبة المترتبة على فعله، فإذا وقع شيء منها كان جديدًا على نفسه؛ لأنه لم يقدره بذاته، وهذا واضح إن شاء الله تعالى. ١ في ر "فقط" وليس بذاك.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
٦٥- مسألة: [هل يجوز العطف على الضمير المخفوض؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه يجب العطف على الضمير المخفوض، وذلك نحو قولك "مررت بك وزيد"
وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه يجوز أنه قد جاء ذلك في التنزيل وكلام العرب، قال الله تعالى: "وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ" [النساء: من الآية١] بالخفض وهي قراءة أحد القراء السبعة -وهو حمزة الزيات- وقراءة إبراهيم النخعي وقتادة ويحيى بن وثاب وطلحة بن مصرف والأعمش، ورواية الأصفهاني والحلبي عن عبد الوارث، وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ١٢٧] فما: في موضع خفض لأنه عطف على الضمير المخفوض في "فيهن" وقال تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إليكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٦٢] فالمقيمين: في موضع خفض بالعطف على الكاف في "إليك" والتقدير فيه: يؤمنون بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة يعني من الأنبياء ﵈، ويجوز أيضًا أن يكون عطفًا على الكاف في "قبلك" والتقدير فيه: ومن قبل المقيمين الصلاة، يعني من أمتك، وقال تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] فعطف "المسجد الحرام" على الهاء من "به" وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [الحجر: ٢٠] فمن: في موضع خفض بالعطف على
_________________
(١) ١ انظر في هذه المسألة: شرحنا على شرح الأشموني "٤/ ٥٣٥" وحاشية الصبان"٣/ ٩٩" وتصريح الشيخ خالد "٢/ ١٩٠" وقد رجح ابن مالك في هذه المسألة مذهب الكوفيين، وشرح الرضي على الكافية "١/ ٢٩٥" وشرح ابن يعيش على المفصل "ص٣٩٩".
[ ٢ / ٣٧٩ ]
الضمير المخفوض في "لكم" فدلَّ على جوازه، وقال الشاعر:
[٢٩٢]
فاليوم قَرَّبْتَ تَهْجُونَا وتَشْتِمُنَا فاذهب فما بك والأيامِ من عَجَبِ
فالأيام: خفض بالعطف على الكاف في "بك" والتقدير: بك وبالأيام، وقال الآخر:
[١٨١]
أَكُرُّ على الكَتِيبَةِ لا أبالي أفيها كان حَتْفِي أم سِوَاهَا
فعطف "سواها" بأم على الضمير في "فيها" والتقدير: أم في سواها.
وقال الآخر:
[٢٩٣]
تُعَلَّقُ في مِثْلِ السَّوَارِي سُيُوفُنَا ومَا بَيْنَها والْكَعْبِ غُوطٌ نَفَانِفُ
_________________
(١) هذا البيت من شواهد سيبويه "١/ ٣٩٢" وابن يعيش في شرح المفصل "ص٣٩٩" ورضي الدين في باب العطف من شرح الكافية "١/ ٢٩٦" وشرحه البغدادي في الخزانة "٢/ ٣٣٨" والأشموني "رقم ٨٤٩" وابن عقيل "رقم ٢٩٨" وكامل المُبَرِّد "٢/ ٣٩" ولم ينسبه واحد من هؤلاء إلى قائل معين، بل قال البغدادي "والبيت من أبيات سيبويه الخمسين التي لم يعرف لها قائل" ا. هـ، وقوله: "قربت" معناه أخذت وشرعت. ومعنى البيت: إن هجاءك الناس وشتمهم لمن عجائب الدهر، وقد كثرت هذه الأعمال منك حتى صارت لا يتعجب منها. والاستشهاد بالبيت في قوله: "فما بك والأيام" حيث عطف قوله: "الأيام" بالواو على الضمير المتصل المجرور محلّا بالباء في قوله "بك" من غير أن يعيد مع المعطوف العامل في المعطوف عليه، وذلك في نظر البصريين ضرورة من الضرورات التي تقع في الشعر، قال ابن السَّرَّاج: "وأما الضمير المخفوص فلا يجوز أن يعطف الظاهر عليه، لا يجوز أن تقول: مررت بك وزيد؛ لأن المجرور ليس له اسم منفصل فيتقدم بأن يقع معطوفًا أحيانًا ويتأخر بأن يقع معطوفا أحيانًا أخرى، كما للمنصوب، وكل اسم معطوف عليه فهو بحيث يجوز أن يؤخر فيصير معطوفًا ويقدم الاسم الآخر المعطوف بحيث يصير معطوفًا عليه، فلما خالف الضمير المجرور سائر الأسماء من هذه الجهة لم يجز أن يعطف عليه، وقد حكي أنه جاء في الشعر" ا. هـ، وبمثل هذا التعليل علل ابن يعيش في شرح المفصل، وذكره المؤلف هنا، وقد وافق الكوفيين في هذه المسألة، وحكم بجواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة العامل في المعطوف عليه مع المعطوف: يونس بن حبيب شيخ سيبويه، والأخفش، وقطرب، والشلوبين وابن مالك.
(٢) استشهد بهذا البيت ابن يعيش في شرح المفصل "ص٤٠٠" والأشموني "رقم ٨٥١" وابن النظام في شرح ألفية والده ابن مالك، وشرحه العيني "٤/ ١٦٤" بهامش الخزانة" وقال: "وقال الجاحظ في كتاب "الحيوان": هو لمسكين الدارمي". والسواري: جمع سارية، وهي الأسطوانة "العمود" شبه أنفسهم بالسواري لطول أجسامهم، والطول مما تتمدح به العرب، قال الشاعر: تبين لي أن القماءة ذلة وأن أعزاء الرجال طوالها والنحاة يروونه "طيالها". والكعب: يروى في مكانه "والأرض" والغوط -بضم الغين- جميع غائط، وهو المطمئن من الأرض، ونفانف: جمع نفنف -بوزن جعفر، وهو الهواء =
[ ٢ / ٣٨٠ ]
فالكعب: مخفوض بالعطف على الضمير المخفوض في "بينها" والتقدير: وما بينها وبين الكعب غوط نفانف، يعني أن قومه طوال، وأن السيف على الرجل منهم كأنه على سارية من طوله، وبين السيف وكعب الرجل منهم غائط -وهو المكان المطمئن من الأرض- ونفانف: واسعة، أي بين السيف والكعب مسافة؛ فعطف "الكعب"١ على الضمير المخفوض في "بينها" وقال الآخر:
[٢٩٤]
هَلَّا سألت بِذِي الجَمَاجِمِ عَنْهُمُ وأبي نُعَيْمٍ ذي اللِّوَاء المُحْرِق
_________________
(١) = بين الشيئين، وكل شيء بينه وبين الأرض مهوى فهو نفنف، ويدل لهذا أنه يروى "فما بينها والأرض مهوى نفانف" وقال ذو الرمة: ترى قرطها من حرة الليت مشرفا على هلك في نفنف يتطوح وفسر الأصمعي النفنف بالمهواة بين الجبلين. ومحل الاستشهاد بالبيت قوله "فما بينها والكعب" حيث عطف الكعب بالواو على الضمير المتصل المخفوض بإضافة الظرف -وهو قوله: بين- إليه، من غير أن يعيد العامل في المعطوف عليه مع المعطوف، وهو يدل للكوفيين الذي أجازوا ذلك، ولم يقصروه على حال الضرورة. ونظير ذلك ما أنشده ابن الناظم نقلًا عن الأخفش: بنا أبدًا لا غيرنا تدرك المنى وتكشف غماء الخطوب الفوادح فقد عطف "غيرنا" بلا على الضمير المتصل المجرور محلّا بالباء في قوله "بنا" من غير أن يعيد العامل في المعطوف عليه مع المعطوف، ونظير ذلك أيضًا ما أنشه ابن الناظم: إذا أوقدوا نار لحرب عدوهم فقد خاب من يصلى بها وسعيرها فقد عطف قوله "سعيرها" بالواو على الضمير المجرور محلّا بالباء في قوله "بها" من غير أن عيد العامل في المعطوف عليه مع المعطوف.
(٢) ذو جماجم: أصله بضم أوله، وقد يقال بفتحه، قال ياقوت "جماجم بالضم، وهو من أبنية التكثير والمبالغة، وذو جماجم: من مياه العمق، على مسيرة يوم منه، وقد يقال فيه بالفتح أيضًا" ا. هـ. وقال ابن منظور "والجماجم: موضع بين الدهناء ومتالع في ديار تميم، ويوم الجماجم: من وقائع العرب في الإسلام، معروف" وأقول: المعروف وقعة دير الجماجم، وكانت بين الحجاج بن يوسف الثقفي وابن الأشعث بالعراق، قيل سمي بذلك لأنه بني من جماجم القتلى لكثرة من قتل به، وقيل سمي بذلك لأن الأقداح التي تصنع من الخشب كانت تصنع به، والقدح يسمى جمجمة إذا كان من خشب وجمعه جماجم. ومحل الاستشهاد بهذا البيت قوله "عنهم وأبي نعيم" حيث عطف قوله "أبي نعيم" بالواو على الضمير المتصل المجرور محلّا بعن، من غير أن يعيد العامل في المعطوف عليه -وهو حرف الجر الذي هو عن- مع المعطوف، وهذا ظاهر إن شاء الله تعالى: ١ في ر "فعطف بالكعب" ولا يصح.
[ ٢ / ٣٨١ ]
فأبي نعيم: خفض بالعطف على الضمير المخفوض في "عنهم"؛ فهذه كلها شواهد ظاهرة تدل على جوازه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز، وذلك لأن الجار مع المجرور بمنزلة شيء واحد، فإذا عطفت على الضمير المجرور -والضمير إذا كان مجرورًا اتصل بالجار، ولم ينفصل منه، ولهذا لا يكون إلا متصلًا، بخلاف ضمير المرفوع والمنصوب -فكأنك قد عطفت الاسم على الحرف الجار، وعَطْفُ الاسمِ عَلَى الحَرْفِ لا يجوز.
ومنهم من تمسّك بأن قال: إنما قلنا ذلك لأن الضمير قد صار عوضًا عن التنوين؛ فينبغي أن لا يجوز العطف عليه، كما لا يجوز العطف على التنوين، والدليل على استوائهما أنهم يقولون "يا غلام" فيحذفون الياء كما يحذفون التنوين وإنما اشتبها لأنهما على حرف واحد، وأنهما يكملان الاسم، وأنهما لا يُفْصَلُ بينهما وبينه بالظرف؛ وليس كذلك الاسم المظهر.
ومنهم من تمسك بأن قال: أجمعنا على أنه لا يجوز عطف المضمر المجرور على المظهر المجرور؛ فلا يجوز أن يقال "مررت بزيدٍ وَكَ" فكذلك ينبغي أن لا يجوز عطف المظهر المجرور على المضمر المجرور، فلا يقال "مررت بِكَ وزَيْدٍ" لأن الأسماء مشتركة في العطف، فكما لا يجوز أن يكون معطوفًا فلا يجوز أن يكون معطوفًا عليه.
والاعتماد على هذه الأدلة على الأول:
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ، الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] فلا حجة لهم فيه من وجهين؛ أحدهما: أن قوله ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ ليس مجرورًا بالعطف على الضمير المجرور، وإنما هو مجرور بالقسم، وجواب القسم قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] والوجه الثاني: أن قوله ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ مجرور بباء مقدرة غير الملفوظ بها، وتقديره: وبالأرحام، فحذفت لدلالة الأولى عليها، وله شواهد كثيرة في كلامهم سنذكر طرفًا منها مُسْتَوْفًى في آخر المسألة إن شاء الله تعالى.
أما قوله تعالى ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ١٢٧] فلا حجة لهم فيه أيضًا من وجهين:
أحدهما: أنا لا نسلم أنه في موضع جرّ، وإنما هو في موضع رفع
[ ٢ / ٣٨٢ ]
بالعطف على "الله" والتقدير فيه: الله يفتيكم فيهن ويفتيكم فيهن ما يتلى عليكم، وهو القرآن، وهو أوجه الوجهين.
والثاني: أنا نسلم أنه في موضع جر، ولكن بالعطف على "النساء" من قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ لا على الضمير المجرور في "فيهنَّ".
وأما قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إليكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ﴾ [النساء: ١٦٢] فلا حجة لهم أيضًا من وجهين:
أحدهما: أنا لا نسلم أنه في موضع جر، وإنما هو في موضع نصب على المدح بتقدير فعل، وتقديره: أعني المقيمين، وذلك لأن العرب تنصب على المدح عند تكرر العطف والوصف، وقد يستأنف فيرفع، قال الله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَاليتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] فرفع "الموفون" على الاستئناف، فكأنه قال: وهم الموفون، ونصب "الصابرين" على المدح، فكأنه قال: اذكرِ الصابرين، ثم قالت الخرنق، امرأة من العرب:
[٢٩٥]
لا يَبْعَدَنْ قومي الذين هُمُ سَمُّ العُدَاةِ وآفةُ الجُزْرِ
_________________
(١) هذان البيتان من كلام الخرنق، وهي أخت طرفة بن العبد البكري لأمه من كلمة ترثي فيها زوجها عمرو بن مرثد وابنها علقمة بن عمرو وأخويه حسان وشرحبيلًا، وهما من شواهد سيبويه "١/ ١٠٤ و٢٤٦ و٢٤٩" ورضي الدين في باب النعت من شرح الكافي، وشرحها البغدادي في الخزانة "٢/ ٣٠١" والأشموني "رقم ٧٨٧" وأوضح المسالك لابن هشام "رقم ٣٩٦" وشرحهما العيني "٣/ ٦٠٢ و٤/ ٧٢ بهامش الخزانة" والمعتر: اسم مكان الازدحام في الحرب، ويقال: "فلان طيب معقد الإزار" إذا كان عفيفًا لا يحله لفاحشة. وصفت قومها بالظهور والغلبة على العدو، وبالكرم ونحر الإبل للأضياف، وبأنهم شجعان صيد وأبطال صناديد يلازمون الحرب ولا يفارقونها، وبأنهم أعفة عن الفواحش لا يدنون منها ولا يقربونها، وجعلت قومها سما لأعدائهم يأتي عليهم ويفتك بهم ولا يذر منهم أحدًا، وآفة للجزر -وهي الإبل- لأنهم يكثرون من نحرها. والاستشهاد بالبيتين في هذا الموضع لأنها قطعت قولها "الطيبين" عن الموصوف -الذي هو قولها "قومي"- من الرفع إلى النصب بإضمار فعل، وفي رواية سيبويه "النازلين" بالنصب أيضًا على القطع، قال ابن هشام: "ويجوز رفع النازلين والطيبين على الإتباع لقومي، أو على القطع بإضمار "هم" ونصبهما بإضمار أمدح أو أذكر، ورفع الأول ونصب الثاني على ما ذكرنا، وعكسه على القطع فيهما" ا. هـ.
[ ٢ / ٣٨٣ ]
النازلون بكل مُعْتَرَكٍ والطيبين مَعَاقِدَ الأَزْرِ
فنصبت "الطيبين" على المدح فكأنها قالت: أعني الطيبين، ويروى أيضا "والطيبون" بالرفع، أي: وهم الطيبون، وقال الشاعر:
[٢٩٦]
إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمَامِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ
وذا الرَّأْي حين تُغَمُّ الأمور بذات الصَّلِيلِ وذات اللُّجُمْ
فنصب "ذا الرأي" على المدح، فكذلك ههنا، وقال الآخر:
[٢٩٧]
وكلُّ قوم أَطَاعُوا أمر مُرْشِدِهِمْ إلا نُمَيْرًا أَطَاعَتْ أَمْرَ غَاوِيهَا
_________________
(١) أنشد جار الله الزمخشري أول هذين البيتين في الكشاف "١/ ١٥ بولاق" عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إليكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ولم ينسبه شراح شواهده، وأنشده ابن هشام في قطر الندى "رقم ١٣٧" وأنشده رضي الدين في باب المبتدأ والخبر وفي باب النعت من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "١/ ٢١٦ بولاق" والقرم -بفتح القاف وسكون الراء- وهو في الأصل الجمل المكرم الذي أعد للضراب، ثم أطلقوه على الرجل العظيم، وأصل الليث السبع، والكتيبة: الجماعة والفصيلة من الجيش، وأراد بليث الكتيبة الشجاع الفاتك، والمزدحم: أصله مكان الازدحام، وأراد هنا مكان المعركة وموطن الحرب، لأن الأبطال يتزاحمون فيه، وتغم الأمور: أي تتغطى وتستعجم على أهل الرأي لكثرة إشكالها، وذات الصليل وذات اللجم: معارك الحرب، وأصل الصليل صوت السيوف، واللجم: جمع لجام -بوزن كتاب وكتب- وهو العنان الذي يقود به الفارس فرسه. والاستشهاد به هنا في قوله "وذا الرأي" حيث قطعه عما قبله إلى النصب بفعل محذوف تقديره أمدح أو أذكر أو أعني، وما أشبه ذلك، على نحو ما ذكرناه في الشاهد السابق. والنحاة يستشهدون بهذا البيت لعطف بعض الصفات على بعض، فإنك تراه قد عطف قوله "وابن الهمام" على القرم، ثم عطف عليه "وليث الكتيبة" وذلك جائز لأن الموصوف بها واحد، ونظير هذا البيت في عطف بعض الصفات قوله ابن زيابة: يا لهف زيابة للحارث الـ ـصابح فالغانم فالآيب إلا أن العطف في بيت ابن زيابة بالفاء التي تدل على الترتيب والتعقيب لأن الصفات التي ذكرها لا تحصل إلا مترتبة متعاقبة.
(٢) هذان البيتان من شواهد سيبويه "١/ ٢٤٩" ونسبهما لابن خياط العكلي، وكذلك وقع في شرح الأعلم الشنتمري، ووقع في خزانة الأدب للبغدادي "٢/ ٣٠١ بولاق" "ابن حماط العكلي" ونمير: قبيلة من بني عامر، وغاويها: يراد بها ههنا مغويها، أي باعثها على الغي وحاملها عليه ومزينة لها، وعلى هذا يكون وزن فاعل ههنا للنسب، ونظيره قولهم: هم ناصب، إذا كانوا يريدون أنه منصب ومتعب، ويجوز أن يراد الغاوي في نفسه، لأنه إذا أطيع فقد أغوى من أطاعه، وقوله "الظاعنين ولما يظعنوا أحدا" يريد أنهم يظعنون عن ديارهم ويفارقونها خوفًا من عدوهم أن يدهمهم فلا يقوون على دفعه، وأنهم لا يستطيعون =
[ ٢ / ٣٨٤ ]
الظاعنين ولَمَّا يُظْعِنُوا أحدًا والقائلون: لِمَنْ دَارٌ نُخَلِّيهَا
فرفع "القائلون" على الاستئناف؛ ولك أن ترفعهما جميعًا، ولك أن تنصبهما جميعا، ولك أن تنصب الأول وترفع الثاني، ولك أن ترفع الأول وتنصب الثاني، ولا خلاف في ذلك بين النحويين.
والوجه الثاني: أنا نسلم١ أنه في موضع جر، ولكن بالعطف على "ما" من قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ١٧٧] فكأنه قال: يؤمنون بما أنزل إليك وبالمقيمين، على أنه قد روي عن عائشة ﵍ أنها سئلت عن هذا الموضع، فقالت: هذا خطأ من الكاتب، وروي عن بعض لد عثمان أنه سئل عنه، فقال: إن الكاتب لما كتب ﴿مَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِك﴾ [البقرة: ١٧٧] قال: ما أكتب؟ فقيل له: اكتب والمقيمين الصلاة، يعني أن الممل أعمل قوله "اكتب" في "المقيمين" على أن الكاتب يكتبها بالواو كما كتب ما قبلها، فكتبها على لفظ الممل.
أما قوله تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] فلا حجة لهم فيه؛ لأن "المسجد الحرام" مجرور بالعطف على "سبيل الله" لا بالعطف على "به" والتقدير فيه: وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام؛ لأن إضافة الصد عنه أكثر في الاستعمال من إضافة الكفر به، ألا ترى أنهم يقولون: "صددته عن المسجد"، ولا يكادون يقولون: "كفرت بالمسجد"؟
_________________
(١) = أن يحملوا أحدا على مفارقة داره، فهم يخافون عدوهم لقلتهم ولذلهم وضعفهم، ولا يخافهم عدوهم، وقوله "والقائلون لمن دار نخليها" يريد أنهم إذا ارتحلوا عن دارهم وخلوها لم يعرفوا من يحلها من قبائل العرب، لأنهم أضعف من كل قبيلة، فكل قبيلة من قبائل العرب يجوز أن تحل دارهم. والاستشهاد ههنا بهذين البيتين في قوله "والقائلون" حيث رفعه على القطع بإضمار مبتدأ، والتقدير: هم الظاعنون، ويجوز أن يكون قوله "الظاعنين" تابعا لقوله "نميرا" ويجوز أن يكون مقطوعًا بتقدير فعل، أي أذم الظاعنين، أو أهجو، أو نحو ذلك، وتجوز في الوصفين جميع الوجوه التي ذكرها المؤلف: إتباعهما، وقطعهما، وإتباع الأول وقطع الثاني، والذي لا يجوز هو أن تقطع ثم تتبع، وذلك لأن الرجوع إلى الإتباع بعد أن انصرفت عنه قبيح، إذ القطع يفيد أن شأن المذكورين معلوم مشهور لا يحتاج إلى وصف يبينه، فإن عدت إلى الإتباع بعد أن قطعت فكأنك نقضت ما أفدته أولا. وكل موضع جاز فيه القطع فإنه يجوز أن يكون قطعه بالنصب بتقدير فعل مدح أو ذم ويجوز قطعه بالرفع بتقدير مبتدأ، سواء أكان المتبوع مرفوعًا أم منصوبًا أم مجرورًا، فاعرف ذلك وكن منه على ثبت. ١ في ر "أنا لا نسلم" وليس بصحيح.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
وأما قوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [الحجر: ٢٠] فلا حجة لكم فيه؛ لأن "مَنْ" في موضع نصب بالعطف على "مَعَايِشَ" أي: جعلنا لكم فيها المعايش والعبيد والإماء.
وأما قول الشاعر:
[٢٩٢]
فاذهب فما بك والأيام من عجب
فلا حجة فيه أيضًا؛ لأنه مجرور على القسم، لا بالعطف على الكاف في "بك".
وأما قول الآخر:
[١٨١]
أَفِيهَا كَانَ حَتْفِي أَمْ سِوَاهَا
فلا حجة فيه أيضا؛ لأن "سواها" في موضع نصب على الظرف، وليس مجرورًا على العطف؛ لأنها لا تقع إلا منصوبة على الظرف، وقد ذكرنا ذلك في موضعه.
وأما قول الآخر:
[٢٩٣]
وما بينها والكعبِ غُوطٌ نَفَانِفُ
فلا حجة فيه أيضًا؛ لأنه ليس مجرورًا على ما ذكروا، وإنما هو مجرور على تقدير تكرير "بين" مرة أخرى، فكأنه قال: وما بينها وبين الكعب، فحذف الثانية لدلالة الأولى عليها، كما تقول العرب: ما كل بيضاءَ شحمةً، ولا سوداء تمرة، يريدون "ولا كل سوداء" فيحذفون "كل" الثانية لدلالة الأولى عليها، وقال الشاعر:
[٢٩٨]
أَكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ونارٍ تَوَقَّدُ بالليل نَارَا
_________________
(١) هذا البيت من شواهد سيبويه "١/ ٣٣" والزمخشري في المفصل "رقم ١٠٧ بتحقيقنا" وابن يعيش في شرحه "ص٣٤٥" وابن هشام في مغني اللبيب "رقم ٤٨٣" وفي أوضح المسالك "رقم ٣٥١" والأشموني "رقم ٦٥٠" وابن عقيل "رقم ٢٣٨" وشرحه العيني "٣/ ٤٤٥ بهامش الخزانة" والبيت من كلام أبي دؤاد الإيادي، واسمه جارية بن الحجاج -ويقال: حارثة، ويقال: جريرة، ويقال: جويرية- ومعنى البيت: هل تظنين كل رجل رجلًا؟ وهل تظنين كل نار توقد بالليل نارا؟ والمراد: لا ينبغي لك أن تظني كل من رأيت له صورة الرجال رجلًا، لأنه لا يستحق اسم الرجل على الحقيقة إلا من كانت له صفات سنية وأفعال كريمة، ولا ينبغي لك أن تظني كل نار توقد في الليل نارًا؛ لأن النار التي = ١ في المسألة "رقم ٣٩" التي عقدها في شأن "سوى" خاصة.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
أراد "وكل نار" فاستغنى عن تكرير "كل" وهذا كثير في كلامهم، وبهذا يبطل قول من توهَّم منكم أن ياء النسب في قولهم: "رأيت التيميَّ تيم عديَّ" اسم في موضع خفض؛ لأنه أبدل منهما "تَيْمِ عديِّ" فخفضه على البدل؛ لأن التقدير فيه: صاحب تيم عدي، فحذف "صاحب" وجر ما بعده بالإضافة؛ لأنه في تقدير الثَّبَات، وهذا هو الجواب عن قول الآخر:
وأبي نعيم ذي اللواء المحرق
ثم لو حُمِلَ ما أنشدوه من الأبيات على ما ادعوه لكان من الشَّاذ الذي لا يقاس عليه، والله أعلم.
_________________
(١) = تستحق إطلاق هذا الاسم عليها هي النار التي يوقدها أربابها لقرى الضيفان ولهداية السالكين في ظلمات الليل. والاستشهاد بالبيت ههنا في قوله: "ونار" فإن هذه الواو عاطفة، و"نار" يحتمل وجهين من الإعراب: الأول: أن يكون مجرورا بتقدير مضاف يكون معطوفا على كل في قوله: "كل امرئ" وعلى هذا الوجه يكون الشاعر قد حذف المضاف وأبقى المضاف إليه على جره، وأصل الكلام: أتحسبين كل امرئ امرأ وكل نار نارا، فكل امرئ: مفعول أول لتحسبين، وامرأ: مفعوله الثاني، وكل نار: معطوف على كل امرئ، ونارًا معطوف على امرأ، فعطف على المفعول الأول مثله، وعلى المفعول الثاني مثله، فهو عطف اثنين على معمولين لعامل واحد وهو تحسبين، وكل ما فيه أنه حذف المضاف وأبقى المضاف إليه على جره كما قلنا، وهذا الوجه هو أقرب وجوه الإعراب في هذه العبارة ونظائرها، وهو الذي يعنيه المؤلف باستشهاده بهذا البيت في هذا الموضع. والوجه الثاني: أن تجعل الواو العاطفة قد عطفت جملة على جملة، فتقدر فعلا كالفعل السابق في الكلام، وتقدر له مفعولا أول يكون مضافا إلى نار المجرور، وتقدير الكلام على هذا الوجه: أتحسبين كل امرئ امرأ وتحسبين كل نار نارا، فحذف الفعل وفاعله ومفعوله الأول، وأبقى المضاف إليه والمفعول الثاني، وهذا الوجه أقل قبولًا من الوجه السابق لما فيه من كثرة المحذوفات. والذي لا يجوز أن تذهب إليه هو أن تجعل "نار" المجرور معطوفا على "امرئ" المجرور، و"نارا" المنصوب معطوفا على "امرأ" المنصوب، وذلك لأن هذا الوجه الذي نحذرك منه يستلزم عطف معمولين على معمولين لعاملين مختلفين، ألست ترى "امرئ" المجرور معمولا لكل باعتباره مضافًا إليه والمضاف يعمل في المضاف إليه الجر، و"امرأ" المنصوب معمولًا لتحسبين باعتباره مفعولًا ثانيًا، والعطف على معمولي عاملين مختلفين مما لا يجيزه النحاة، أما تقدير "كل" وهو الوجه الأول وتقدير الفعل وهو الوجه الثاني فكل واحد منهما يخلصك من هذا المحذور، وإن كان أحدهما أفضل من الآخر، فاعرف هذا، وكن منه على ثبت، والله يرشدك ويبصرك.
[ ٢ / ٣٨٧ ]
٦٦- مسألة: [العطف على الضمير المرفوع المتصل في اختيار الكلام] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز العطف على الضمير المرفوع المتصل في اختيار الكلام، نحو: "قُمْتُ وزيدٌ".
وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز إلا على قبح في ضرورة الشعر.
وأجمعوا على أنه إذا كان هناك توكيد أو فصل فإنه يجوز معه العطف من غير قبح.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه يجوز العطف على الضمير المرفوع المتصل أنه قد جاء ذلك في كتاب الله تعالى وكلام العرب، قال الله تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ [النجم ٦، ٧] فعطف "هو" على الضمير المرفوع المستكن في: ﴿اسْتَوَى﴾ والمعنى: فاستوى جبريل ومحمد بالأفق، هو مطلع الشمس؛ فدل على جوازه، وقال الشاعر:
[٢٩٩]
قلت إذا أقبلت وزُهْرٌ تَهَادَى كَنِعَاجِ المَلا تَعَسَّفْنَ رَمْلَا
_________________
(١) هذا البيت من كلام عمر بن أبي ربيعة المخزومي، وهو من شواهد سيبويه "١/ ٣٩٠" والزمخشري في المفصل، وابن يعيش في شرحه "ص٣٩٨" والأشموني "رقم ٨٤٨" وابن عقيل "رقم ٢٩٧" وشرحه العيني "٤/ ١٦١ في هامش الخزانة" وابن جني في الخصائص "٢/ ٣٨٦" وأبي العباس المُبَرِّد في الكامل "١/ ١٨٩ و٢/ ٣٩" وزهر -بضم الزاي وسكون الهاء- جمع زهراء، وأراد النساء المشرقات اللون، وتهادى: أصله تتهادى، فحذف إحدى التاءين، والنعاج: جمع نعجة، والفلا: جمع فلاة، وهي الصحراء الواسعة، وأراد بنعاج الفلا الظباء، وتعسفن: سرن سيرا شديدا ليس فيه تؤدة ولا رفق. والاستشهاد بالبيت ههنا في قوله "أقبلت وزهر" حيث عطف قوله "وزهر" على الضمير المستتر في قوله "أقبلت" من = ١ انظر في هذه المسالة: شرح الأشموني مع حاشية الصبان "٣/ ٩٩ بولاق" وتصريح الشيخ خالد الأزهري "٢/ ١٩٠" وكتاب سيبويه "١/ ٣٨٩-٣٩٠" وشرح الرضي على الكافية "١/ ٢٩٤" وشرح ابن يعيش على المفصل "ص٣٩٧".
[ ٢ / ٣٨٨ ]
فعطف "زُهْرٌ" على الضمير المرفوع في "أَقْبَلَتْ" وقال الآخر:
[٣٠٠]
وَرَجَا الأُخَيْطِلُ من سَفَاهَةِ رَأْيِهِ ما لم يكن وأبٌ له لِيَنَالَا
_________________
(١) = غير أن يؤكد الضمير المستتر بضمير منفصل، وهذا جائز في سعة الكلام عند الكوفيين، وخصه سيبويه وجمهور البصريين بحالة الضرورة. ونظيره مما لم ينشده المؤلف قول الراعي، وهو من شواهد سيبويه "٢/ ٣٩١": فلما لحقنا والجياد عشية دعوا يا لكلب واعتزينا لعامر فقد عطف قوله "الجياد" بالواو على الضمير المرفوع المتصل في قوله "لحقنا" ولو أنه جرى على ما التزمه البصريون لقال: فلما لحقنا نحن والجياد، وقد وقع هذا في الكلام: من ذلك ما روي أن بعض العرب قال: مررت برجل سواء والعدم، برفع العدم على أنه معطوف على ضمير مستتر في سواء لأنه بمعنى مستو، ومن ذلك قول عمر بن الخطاب ﵁: كنت وجار لي، برفع جار على أنه معطوف على الضمير المتصل المرفوع في "كنت" ومن ذلك قول علي بن أبي طالب ﵁ "كنت وأبو بكر وعمر، وهاتان العبارتان عبارة عمر وعبارة علي قد رواهما البخاري في صحيحه، ولهذا ذهب ابن مالك في شرح التسهيل إلى موافقة الكوفيين، وإن كان قد رجح مذهب البصريين في الألفية.
(٢) هذا البيت من كلام جرير بن عطية بن الخطفي، يهجو الأخطل التغلبي، وهو من شواهد الأشموني "رقم ٨٤٧" وأوضح المسالك "رقم ٤٢٥" وابن الناظم، وشرحه العيني "٤/ ١٦٠" بهامش الخزانة" والأخيطل: تصغير الأخطل، وأصله الوصف من الخطل، وهو الكلام الخارج عن حد الصواب والاعتدال، وبذلك لقبوا غياث بن الغوث التغلبي الذي يهجوه جرير، والسفاهة: ضعف الرأي. ومحل الاستشهاد في البيت قوله "يكن وأب له" حيث عطف قوله "أب" بالواو على الضمير المرفوع المستتر في "يكن" وهو يوافق رأي الكوفيين، على ما بَيَّنَّاه لك في شرح الشاهد السابق، ولو أنه جاء بالكلام على ما التزمه البصريون لقال: ما لم يكن هو وأب له. ومما جاء عن العرب مما فيه العطف بغير توكيد بالضمير المنفصل قول شاعر الحماسة، وهو من شواهد الرضي، وشرحه البغدادي "٢/ ٢٣٦" ولست بنازل إلا ألمت برحلي أو خيالتها الكذوب فقد عطف بأو قول "خيالتها" على الضمير المستتر في قوله "ألمت" والبصريون يرون هذا البيت أخف من بيت جرير وبيت عمر بن أبي ربيعة وبيت الراعي، والسر في ذلك أن الكلام طال بسبب إتيانه بمتعلق للفعل وهو قوله: "برحلي" فجعلوا طول الكلام نائبا مناب التوكيد، وجعلوا من هذه البابة قول الله تعالى: ﴿مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ فقد زعموا أن الكلام قد طال بذكر "لا" ولو أن ذكرها جاء بعد حرف العطف وهو الواو، فلذلك ساغ ترك التوكيد بالضمير المنفصل، وهو كلام لا يقضي العجب منه، أن يجدوا في كلام الله تعالى -وهو أفصح الكلام وأدقه رعاية للصحيح البالغ الغاية- دليلًا يشهد لخصومهم فيتمحّلون ويتعلّلون.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
فعطف "وأبٌ" على الضمير المرفوع في "يَكُنْ" فدل على جوازه، كالعطف على الضمير المنصوب المتصل.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز العطف على الضمير المرفوع المتصل وذلك لأنه لا يخلو: إما أن يكون مقدرًا في الفعل أو ملفوظًا به؛ فإن كان مقدرًا فيه نحو "قام وزيدٌ" فكأنه قد عَطَفَ اسمًا على فعل، وإن كان ملفوظًا به نحو "قمت وزيدٌ" فالتاء تنزل بمنزلة الجزء من الفعل، فلو جوّزنا العطف عليه لكان أيضًا بمنزلة عطف الاسم على الفعل، وذلك لا يجوز.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿فَاسْتَوَى، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ [النجم ٦، ٧] فالواو فيه واو الحال، لا واو العطف، والمراد به جبريل وحده، والمعنى أن جبريل وحده استوى بالقوة في حالة كونه بالأفق، وقيل: فاستوى على صورته التي خلق عليها في حالة كونه بالأفق، وإنما كان قبل ذلك يأتي النبي -ﷺ- في صورة رجل.
وأما ما أنشدوه من قوله:
[٢٩٩]
قلت إذ أقبلت وزُهْرٌ تَهَادَى
[٣٠٠]
ما لم يكن وأبٌ له لِيَنَالَا
فمن الشاذ الذي لا يؤخذ به، ولا يقاس عليه، على أنا نقول: إنما جاء ههنا لضرورة الشعر، والعطف على الضمير المرفوع المتصل في ضرورة الشعر عندنا جائز؛ فلا يكون لكم فيه حجة.
وتشبيههم له بالضمير المنصوب المتصل فلا وجه له بحال؛ لأن الضمير المنصوب المتصل وإن كان في اللفظ في صورة الاتصال فهو في النية في تقدير الانفصال، بخلاف الضمير المرفوع المتصل؛ لأنه في اللفظ والتقدير بصفة الاتصال؛ فبان الفرق بينهما، وقد ذكرنا ذلك مستوفى في كتابنا الموسوم بأسرار العربية١، والله أعلم.
_________________
(١) ١ لم أجد هذا الموضوع الأصيل في أسرار العربية.
[ ٢ / ٣٩٠ ]
٦٧- مسألة: [هل تأتي "أو" بمعنى الواو، وبمعنى "بل"؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن "أو" تكون بمعنى الواو، وبمعنى بل.
وذهب البصريون إلى أنها لا تكون بمعنى الواو، ولا بمعني بل.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأنه قد جاء ذلك كثيرًا في كتاب الله تعالى وكلام العرب، قال الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُون﴾ [الصافات: ١٤٧] فقيل في التفسير: إنها بمعنى بل، أي: بل يزيدون، وقيل: إنها بمعنى الواو، أي: ويزيدون، ثم قال الشاعر:
[٣٠١]
بَدَتْ مثل قَرْنِ الشمس في رَوْنَقِ الضُّحَى وصُورَتِهَا أو أَنْتِ في العَيْنِ أَمْلَحُ
_________________
(١) بدت: أي ظهرت، وقرن الشمس -بفتح القاف وسكون الراء المهملة- أولها عند طلوعها، وقيل: هي أول شعاعها، وقيل: ناحيتها، ورونق الضحى: أوله، يقال: "زرت فلانا رونق الضحى" أي في أوله، وقال الشاعر: ألم تسمعي -أي عبد- في رونق الضحي بكاء حمامات لهن هدير وقالوا "رونق الشباب" وهم يريدون أوله وماءه. والاستشهاد به ههنا في قوله "أو أنت أملح" فإن الكوفيين أنشدوا البيت مستدلين به على أن "أو" في هذه العبارة بمعنى بل، فكأن الشاعر بعد أن قال "بدت مثل قرن الشمس" رأى أنها أعلى من ذلك فأضرب عما قال أولًا فقال: بل أنت أملح. قال ابن هشام في مغني اللبيب "ص٦٤ بتحقيقنا": "السادس -من معاني أو- الإضراب كبَلْ، فعن سيبويه إجازة ذلك بشرطين تقدم نفي أو نهي، وإعادة العامل، نحو ما قام زيد أو ما قام عمرو، ولا يقم زيد أو لا يقم عمرو، ونقله عنه ابن عصفور، ويؤيده أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ ولو قلت أولًا تطع كفورًا انقلب المعنى، ويعني أنه يصير إضرابًا عن النهي الأول ونهيًا عن الثاني فقط، وقال الكوفيون وأبو علي وأبو الفتح وابن برهان: تأتي للإضراب = ١ انظر في هذه المسألة: شرح الأشموني مع حاشية الصبان "٣/ ٩٣" وتصريح الشيخ خالد الأزهري "٢/ ١٨٤".
[ ٢ / ٣٩١ ]
أراد "بل وقال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] أي: وكفورًا، ثم قال النابغة:
[٣٠٢]
قالت: ألا لَيْتَمَا هذَا الحَمَامُ لَنَا إِلَى حَمَامَتِنَا، أو نِصْفُهُ فَقَدِ
_________________
(١) = مطلقًا، احتجاجًا بقول جرير: ماذا ترى في عيال قد برمت بهم لم أحص عدتهم إلا بعداد كانوا ثمانين، أو زادوا ثمانية لولا رجاؤك قد قتلت أولادي وقراءة أبي السمال "أَوْ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ" بسكون واو أو" ا. هـ كلامه وقال البغدادي في شرح شواهده: "على أن أو فيه بمعنى بل للإضراب الانتقالي، وقيل: للشك، كأن كثرتهم أوجبت الشك في عدتهم، ومن ثم احتجاج في عدتهم إلى عداد، وقال الكوفيون: أو هنا بمعنى الواو" ا. هـ كلامه. والحاصل أن الكوفيين يخرجون هذا البيت بأحد تخريجين: الأول: أن أو بمعنى واو العطف التي لمطلق الجمع، والمعنى عليه: كانوا ثمانين وزادوا ثمانية، والثاني: أن أو بمعنى بل للإضراب الانتقالي، والمعنى عليه: كانوا ثمانين بل زادوا على الثمانين ثمانية، وقد ذكر هذا شراح الألفية منهم ابن عقيل "١/ ١٨١" والأشموني "برقم ٨٤٧" والبصريون يخرجونه على أن أو فيه للشك، وسيذكر المؤلف هذا التخريج قريبا.
(٢) هذا البيت من قصيدة النابغة الذبياني المعلقة التي منها الشاهدان "١٠١ و١٥٩" وهو من شواهد سيبويه "١/ ٢٨٢" وابن هشام في مغني اللبيب "رقم ٩٣" وأنشده فيه ثلاث مرات "ص٦٣ و٢٨٦ و٣٠٨ بتحقيقنا"، وفي أوضح المسالك "رقم ١٣٨" وفي شذور الذهب "رقم ١٣٨" والأشموني "رقم ٢٧١" ورضي الدين في باب الحروف المشبهة بالفعل، وشرحه البغدادي في الخزانة "٤/ ٢٩٧" كما شرحه العيني "٢/ ٢٥٤ بهامش الخزانة" ومحل الاستشهاد بهذا البيت في هذا الموضع قوله "أو نصفه" فإن الكوفيين ينشدونه شاهدا على أن "أو" بمعنى الواو الدالة على مطلق الجمع، ويؤيد ما ذهبوا إليه أمران الأول: أنه يروى "ونصفه" بالواو، وقد ذكرنا لك من قبل أنه إذا رويت عبارة بروايتين ووضعت في إحداهما كلمة مكان كلمة في الرواية الأخرى دلَّ ذلك على أن الكلمتين بمعنى واحد، والثاني: أن فتاة الحي التي حكى النابغة عنها أنها قالت "ألا ليتما" إلى آخر البيت كانت قد تمنت هذا الحمام ونصفه منضمًّا إلى حمامتها، ويرون عنها أنها قالت: ليت الحمام ليه إلى حمامتيه ونصفه قديه تم الحمام ميه ولا يتم الحمام مائة إلا إذا انضم الحمام إلى نصفه إلى حمامتها، بدليل قول النابغة في هذه القصة من أبيات القصيدة: فحسبوه فألفوه كما ذكرت ستًا وستين لم تنقص ولم تزد ولو كانت "أو" على أصله لم تصلح هذه الحسبة، وتخريج المؤلف لهذا البيت على أن في الكلام حذف المعطوف عليه وحرف العطف وأن تقدير الكلام: ليتما هذا الحمام لنا أو هو ونصفه -مع بقاء أو على معناها الأصلي- بعيد كل البعد، فوق أنه لا مستند له من قواعد =
[ ٢ / ٣٩٢ ]
أي: ونِصْفُه، والشواهد على هذا النحو من كتاب الله تعالى وكلام العرب أكثرُ من أن تُحْصَى.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الأصل في "أو" أن تكون لأحد الشيئين على الإبهام، بخلاف الواو وبل؛ لأن الواو معناها الجمع بين الشيئين، وبل معناها الإضراب، وكلاهما مخالف لمعنى أو، والأصل في كل حرف أن لا يدل إلا على ما وُضِعَ له، ولا يدل على معنى حرف آخر؛ فنحن تمسكنا بالأصل، ومن تمسك بالأصل استغنى عن إقامة الدليل، ومن عدل عن الأصل بقي مُرْتَهَنًا بإقامة الدليل، ولا دليل لهم يدل على صحة ما ادعوه.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٧٤] فلا حجة لهم فيه، وذلك من وجهين؛ أحدهما: أن يكون للتخيير، والمعنى أنهم إذا رآهم الرائي تخير في أن يقدرهم مائة ألف، أو يزيدون على ذلك، والوجه الثاني: أن يكون بمعنى الشك، والمعنى أن الرائي إذا رآهم شك في عِدَّتِهِم لكثرتهم، أي: أن حالهم حال من يُشَك في عدتهم لكثرتهم؛ فالشك يرجع إلى الرائي، لا إلى الحق تعالى: كما قال تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥] بصيغة التعجب، والتعجب يرجع إلى المخاطبين، لا إلى الله تعالى، أي: حالهم حال من يُتَعَجب منه؛ لأن حقيقة التعجب في حق الحق لا تتحقق؛ لأن التعجب إنما يكون بحدوث علم بعد أن لم يكن، ولهذا قيل في معناه: التعجب ما ظهر حكمه وخفي سببه، والحق تعالى عالم بما كان، وبما يكون، وبما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون، وكما أن التعجب يرجع إلى الخلق لا إلى الحق، فكذلك ههنا.
_________________
(١) = النحاة، فإن الذي تعودوا أن يقولوه: إن المحذوف هو الحرف العاطف والمعطوف به، كما في الآية الكريمة التي تلاها ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ التقدير: فضرب فانفجرت، فالمحذوف الذي قدره هو فاء العطف والفعل الذي تعطفه هذه الفاء على ما قبله، فأما ما قدره في البيت فهو معطوف على اسم مذكور بحرف مذكور وعاطف آخر لاسم مذكور على المعطوف المحذوف، وهذا شيء عجيب أوقعه فيه التعصب للبصريين ولو سلمنا أن ذلك جائز لما صلح أيضا؛ لأن مراد النابغة أن يصف هذه الفتاة بدقة النظر وسرعة الحساب فكيف يتفق ذلك مع شكلها فيما تتمناه هذا ما ظهر لي. والنحاة يستشهدون بهذا البيت أيضا على أن ليت إذا اتصلت بها ما الزائدة لم تخرجها عما استقر لها من الاختصاص بالجمل الاسمية، وأن الأكثر فيها مع الاتصال بما إعمالها في الاسم والخبر، وهم يروون قوله "ألا ليتما هذا الحمام" بنصب الحمام على الإعمال، وبرفعه على الإهمال.
[ ٢ / ٣٩٣ ]
وأما احتجاجهم بقول الشاعر:
[٣٠١]
أو أنتِ في العين أَمْلَحُ
فالرواية فيه "أم أنت في العين أملح" ولئن سلمنا أن الرواية "أو" فلا حجة لهم فيه أيضا؛ لأن "أو" فيه للشك، وليست بمعنى بل؛ لأن مذهب الشعراء أن يخرجوا الكلام مُخْرَج الشك وإن لم يكن هناك شك؛ ليدلوا بذلك على قوة الشبه، ويسمى في صنعة الشعر "تجاهل العارف" كقول الشاعر:
[٣٠٣]
فَيَا ظَبْيَةَ الوَعْسَاءِ بين جُلَاجِل وبين النَّقَا آأَنْتِ أَمْ أُمُّ سَالِمِ؟
وكقول الآخر:
[٣٠٤]
بالله يا ظَبَيَاتِ القَاعِ قُلْنَ لَنَا: ليلاي منكنّ أَمْ ليلى من البَشَرِ؟
_________________
(١) هذا البيت من كلام ذي الرمة غيلان بن عقبة، وهو من شواهد سيبويه "٢/ ١٦٨" وابن جني في الخصائص "٢/ ٤٥٨" والقزويني في الإيضاح "٣٧٩" ورضي الدين في شرح الشافية "رقم ١٦٨" وشرحه البغدادي "ص٣٤٧ بتحقيقنا" وأنشده ابن يعيش في شرح المفصل "ص١٣١٥" وانظر بعد ذلك أمالى أبي علي القالى "٢/ ٦١" وكامل المُبَرِّد "بغية الآمل ٦/ ١٨١" وأمالى ابن الشجري "١/ ٣٢١" ولسان العرب "ج ل ل" ومعجم ياقوت "جلاجل" والوعساء: رملة، وجلاجل: قد ضبطها ابن منظور بفتح الجيم الأولى، وقال ياقوت "جلاجل: بالضم وكسر الثانية، ويروى بفتح الأولى، ورأيته بخط أبي زكريا التبريزي بحاءين مهملتين الأولى مضمومة.. جبل بالدهناء" ا. هـ. والاستشهاد بالبيت في قوله "أأنت أم سالم" فإن ظاهر ما تدل عليه هذه العبارة أنه لا يعلم أيهما أجمل فاستفهم لتخبره، ولكن الحقيقة أنه عارف أن أم سالم أجمل، فتجاهل ليأخذ الإقرار بأن أم سالم أجمل، وهذا نوع من البديع يسمى تجاهل العارف وقد عرفه السكاكي بأنه "سوق المعلوم مساق المجهول لنكتة" والنكتة ههنا هي إظهار تدلهه في الحب وأنه لفرط عشقه لم يعد يعرف أظهر الأشياء وأقربها إليه.
(٢) هذا البيت من شواهد الإيضاح للقزويني "ص٣٧٩ بتحقيقنا" وأوضح المسالك لابن هشام "رقم ٥٣٩" وشرح الأشموني "رقم ١٣١" وشرحه العيني "١/ ٤١٦ و٤/ ٥١٨" وقد اختلف العلماء في نسبة هذا البيت، فزعم قوم أنه لمجنون بني عامر، وكأنهم اغتروا بذكر اسم ليلى فيه، وقد بحثت جميع ديوان المجنون فلم أجده فيه، ونسبه قوم لذي الرمة، ونسبه العيني للعرجي، ونسبه العباسي لبعض الأعراب ولم يسمه "المعاهد ٤١٨" ونسبه القزويني للحسين بن عبد الله الغزي، ونسبه الباخرزي في الدمية لبدوي سماه كاهلا الثقفي، وانظر بعد ذلك كله الشاهد رقم "٧٨" الذي مضى في المسألة ١٥، والقاع: أرض سهلة قد انفرجت عنها الجبال والآكام، والاستشهاد به ههنا في قوله "ليلى منكن أم ليلى من البشر" فإن ظاهر هذه العبارة أنه لا يعلم إن كانت ليلى من جنس الظباء أم من جنس الإنسان، فاستفهم لتخبره، والحقيقة أنه لا يجهل ذلك، فتجاهل وهو عارف، ويسمي علماء البديع =
[ ٢ / ٣٩٤ ]
وإن لم يكن هناك شك ولا شبهة، وإذا كانوا يخرجون الكلام مُخْرَجَ الشك وإن لم يكن هناك شك لم تخرج "أو" عن أصلها.
وأما قول الله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] فلا حجة لهم فيه؛ لأن "أو" فيها للإباحة، أي: قد أبحتُكَ كُلَّ وَاحِدٍ منهما كيف شئت، كما تقول في الأمر "جالس الحسن أو ابن سيرين" أي: قد أبحتك مجالسة كل واحد منهما كيف شئت، والمنع بمنزلة الإباحة، فكما أنه لا يمتنع من شيء أبحته له، فكذلك لا يُقْدِم على شيء نهيته عنه، وأما قول الآخر:
[٣٠٢]
أو نِصْفُهُ فَقَدِ
فنقول: الرواية "ونصفه فقد" بالواو؛ فلا يكون لكم فيه شاهد، ولو سلمنا أن الرواية على ما رويتموه فنقول: "أو" فيه باقية على أصلها، وهو أن يكون التقدير فيه: ليتما هذا الحمام أو هو ونصفه، فحذف المعطوف عليه وحرف العطف، كقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ [البقرة: ٦٠] أي: فضرب فانفجرت، وعلى هذا التقدير قول الشاعر:
[٣٠٥]
ألا فَالبَثَا شَهْرَيْنِ أَوْ نِصْفَ ثَالِثِ
أي: شهرين أو شهرين ونصف ثالث، ألا ترى أنك لا تقول مبتدئا "لبثت نصف ثالث" وإذا وجب أن يكون المعطوف عليه محذوفًا كانت باقية على أصلها، فدلَّ على صحة ما ذهبنا إليه، والله أعلم.
_________________
(١) = هذا النوع من الكلام تجاهل العارف، وهو نظير ما ذكرناه في البيت السابق، ونظير هذين البيتين قول أبي الطيب المتنبي: أتراها لكثرة العشاق تحسب الدمع خلقة في المآقي؟ وقول التهامي يشكو السهر: قصرت جفوني أم تباعد بينها أم مقلتي خلقت بلا أشفار؟ وقول مهيار الديلمي: سلا ظبية الوادي - وما الظبي مثلها وإن كان مصقول الترائب أكحلا - أأنت أمرت البدر أن يصدع الدجى وعلمت غصن البان أن يتميلا؟
(٢) لم أقف لهذا الشاهد على تكملة، ولا على سوابق أو لواحق تتصل به، ولا على نسبة إلى قائل معين، والاستشهاد به في قوله "أو نصف ثالث" فإنه على تقدير حذف معطوف وحرف عطف، وأصل الكلام: ألا فالبثا شهرين أو شهرين ونصف شهر ثالث، وقد بيَّنَّا لك رأينا في هذا التقدير في شرح الشاهد رقم ٣٠٢.
[ ٢ / ٣٩٥ ]
مسألة هل يجوز أن يعطف بلكن بعد الإيجاب؟
٦٨- مسألة: [هل يجوز أن يعطف بـ"لكن" بعد الإيجاب؟]
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز العطف بـ"لكن" في الإيجاب، نحو: "أتاني زيد لكن عمرو". وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز العطف بها في الإيجاب، فإذا جيء بها في الإيجاب وجب أن تكون الجملة التي بعدها مخالفة للجملة التي قبلها، نحو "أتاني زيد لكن عمرو لم يأت" وما أشبه ذلك. وأجمعوا على أنه يجوز العطف بها في النفي.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: أجمعنا على أن "بل" يجوز العطف بها بعد النفي والإيجاب؛ فكذلك "لكن" وذالك لاشتراكهما في المعنى، ألا ترى أنك تقول "ما جاءني زيد لكن عمرو" فتثبت المجيء للثاني دون الأول، كما لو قلت "ما جاءني زيد بل عمرو" فتثبت المجيء للثاني دون الأول، فإذا كانا في معنى واحد، وقد اشتركا في العطف بهما في النفي، فكذلك في الإيجاب.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز العطف بها بعد الإيجاب وذلك لأن العطف بها في الإيجاب إنما يكون في الغلط والنسيان، ألا ترى أنك لو عطفت بها بعد الإيجاب لكنت تقول "جاءني زيد لكن عمرو" فكنت تثبت للثاني بلكن المجيء الذي أثبته للأول، فيعلم أن الأول مرجوع عنه كالعطف ببل في الإيجاب، نحو جاءني زيد بل عمرو" وإذا كان العطف بلكن في الإيجاب إنما يكون في الغلط والنسيان فلا حاجة إليها؛ لأنه قد استغنى عنها ببل في الإيجاب؛ لأنه لا حاجة إلى تكثير الحروف الموجبة للغلط، وقد يستغنى بالحرف عن الحرف في بعض الأحوال إذا كان في معناه، ألا ترى أنهم استغنوا بإليك عن حَتَّاكَ، وبمثلك عن كَكَ، وكذلك استغنوا عن وَدَعَ بِتَرَكَ؛ لأنه في معناه، وكذلك استغنوا به عن وَذَرَ، وكذلك استغنوا بمصدر ترك واسم الفاعل منه عن مصدر ودع ووذر، وعن اسم الفاعل منهما، فيقال: ترك تركًا فهو تارك، ولا يقال: وَدَعَ وَدْعًا
[ ٢ / ٣٩٦ ]
وهو وادع. لا وَذَرَ وَذَرًا فهو واذر؛ فأما قول أبي الأسود الدؤلي:
[٣٠٦]
ليت شعري عن خَلِيلِي ما الذي غَالَهُ في الحب حتى وَدَعَهْ؟
وقول سُوَيد بن أبي كاهل:
[٣٠٧]
فَسَعَى مَسْعَاتَهُ في قَوْمِهِ ثُمَّ لم يَبْلُغْ ولا عَجْزَا وَدَعْ
_________________
(١) أنشد ابن منظور هذا البيت "ود ع" ونسبه إلى أبي الأسود الدؤلي، ثم قال "وهذا البيت روى الأزهري عن ابن أخي الأصمعي أن عمه أنشده لأنس بن زنيم: ليت شعري عن أميري ما الذي غاله في الحب حتى ودعه لا يكن برقك برقًا خلبًا إن خير البرق ما الغيث معه قال ابن بري: وقد روي البيتان للمذكورين" ا. هـ كلام ابن منظور، واستشهد به الرضي في شرح الشافية "رقم ٢٠" وشرحه البغدادي "ص٥٠" وودع يدع: معناه ترك يترك، والاستشهاد بهذا البيت في قوله "ودعه" بتخفيف الدال مفتوحة -حيث ورد فيه الفعل الماضي الثلاثي من هذه المادة، والمشهور أن العرب أهملت الماضي الثلاثي من هذه المادة، واستعملت المضارع والأمر منها، وقد ذكر المؤلف أن المشهور أن العرب أهملت اسم الفاعل من هذه المادة أيضًا، وأنهم استغنوا عن الفعل الثلاثي المجرد من هذه المادة بفعل آخر من معناه، وهو ترك، واستغنوا كذلك عن "وذر" الماضي؛ لأن ترك يقوم مقامه، واستعملوا مضارع "وذر" وأمره، فقالوا "يذر، ذر" قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ وقال سبحانه ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ وقد استعمل الشاعر في بيت الشاهد "ودع" الثلاثي المجرد حين اضطر؛ مراجعة لأصل مهجور، ونظيره قول الآخر: وكان ما قدموا لأنفسهم أكثر نفعًا من الذي ودعوا ونظيرهما قول الآخر: فسعى مساعاته في قومه ثم لم يدرك، ولا عجزًا ودع وقد قرأ عروة بن الزبير في قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ بتخفيف الدال، قال الليث: "العرب لا تقول: ودعته فأنا وادع، ولكن يقولون في الغابر "أي في المضارع" يدع، وفي الأمر: دعه، وفي النهي: لا تدعه" ا. هـ. وقد ورد استعمال اسم الفاعل من ودع الثلاثي المجرد في قول معن بن أوس: عليه شريب لين وادع العصا يساجلها حماته وتساجله وفي بيت آخر أنشده أبو علي الفارسي في البصريات: فأيهما ما أتبعن فإنني حزين على ترك الذي أنا وادع كما ورد المصدر الثلاثي المجرد في حديث ابن عباس "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن على قلوبهم" أي عن تركهم إياها والتخلف عنها، قال ابن بري "وزعم النحوية أن العرب أماتوا مصدر يدع ويذر، واستغنوا عنه بالترك، والنبي -ﷺ- أفصح العرب، وقد وردت عنه هذه الكلمة" ا. هـ. وقال ابن الأثير: "وإنما يحمل قول النحاة على قلة استعماله، فهو شاذ في الاستعمال صحيح في القياس، وقد جاء في غير حديث، حتى قرئ به في قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ بالتخفيف" ا. هـ.
(٢) هذا البيت من كلام سويد بن أبي كاهل، اليشكري، وهو البيت الحادي والثمانون من =
[ ٢ / ٣٩٧ ]
فهو محمول على أنه بمعنى وَدَّعَ بالتشديد فخفَّف، وهو على كل حال من الشاذ الذي لا يعتدُّ به في الاستعمال. وإذا كان كذلك وجب أن تكون الجملة التي بعدها مخالفة لما قبلها؛ ليكونا خبرين مختلفين.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إنا أجمعنا على أن بل يجوز العطف بها بعد النفي والإيجاب فكذلك لكن لاشتراكهما في المعنى" قلنا: إنما شاركت لكن بل في النفي دون الإيجاب؛ لأن مشاركتها لها في النفي صواب وليس على سبيل النسيان والغلط؛ ألا ترى أنك إذا قلت في النفي "ما جاءني زيد لكن عمرو" لم توجب نسيانًا ولا غلطًا كما لو قلت "ما جاءني زيد بل عمرو" وإذا كان استعماله في النفي لا يوجب نسيانا ولا غلطا، فتكثير ما هو صواب لا يُنْكَر، بخلاف استعماله في الإيجاب؛ فإنه يوجب النسيان والغلط، والنسيان والغلط إنما يقع نادرًا قليلًا، فاقتصر فيه على حرف واحد وهو "بل".
ثم ليس من ضرورة تشارك لكن وبل في بعض الأحوال مشاركتهما في كل الأحوال، ألا ترى أن "بل" لا يحسُنُ دخول الواو عليها؟ ولا يقال "وبل" و"لكن" يحسن دخول الواو عليها فيقال "ولكن" قال الله تعالى: "وَلَكِنِ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا" [البقرة: ١٠٢] في قراءة من قرأ بالتخفيف، وكذلك قوله: "وَلَكِنِ البر" [البقرة: ١٧٧] والشواهد على ذلك من كتاب الله وكلام العرب مما لا يحصى كثرة، وذلك لا يوجد البتة في "بل" فدلَّ على ما قلناه، والله أعلم.
_________________
(١) = المفضلية الأربعين "انظر المفضليات ص١٩٠-٢٠٢ ط دار المعارف" وقبل البيت المستشهد به قوله: كيف يرجون سقاطي بعدما لاح في الرأس بياض وصلع ورث البغضة عن آبائه حافظ العقل لما كان استمع يصف شانئه بأنه ورث بغضه عن آبائه، وسمعهم يذكرون العداوة وأسبابها ويشتمونه فحفظ ذلك عنهم بعد أن وعاه وعقله، ومسعاتهم: سعي آبائه، ورواها المؤلف "مسعاته" يريد أنه سعى كما كانوا يسعون فلم يظهر بشيء كما لم يظفروا من قبل. والاستشهاد به في قوله "ودع" حيث استعمل الفعل الماضي الثلاثي المجرد، ومعناه ترك، والكلام فيه كالكلام في الشاهد السابق، قال ابن جني "إنما هذا على الضرورة؛ لأن الشاعر إذا اضطر جاز له أن ينطق بما ينتجه القياس وإن لم يرد به سماع -ثم أنشد بيت أبي الأسود، وهو الشاهد السابق- وعليه قراءة بعضهم: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ لأن الترك ضرب من القلى، فهذا أحسن من أن يعل باب استحوذ واستنوق الجمل لأن استعمال ودع مراجعة أصل، وإعلال استحوذ واستنوق ونحوهما من المصحح ترك أصل، وبين مراجعة الأصول وتركها ما لا خفاء به" ا. هـ. وانظر كتاب سيبويه "٢/ ٢٥٦"
[ ٢ / ٣٩٨ ]
٦٩- مسألة: [هل يجوز صرف أفعل التفضيل في ضرورة الشعر؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن "أفعل منك" لا يجوز صَرْفُه في ضرورة الشعر.
وذهب البصريون إلى أنه يجوز صرفه في ضرورة الشعر.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن "مِنْ" لما اتصلت به منعت من صرفه لقوة اتصالها به، ولهذا كان في المذكر والمؤنث والتثنية والجمع على لفظ واحد، نحو "زيد أفضل من عمرو، وهند أفضل من دعد، والزيدان أفضل من العمرين، والزيدون أفضل من العمرين" وما أشبه ذلك؛ فدل على قوة اتصالها به؛ فلهذا قلنا: لا يجوز صرفه.
ومنهم من تمسك بأن قال: إنما قلنا ذلك لأن "من" تقوم مقام الإضافة ولا يجوز الجمع بين التنوين والإضافة؛ فكذلك لا يجوز الجمع بينه وبين ما يقوم مقام الإضافة، وإنما لم يجز الجمع بين التنوين والإضافة لأنهما دليلان من دلائل الأسماء، فاستغني بأحدهما عن الآخر.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه يجوز صرفه لأن الأصل في الأسماء كلها الصرف، وإنما يُمْنَع بعضها من الصرف لأسباب عارضة تدخلها على خلاف الأصل؛ فإذا اضطر الشاعر ردَّها إلى الأصل، ولم يعتبر تلك الأسباب العارضة التي دخلت عليها، قال أبو كبير الهذلي:
[٣٠٨]
ممن حملن به وهن عَوَاقِدٌ حُبُكَ النِّطَاق فَشَبَّ غير مُهَبَّل
_________________
(١) هذا البيت من كلام أبي كبير الهذلي، واسمه عامر بن الحليس، ويقال: عويمر بن الحليس، أحد بني سعد بن هذيل، وهو من كلمة أثر منها أبو تمام في ديوان الحماسة = ١ انظر في هذه المسألة: شرح الأشموني مع حاشية الصبان "٣/ ٢٣٣" وتصريح الشيخ خالد الأزهري "٢/ ٢٨٦ بولاق" وشرح الرضي على الكافية "١/ ٣٣" وشرح ابن يعيش على المفصل "ص٨٣" وأسرار العربية للمؤلف "ص١٢٢".
[ ٢ / ٣٩٩ ]
فصرف "عواقد" وهي لا تنصرف؛ لأنه ردها إلى الأصل، وقال النابغة:
[٣٠٩]
فَلَتَأْتِيَنْكَ قَصَائِدٌ
_________________
(١) = عشرة أبيات ثانيها هذا البيت، وانظر الشاهد "رقم ١٤٤" في المسألة رقم ٢٨، والبيت المستشهد به هنا من شواهد سيبويه "١/ ٥٦" وابن هشام في مغني اللبيب "رقم ٩٤٢" وابن يعيش في شرح المفصل "ص٨٣٠" ورضي الدين في باب اسم الفاعل من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "٣/ ٤٦٦" والأشموني "رقم ٧٠٧" وابن الناظم في باب إعمال اسم الفاعل، وشرحه العيني "٣/ ٥٥٨" والضمير في قوله "حملن" يعود إلى النساء وإن لم يجر لهن ذكر، ولكن لما كان المراد مفهوما جاز هذا الإضمار، والحبك -بضم الحاء المهملة والباء الموحدة- جمع حبيك، والحبك: الطرائق، والنطاق -بكسر النون بزنة الكتاب- ما تشده المرأة في حقوها، وتقول: انتطقت المرأة؛ إذا لبست النطاق، واحتبكت؛ إذا لبست الحباك وهو الإزار، وشب: قوي وترعرع، والمهبّل: المدعو عليه بالهبل وهو الثكل، وقيل: هو المعتوه الذي لا يتماسك. يقول: إن هذا الفتى من الفتيان الذين حملت أمهاتهم بهم وهن غير مستعدات للفراش فنشأ محمودًا مرضيًا. والاستشهاد بهذا البيت ههنا في قوله "عواقد" فإن هذه الكلمة على صيغة منتهى الجموع وهي تقتضي المنع من صرف الاسم، ولكن الشاعر قد صرف هذه الكلمة ونونها حين اضطر لإقامة الوزن، ونظيره قول امرئ القيس بن حجر الكندي: تبصر خليلي هل ترى من ظعائن سوالك نقب بين حزمي شعبعب؟ وقول زهير بن أبي سلمى: تبصر خليلي هل ترى من ظعائن تحملن بالعلياء من فوق جرثم؟ وقوله سحيم: تبصر خليلي هل ترى من ظعائن تحملن من جنبي شروري غواديا ومن صرف الاسم الممنوع من الصرف قول امرئ القيس في معلقته: ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة فقالت: لك الويلات إنك مرجلي والنحاة يستشهدون ببيت الشاهد على أنه نصب قوله "حبك النطاق" بعواقد الذي هو جمع عاقدة الذي هو اسم الفاعل المؤنث من قولهم "عقدت المرأة نطاقها" إذا شدَّته وربطته.
(٢) هذه قطعة من بيت للنابغة الذبياني، وهو بتمامه. فلتأتينك قصائد، وليدفعن جيشا إليك قوادم الأكوار وكان زرعة بن عمرو بن خويلد لقي النابغة بعكاظ، فأشار عليه أن يطلب إلى قومه ويحضهم على قتال بني أسد وترك حلفهم، وأبى النابغة، فبلغه أن زرعة يتوعده، فقال قصيدته التي منها بيت الشاهد، وأولها: طال الثواء على رسوم ديار قفر أسائلها، وما استخباري؟ والقوادم: جمع قادمة، والقادمة: مقدم الرحل، والأكوار: جمع كور، وهو رحل الناقة. ويتهدده بأنه سيهجوه، وبأنه سيغزوه، والاستشهاد بالبيت في قوله "قصائد" فإن هذه الكلمة على صيغة منتهى الجموع وهي تقتضي منع الصرف، وقد صرف الشاعر هذه الكلمة حين اضطر إلى إقامة الوزن، على نحو ما قررناه في البيت الذي قبل هذا البيت.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
فصرف "قصائد" وهي لا تنصرف؛ لأنه ردها إلى الأصل، إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة في أشعارهم.
والذي يدل على هذا أن ما لا أصل له في الصرف ودخول التنوين لا يجوز للشاعر أن ينونه للضرورة، لأنه لا أصل له في ذلك فيرده إلى حالة قد كانت له، فإذا ثبت هذا فنقول: أفعل منك اسم، والأصل فيه الصرف، وإنما امتنع من الصرف لوزن الفعل والوصف، فصار بمنزلة "أحمر"، وكما وقع الإجماع على أن "أحمر" يجوز صرفه في ضرورة الشعر ردًّا إلى الأصل فكذلك أفعل منك، ثم إذا جار عندكم في ضرورة الشعر ترك صرف ما أصله الصرف -وهو عدول عن الأصل إلى غير أصل- فكيف لا يجوز صرف ما أصله الصرف وهو رجوع عن غير أصل إلى أصل؟ وهل منع ذلك إلا رفض القياس، وبناء على غير أساس؟
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إن من لما اتصلت به منعت من صرفه" قلنا: هذا باطل؛ لأن اتصال من ليس له تأثير في منع الصرف، وإنما المؤثر في منع الصرف وزن الفعل والوصف. والذي يدل على ذلك أنهم قد قالوا: "زيد خير منك، وشر منك" فيصرفون مع اتصال "من" به، ولم يمنعوهما الصرف مع دخول "من" عليهما واتصالها بهما، ولو كان كما زعموا لوجب أن لا ينصرفا لاتصال "من" بهما، فلما انصرفا مع اتصال "من" بهما دلّ على أن اتصالها بهما لا أثر له في منع الصرف، وإنما المؤثر في منع الصرف وزن الفعل والوصف.
والذي يدل على صحة هذا أنه لما زال وزن الفعل من "خير منك، وشر منك" انصرف؛ لأن الأصل: أخير منك، وأشرر منك؛ إلا أنهم حذفوا الهمزة منهما لكثرة الاستعمال، وأدغموا إحدى الراءين في الأخرى من قولهم "شر منك" لئلا يجتمع حرفان متحركان من جنس واحد في كلمة واحدة؛ لأن ذلك مما يستثقل في كلامهم، فلما نقصا عن وزن الفعل بقي فيهما علة واحدة وهي الوصف، فَرُدَّا إلى الأصل وهو الصرف؛ لأن العلة الواحدة لا تقوى على منع الصرف الذي هو الأصل.
وأما قولهم "إنه لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث؛ لاتصال من به" قلنا: إنما لم يثنَّ ولم يجمع ولم يؤنث لثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أنه لم يثنَّ ولم يجمع ولم يؤنث لأنه تضمن معنى المصدر؛ لأنك إذا قلت "زيد أفضل منك" كان معناه فضل زيد يزيد على فضلك؛ فجعل موضع يزيد فضله أفضل، فتضمن معنى المصدر والفعل معا، والفعل والمصدر مذكران، ولا تدخلهما تثنية ولا جمع، فكذلك ما تضمنهما.
[ ٢ / ٤٠١ ]
والوجه الثاني: أنه لم يثنَّ ولم يجمع ولم يؤنث لأنه مضارع للبعض الذي يقع به التذكير والتأنيث والتثنية والجمع بلفظ واحد.
والوجه الثالث: إنما لم يثنَّ ولم يجمع لأن التثنية والجمع إنما تلحق الأسماء التي تنفرد بالمعاني، و"أفعل" اسم مركب يدل على فعل وغيره، فلم يجز تثنيته ولا جمعه، كما لم يجز تثنية الفعل ولا جمعه لما كان مركبا يدلُّ على معنى وزمان، وإنما فعلت العرب ذلك اختصارًا للكلام، واستغناء بقليل الكلام عن كثيره، ولم يجز تأنيثه لما ذكرنا من تضمنه معنى المصدر، والمصدر مذكر، ثم على أصلكم إنما وُحِّد "أفعل" لأنه جرى مجرى الفعل؛ ولهذا كانت إضافته غير حقيقية.
وأما قولهم "إن من تقوم مقام الإضافة، ولا يجوز الجمع بين التنوين والإضافة" قلنا: لو كان الأمر كما زعمتم لوجب أن يدخله الجر في موضع الجر، كما إذا دخلته الإضافة، فلما أجمعنا على أنه لا ينصرف ويكون في موضع الجر مفتوحًا كسائر ما لا ينصرف دلَّ على فساد ما ذهبتم إلى.
وأما قولهم "إنما لم يجز الجمع بين التنوين والإضافة لأنهما دليلان من دلائل الأسماء" قلنا: لا نسلم أنه إنما لم يجز الجمع بين التنوين والإضافة لأنهما دليلان من دلائل الأسماء، وإنما لم يجز الجمع بين التنوين والإضافة لوجهين:
أحدهما: أن الإضافة تدل على التعريف، والتنوين يدل على التنكير فلو جوّزنا الجمع بينهما لأدى ذلك إلى أن يجمع بين علامة تعريف وعلامة تنكير في كلمة واحدة، وهما ضدّان، والضدّان لا يجتمعان.
والوجه الثاني: أن الإضافة علامة الوصل، والتنوين علامة الفصل. فلو جوّزنا الجمع بينهما لأدّى ذلك إلى أن يجمع بين علامة وصل وعلامة فصل في كلمة واحدة، وهما ضدّان، والضدّان لا يجتمعان.
وما ذهبوا إليه من التعليل يبطل بحرف الجر مع لام التعريف؛ فإنهما يجوز اجتماعهما، نحو "مررت بالرجل" وإن كانا دليلين من دلائل الأسماء، إلى غير هذين الدليلين من دلائل الأسماء، والله أعلم.
[ ٢ / ٤٠٢ ]
٧٠- مسألة: [منع صرف ما ينصرف في ضرورة الشعر] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز ترك صرف ما ينصرف في ضرورة الشعر، وإليه ذهب أبو الحسن الأخفش وأبو علي الفارسي وأبو القاسم بن برهان من البصريين، وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز، وأجمعوا على أنه يجوز صرف ما لا ينصرف في ضرورة الشعر.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه يجوز ترك صرف ما ينصرف في ضرورة الشعر أنه قد جاء ذلك كثيرًا في أشعارهم، قال الأخطل:
[٣١٠]
طَلَبَ الأَزَارِقَ بِالكَتَائِبِ إذ هَوَتْ بِشَبِيبِ غَائِلَةِ الثُّغُورِ غَدُورُ
_________________
(١) هذا البيت للأخطل -غياث بن الغوث- التغلبي، من كلمة يمدح فيها سفيان بن الأبيرد، وهو من شواهد الأشموني "رقم ٩٩٤" وابن هشام في أوضح المسالك "رقم ٤٨٧" وابن الناظم في باب ما لا ينصرف من شرح الألفية، وشرحه العيني "٤/ ٣٦٢ بهامش الخزانة" والأزارق: جمع أزرقي، وهو المنسوب إلى نافع بن الأزرق، رأس الخوارج، وكان من حق العربية عليه أن يقول "الأزارقة" لأنهم يزيدون التاء في الجمع عوضًا عن ياء النسبة التي تكون في المفرد، قالوا: المهالبة، والأشاعرة، في جمع أشعري ومهلبي، ولكنه حذف التاء حين اضطر لإقامة الوزن، والكتائب: جمع كتيبة، وهي الفرقة من الجيش، وتطلق الكتيبة على الخيل المغيرة من المائة إلى الألف، وهوت: سقطت، وشبيب: هو شبيب بن يزيد بن نعيم الشيباني، وكان رأسًا من رءوس الخوارج في عهد عبد الملك بن مروان، وقاتله الحجاج بن يوسف الثقفي. ومحل الاستشهاد بالبيت ههنا قوله: "بشبيب" حيث منعه من الصرف مع أنه ليس فيه إلا العلمية، وهي وحدها لا تقتضي المنع من الصرف، وإنما تقتضيه إذا انضمت إليه علة أخرى مثل التأنيث في فاطمة وحمزة وزينب، ومثل العدل في عمر وزفر وجمح، ومثل زيادة الألف والنون في عثمان وعفان وعمران، ومثل وزن الفعل = ١ انظر في هذه المسألة: شرح الأشموني مع حاشية الصبان "٣/ ٢٣٣" وتصريح الشيخ خالد الأزهري "٢/ ٢٨٧" والمفصل مع شرحه لابن يعيش "ص٨١" وشرح الرضي على الكافية "١/ ٣٤"
[ ٢ / ٤٠٣ ]
فترك صرف "شبيب" وهو منصرف، وقال حَسَّان:
[٣١١]
نصروا نبيهم وشدُّو أَزْرَهُ بِحُنَيْنَ يوم تَوَاكُلِ الأبطالِ
فترك صرف "حنين" وهو منصرف، قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٥] ولم يُرْوَ عن أحد من القراء أنه لم يصرفه، وقال الفرزدق:
[٣١٢]
إذا قال غَاوٍ من تَنْوخَ قصيدةً بها جَرَبٌ عُدَّتْ على بِزَوْبَرَا
_________________
(١) = في أحمد ويشكر وبقم، قال ابن يعيش "السبب الواحد لا يمنع الصرف في حال الاختيار والسعة، وقد أجاز الكوفيون والأخفش وجماعة من المتأخرين البصريين كأبي علي وابن البرهان وغيرهما ترك صرف ما ينصرف، وأباه سيبويه وأكثر البصريين، وقد أنكر المنع أبو العباس المُبَرِّد، وقال: ليس لمنع الصرف أصل يردّ إليه، وقد أنشد من أجاز ذلك أبياتًا صالحة العدة وقد تأولها أبو العباس وروى شيئًا منها على غير ما رووه" ا. هـ. وقال ابن هشام "وأجاز الكوفيون والأخفش والفارسي للمضطر أن يمنع صرف المنصرف، وأباه سائر البصريين، وعن ثعلب أنه أجاز ذلك في الكلام" ا. هـ. وقال الرضي "وجوز الكوفيون وبعض البصريين للضرورة ترك صرف المنصرف، لا مطلقًا، بل بشرط العلمية دون غيرها من الأسباب؛ لقوتها وذلك بكونها شرطًا لكثير من الأسباب مع كونها سببًا" ا. هـ.
(٢) هذا البيت لحسان بن ثابت الأنصاري، وقد أنشده ابن منظور "ح ن ن" وعزاه إليه، وحنين -بالضم، على زنة التصغير- اسم واد بين مكة والطائف، قال الأزهري: حنين اسم وادٍ كانت به وقعة أوطاس، ذكره الله تعالى في كتابه فقال: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ وقال الجوهري: حنين موضع، يذكر ويؤنث، فإذا قصدت به الموضع ذكرته وصرفته كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ وإن قصدت به البقعة أنثته ولم تصرفه، وأنشد لذلك بيت حسان، وإذا كان ما قاله الجوهري صحيحًا -وهو صحيح إن شاء الله- فإن منع حسان صرف "حنين" يكون جاريًا على القياس، ولا ضرورة فيه؛ لأن فيه علتين إحداهما العلمية والأخرى التأنيث، فأما أن القراء أجمعوا على صرف "حنين" في الآية الكريمة فلا يدل على عدم جوازه في السعة بتقدير تأنيثه على أنه علم على البقعة، وذلك لأن القراءة لا تتبع صحة الوجه عربية، ولكنها سنة متبعة وهي لا تخالف العربية ولكن ليس معنى هذا أن كل ما جاز في العربية جازت القراءة به، ولكن معناه أن كل ما قرئ به فهو جائز في العربية، وفرق بين الكلامين، والمؤلف نفسه شنع على الكوفيين في المسألة "٣٣" على أساس زعمهم أن كل ما جاز في العربية يرد في القرآن ولم يقرأ به القراء.
(٣) نسب المؤلف هذا البيت للفرزدق، وقد أنشده ابن منظور "ز ب ر" ونسبه إلى ابن أحمر، وأنشده ابن يعيش في شرح المفصل "ص٤٤ ليبزج" ونسبه إلى الطرماح، وأنشد ابن سيده في المخصص "١٥/ ١٨٣" كلمة الاستشهاد من هذا البيت، من غير عزو، وقد رجعت إلى ديوان الفرزدق، فوجدت فيه أربعة أبيات يقولها لقومه يقع هذا البيت ثانيها، وقبله: يا قوم إني لم أكن لأسبكم وذو البرء محقوق بأن يتعذرا
[ ٢ / ٤٠٤ ]
فترك صرف "زَوْبَرَ" وهو منصرف، ومعناه نُسِبَتْ إليّ بكمالها من قولهم: أخذ الشيء بزَوْبَرِهِ، إذا أخذه كله، وقيل: "بزَوْبَرَا" أي كذبًا وزورًا، وقال الآخر:
[٣١٣]
إلى ابْنِ أُمِّ أُنَاسَ أَرْحَلُ نَاقَتِي عمرو فَتُبْلِغُ حَاجَتِي أو تُزْحِفُ
_________________
(١) = ووجدت له قطعة أخرى عدتها اثنا عشر بيتًا يقولها في التنصل إلى خالد القسري عامل هشام بن عبد الملك بن مروان على العراق؛ من هجاء كان قد هجى به خالد، فاتّهم الفرزدق بذلك الهجو، وهذا البيت يقع سادس أبياتها، وأولها: ألكني إلى راعي الخليفة والذي له الأفق والأرض العريضة نورا والغاوي: غير الرشيد، ويروى "إذا قال راوٍ" ويروى "عاوٍ" بالعين المهملة -من العواء، وهو صوت الكلب، وبها جرب: أي فيها عيب من هجاء ونحوه، وقوله "عدت عليّ بزوبرا" أي نسب إليّ بكمالها، مأخوذ من قولهم: أخذ الشيء بزوبره، يريدون كله، جعل زوبر علمًا على هذا المعنى. وقد نقل ابن جني عن أبي علي ما قد يفيد أن منع صرف زوبر في هذا البيت جارٍ على القياس، قال "سألت أبا علي عن ترك صرف زوبر، فقال: علقه علمًا على القصيدة فاجتمع فيه التعريف والتأنيث" ا. هـ.
(٢) هذا البيت من كلام بشر بن أبي خازم، وقد أنشده ابن منظور "ز ح ف" وعزاه إليه، غير أنه وقع هناك هكذا: قال ابن إياس ارْحَلْ ناقتي عمرو فتبلغ حاجتي أو تُزْحِفُ والذي يتجه لي أن ما وقع في اللسان محرف عما رواه المؤلف هنا، ثم إني رأيت البغدادي يشير إلى أن هذا البيت قد قيل في مدح عمرو بن حجر الكندي، وأم أناس: كما قال المؤلف أيضًا هي بنت ذهل، من بني شيبان، وقد روي هذا البيت على وجه آخر، وهو: وإلى ابن أم أناس تعمد ناقتي عمرو، لتنجح ناقتي أو تتلف وقد بحثت طويلًا عن الكلمة التي منها هذا البيت فلم أعثر عليها. وتقول "رحل فلان ناقته يرحلها، من باب فتح" إذا وضع عليها الرحل وهيأها للسفر، وقوله "فتبلغ حاجتي" حذف المفعول الأول، وأصل الكلام: فتبلغني حاجتي، وقد أعتاد الشعراء أن يطلبوا إلى الناقة إبلاغهم حاجتهم، وانظر إلى قول الشماخ بن ضرار الغطفاني: إذا بلغتني وحملت رحلي عرابة فاشرقي بدم الوتين وإلى قول عنترة بن شداد العبسي قبله: هل تبلغني دارها شدنية لعنت بمحروم الشراب مصرم وقوله في بيت الشاهد "أو تزحف" مأخوذ من قولهم "زحف البعير يزحف زحفا -مثل فتح يفتح فتحا- وزحوفا، وزحفانا" إذا أعيا فجر فرسنه، يقول: إني أرحل ناقتي إلى عمرو بن أم أناس، فإما أن تبلغني مقصدي وإما أن تعيا فلا تستطيع السير، يريد أنه لا يرأف بها ولا يشفق عليها ولا يعطيها شيئًا من الراحة. والاستشهاد بالبيت في قوله "أم أناس" فقد منع "أناس" من الصرف، فجره بالفتحة من غير تنوين مع أنه ليس فيه إلا سبب واحد وهو العلمية، والكلام فيه كالكلام في الأبيات السابقة.
[ ٢ / ٤٠٥ ]
فترك صرف "أناس" وهو منصرف، و"أم أناس" بنت ذهل من بني شيبيان، و"عمرو" يريد عمرو بن حجر الكندي، وقال الآخر:
[٣١٤]
أُؤَمِّلُ أَنْ أَعِيشَ وأَنَّ يَوْمِي بأَوَّلَ أَوْ بَأَهْوَنَ أَوْ جُبَارِ
أَوِ التَّالي دُبَارَ؛ فإن أَفُتْهُ فَمُؤْنِسَ أو عَرُوبةً أو شِيَارِ
فترك صرف "دبار" وهو منصرف، و"دبار" يوم الأربعاء، وما ذكره في هذين البيتين أسماء الأيام في الجاهلية؛ فأول: يوم الأحد، وأهون: يوم الإثنين، وجبار: يوم الثلاثاء، ودبار: يوم الأربعاء، ومؤنس: يوم الخميس، وعروبة: يوم الجمعة، وشيار: يوم السبت، وقال الآخر:
[٣١٥]
فَأَوْفَضْنَ عنها وهي تَرْعُو حُشَاشَةً بِذِي نَفْسِهَا والسَّيْفُ عُرْيَانُ أَحْمَرُ
_________________
(١) أنشد ابن منظور هذين البيتين "ج ب ر - د ب ر - ش ى ر - أن س - هـ ون" ولم يعزهما إلى قال معين في أحد هذه المواضع، وهذه الأسماء أعلام على أيام الأسبوع، على ما كان العرب يسمونها في الجاهلية، وقد بينها المؤلف، ومحل الاستشهاد في البيت قوله "دبار" حيث منعه من الصرف مع أنه لا يوجد فيه إلا سبب واحد وهو العلمية، ونظيره يقال في "مؤنس" أما "أول، وأهون" ففيهما العلمية ووزن الفعل وأما "عروبة" ففيه العلمية والتأنيث، وأما "جبار، وشيار" فقد صرفهما فجرهما بالكسرة، وعدم تنوينهما بسبب الرويّ، وقد ضبط في لسان العرب "دبار، ومؤنس" بالجر، وفيه مقال.
(٢) أوفضن عنها: أسرعن، والإيفاض: الإسراع. وفي القرآن الكريم: ﴿كَأَنَّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] ووفضت الإبل تفض -مثل وعد يعد- واستوفضت تستوفض، إذا أسرعت، وأوفض الرجل واستوفض: أي أسرع، واستوفض إبله: طردها واستعجلها، وترغو: من الرغاء، وهو صوت الإبل، تقول: رغا البعير، يرغو رغاء، إذا صوت فضج، وقد يقال الرغاء لصوت الضباع والنعام. ومحل الاستشهاد بالبيت قوله: "عريان" حيث منعه من الصرف مع أنه ليس فيه إلا الوصفية، وهي وحدها غير كافية في منع الصرف. فإن قلت: كيف زعمت أن هذه الكلمة ليس فيها غير الوصفية مع أن الألف والنون فيها زائدتان، فتكون قد اشتملت على الوصفية وزيادة الألف والنون، وهما علتان تقتضيان المنع من الصرف نحو عطشان وسكران وغضبان وغرثان. قلت: إن شرط تأثير زيادة الألف والنون في منع الصرف مع الوصفية أن يكون مؤنث ما فيه الألف والنون بألف التأنيث، ألست ترى مؤنث عطشان عطشى، ومؤنث سكران سكرى، ومؤنث غضبان غضبى، ومؤنث غرثان غرثى، وترى مؤنث عريان عريانة، ومؤنث سيفان -وهو الرجل الطويل الممشوق- سيفانة، ومؤنث ندمان ندمانة، فما كان مؤنثه فعلى فهو ممنوع من الصرف للوصفية وزيادة الألف والنون، وما كان مؤنثه فعلانة فهو مصروف، والسر في ذلك أن زيادة الألف والنون مع الوصف محمولة في المنع من الصرف على ألف التأنيث الممدودة وهذه لمذكرها صيغة غير صيغة المؤنث نحو حمراء وأحمر ودعجاء =
[ ٢ / ٤٠٦ ]
فترك صرف "عُرْيَان" وهو منصرف؛ لأن مؤنثه عُرْيَانَة لا عَرْيَا.
وقال الآخر:
[٣١٦]
قالت أميمة ما لِثَابِتَ شاخصًا عَارِي الأَشَاجِعِ نَاحِلًا كالمُنْصُلِ
فترك صرف "ثابت" وهو منصرف، وقال العباس بن مرداس السُّلمِي:
[٣١٧]
فَمَا كان حِصْنٌ ولا حَابِسٌ يفوقان مرداس في مَجْمَعِ
_________________
(١) = وأدعج، فوجب في الالف والنون أن تكون صيغة المؤنث غير صيغة المذكر حتى يتم الشبه بين الفرع والأصل، فإن وجدت كلمة فيها الوصفية والألف والنون الزائدتان، وكان لها مؤنثان أحدهما على فعلانة بزيادة تاء التأنيث والآخر على فعلى بالألف المقصورة فإن هذه الكلمة تكون ذات وجهين، كل وجه منهما يرجع إلى لغة غير التي يرجع إليها الوجه الآخر، ومن أمثلة ذلك عطشان وغضبان، فإن جمهور العرب يقولون في مؤنثهما عطشى وغضبى، وعلى هذا يكون عطشان وغضبان، ممنوعين من الصرف، وبنو أسد وحدهم يقولون في مؤنثهما: عطشانة وغضبانة، وعلى هذا يكون عطشان وغضبان مصروفين، وشيء آخر في "عريان" يدلك على أنه مصروف، وذلك أن الألف والنون الزائدين لا يكونان مانعين من الصرف مع الوصفية إلا فيما كان أوله مفتوحًا كجميع الأمثلة التي ذكرناها، وعريان مضموم الأول، فأنت لا تحتاج في معرفة أنه لا يمنع من الصرف إلى جديد.
(٢) أميمة: من أسماء النساء، وأصلها تصغير أم، وقوله "ما لثابت" أي ما الذي طرأ عليه بعدنا حتى غيّر حاله، وشاخصًا: يحتمل وجهين، أولهما: أن يكون مأخوذًا من قولهم "شخص بصر فلان فهو شاخص" إذا فتح عينيه وجعل لا يطرف، ويكون ذلك عند الذهول أو مشارفة الموت، والثاني: أن يكون مأخوذًا من قولهم "شخص فلان بشخص شخوصًا" أي سار من بلد إلى بلد، تريد أنه متهيّئ للرحيل، والأول أقرب لما بعده، وقوله "عاري الأشاجع" تريد أنه هزل وضعف، وناحلا: أي قد شحب لونه وتغير وضعف جسمه وهزل، والمنصل -بضم الميم وصاده مضمومه أو مفتوحة- السيف، ولم يجئ على هذين الوزنين غير هذه الكلمة وقولهم "منخل" -بضم ميمه وخائه وبضم الميم وفتح الخاء- ومحل الاستشهاد هنا بهذا البيت قوله "ما لثابت" حيث منع "ثابت" من الصرف مع أنه ليس فيه إلا العلمية، على نحو ما قررناه في الشواهد السابقة، وفي قوله "عاري الأشاجع" شاهد للنحاة، حيث لم يظهر الفتحة التي يقتضيها الإعراب على ياء "عاري" فإن هذه الكلمة حال من ثابت مثل قوله "شخاصا" الذي قبله، وقد عامل الشاعر الاسم المنقوص في حال النصب معاملة الاسم المنقوص المرفوع والمجرور، ولذلك نظائر كثيرة في العربية.
(٣) هذا البيت من كلام العباس بن مرداس السلمي، يقوله لسيدنا رسول الله -ﷺ- بعد أن وزع غنائم حنين فأعطى عيينة بن حصن الفزاري والأقرع بن حابس وغيرهما من المؤلفة قلوبهم أكثر مما أعطى العباس بن مرادس، فغضب العباس فقال أبياتًا منها هذا البيت، وهو من =
[ ٢ / ٤٠٧ ]
فترك صرف "مرادس" وهو منصرف.
قالوا: ولا يجوز أن يقال "إن الرواية:
[٣١٧]
يفُوقَان شَيْخِيَ في مَجْمَعِ
وشيخه أبُوهُ مرادس" لأنا نقول: بل الرواية الصحية المشهورة ما رويناه، على أنا لو قدرنا أنه قد روى رواية أخرى كما رويتموه فما العذر عن هذه الرواية الصحيحة مع شهرتها؟ وقال دَوْسَر بن دهبل القريعي:
[٣١٨]
وقَائِلَةٍ ما بَالُ دَوْسَرَ بَعْدَنَا صَحَا قَلْبُهُ عن آلِ ليلى وعن هِنْدِ
فلم يصرف "دوسر" وهو منصرف.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إن الرواية:
[٣١٨]
ما للقُرَيْعِيِّ بَعْدَنَا
_________________
(١) = شواهد الرضي في شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "١/ ٧١" وشواهد ابن يعيش في شرح المفصل "ص٨١" والأشموني "رقم ٩٩٢" وابن الناظم في باب الاسم الذي لا ينصرف من شرح الألفية، وشرحه العيني "٤/ ٣٦٥ بهامش الخزانة" وحصن: هو أبو عيينة، وحابس: أبو الأقرع، ومرداس: أبو العباس قائل هذا البيت، يريد أن أبويهما لم يكونا خيرا من أبيه، والاستشهاد به في قوله "مرداس" حيث منعه من الصرف وليس فيه إلا علة واحدة وهي العلمية، على نحو ما ذكرناه في شرح الشواهد السابقة، والرواية الأخرى -وهي "يفوقان شيخي في مجمع"- هي رواية أبو العباس المبرد، وقد قال ابن مالك "وللمبرد إقدام في رد ما لم يرو، مع أن البيت بذكر مرداس ثابت بنقل العدل عن العدل في صحيح البخاري ومسلم، وذكر شيخي لا يعرف له سند صحيح، ولا سبب يدنيه من التسوية فكيف من الترجيح" ا. هـ.
(٢) هذا البيت لدوسر بن دهبل القريعي كما قال المؤلف، وقد استشهد به الأشموني "رقم ٩٩٣" وابن الناظم، وشرحه العيني "٤/ ٣٦٦ بهامش الخزانة" وما بال دوسر: أي ما شأنه وما حاله؟ وصحا قلبه: تريد أنه سلا أحبابه وترك ما كان عليه من الصبابة، ومنه قول زهير بن أبي سلمى المزني: صحا القلب عن سلمى، وقد كاد لا يسلو وأقفر من سلمى التعانيق والثقل وأصرح منه قول زهير أيضًا: صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله وعرى أفراس الصبا ورواحله والاستشهاد بهذا البيت ههنا في قوله "دوسر" حيث منعه من الصرف مع أنه ليس فيه إلا علة واحدة وهي العلمية، وهو نظير ما ذكرناه في شرح الشواهد السابقة، والرواية الأخرى -وهي "ما للقريعي بعدنا"- ذكرها ابن عصفور، وقال "والجيد الصحيح عندنا في إنشاد هذا البيت، ثم ذكرها" وهذه جرأة كجرأة أبي العباس المُبَرِّد التي حكيناها لك، وندد بها العلامة بن مالك، وذكرنا لك نص عبارته في شرح الشاهد السابق.
[ ٢ / ٤٠٨ ]
لأنَّا نقول؛ بل الرواية الصحيحة المشهورة ما رويناه، ولو قدرنا أن ما رويتموه صحيح فما عذركم عما رويناه مع صحته وشهرته؟ وقال الآخر:
[٣١٩]
وَمُصْعَبُ حِينَ جَدَّ الأَمْـ ـر أكثرُها وأطيبُها
قالوا: ولا يجوز أن يقال إن الرواية:
[٣١٩]
وأنتم حين جَدَّ الأمر
لأنَّا نقول: بل الراوية الصحيحة ما رويناه، ولو قدرنا ما رويتموه صحيحًا فما عذركم عما رويناه على ما بيّنّا؟ وقال الآخر:
[٣٢٠]
وممن ولدوا عامرُ ذو الطَّولِ وذو العَرْضِ
_________________
(١) أنشد ابن يعيش في شرح المفصل "ص٨١" هذا البيت من غير عزو، والمصعب في الأصل: الفحل، وقالوا "رجل مصعب" يعنون أنه سيد، ثم سموا مصعبا، وممن سمي بهذا الاسم مصعب بن الزبير بن العوام، وقالوا "المصعبان" يعنون مصعبا وابنه عيسى بن مصعب، وقيل: يعنون مصعب بن الزبير وأخاه عبد الله، ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "ومصعب" فإنه مرفوع بغير تنوين، فدل ذلك على أنه ممنوع من الصرف، مع أنه ليس فيه إلا علة واحدة وهي العلمية، والدليل على أن الأصل في مصعب الصرف قول عبيد الله بن قيس الرقيات: إنما مصعب شهاب من اللـ ـه تجلت عن وجهه الظلماء وقول الفرزدق همام بن غالب "الديوان ص٢٦": وقدر أي مصعب في ساطع سبط منها سوابق غارات أطانيب و" أطانيب" في قول الفرزدق ليست وصفًا للسوابق كما توهمه صاحب اللسان، فقال "وخيل أطانيب: يتبع بعضها بعضا، ومنه قول الفرزدق، ثم أنشد البيت" ولو كانت الأطانيب من صوف الخيل المعبر عنها ههنا بالسوابق لكانت منصوبة، ولكن الأطانيب في هذا البيت من وصف الغارات المجرور، وقال صاحب الأساس "وغارات أطانيب: متصلة لا آخر لها، وقال الفرزدق، ثم أنشد البيت".
(٢) هذا البيت لذي الإصبع العدواني، واسمه الحارث بن محرث بن حرثان من كلمة رواها أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني "٣/ ٤ و١٠ بولاق" والبيت من شواهد ابن يعيش في شرح المفصل "ص٨١" وابن عقيل "٣٢١" وابن الناظم في باب ما لا ينصرف من شرح الألفية، وشرحه العيني "٤/ ٣٦٤ بهامش الخزانة" وأنشده ابن منظور "ع م ر" من غير عزو "وعامر" هو عامر بن الظرب العدواني، الذي يقول فيه ذو الإصبع من كلمة الشاهد: ومنهم حكم يقضي فلا ينقض ما يقضي وهو ذو الحلم الذي قيل فيه المثل "إن العصا قرعت لذي الحلم" وقيل: إن ذا الحلم هو عمرو بن حممة الدوسي "انظر شرح التبريزي على الحماسة ١/ ٢٠١ بتحقيقنا" وقوله "ذو الطول وذو العرض" كناية عن عظم جسمه، والعرب تتمدح بطول الأجسام، ومن ذلك =
[ ٢ / ٤٠٩ ]
فترك صرف "عامر" وهو ينصرف، ولم يجعله قبيلة لأنه وصفه فقال "ذو الطول وذو العرض" ولو كانت قبيلة لوجب أن يقول: ذات الطول وذات العرض، ولا يجوز أن يقال "إنما لم يصرفه لأنه ذهب به إلى القبيلة كما قرأ سيد القراء أبو عمرو بن العلاء "وجئتك من سَبَأَ بنَبَأ يقين" فترك صرف سَبَأ، لأنه جعله اسمًا للقبيلة حملًا على المعنى، وقال الشاعر:
[٣٢١]
من سَبَأَ الحَاضِرِينَ مأرِبَ إذ يبنون من دون سَيْلِهِ العَرِمَا
_________________
(١) = قول الشاعر، وهو من شواهد النحاة: تبين لي أن القماءة ذلة وأن أعزاء الرجال طيالها والقماءة -بفتح القاف بزنة الصحابة- قصر القامة، وطيالها: أي طوالها، ويروى بالواو أيضا، ومحل الاستشهاد بالبيت ههنا قوله "عامر" فقد جاء به مرفوعًا من غير تنوين، فدلّ على أنه منعه من الصرف مع أنه ليس فيه إلا علة واحدة وهي العلمية، والكلام فيه كالكلام في الشواهد السابقة، وسنتعرض لهذا البيت مرة أخرى في شرح الشاهد ٣٢٧ الآتي:
(٢) أنشد ابن منظور هذا البيت "س ب أ "من غير عزو، وأنشده مرة أخرى "ع ر م" وعزاه إلى الجعدي من غير تعيين، وهو من شواهد سيبويه "٢/ ٢٨" وعزاه الأعلم إلى النابغة الجعدي، وسبأ: اسم بلدة كانت تسكنها بلقيس صاحبة سليمان بن داود، وقيل: اسم رجل يجمع عامة قبائل اليمن، وقال الزّجّاج: سبأ هي مدينة تعرف بمأرب، من صنعاء على مسيرة ثلاث ليال، وفي القرآن الكريم: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] والقراء يقرأون ﴿مِنْ سَبَأٍ﴾ بالجر والتنوين على أنه مصروف، وكان أبو عمرو بن العلاء يقرأ بالفتح من غير تنوين على أنه ممنوع من الصرف، فأما من صرفه فعلى تأويله بمذكر، وأما من لم يصرفه فعلى تأويله بمؤنث، الحاضرين: جمع حاضر وأصل الحاضر الحي العظيم، وقال ابن سيده: الحي إذا حضروا الدار التي بها مجتمعهم. وقال الشاعر: في حاضر لجب بالليل سامره فيه الصواهل والرايات والعسكر ونظيره سامر لجماعة السمار، وحاج لجماعة الحجاج، وجامل لجماعة الجمال، وأراد ههنا معنى الوصف الذي يتضمنه هذا اللفظ، ومأرب: اسم بلاد الأزد التي أخرجهم منها سيل العرم، وانتصابه على معنى "في" والعرم -بفتح العين وكسر الراء أو فتحها جمع عرمة، وهي سد يعترض به الوادي، وقيل: العرم جمع لا واحد له، وقال أبو حنيفة الدينوري: العرم هي الأحباس تبنى في أوساط الأودية. والاستشهاد بالبيت هنا في قوله: "سبأ" حيث منعه من الصرف، فجاء به مفتوحًا من غيرت تنوين، مع أنه ليس فيه إلا سبب واحد -وهو العلمية- فإنه أراد به ههنا سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ومن ينسب إلى بدليل أنه وصفه بعد ذلك بقوله "الحاضرين" وبهذا استدل الكوفيون على أنه يجوز للشاعر إذا اضطر أن يمنع الاسم المنصرف من الصرف، والبصريون يتمحلون فيدعون أنه منع "سبأ" من الصرف لأنه أراد به مؤنثًا وهو القبيلة، ووصفه بالمذكر نظرًا إلى المعنى لأن القبيلة رجال أو فيهم رجال. ونقول: إنه لما جرت عادة الشعراء بأن يصرفوا "سبأ" فيجروه =
[ ٢ / ٤١٠ ]
فلم يصرف "سبأ" لأنه جعله اسمًا لقبيلة حملًا على المعنى، وقال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ [هود: ٦٨]
فلم يصرف ﴿ثَمُودَ﴾ الثاني؛ لأنه جعل اسمًا للقبيلة حملًا على المعنى، ثم قال الشاعر:
[٣٢٢]
تَمُدُّ عليهم من يمين وأَشْمُلٍ بُحُورٌ له من عَهْدِ عَادَ وتُبّعَا
وقال الآخر:
[٣٢٣]
لو شَهْدَ عاد من زمان عَادِ لَابْتزَّهَا مَبَارِكَ الجِلَادِ
_________________
(١) = بالكسرة مع التنوين نحو قول الشاعر: أضحت ينفرها الولدان من سبإ كأنهم تحت دفّيها دحاريج فإن منعها شارع من الصرف يكون قد جاء بها على خلاف المعهود من أمثاله، وهذا هو المنع من الصرف مع عدم استكمال سبب المنع، ثم إن الكوفيين لا يقولون: إنه يجوز منع المنصرف من الصرف في سعة الكلام، بل يقولون: استساغ الشعراء لأنفسهم حين الضرورة أن يمنعوا المصروف من الصرف.
(٢) أنشد ابن منظور هذا البيت "ع ود" من غير عزو، وهو من شواهد سيبويه "٢/ ٢٧" ونسبه إلى زهير، وعاد: قبيلة، وهم قوم هود ﵇، قال الليث: "عاد الأولى هم عاد بن عاديا بن سام بن نوح الذين أهلكهم الله. وأما عاد الأخيرة فهم بنو تميم، ينزلون رمال عالج، عصوا الله فمسخوا" ا. هـ. وتبع -بضم التاء وتشديد الباء مفتوحة- واحد التبابعة وهم ملوك اليمن، سموا بذلك لأن بعضهم كان يتبع بعضا، كلما هلك واحد منهم قام مقامه آخر تابعًا له على مثل سيرته. والاستشهاد بالبيت في قوله "عاد وتبعا" حيث منعهما من الصرف مع أنه لا يوجد فيهما إلا علة واحدة وهي العلمية، وقد وردت كلمة "عاد" في القرآن الكريم عدة مرار مصروفة على الأصل، من ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] وقوله سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٠] ووردت كلمة تبع في القرآن الكريم مصروفة أيضًا، وذلك في قوله سبحانه: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧] فمجيء هاتين الكلمتين في قول الشاعر: من عهد عاد وتبعا" غير منصرفتين: أي مجرورتين بالفتحة نيابة عن الكسرة يدل على أنه يجوز للشاعر حين يضطر أن يمنع الاسم المنصرف من الصرف، وقد حكى ابن منظور "ع ود" أنه يقال "ما أدري أي عاد هو" غير مصروف، ومعناه ما أدري أي خلق هو، وهو غريب جدًا، فإن البصريين لم يقبلوا القول بجواز منع صرف المصروف في الضرورة، والكوفيين إنما أجازوا ذلك في ضرورة الشعر، فكيف جاز في السعة ذلك؟
(٣) هذان البيتان من الرجز المشطور، وهما من شواهد سيبويه "٢/ ٢٧" ولم ينسبهما إلى قائل معين، ولا نسبهما الأعلم في شرحه، وشهد: هو هنا بفتح الشين وسكون الهاء، وأصله بكسر الهاء على مثال علم، فسكن الشاعر العين المكسورة للتخفيف، وانظر الشواهد "٧٣-٧٧" السابقة، وابتزها: سلبها، ومبارك الجلاد: وسط الحرب ومعظمها، وأصل الكلام: لابتزها من مبارك الجلاد، فحذف حرف الجر وأوصل الفعل إلى الاسم بنفسه. ومحل =
[ ٢ / ٤١١ ]
وقال الآخر:
[٣٢٤]
عَلِمَ القبائل من مَعَدَّ وغيرها أن الجَوَادَ محمدٌ بنُ عطارِدِ
وقال الآخر:
[٣٢٥]
ولسنا إذا عُدّ الحصى بِأقِلَّةٍ وإن مَعَدّ اليوم مُودٍ ذَلِيلُهَا
_________________
(١) = الاستشهاد بهذا البيت هنا قوله "عاد" الأولى فإنه روي بالفتح من غير تنوين، وذلك يدل على أنه منعه من الصرف، والقول فيه كالقول في البيت السابق، وأما "عاد" التي وردت في البيت بعد ذلك فهي مجرورة بالكسرة الظاهرة بدليل الرويّ في البيت الثاني، فلا دليل فيه؛ لأنه جاء على الأصل.
(٢) هذا البيت من شواهد سيبويه "٢/ ٢٧" ولم ينسبه ولا نسبه الأعلم، ولكن الأعلم قال "والممدوح محمد بن عطارد، أحد بني تميم وسيدهم في الإسلام" ا. هـ، ومعد: هو ابن عدنان جد العرب العدنانية. والاستشهاد بالبيت في قوله "معد" حيث منعه الشاعر من الصرف، وهو إن كان المراد به الرجل الذي اسمه "معد" والحيّ لم يكن فيه إلا سبب واحد من أسباب منع الصرف، وإن كان المراد به القبيلة -وهو الظاهر في هذا البيت لقوله قبل ذلك: "علم القبائل" ثم قوله "وغيرها" بضمير المؤنث- كان منعه من الصرف جاريًا على القاعدة المطردة لأنه حينئذ يكون مشتملًا على العلمية والتأنيث، قال الأعلم: "الشاهد فيه ترك صرف معد حملًا على معنى القبيلة، والأكثر في كلامهم صرفه؛ لأن الغالب عليه أن يكون اسمًا للحيّ" ا. هـ. ومن منع صرف "معد" قول الشاعر، وهو من شواهد سيبويه أيضًا: وأنت امرؤ من خير قومك فيهم وأنت سواهم في معد مخير
(٣) أنشد ابن منظور هذا البيت "م ع د" من غير عزو، وهو من شواهد سيبويه "٢/ ٢٧" ولم ينسبه ولا نسبه الأعلم إلى قائل معين. ووقع في اللسان "مؤذ ذليلها" تحريف ما أثبتناه موافق لما في أصول هذا الكتاب ولما جاء في كتاب سيبويه، والحصى: يضرب مثلا في الكثرة، وانظر إلى قول الأعشى ميمون: ولست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثر والمودي: الهالك، تقول: أودى يودي هو مود، تريد هلك فهو هالك. يقول: إذا كثر عدد من حصل من الأشراف وأهل المجد والعدد لم يكن عددنا قليلا فنهلك ونذهب ونضيع سدى من القلة والذلة. والاستشهاد بالبيت في قوله "معد" حيث منعه من الصرف، والكلام فيه كالكلام في البيت السابق "رقم ٣٢٤": إن كان المراد الحي أو الرجل الذي اسمه "معد" لم يكن فيه إلا سبب واحد من أسباب منع الصرف فيكون منعه من الصرف للضرورة، وإن كان المراد به القبيلة كان منعه من الصرف على القاعدة المطردة لاشتماله على العلمية والتأنيث، والوجه الثاني: هو الظاهر في هذا البيت أيضا؛ لأنه أعاد الضمير على "معد" مؤنثًا في قوله "مود ذليلها" فيكون هذا مما يرجح أنه أراد به القبيلة، فاعرف ذلك.
[ ٢ / ٤١٢ ]
وقال الآخر:
[٣٢٦]
غَلَبَ المَسَامِيحَ الوَلِيدُ سَمَاحَةً وكَفَى قريش المُعْضِلَاتِ وسَادَهَا
فلم يصرف "قريش" لأنه جعله اسمًا للقبيلة حملًا على المعنى، والحمل على المعنى كثير في كلامهم، قال الشاعر:
[٣٢٧]
قامت تُبَكِّيهِ على قبره من لي من بعدك يا عَامِرُ
_________________
(١) هذا البيت لعدي بن الرقاع العاملي، وقد أنشده ابن منظور "ق ر ش" أول بيتين ونسبهما إليه، وقال: إنه يمدح فيهما الوليد بن عبد الملك بن مروان، والبيت الثاني هو قوله: وإذا نشرت له الثناء وجدته ورث المكارم طرفها وتلادها والبيت من شواهد سيبويه "١/ ٢٦" والمساميح: جمع سمح على غير قياس، وهو الذي خلقه السماحة والجود، والمعضلات: الشدائد، واحدها معضلة، وسادها: أي صار سيدها ووالي أمورها. والاستشهاد به في قوله "قريش فقد منعه من الصرف، وأنت إن أردت به الحي أو الرجل كان منعه من الصرف ضرورة من الضرورات التي أباحها الكوفيون للشاعر وحظرها البصريون على الشاعر وغيره، وإن أردت به القبيلة كان منعه من الصرف جاريًا على القاعدة المطردة لوجود سببين مانعين من الصرف حينئذٍ وهما العلمية والتأنيث، قال الأعلم الشنتمري "الشاهد فيه ترك صرف قريش حملا على معنى القبيلة، والصرف فيها أكثر وأعرف لأنهم قصدوا بها قصد الحي وغلب ذلك عليها" ا. هـ كلامه؛ أما أن المراد في هذا البيت القبيلة فيرشحه قوله بعد ذلك في البيت "وسادها" فأعاد الضمير مؤنثًا؛ فذلك يؤيد أنه عنى القبيلة، وقال ابن سيده: وقول الشاعر: وجاءت من أباطحها قريش كسيل أتى بيشة حين سالا قال: عندي أنه أراد قريش -غير مصروف- لأنه عنى القبيلة، ألا تراه قال جاءت فأنث؟ قال: وقد يجوز أن يكون أراد: وجاءت من أباطحها جماعة قريش فأسند الفعل إلى الجماعة، فقريش على هذا مذكر، اسم للحي" ا. هـ كلامه، وقال سيبويه: "وإن شئت جعلت تميما وأسدا اسم قبيلة فلم تصرفه، والدليل على ذلك قول الشاعر: نبا الخز عن روح، وأنكر جلده وعجت عجيجًا من جذام المطارف وسمعنا من العرب من يقول: فإن تبخل سدوس بدرهميها فإن الريح طيبة قبول فإذا قالوا: ولد سدوس كذا وكذا، أو ولد جذام كذا وكذا؛ صرفوه، ومما يقوّي ذلك أن يونس زعم أن بعض العرب يقول: هذه تميم بنت مر، وسمعناهم يقولون: قيس بنت عيلان، وتميم صاحبة ذلك، فإنما قال بنت حين جعله اسمًا للقبيلة، ومن ذلك قولهم: باهلة بن أعصر، فباهلة امرأة، ولكنه جعله اسمًا للحي فجاز له أن يقول: ابن" ا. هـ كلامه. وحاصله أنك حين تريد الحي أو القوم تذكر وتصرف، وليس يعنيك إن كان أصل الاسم لمذكر أو مؤنث، وحين تريد القبيلة تؤنث وتمنع الصرف ولا يعنيك أن يكون أصل الاسم لمذكر أو مؤنث.
(٢) أنشد ابن منظور هذين البيتين "ع م ر" من غير عزو، والبيتان في الحديث عن امرأة قامت =
[ ٢ / ٤١٣ ]
تَرَكَتْنِي في الدَّار ذَا غُرْبَةٍ قد ذلَّ من ليس له ناصرُ
وكان الأصل أن يقول "ذات غربة" فحمله على المعنى، فكأنها قالت: تركتني إنسانًا ذا غربة، والإنسان يطلق على الذكر والأنثى، وقال الأعشى:
[٣٢٨]
لقوم فكانوا هُمُ المُنْفِدِينَ شرابهمُ قبلَ إنفادِهَا
_________________
(١) = على قبر رجل تبكيه، وقوله "تركتني في الدار ذا غربة" معناه أنها -وإن كانت في دارها وبين ذويها وأهلها- تشعر بالوحدة والغربة؛ لأنها ما كانت تجد الأنس في غير عامر المبكى، ثم علل ذلك بقوله "قد ذل من ليس له ناصر" ومحل الاستشهاد قوله "ذا غربة" فإنه كان ينبغي -لو أنه أجرى الكلام على ما يقتضيه اللفظ- أن يقول "ذات غربة" لأن الحديث على لسان امرأة، بدليل قوله "قامت تبكيه" لكنه -مع ذلك- أجرى الكلام على المعنى؛ فإن المرأة يقال لها "إنسان" أو "شخص" والشخص مذكر، فيجوز أن تجري عليه صفات المذكرين تبعًا للفظه، ويجوز أن تجري عليه صفات المؤنثات تبعا للمراد منه، أما أن المرأة يطلق عليها لفظ "شخص" فدليله قول عمر بن أبي ربيعة: فكان مجني دون من كنت أتقي ثلاث شخوص كاعبان ومعصر فقد قال "ثلاث شخوص" بغير تاء في ثلاث، وترك التاء في لفظ العدد يكون عندما يكون المعدود مؤنثا، ويدل لهذا أيضا أنه فسر ثلاث الشخوص بقوله "كاعبان ومعصر" والكاعب: المرأة التي كعب ثديها ونهد. وفي بيت الشاهد قال "ذا غربة" أي أشخاص ذا غربة، وهذا ظاهر إن شاء الله. ومن الإجراء على المعنى ما أنشده ابن منظور "ب ك ى" قال: "وقول طرفة: وما زال عني مما كننت يشوقني وما قلت حتى ارفضّت العين باكيا فإنه ذكر باكيا -وهي خبر عن العين، والعين أنثى- لأنه أراد حتى ارفضت العين ذات بكاء، وإن كان أكثر ذلك إنما هو فيما كان معنى فاعل لا معنى مفعول، وقد يجوز أن يذكر على إرادة العضو، ومثل هذا يتسع فيه القول، ومثله قول الأعشى: أرى رجلا منهم أسيفا كأنما يضم إلى كشحيه كفًا مخضبا أي ذات خضاب، أو على إرادة العضو كما تقدم، وقد يجوز أن يكون مخضبا حالا من الضمير الذي في يضم" ا. هـ كلامه بحروفه.
(٢) هذا البيت هو الثالث والعشرون من قصيدة للأعشى ميمون بن قيس مطلعها: أجدك لم تغتمض ليلة فترقدها مع رقادها وقبل البيت المستشهد به قوله: فباتت ركاب بأكوارها لدينا، وخيل بألبادها وانظر الديوان "ص٥٠-٥٦" وقد وهم المؤلف فزعم أن ضمير المؤنث في قوله "قبل إنفادها" يعود إلى الشراب لأنه الذي تقدم ذكره في البيت، وعنده أن الشاعر أراد أن يقول "فكانوا هم المنفدين شرابهم قبل إنفاده" غير أن القافية ألجأته إلى أن يقول "قبل إنفادها" وأنه استساغ ذلك لأن الشراب ههنا هو الخمر، والخمر مؤنثة، فلما لم يتيسر له أن يعيد إليه الضمير باعتبار لفظه المتقدم أعاده إلى باعتبار معناه فأنثه، هكذا زعم المؤلف، وليت =
[ ٢ / ٤١٤ ]
وكان الأصل أن يقول "قبل إنفاذه" لأن الشراب مذكر، إلا أنه أنثه حملًا على المعنى؛ لأن الشراب هو الخمر في المعنى، وقال الآخر:
[٣٢٩]
يا بئرُ يا بئرَ بني عَدِيِّ لأَنْزَحَنَّ قَعْرَكَ بالدُّلِيِّ
حتى تعودي أَقْطَعَ الوَلِيِّ
وكان الأصل أن يقول "قَطْعِي الولي" لأن البئر مؤنثة، إلا أنه ذكره حملا على المعنى، فكأنه قال: حتى تعودي قليبا أقطع الولي، والقليب الأغلب عليه التذكير، ولذلك قالوا في جمعه "أَقْلِبَةٌ" وأفعلة بناء يختص به المذكر في القلة كاختصاص المؤنث بأَفْعُلٍ في القلة، وقوله "ذو الطول وذو العرض" يرجع إلى الحي، فانتقل
_________________
(١) = شعري كيف ينفدون الشراب قبل إنفاده؟ ولكن العلماء الأثبات أعادوا الضمير المؤنث في قوله "قبل إنفادها" إلى أحد شيئين يصح مع كل واحد منهما اللفظ والمعنى؛ أما أحد هذين فقد ذكره أبو عبيدة، قال: فكانوا هم المنفدين شرابهم قبل أن تنفد عقولهم، يعني أنهم شربوا حتى أنفدوا ما عندهم من الشراب ولم تغب عقولهم، بل بقيت لهم يقظتهم وصحوهم وعلمهم بما يدور حولهم، وأما الثاني: فقد ذكره غير أبي عبيدة، قال: فكانوا هم المنفدين شرابهم قبل إنفاد دراهمهم، يريد أنهم مياسير وأن أموالهم زادت على ثمن ما شربوه، وكلا هذين الوجهين صحيح المعنى صحيح اللفظ، ويكون مرجع الضمير ملحوظا من السياق ومدلولا عليه به ولا يكون في البيت دليل على ما ساقه المؤلف للاستشهاد به عليه.
(٢) هذه ثلاثة أبيات من الرجز المشطور، والبئر: معروفة، وهي مؤنثة بغير علامة تأنيث؛ فيخبر عنها بالمؤنث، وتوصف بصفات المؤنث، ويعود إليها الضمير مؤنثا؛ وتقول: نزحت البئر أنزحها نزحا -من مثال فتح يفتح فتحا- إذا استقيت ماءها حتى ينفد أو يقل، وقالوا "هذا ماء لا ينزح" بكسر الزاي وبفتحها -يريديون أنه كثير لا ينفد، وقعر البئر -بفتح القاف وسكون العين- أقصاه وعمقه ونهاية أسفله والدّلي: جمع دلو، وأصلها دلوو -على مثال فأس وفئوس وقبر وقبور، ثم قلبت الواو المتطرفة ياء فصار "دلوي" فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء، ثم قلبت ضمة الدال كسرة لمناسبة الياء المشددة، وهذه الأعمال إلى هنا واجبة كلها، ثم لك بعد ذلك أن تقلب ضمة الدال كسرة؛ لمناسبة ما بعدها ولأن الانتقال من ضمة إلى كسرة بعدها ياء مشددة ثقيل، ولك أن تبقيها على حالها، وتقول: قطع ماء الركية قطوعًا وقطاعا، تريد أنه انقطع أو قل، والولي -من مثال غني- أصله المطر ينزل بعد المطر، والمطر الأول يسمى الوسمي، وأراد الماء، والاستشهاد بهذه الأبيات في قوله "حتى تعودي أقطع الولي" فإن قوله "أقطع الولي" من صفات البئر، وقد علمت أن البئر مؤنثة، فمن حق ما توصف به أن يؤتى به على غرار صفات المؤنث، فكان من حق العربية عليه أن يقول "حتى تعودي قطعي الولي" إلا أنه لما كان من أسماء البئر القليب، وكان الأغلب على القليب التذكير، وصف البئر التي ذكرها في كلامه بالمذكر باعتبار أنها قليب، فحمل صفتها على المعنى، وهذا ظاهر إن شاء الله.
[ ٢ / ٤١٥ ]
من معنى إلى معنى، والتنقل من معنى إلى معنى كثير في كلامهم كما قال الشاعر:
[٣٣٠]
إن تميمًا خُلِقَتْ ملمومًا قومًا ترى واحدهم صِهْمِيما
فقال "خُلِقَتْ" أراد به القبيلة، ثم قال "ملموما" أراد به الحي، ثم ترك لفظ الواحد وحقق مذهب الجمع فقال "قوما ترى واحدهم صهميما" والصهميم: هو الذي لا ينثني عن مراده، لأنا نقول١: نحن لا ننكر الحمل على المعنى في كلامهم، ولا التنقل من معنى إلى معنى، ولكن الظاهر ما صرنا إليه؛ لأن الحمل على اللفظ والمعنى٢ أولى من الحمل على المعنى دون اللفظ، وجري الكلام على معنى واحد أولى من التنقل من معنى إلى معنى، فلما كان ما صرنا إلى أكثر في الاستعمال وأحسن في الكلام كان ما صرنا إليه أولى، وقال أبو دَهْبَلٍ الجمحي:
[٣٣١]
أنا أبو دهبل وَهْبٌ لِوَهَبْ من جُمَحٍ، والعزُّ فيهم والحَسَبْ
_________________
(١) هذان بيتان من الرجز المشطور أنشدهما مع بيتين آخرين ابن منظور "ص هـ م" قال: "والصهميم: السيد الشريف من الناس، ومن الإبل الكريم، والصهميم: الخالص في الخير والشر، مثل الصميم، قال الجوهري: والهاء عندي زائدة وأنشد أبو عبيد للمخيس: إن تميما خلقت ملموما مثل الصفا لا تشتكي الكلوما قوما ترى واحدهم صهميما لا راحم الناس ولا مرحوما قال ابن بري: صوابه أن يقول: وأنشد أبو عبيدة للمخيس الأعرجي، قال: كذا قال أبو عبيدة في كتاب المجاز في سورة الفرقان عند قوله ﷿: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: ١١] فالسعير مذكر، ثم أنثه فقال: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا﴾ [الفرقان: ١٢] وكذلك قوله "إن تميما خلقت ملموما" فجمع وهو يريد أبا الحي، ثم قال "لا راحم الناس ولا مرحوما" قال: هذا الرجز يروى في رجز رؤبة أيضا، وقال ابن بري: وهو المشهور" ا. هـ. فالأبيات تنسب إلى المخيس الأعرجي وإلى رؤبة بن العجاج، والأشهر الأعرف أنها لرؤبة بن العجاج، والملموم: اسم المفعول من اللم وهو الجمع الكثير الشديد، وهو أيضا مصدر قولهم "لم الشيء يلمه لما" إذا جمعه وأصلحه: والصفا: جمع صفاة وهي الصخرة الملساء، والكلوم جمع كلم وهو الجرح وزنا ومعنى. ومحل الاستشهاد قولهم "خلقت ملموما" فإنه قد جاء به كما يجيء بأوصاف المؤنث، فدل بهذا على أنه يريد بتميم القبيلة، وكذلك في قوله "لا تشتكي الكلوما" ثم بعد ذلك قال "قوما ترى واحدهم صهميما" فأجرى الكلام على أنه يريد الحي، وقد سمعت في كلام أبي عبيدة ما يؤيده.
(٢) أبو دهبل -بفتح الدال والباء بينهما هاء ساكنة، ويضبط بكسر الدال والباء وهو خطأ- اسمه وهب بن زمعة -بسكون الميم قبلها زاي مفتوحة- أحد بني جمح وكان رجلًا جميلًا = ١ هذا متعلق بقوله السابق "قالوا: ولا يجوز أن يقال إنه لم يصرفه لأنه ذهب به إلى القبيلة إلخ". ٢ في ر "لأن الحمل على اللفظ لمعنى" ولا يتسق مع ما بعده.
[ ٢ / ٤١٦ ]
فترك صرف "دهبل" وهو منصرف، وقال الآخر:
[٣٣٢]
أخشى على دَيْسَمَ من بُعْدِ الثَّرَى أبى قضاءُ اللهِ إلا ما ترى
فترك صرف "ديسم" وهو منصرف.
فإذا صحت هذه الأبيات بأسرها دلَّ على صحة ما ذهبنا إليه.
وأما من جهة القياس فإنه إذا جاز حذف الواو المتحركة للضرورة من نحو قوله:
[٣٣٣]
فَبَيْنَاهُ يَشْرِي رَحْلَهُ قال قَائلٌ: لمن جَمَلٌ رِخْوُ المِلَاطِ نَجِيبُ
_________________
(١) = شاعرًا عفيفًا، وقد قال الشعر في آخر خلافة علي بن أبي طالب ﵁، وأكثر مدائحه في عبد الرحمن بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم، وفي هذا البيت الذي أنشده المؤلف شاهدان: الأول: في قوله "أبو دهبل" حيث منعه من الصرف مع أنه علم على وزن جعفر، وليس فيه إلا العلمية، وقياس أمثاله أن ينون ويجر بالكسرة، لكنه لما اضطر لإقامة الوزن منعه من التنوين وجره بالفتحة، هذا بيان كلام المؤلف، لكن يقال على هذا: إن كلمة "دهبل" في الأصل فعل ماضٍ، قال في اللسان "التهذيب: ابن الأعرابي: دهبل؛ إذا كبر اللقم ليسابق في الأكل" ا. هـ. وقال ابن دريد في الاشتقاق "ص١٢٩" "دهبل دهبلة؛ إذا مشى مشيا ثقيلا" فإذا كان "دهبل" في الأصل فعلًا ماضيًا فيجوز أن يكون الشاعر رجع به إلى أصله فحكاه كما تحكى الجمل التي يسمى بها نحو يزيد ويشكر، وعلى هذا لا يكون في البيت شاهد لما ذكره المؤلف، والشاهد الثاني: في قوله "من جمح" فإن هذا الاسم أحد الأعلام المعدولة عن فاعل، ففيه العلمية والعدل، فكان يجب عليه أن يمنعه من الصرف، لكنه لما اضطر إلى تنوينه صرفه، ولا يختلف النحاة في أنه يجوز للشاعر عند الضرورة أن يصرف الاسم الذي لا ينصرف.
(٢) هذان بيتان من مشطور الرجز، وقد أنشد ابن منظور "د س م" هذين البيتين عن ابن دريد، من غير عزو، إلا أن عنده "من برد الثرى" والديسم في الأصل: ولد الدب، ويقال: إنه ولد الذئب من الكلبة، والديسم أيضًا: الظلمة، وسئل أبو الفتح صاحب قطرب -وكان اسم أبي الفتح هذا "ديسم"- فقال: الديسم: الذرة، وقد سمي به، ومحل الاستشهاد قوله "ديسم" فقد منعه من الصرف فترك تنوينه وجره بالفتحة مع أنه ليس فيه غير العلمية. قال ابن منظور: "ترك صرفه للضرورة" ا. هـ.
(٣) هذا البيت من شواهد رضي الدين في باب الضمير من شرح الكافية، وقد شرحه البغدادي في الخزانة "٢/ ٣٩٦" وشواهد ابن يعيش في شرح المفصل "٨٢ و٤١٦" وابن جني في الخصائص "١/ ٩٦" وكل هؤلاء الأعلام رووه على ما رواه المؤلف، وفي كلام البغدادي ما يفيد أن البيت من شواهد سيبويه في باب ما يحتمل الشعر، وقد راجعت كتاب سيبويه فلم أجده، والبيت من كلام العجير السلولي، إلا أن الذي في شعر العجير رويّه لام على هذا الوجه. فبيناه يشري رحله قال قائل: لمن جمل رخو الملاط ذلول؟ =
[ ٢ / ٤١٧ ]
فَلأَن يجوز حذف التنوين للضرورة كان ذلك من طريق الأولى، وهذا لأن الواو من "هو" متحركة، والتنوين ساكن، ولا خلاف أن حذف الحرف الساكن أسهل من حذف الحرف المتحرك، فإذا جاز حذف الحرف المتحرك الذي هو الواو للضرورة فلأن يجوز حذف الحرف الساكن كان ذلك من طريق الأولى؛ ولهذا كان أبو بكر بن السراج من البصريين -وكان من هذا الشأن بمكان- يقول: لو صحت الرواية في ترك صرف ما ينصرف لم يكن بأبعد من قولهم:
[٣٣٣]
فبيناه يشري رحله قال قائل
ولما صحت الرواية عند أبي الحسن الأخفش وأبي علي الفارسي وأبي القاسم بن برهان من البصريين صاروا إلى جواز ترك صرف ما ينصرف في ضرورة الشعر واختاروا مذهب الكوفيين على مذهب البصريين، وهم من أكابر أئمة البصريين والمشار إليهم من المحققين.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز ترك صرف ما ينصرف لأن الأصل في الأسماء الصرف، فلو أنا جوزنا ترك صرف ما ينصرف لأدّى ذلك إلى ردّه عن الأصل إلى غير أصل، ولكان أيضا يؤدي إلى أن يلتبس ما ينصرف بما لا ينصرف؛ وعلى هذا يخرج حذف الواو، من "هو" في نحو قوله:
[٣٣٣]
فبيناه يشري رحله قال قائل
_________________
(١) = والبيت في وصف رجل أضل بعيره ويئس من عوده فأراد أن يبيع رحله فبينا هو يبيع رحله؛ إذ سمع من يعرف البعير ليطلبه صاحبه، شبه حاله مع من يحب بحال صاحب هذا البعير، والاستشهاد بالبيت في قوله "فبيناه" فإن أصل هذه الكلمة "فبينا هو" بضم الهاء وفتح الواو، والعلماء يختلفون في حذفها: هل حذفت وهي متحركة مفتوحة أو سكنت أولًا ثم حذفت وهي ساكنة؟ أما الأعلم فزعم أن الشاعر سكن الواو، ضرورة، ثم حذف هذه الواو الساكنة ضرورة أخرى، فأدخل ضرورة على ضرورة وأما ابن يعيش والمؤلف فكذا أن الشاعر حذفها وهي مفتوحة، ومن أمثال هذا البيت قول الشاعر وهو من شواهد سيبويه "١/ ١٢": بيناه في دار صدق قد أقام بها حينا يعللنا وما نعلله قال الأعلم: "أراد بينا هو، فسكن ضرورة، ثم حذف، فأدخل ضرورة على ضرورة" ا. هـ. ونظيره قول الراجز، وأنشده سيبويه أيضا: هل تعرف الدار على تبراكا؟ دار لسعدى إذه من هواكا قال الأعلام: "أراد إذ هي فسكن الياء أولا ضرورة، ثم حذفها ضرورة أخرى بعد الإسكان، تشبيها لها بعد سكونها بالياء اللاحقة في ضمير الغائب إذا سكن ما قبله والياء والواو اللاحقة له في هذا الحال، نحو عليه ولديه ومنه وعنه" ا. هـ. وقال ابن يعيش بعد أن أنشد البيت المستشهد به ههنا: "إنما هو فبينا هو، فحذف الواو من هو وهي متحركة من نفس الكلمة، وإذا جاز حذف ما هو من نفس الحرف كان حذف التنوين الذي هو زيادة للضرورة أولى: ا. هـ.
[ ٢ / ٤١٨ ]
فإنه لا يؤدِّي إلى الالتباس، بخلاف حذف التنوين، فَبَانَ الفرق بينهما.
والذي أذهب إليه في هذه المسألة مذهب الكوفيين؛ لكثرة النقل الذي خرج عن حكم الشذوذ، لا لقوته في القياس.
وأما الجواب عن كلمات البصريين: أما قولهم "إنما لم يجز ترك صرف ما ينصرف لأنه يؤدّي إلى ردّه عن الأصل إلى غير أصل "قلنا: هذا يبطل بحذف الواو من "هو" في قوله:
[٣٣٣]
فبيناه يشري رحله قال قائل
خصوصًا على أصلكم، أن الواو عندكم أصلية لا زائدة كما هي على أصل الخصم زائدة:
قولهم "إنما جاز١ لأنه لا يؤدي إلى الالتباس؛ بخلاف ما هنا" قلنا: الجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أنا لا نسلم أنه لا يؤدي ههنا إلى الالتباس؛ لأنك تقول "غزا هو" فيكون توكيدا للضمير المرفوع بأنه فاعل، فإذا حذفت الواو منه التبست الهاء الباقية بالهاء التي هي ضمير المنصوب بأنه مفعول نحو "غزاه" فإنه يجوز أن لا تمطل حركتها، قال الشاعر:
[٣٣٤]
تراه كأن الله يَجْدَعُ أنفه وعينيه إن مولاه ثاب له وفر
_________________
(١) أنشد هذا البيت ابن منظور "ج د ع" ولم يعزه، وأنشده الجاحظ في الحيوان "٦/ ٤٠" ونسبه إلى خالد بن الطيفان، وأنشده ابن جني في الخصائص "٢/ ٤٣١" والشريف المرتضى في أماليه "٢/ ٢٥٩ و٣٧٥" والبيت من شواهد ابن الناظم في شرح الألفية في باب عطف النسق، وقد شرحه العيني "٤/ ١٧١" بهامش الخزانة، وقال "قائله هو الزبرقان بن بدر، قاله كراع، ونسبه الجاحظ لخالد بن الصليفان "هكذا" وقبله: ومولى كمولى الزبرقان دملته كما دملت ساق يهاض بها كسر إذا ما أحالت والجبائر فوقها مضى الحول، لا برء مبين، ولا جبر ومولى الزبرقان الذي يشير إليه صاحب البيت المستشهد به هو -كما في الحيوان ٦/ ٣٩- علقمة بن هوذة وفيه يقول الزبرقان: لي ابن عم لا يزا ل يعيبني ويعين عائب والنحاة يستشهدون بهذا البيت في قوله "وعينيه" فإن هذه الكلمة لا يصح أن تكون معطوفة على قوله "أنفه" لأنها لو كانت معطوفة على أنفه لكانت معمولة لقوله يجدع ضرورة أن = ١ يريد "إنما جاز للضرورة نحو فبيناه يشري".
[ ٢ / ٤١٩ ]
وكذلك الهاء أيضًا في سائر المنصوبات؛ فإنه يجوز أن لا تُمْطَلَ حركتُها في الشعر كضمير المجرور؛ فإنهم يسوُّون بينهما في ذلك، قال الشاعر:
[٣٣٥]
له زجل كأنه صوتٌ حادٍ إذا طلب الوسيقة أو زَمِيرُ
وقال الآخر:
[٣٣٦]
أو مُعْبَرُ الظَّهْرِ يَنْأَى عن وَلِيَّتِهِ ما حجَّ ربُّهُ في الدنيَا ولا اعْتَمَرَا
_________________
(١) = المعطوف يشارك المعطوف عليه في تسلط عامله عليه، ولا يصح ذلك؛ لأن الجدع في لسان أهل هذه اللغة خاص بالأنف، فلا يجوز أن تقول: جدعت عينيه، ولا جدعت يديه، ولا جدعت أذنيه، وما أشبه ذلك، ولهذا كان قوله "وعينيه" عندهم مفعولا به لفعل محذوف تقديره "ويفقأ عينيه" وتكون جملة هذا الفعل معطوفة بالواو على جملة الفعل السابق، قال السيد المرتضى "أراد ويفقأ عينيه، لأن الجدع لا يكون بالعين، واكتفى بيجدع من يفقأ" ا. هـ. والمؤلف قد أنشد هذا البيت ليستشهد به على أن الشاعر قد يمطل حركة ضمير الغائب المتصل -أي يمدها فينشأ عنها حرف مد يجانس حركتها- وقد لا يمطلها، وبيان ذلك أنك تقول "أعطيته مما له عندي" فتمطل الهاء في "أعطيته" وفي "له" والأولى في محل نصب والثانية في محل جر -حتى ينشأ من ضمة كل منهما واو، ويجوز أن تكتفي بالضمة في كل كلمة منهما، وأن تمطل واحدة وتدع أخرى بلا مطل، كل ذلك جائز، وليس واحد من الوجهين بأولى من الآخر، وقد جمع الشاعر صاحب هذا الشاهد بين الوجهين في هذا البيت؛ فقد مطل الهاء في "أنفه" واكتفى بالحركة من غير مطل في "وعينيه".
(٢) هذا البيت من كلام الشماخ بن ضرار الغطفاني يصف حمار وحش، وهو من شواهد سيبويه "١/ ١١" وابن جني في الخصائص "١/ ١٢٧" والزجل -بالتحريك- صوت فيه حنين وترنم، والحادي: الذي يتغنى أمام الإبل ويطربها لكي يعينها على السير وألا تمل، والزمير: صوت المزمار، والوسيقة: أراد به أنثى حمار الوحش. يقول: إذا طلب أنثاه صوت بها وكأنه صوته -لما فيه من الحنين، ومن حسن الترجيع والتطريب- صوت حاد يتغنى بإبل أو صوت مزمار. والاستشهاد بالبيت ههنا في قوله "كأنه صوت حاد" فإن الشاعر لم يمطل الضمة التي على ضمير الغائب في كأنه حتى تنشأ عنها واو، بل اختلس الضمة اختلاسًا، وهذا بين بعد ما ذكرناه في شرح الشاهد السابق.
(٣) وهذا البيت أيضا من شواهد سيبويه "١/ ١٢" ونسبه لرجل من باهلة، ولم يزد الأعلم في نسبته على ذلك، والشاعر يصف بعيرا لم يستعمله صاحبه في سفر لحج أو عمرة، ومعبر الظهر: ممتلئة باللحم مع كثرة وبره، والولية: البرذعة، وأراد بقوله "ينأى عن وليته" أنه يعسر وضعها عليه لكونه قد اشتد سمنه وكثر وبره، وكان ينبغي أن يقول "تنأى عنه وليته" لكنه قلب، ووجهه أنه إذا نأى عنها فإنه يجعلها تنأى عنه، وربه: أي صاحبه. ومحل الاستشهاد بالبيت قوله "ربه" فإنه اختلس الضمة التي على ضمير الغائب المجرور اختلاسًا، ولم يشبع هذه الضمة حتى تنشأ عنها واو، على نحو ما قررناه في شرح الشاهد رقم ٣٣٤.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
وقال الآخر:
[٣٣٧]
فما له من مجد تلِيدٍ، ومَالَهُ من الريح فضلٌ لا الجنوبُ ولا الصَّبَا
وقال الآخر:
[٣٣٨]
فإن يَكُ غثًّا أو سمينًا فإنني سأجعل عينيه لنفسه مَقْنَعَا
وقال الآخر:
[٣٣٩]
وأيقن أن الخيل إن تَلْتَبِسْ به يكن لفَسِيل النخل بعده آبِرُ
_________________
(١) هذا البيت للأعشى ميمون بن قيس "د٩٠" وهو من شواهد سيبويه "١/ ١٢" ونسبه للأعشى، وتبعه الأعلم، وهو البيت الرابع والعشرون من قصيدة له مطلعها: كفى بالذي تولينه لو تجنبا شفاء لسقم بعد ما كان أشيبا والأعشى يهجو في البيت رجلا بأنه لئيم الأصل لم يرث مجدا ولا كسب خيرًا، فضرب له المثل بنفي حظه من الريحين والجنوب والصبا لأن الجنوب والصبا أكثر الرياح عندهم خيرًا، والجنوب تلقح السحاب، والصبا تلقح الأشجار، وقد يتأول على أنه لا خير عنده ولا شر، كما يقال: فلان لا ينفع ولا يضر، أي أنه ليس بشيء يعبأ به. ومحل الاستشهاد بالبيت قوله "وما له من مجد" حيث اختلس ضمه الهاء اختلاسًا ولم يشبعها حتى تنشأ عنها واو، ولكن رواية المؤلف ورواية سيبويه من قبله تخالف رواية الديوان، فقد ورد البيت في الديوان هكذا: وما عنده مجد تليد، وما له من الريح فضل، لا الجنوب ولا الصبا والهاء في "عنده" على هذه الرواية مشبعة غير مختلسة، وسيبويه غير متهم فيما يرويه عن العرب.
(٢) هذا البيت من كلام مالك بن خريم -بالخاء المعجمة، بوزن المصغر- وهو من شواهد سيبويه "١/ ١٠" وقد نسبه إليه، وأقر الأعلم هذه النسبة. يصف الشاعر ضيفًا نزل به، وأنه سيقدم إليه ما عنده من القرى، ويحكمه فيه ليختار منه أفضل ما تقع عليه عيناه، فيقنع بذلك. ومحل الاستشهاد بالبيت قوله "لنفسه" فإن الشاعر قد اختلس كسرة الهاء اختلاسًا، ولم يمطلها حتى تنشأ عنها ياء، وذلك مما يقع في الشعر، وهو مثل ما ذكرناه في الشواهد السابقة.
(٣) وهذا البيت أيضًا من شواهد سيبويه "١/ ١١" ونسبه إلى حنظلة بن فاتك، وأقر الأعلم هذه النسبة، قال الأعلم: "والبيت يتأول على معنيين، أحدهما -وهو الأصح: أن يكون وصف جبانًا، فيقول: أيقن هذا الرجل أنه إن التبست به الخيل قتل فصار ماله إلى غيره، فكع وانهزم. والمعنى الآخر أن يكون وصف شجاعًا فيقول: قد علم أنه إن ثبت وقتل لم تتغير الدنيا بعده وبقي من أهله من يخلفه في حرمه وماله، فثبت ولم يبال بالموت" ا. هـ. والخيل: أراد بها خيل الفرسان في الحرب، وفسيل النخل -بفتح الفاء- صغاره، والآبر: الذي يصلح النخل، وعمله الإبار، ومحل الاستشهاد من البيت قوله: "بعده" حيث اختلس ضمه الهاء اختلاسًا ولم يمطلها حتى تنشأ عنها واو، على نحو ما ذكرناه في الشواهد السابقة.
[ ٢ / ٤٢١ ]
٢١١- وقال الآخر:
[٣٤٠]
أَنَا ابْنَ كِلَابٍ وابْنُ أوْس؛ فمن يَكُنْ قِنَاعُهُ مُغْطِيًّا فإني مُجْتَلَى
وقال الآخر:
[٣٤١]
لأَعْلِطَنَّهُ وسمًا لا يُفَارِقُهُ كما يُحَز بحمَّى المَيسَمِ البَحِرُ
وقال الآخر:
[٣٤٢]
لي والدٌ شيخٌ تَهِضْهُ غَيْبَتِي وأظن أن نفاد عُمْرِهِ عَاجِلُ
_________________
(١) أنشد ابن منظور هذا البيت "غ ط ى" من غير عزو. وتقول: غطى الشيء يغطيه غطيًا -من مثال رماه يرميه رميا- إذا ستره، وتقول "فلان مغطى" تريد أنه خامل الذكر لا نباهة له، وقال حسان بن ثابت: رب حلم أضاعه عدم الما ل وجهل غطى عليه النعيم وقول صاحب الشاهد "فإني مجتلى" حكى ابن منظور أنه يروى "فإني لمجتلى" والمراد فإني نابه الذكر محمود الأثر، وهو في هذا الموضع قريب من قولهم "هو ابن جلا" ومحل الاستشهاد بهذا البيت قوله "قناعه" حيث اختلس الشاعر ضمه الهاء اختلاسًا، ولم يمطلها حتى تنشأ عنها واو، والكلام فيه كالكلام في الشواهد السابقة.
(٢) أنشد منظور هذا البيت "ب ح ر" من غير عزو، وأعلطنه: أصل هذه المادة العلاط -بوزن الكتاب- وهو صفحة العنق من كل شيء، والعلاطان: صفحتا العنق من الجانبين، ثم سموا السمة في عرض عنق البعير أو الناقة علاطًا، فإن كانت السمة بالطول سموها سطاعا، وقالوا: علط البعير والناقة يعلطهما -من بابي ضرب ونصر- إذا وسمهما، وقالوا أيضا "علطه" بالتشديد للكثرة، وقالوا: علطه بالقول -أو بالشر- إذا رماه بعلامة يعرف بها، والعلاط -بالكسر- الذكر بالسوء. والوسم: العلامة، والميسم -بكسر الميم الأولى- اسم الآلة من الوسم، والبحر -بفتح الباء وكسر الحاء- الوصف من البحر -بالتحريك- وهو أن يلقى البعير بالماء فيكثر منه حتى يصيبه منه داء، يقال: بحرا يبحر بحرا -من مثال فرح يفرح فرحا- فإذا أصابه هذا الداء كوي في موضع فيبرأ، قاله الفراء، وقال الأزهري: الداء الذي يصيب البعير فلا يروى بالماء هو النجر أو البجر -بالنون والجيم أو بالباء والجيم- وأما البحر فهو داء يورث السل، وأبحر الرجل؛ إذا أخذه السل، ورجل بحير وبحر: مسلول ذاهب اللحم، عن ابن الأعرابي، ومحل الاستشهاد بهذا البيت قوله "لأعلطنه" حيث اختلس ضمة الهاء اختلاسا، ولم يمطلها حتى تنشأ عنها واو، على مثال ما ذكرناه في شرح الشواهد السابقة.
(٣) الشيخ: من استبانت فيه السن، وقيل: الرجل شيخ متى بلغ خمسين سنة إلى آخر عمره، وقيل: إلى الثمانين، وتهضه: مضارع "هاض العظم يهيضه هيضا" مثل باعه يبيعه بيعا -إذا كسره بعد ما كاد ينجبر، وكل وجع على وجع فهو هيض، وتقول "هاضني هذا الأمر" إذا ردك في مرضك، وقد عامل قوله "تهضه" معاملة المجزوم وإن لم يسبقه جازم، وقد كان =
[ ٢ / ٤٢٢ ]
والوجه الثاني: أنه يبطل بصرف ما لا ينصرف، فإنه يوقع لبسًا بين ما ينصرف وما لا ينصرف في نحو قوله:
[٣٤٣]
قواطنًا مكة من وُرْقِ الحَمِي
وكذلك سائر ما لا ينصرف، ومع هذا فقد وقع الإجماع على جوازه، فكذلك ههنا.
فإن قالوا: الكلام به يتحصل القانون دون الشعر١، وصرف ما لا ينصرف لا يوقع لبسا بين ما ينصرف وما لا ينصرف؛ لأنه لا يلتبس ذلك في اختيار الكلام.
قلنا: وهذا هو جوابنا عما ذكرتموه؛ فإنه إذا كان الكلام هو الذي يتحصل به القانون دون الشعر، فترك صرف ما ينصرف في ضرورة الشعر لا يوجب لبسًا بين ما ينصرف وما لا ينصرف؛ إذ لا يلتبس ما ينصرف وما لا ينصرف في اختيار الكلام، والله أعلم.
_________________
(١) = من حق العربية عليه أن يقول: "تهيضه غيبتي" إلا أنه حذف الياء كما يحذفها لو أن الفعل كان مجزومًا، ونفاد عمره: ذهابه وزواله، ومحل الاستشهاد في البيت قوله "عمره" فقد اختلس كسرة الهاء -وهي ضمير الغائب العائد إلى والد- اختلاسًا، ولم يشبعها حتى تتولد عنها ياء، وهو نظير ما تقدم في شرح الشواهد السابقة.
(٢) هذا بيت من الرجز المشطور، وهو من شواهد سيبويه "١/ ٨" ونسبه إلى العجاج، وقد أنشده ابن منظور "ح م م" ثالث ثلاثة أبيات، ونسبها إلى العجاج وهي في روايته هكذا: ورب هذا البلد المحرم والقاطنات البيت غير الريم قواطنا مكة من ورق الحمى وهو من شواهد ابن عقيل "رقم ٢٦٢" وشرحه العيني "٣/ ٥٥٤ في هامش الخزانة" والقاطنات: جمع قاطنة، وهي اسم الفاعل المؤنث من "قطن المكان يقطنه" إذا أقام فيه، والريم: جمع رائمة، وهي اسم الفاعل المؤنث من "رام الموضع يرميه" إذا فارقه وتركه، ويروى "أوالفا" وهو جمع آلفة، ومهما يكن من شيء فإن في قوله "أوالفا" أو "قواطنا" صرف الاسم الذي لا ينصرف؛ فإنه على صيغة منتهى الجموع، وكان عليه أن ينصبه بالفتحة من غير تنوين، إلا أنه لما اضطر إلى إقامة الوزن نونه. ١ يريد المؤلف بهذه العبارة أن قوانين العربية وقواعدها إنما تؤخذ من الكلام وهو النثر -وذلك بسب أن الشعر لضيق العبارة فيه بسبب الوزن والرويّ والقافية تعرض للشاعر فيه عوارض تدفعه إلى أن يرتكب ما لا يرتكبه لو أنه في فسحة من أن يقول ما شاء.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
٧١- مسألة: [القول في علّة بناء "الآن"؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن "الآن" مبنيّ؛ لأن الألف واللام دخلتا على فعل ماضٍ من قولهم: "آن يَئِينُ" أي حان، وبقي الفعل على فتحته.
وذهب البصريون إلى أنه مبنيّ لأنه شابه اسم الإشارة، ولهم فيه أيضًا أقوال أُخَرُ نذكرها في دليلهم.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن الألف واللام فيه بمعنى الذي، ألا ترى أنك إذا قلت "الآن كان كذا" كان المعنى: الوقت الذي آن كان كذا، وقد تُقَامُ الألف واللام مقام الذي لكثرة الاستعمال طلبًا للتخفيف، قال الفرزدق:
[٣٤٤]
ما أنت بالحَكَمِ التُرْضَى حُكُومَتُهُ ولا البَلِيغِ ولا ذِي الرَّأْيِ والجَدَلِ
_________________
(١) هذا البيت من كلام الفرزدق همام بن غالب يهجو فيه رجلا من بني عذرة، وهو من شواهد الأشموني "رقم ٩٧" وأوضح المسالك "رقم ٣٠" وشذور الذهب "رقم ٢" وقد شرحه العيني "١/ ١١١ بهامش الخزانة" والحكم -بالتحريك الذي يحكمه الخصمان ليفصل بينهما، والبليغ: اللسن الفصيح، ويروى في مكان هذه الكلمة "ولا الأصيل" والأصيل: الحسيب، والجدل -بالتحريك- شدة الخصومة. ومحل الاستشهاد بالبيت قوله "الترضى" حيث دخلت ال الموصولة على الفعل المضارع، وهذا يدل على أن الموصولة لا تدل على أن ما دخلت عليه اسم، لأنها تدخل على الاسم نحو القائم والمضروب، وعلى الفعل وغيره كما في بيت الشاهد وما يليه من الشواهد. ١ انظر في هذه المسألة: شرح الأشموني مع حاشية الصبان "١/ ٥٧ و١٧٥ بولاق" وتصريح الشيخ خالد الأزهري "١/ ٥٨ و١٨٠" وشرح ابن يعيش على المفصل "ص٥٥٤" وشرح الرضي على كافية ابن الحاجب "٢/ ١١٨".
[ ٢ / ٤٢٤ ]
أراد "الذي تُرْضَى" وقال الآخر:
[٣٤٥]
بل القوم الرسول الله فيهم هم أهل الحكومة من قُصِيِّ
وقال الآخر:
[٩١]
يقول الخَنَا وأبغض العُجْمِ نَاطِقًا إلى ربنا صوت الحمار اليجدع
ويستخرج اليربوع من نَافِقَائِهِ ومن جُحره بالشّيحة اليَتَقَصَّعُ
أراد "الذي يُجَدَّعُ، والذي يَتَقَصَّعُ" فكذلك ههنا في الآن، وبقي الفعل على فتحته، كما روي عن النبي -ﷺ- "أنه نَهَى عن قيل وقال" وهما فعلان ماضيان، فأدخل عليهما حرف الخفض وبَقَّاهما على فتحهما، وكذلك قولهم "من شَبّ إلى دَبَّ" بالفتح؛ يريديون من أن كان صغيرًا إلى أن دَبَّ كبيرًا، فَبَقُّوا الفتح فيهما، فكذلك ههنا.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن سبيل الألف واللام أن يدخلا لتعريف الجنس، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] وكقولهم "الرجل خير من المرأة" وكقولهم "أهلك الناس الدينار والدرهم" أو لتعريف العهد، كقوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥، ١٦] أو يدخلا على شيء قد غلب عليه نعته فعرف به، كقولك: الحارث، والعباس، والسِّمَاك، والدَّبَرَان؛ فلما دخلا ههنا على غير ما ذكر ودخلت على معنى الإشارة إلى الوقت الحاضر صار معنى قولك "الآن" كقولك: هذا الوقت، فشابه اسم الإشارة، واسم الإشارة مبنيّ؛ فكذلك ما أشبهه، وكان الأصلُ فيه أن يبنى على السكون إلا أنه بني على حركة لالتقاء الساكنين، وكانت الفتحة أولى لوجهين:
أحدهما: أنها أَخَفُّ الحركات وأشكلها بالألف والفتحة التي قبلها فأتبعوها
_________________
(١) وقع في كتب النحاة بيت يشبه أن يكون هو هذا البيت لولا اختلاف يسير، والبيت المشار إليه هو: من القوم الرسول الله منهم لهم دانت رقاب بني معد وهو من شواهد ابن هشام في مغني اللبيب "رقم ٦٧" وابن عقيل "رقم ٣١" والأشموني "رقم ١٠٨" ودانت: خضعت وانقادت وذلت، ومعد: هو ابن عدنان أبو العرب الحجازية كلهم، وبنو قصيّ: هم قريش، وبنو هاشم قوم النبي -ﷺ- منهم: ومحل الاستشهاد بهذا البيت قوله "الرسول الله منهم" فإن ال في أول هذه العبارة موصولة، والأصل في صلة ال الموصولة أن تكون صفة صريحة كاسم الفاعل واسم المفعول، ولكن الشاعر قد جاء في هذا الكلام بصلة ال الموصولة جملة اسمية من مبتدأ وخبر كما تكون صلة الذي وفروعه، وكأنه قال: من القوم الذين رسول الله -ﷺ- منهم.
[ ٢ / ٤٢٥ ]
الألف والفتحة التي قبلها كما أتبعوا ضمة الذال التي في "مُنْذُ" ضمة الميم، وإن كان حق الذال أن تكسر لالتقاء الساكنين.
والوجه الثاني: أن نظائرها من الظروف المستحقة لبناء أواخرها على حركة كأين وأيان بنيت على الفتح؛ فكذلك "الآن" لمشاركتها لهما في الظرفية.
ومنهم من قال، وهو أبو العباس المبرد: إنما بني "الآن" لأنه وقع في أول أحواله بالألف واللام، وسبيل ما يدخل عليه الألف واللام، أن يكون منكورًا أولا ثم يعرف بهما، فلما خالف سائر أخواته من الأسماء وخرج إلى غير بابه بُنِيَ.
ومنهم من قال، وهو أبو سعيد السيرافي: إنما بني لأنه لما لزم موضعًا واحدًا أشبه الحرف؛ لأن الحروف تلزم مواضعها التي وضعت فيها في أوليتها، والحروف مبنية؛ فكذلك ما أشبهها.
ومنهم من قال، وهو أبو علي الفارسي: إنما بني لأنه حذف منه الألف واللام وضمن الاسم معناهما، وزيدت فيه ألف ولام أُخْرَيان.
وبني على الفتح في جميع الوجوه؛ لما ذكرناه في الوجه الأول، وهو الذي عليه سيبويه وأكثر البصريين.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إن الألف واللام فيه بمعنى الذي "قلنا" هذا فاسد؛ لأن الألف واللام إنما يدخلان على الفعل وهما بمعنى الذي في ضرورة الشعر كما أنشدوه من الأبيات، لا في اختيار الكلام؛ فلا يكون فيه حجة.
وأما ما شبهوه به من نهيه -ﷺ- عن قيل وقال فليس بمشبه له؛ لأنه حكاية، والحكايات تدخل عليها العوامل فَتُحْكَى، ولا تدخل عليها الألف واللام؛ لأن العوامل لا تغير معاني ما تخل عليه كتغيير الألف واللام، ألا ترى أنك تقول: "ذهب تأبط شرًّا، وذَرَّى حبًا، وبرق نحره، ورأيت تأبط شرا، وذرى حبا، وبرق نحره، ومررت بتأبط شرا، وذرى حبا، وبرق نحره" ولا تقول: هذا التأبط شرا، ولا الذرى حبا، ولا البرق نحره، وما أشبه ذلك، وكذلك تقول: رفعنا اسم كان بكان، ونصبنا اسم إن بإن، ولا تقول رفعناه بالكان ونصبناه بالإنّ، فبان الفرق بينهما؛ وهذا هو الجواب عن قولهم "من شَبَّ إلى دَبَّ" على أنه لو أخرجت هذه الأشياء إلى الأسماء فقيل "عن قيلٍ وقالٍ"، "ومن شبٍّ إلى دبٍّ" فأدخلت الجر والتنوين لكان ذلك جائزًا بالإجماع، على أنه قد صحّ عن العرب أنهم قالوا: من شب إلى دب -بالجر والتنوين- وقد حكى ذلك أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء من أصحابكم، وذلك ألزم لكم وأوفى حجة عليكم، والله أعلم.
[ ٢ / ٤٢٦ ]
٧٢- مسألة [فعل الأمر معرب أو مبنيّ؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن فعل الأمر للمُوَاجَهِ المُعَرَّى عن حرف المضارعة -نحو افعل- معربٌ مجزومٌ.
وذهب البصريون إلى أنه مبني على السكون.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه معرب مجزوم لأن الأصل في الأمر للمُوَاجَهِ في نحو: "افْعَلْ" لِتَفْعَلْ، كقولهم في الأمر للغائب "ليفعل" وعلى ذلك قوله تعالى: "فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ" [يونس: ٥٨] في قراءة من قرأ بالتاء من أئمة القرَّاء، وذُكِرَتِ القِرَاءةُ أنها قراءة النبي -ﷺ- من طريق أُبَيِّ بن كعب، ورويت هذه القراءة عن عثمان بن عفان وأنس بن مالك والحسن البصري ومحمد بن سيرين وأبي عبد الرحمن السلمي وأبي جعفر يزيد بن القعقاع المدني وأبي رجاء العُطَارديّ وعاصم الجَحْدَريّ وأبي التَّيَّاح وقتادة والأعرج وهلال بن يِسَاف والأعمش وعمرو بن فائد وعلقمة بن قيس ويعقوب الحضرمي وغيرهم من القراء. وقد جاء في الحديث "ولتَزُرَّهُ ولو بِشَوْكَةٍ" أي زُرَّهُ، وجاء عنه -صلوات الله- عليه أنه قال في بعض مغازيه: "لتأخذوا مصافّكم" أي خذوا، وقال -صلوات الله عليه- مرة أخرى "لِتَقُومُوا إلى مَصَافِّكم" أي قوموا، وقال الشاعر:
[٣٤٦]
لِتَقُمْ أنت يابْنَ خير قريش فَتُقَضَّى حَوَائجُ المسْلِمينَا
_________________
(١) هذا البيت من شواهد ابن هشام في مغني اللبيب "رقم ٣٧٩" وأنشده مرتين "في ص٢٢٧ و٥٥٢" ولم يتحدث عنه السيوطي في شرح شواهده، ويروى "كي لتقضى حوائج المسلمينا" ويروى "فلتقضى حوائج المسلمينا". وتقول: قضى فلان الشيء؛ تريد عمله، وقال الشاعر، وهو أبو ذؤيب الهذلي: وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع = ١ انظر في هذه المسألة: شرح الأشموني مع حاشية الصبان "١/ ٦٤ بولاق" وشرح ابن يعيش على المفصل "ص٩٦٥ وشرح الرضي على الكافية "٢/ ٢٤٩" وأسرار العربية للمؤلف "ص١٢٥".
[ ٢ / ٤٢٧ ]
_________________
(١) = مسرودتان: أراد درعين، والسوابغ: جمع سابغة، وهي الدرع أيضا، وفي القرآن الكريم ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١١] أي دروعا سابغات. والحوائج: جمع حاجة، على غير قياس، كأنهم جمعوا حائجة، وكان الأصمعي ينكر هذا الحرف ويدعي أنه مولد، قال ابن بري "إنما أنكره الأصمعي لخروجه عن قياس جمع حاجة، والنحويون يزعمون أنه جمع لواحد لم ينطق به وهو حائجة، وذكر بعضهم أنه سمع حائجة لغة في الحاجة، وأما قول الأصمعي إنه مولد فإنه خطأ منه؛ لأنه قد جاء ذلك في حديث سيدنا رسول الله -ﷺ- وفي أشعار العرب الفصحاء، فمما جاء في الحديث ما روي عن ابن عمر أن رسول الله -ﷺ- قال: "إن لله عبادا خلقهم لحوائج الناس، يفزع الناس إليهم في حوائجهم، أولئك الآمنون يوم القيامة" ومما جاء في أشعار العرب الفصحاء قول أبي سلمة المحاربي: ثممت حوائجي، ووذأت بشرًا فبئس معرس الركب السغاب ثممت -بالثاء المثلثة-: أصلحت. وقال الشماخ: تقطع بيننا الحاجات إلا حوائج يعتسفن مع الجريء وقال الأعشى: الناس حول قبابه أهل الحوائج والمسائل وقال الفرزدق: ولي ببلاد السند عند أميرها حوائج جمات وعندي ثوابها وقال هميان بن قحافة: حتى إذا ما قضت الحوائجا وملأت حلابها الخلانجا" ا. هـ. وقول الشاعر في البيت المستشهد به "فتقضى" هو بتشديد الضاد في هذه الرواية نظير ما أنشده ابن خالويه: خليلي إن قام الهوى فاقعدا به لعنا نقضى من حوائجنا رما وفي الرواية الأخرى "كي لتقضى" هو بالتخفيف من مثال رمى يرمى. ثم إن قرأت هذا الفعل بالبناء للمعلوم في أي الروايتين كنت قد عاملت الفعل المعتل بالياء في حال النصب كما تعامله في حال الرفع فقدرت الفتحة على الياء ومن حقها أن تظهر، وإن قرأته بالبناء للمجهول كانت الفتحة مقدرة على الألف، وكان قوله "حوائج المسلمينا" مرفوعًا على أنه نائب الفاعل، ونرى لك أن تقرأ هذه القراءة. والاستشهاد بالبيت في قوله "لتقم" حيث إن الشاعر استعمل أمر المخاطب بالفعل المضارع المقرون بلام الأمر، وهو الأصل. وقد رجح ابن هشام في مغني اللبيب رأي الكوفيين في هذه المسألة، قال "وزعم الكوفيون وأبو الحسن أن لام الطلب حذفت حذفًا مستمرًا في نحو قم واقعد، وأن الأصل لتقم ولتقعد، فحذفت اللام للتخفيف، وتبعها حرف المضارعة، وبقولهم أقول: لأن الأمر معنى حقه أن يؤدى بالحرف، ولأنه أخو النهي ولم يدل على النهي إلا بالحرف، ولأن الفعل إنما وضع لتقييد الحدث بالزمان المحصل، وكونه أمرًا أو خبرًا خارج عن مقصوده، ولأنهم قد نطقوا بذلك الأصل كقوله "لتقم أنت.. البيت" وكقراءة جماعة "فبذلك فلتفرحوا" وفي الحديث =
[ ٢ / ٤٢٨ ]
وقال الآخر:
[٣٤٧]
فلتكن أبعد العُدَاةِ من الصلح من النجم جَارُهُ العَيُّوقُ
وقال الآخر:
[٣٤٨]
لتبعد إذ نأى جَدْوَاكَ عنِّي فلا أشقى عليك ولا أُبَالِي
_________________
(١) = "لتأخذوا مصافكم" ولأنك تقول: اغز واخش وارم واضربا واضربوا واضربي كما تقول في الجزم، ولأن البناء لم يعهد كونه بالحذف، ولأن المحققين على أن أفعال الإنشاء مجردة عن الزمان كبعت وأقسمت وقبلت، وقد أجابوا عن كونها -مع ذلك- أفعالا بأن تجردها عارض لها عند نقلها عن الخبر، ولا يمكنهم ادعاء ذلك في نحو قم؛ لأنه ليس له حالة غير هذه، وحينئذ فتشكل فعليته. فإذا ادعى أن أصله "لتقم" كان الدال على الإنشاء اللام، لا الفعل" وهو كلام دقيق، وفيه كل ما ذكره المؤلف عنهم وزيادة، فاحرص عليه.
(٢) النجم: أراد به ههنا الثريا، والعيوق -بفتح العين وتشديد الياء مضمومة- قال الجوهري: "نجم أحمر مضيء في طرف المجرّة الأيمن؛ يتلو الثريا، ولا يتقدم، وأصله فيعول، فلما التقى الياء والواو والأولى ساكنة صارتا ياء مشددة" ا. هـ. وفي قوله "من النجم" إشكال، فإن "من" التي تدخل على المفضول إنما تلحق أفعل التفضيل إذا كان نكرة، تقول: زيد أشرف منك نسبًا، وأضوأ منك وجهًا، فإذا ألحقت ال بأفعل التفضيل أو أضفته لم تأتِ بمن مع المفضول، تقول: زيد الأشرف نسبا، والأضوأ وجها، وزيد أشرف الناس نسبا، وأضوأ الناس وجها، ولا تأتي بمن، فلا تقول: زيد الأشرف منك نسبا والأضوأ منك وجها، وزيد أشرف الناس منك وجها، وزيد أضوأ الناس منك وجها، ولهذا كان قوله "من النجم" محل كلام كقول الأعشى ميمون: ولست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثر وكقول قيس بن الخطيم الأنصاري: نحن بغرس الودي أعلمنا منا بركض الجياد في السدف ويمكن أن يتمحل في بيت الشاهد مثل الذي تمحله النحاة في بيت الأعشى وبيت قيس، فيدعى أن "من" هذه ليست متعلقة بأبعد المذكور المضاف إلى "العداة" ولكنها متعلقة بأبعد آخر محذوف ليس مضافًا، وتقدير الكلام على هذا: لتكن أبعد العداة من الصلح أبعد من النجم إلخ، فأما "من" في قوله "من الصلح" فليست هي من التي يمتنع لحاقها لأفعل التفضيل المقرون بال أو المضاف، وذلك لأنها ليست "من" الداخلة على المفضول، والممنوع هو من التي تدخل على المفضول، ولهذا كان قول الشاعر: فهم الأقربون من كل خير وهم الأبعدون من كل ذم صحيحًا لا غبار عليه. ومحل الاستشهاد بالبيت ههنا قوله "فلتكن أبعد إلخ" حيث أمر المخاطب بالفعل المضارع المبدوء بتاء المضارعة المقرون بلام الأمر، على ما هو الأصل في هذا المعنى، وقد ذكرنا مثله في شرح الشاهد السابق.
(٣) الجدوى -بوزن التقوى- العطية، والجدا -بالفتح- مثله، وتقول: جدا عليه يجدي =
[ ٢ / ٤٢٩ ]
فثبت أن الأصل في الأمر للمواجهة [في نحو افعل] أن يكون باللام نحو لتفعل كالأمر للغائب، إلا أنه لما كثر استعمال الأمر للواجه في كلامهم وجرى على ألسنتهم أكثر من الغائب استثقلوا مجيء اللام فيه مع كثرة الاستعمال فحذفوها مع حرف المضارعة طلبا للتخفيف، كما قالوا "أيش" والأصل: أيّ شيء، وكقولهم "عِمْ صباحا" والأصل فيه: انْعِم صباحا، من نعم ينعم بكسر العين في أحد اللغتين، وكقولهم "وَيْلُمِّهِ" والأصل فيه: ويل أمه، إلا أنهم حذفوا في هذه المواضع لكثرة الاستعمال، فكذلك ههنا: حذفوا اللام لكثرة الاستعمال؛ وذلك لا يكون مزيلا لها عن أصلها ولا مبطلا لعملها.
ومنهم من تمسك بأن قال: الدليل على أنه معرب مجزوم أنا أجمعنا على أن فعل النهي معرب مجزوم نحو "لا تفعل" فكذلك فعل الأمر نحو "افعل" لأن الأمر ضد النهي، وهم يحملون الشيء على ضده كما يحملونه على نظيره، فكما أن فعل النهي معرب مجزوم فكذلك فعل الأمر.
ومنهم من تمسك بأن قال: الدليل على أنه معرب مجزوم بلام مقدرة أنك تقول في المعتل "اغْْزُ، وارْمِ، واخش" فتحذف الواو والياء والألف كما تقول "لم يغزُ، ولم يرمِ، ولم يخشَ" بحذف [حرف] العلة؛ فدل على أنه مجزوم بلامٍ مقدرة.
قالوا: ولا يجوز أن يقال "إن حرف الجر لا يعمل مع الحذف فحرف الجزم أولى؛ لأن حرف الجر أقوى من حرف الجزم؛ لأن حرف الجر من عوامل الأسماء، وحرف الجزم من عوامل الأفعال، وعوامل الأسماء أقوى من عوامل الأفعال، فإذا كان الأقوى لا يعمل مع الحذف فالأضعف أولى" لأنا نقول: قولكم "إن حرف الجر لا يعمل مع الحذف" لا يستقيم على أصلكم؛ فلا يصلح إلزامًا لكم؛ فإنكم تذهبون إلى أن "رُبَّ" تعمل الخفض مع الحذف بعد الواو والفاء وبل، وإعمالها بعد الواو نحو قول الراجز:
[٢٣٦]
وبَلَدٍ عامِيَةٍ أَعَماؤُهُ كأن لون أرضه سماؤه
_________________
(١) = جدى، وكذلك أجداه: أي أعطاه، وفلان قليل الجدا على قومه، وقال أبو العيال الهذلي: بخلت فطيمة بالذي توليني إلا الكلام، وقلما تجديني وقوله: "لتبعد" أراد لتهلك فما في حياتك خير، ونأى: بعد، وقوله "فلا أشقى عليك ولا أبالي" يريد إن هلكك يذهب عني ما أنا فيه من الشقاء بحياتك. ومحل الاستشهاد بالبيت قوله "لتبعد" حيث أمر المخاطب بالفعل المضارع المبدوء بتاء المضارعة المقرون بلام الأمر، على نحو ما قررناه في شرح الشاهد السابق.
[ ٢ / ٤٣٠ ]
أي: ورُبَّ بلد، وإعمالها بعد الفاء نحو قول الشاعر:
[٢٤٠]
فَحُورٍ قد لَهَوْتُ بِهِنَّ عِينٍ
أي: فرُبَّ حورٍ، وإعمالها بعد بل نحو قول الراجز:
[٣٤٩]
بل بلد ملءُ الفجاجِ قَتَمُهْ لا يَشْتَرِي كَتّانُهُ وجَهْرَمُهْ
أي: بل رب بلد، فأعملتم "رب" في هذه المواضع مع الحذف، وهي حرف خفض وهذه مناقضة ظاهرة؛ فدل على أن حرف الخفض قد يعمل مع الحذف، على أنه قد حكى نَقَلَةُ اللغة عن رؤبة أنه كان إذا قيل له: كيف أصبحت، يقول: خيرٍ عافاك الله، أي: بخير، فيعمل [حرف] الخفض مع الحذف.
وكذلك أيضا مَنْعُكُمْ إعمال حرف الجزم١ مع الحذف لا يستقيم أيضا على أصلكم، فإنكم تذهبون إلى أن حرف الشرط يعمل مع الحذف في ستة مواضع، وهي: الأمر، والنهي، والدعاء، والاستفهام، والتمني، والعرض، والأمر نحو: ايتني آتك، والنهي: لا تفعل يكن خيرًا لك، والدعاء: اللهم ارزقني بعيرًا أحجَّ عليه، والاستفهام: أين بيتك أزرك، والتمني: ألا ماء أشربه، والعرض: ألا تنزل أكرمك، فأعملتم حرف الشرط مع الحذف في هذه المواضع كلها لتقديره فيها.
_________________
(١) هذان بيتان من الرجز المشطور، وهما من كلام رؤبة بن العجاج من أرجوزة طويلة يمدح فيها أمير المؤمنين أبا العباس السفاح أول الخلفاء العباسيين، وأول هذه الأرجوزة قوله: قلت لزير لم تصله مريمه ضليل أهواء الصبا يندمه والبيت المستشهد به ههنا من شواهد الأشموني "رقم ٥٧٤" وابن هشام في مغني اللبيب "رقم ١٦٨" وفي شذور الذهب "رقم ١٦٣" وابن عقيل "رقم ٢١٩" والبلد يذكر ويؤنث، والتذكير أكثر، والفجاج: جمع فج، وهو الطريق الواسع، وقتمه -بفتح القاف والتاء جميعًا، وأصله القتام، بوزن السحاب، فخففه بحذف الألف -وهو الغبار، والجهرم -بوزن جعفر- هو البساط، وقيل: أصل هذه الكلمة "جهرميه" بياء مشددة كياء الكرسي، للنسبة إلى جهرم وهي إحدى بلاد فارس، وإنه حذف ياء النسبة لما يصف نفسه بالقدرة على الأسفار وتحمل المشاق، ويشير إلى أن ناقته جلدة قوية على قطع الطرق الوعرة والمسالك الصعبة، والاستشهاد بالبيت في قوله "بل بلد" حيث جر النكرة بعد بل برب المحذوفة، وأصل الكلام "بل رب بلد" وانظر الشاهد رقم ٢٣٩ السابق، ومثل هذا الشاهد قول رؤبة بن العجاج أيضا: بل بلد ذي صعد وأصباب تخشى مراديه وهجر دواب ١ في الأوروبية "إعمال حرف الجر مع الحذف" محرفا عما أثبتناه.
[ ٢ / ٤٣١ ]
وقد جاء عن العرب إعمال حرف الجزم مع الحذف، قال الشاعر:
[٣٥٠]
محمد تَفْدِ نفسك كلُّ نفسٍ إذا ما خِفْتَ من أَمْرٍ تَبَالَا
والتقدير فيه: لتفد نفسك، فحذف اللام وأعملها في الفعل الجزم، وقال الشاعر:
[٣٥١]
فقلت ادْعِي وأدْعُ؛ فإن أَنْدى لصوت أن ينادي داعيان
_________________
(١) هذا البيت من شواهد سيبويه "١/ ٤٠٨" وابن يعيش في شرح المفصل "ص٩٤٢" والمؤلف في أسرار العربية "ص١٢٥" ورضي الدين في باب جوازم المضارع من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "٣/ ٦٢٩" وابن الناظم في باب الجوازم من شرح الألفية، وشرحه العيني "٤/ ٤١٨" وقد اختلف العلماء في نسبة هذا البيت؛ فنسبه الرضي في باب فعل الأمر "٢/ ٢٤٩" إلى حسان بن ثابت، وهو غير موجود في ديوانه، ونسبه ابن هشام في شذور الذهب إلى أبي طالب بن عبد المطلب عم النبي ﷺ، قال البغدادي "وقال بعض فضلاء العجم في شرح أبيات المفصل: هو للأعشى "ا. هـ" وهو عجيب غاية في العجب، والتبال: سوء العاقبة، وأصله الوبال -بالواو- فأبدلت الواو تاء، والمعنى: إذا خفت وبال أمر أعددت له، والاستشهاد بالبيت في قوله "تفد" فإن سيبويه ﵀كالكوفيين- خرج هذه الكلمة في هذا البيت على أن الأصل "لتفد" بلام الأمر مكسورة وبجزم الفعل المضارع بحذف الياء وإبقاء الكسرة دالة عليها، ثم حذفت اللام وبقي الفعل على ما كان عليه معها، قال سيبويه "واعلم أن هذه اللام قد يجوز حذفها في الشعر، وتعمل مضمرة، وكأنهم شبهوها بأن إذا عملت مضمرة، قال الشاعر: محمد تفد نفسك كل نفس إذا ما خفت من شيء تبالا وإنما أراد لتفد" ا. هـ. وقال الأعلم "الشاهد فيه إضمار لام الأمر في قوله تفد، والمعنى لتفد نفسك، وهذا من أقبح الضرورة، لأن الجازم أضعف من الجار، وحرف الجر لا يضمر" يريد أن حرف الجر لا يعمل وهو محذوف، مع أنه أقوى من الجازم، وإذا كان الأقوى لا يعمل محذوفا فلأن لا يعمل الأضعف محذوفا من باب الأولى. وقد خرجه قوم تخريجًا آخر، فذهبوا إلى أن "تفد" فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة للتخفيف اجتزاء بكسر ما قبلها للدلالة عليها، وكأنه قال: محمد تفدي نفسك كل نفس، ثم حذف الياء مضطرا ليقيم وزن البيت، واكتفى بالكسرة التي قبلها، وقد قرر المؤلف أن العرب قد تحذف حروف المد واللين وتكتفي بالحركات التي قبلها لأنها مجانسة لها، وانظر الشواهد "٢٤٥-٢٥٤" ثم انظر الشاهد ٢٨٣.
(٢) هذا البيت من شواهد سيبويه "١/ ٤٢٦" وابن هشام في مغني اللبيب "رقم ٦٤٨" وفي أوضح المسالك "رقم ٥٠١" وفي شذور الذهب "رقم ١٥٤" والأشموني "رقم ١٠٣٥" وابن عقيل "رقم ٣٢٧" وقد اختلف العلماء في نسبة هذا البيت، فنسبه سيبويه إلى الأعشى، وقال الأعلم "ويروى للحطيئة" والصحيح أن البيت من كلمة عدة أبياتها ثلاثة عشر بيتًا لدثار بن شيبان النمري، أحد بني النمر بن قاسط، وهذه القصيدة مما رواه أبو =
[ ٢ / ٤٣٢ ]
أراد "ولأَدْعُ "وقال الآخر:
[٣٥٢]
على مثل أصحاب البعوضة فَاخْمِشِي لك الويلُ حُرّ الوجه أو يَبْكِ من بَكَى
_________________
(١) = السعادات بن الشجري في مختاراته "ق٣ ص٦" وكل من ذكرنا من النحاة من سيبويه إلى آخرهم رووا "ادعى وأدعو إن أندى" ولكن ابن الشجري روى "ادعى وأدع فإن أندى" كما روى المؤلف، وأندى: أفعل تفضيل من قولهم "ندى صوت فلان يندى ندى -من مثال فرح يفرح فرحًا" إذا ارتفع وبعد. ومحل الاستشهاد من البيت قوله "وأدع" فإن المؤلف أنشده على لسان الكوفيين على أن الشاعر أراد "ولأدع" بلام الأمر وبجزم الفعل المضارع بحذف الواو والضمة قبلها دليل عليها، وهذا يدل على أن العرب لا ترى مانعا من أن تحذف الحرف الجازم للمضارع وتبقي عمله، على خلاف ما ذهب إليه البصريون من أن ذلك لا يجوز، وأما النحاة الذين رووا "وأدعوا" ومنهم سيبويه -فإنهم يستدلون بهذه العبارة على أن الفعل المضارع ينصب في جواب الأمر بعد الواو، كما انتصب المضارع المقترن بهذه الواو بعد النهي في قول أبي الأسود الدؤلي، ونسبه سيبويه "١/ ٤٢٤" إلى الأخطل: لا تنه عن عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم ومثل بيت الشاهد -في حذف لام الأمر وبقاء المضارع مجزوما بعد حذفه- قول الشاعر، وهو من شواهد ابن الناظم في شرح الألفية، وشرحه العيني "٤/ ٤٢٠". فلا تستطل مني بقائي ومدتي ولكن يكن للخير منك نصيب فإنه أراد: ولكن ليكن للخير منك نصيب، فحذف لام الأمر وأبقى المضارع -وهو "يكن"- مجزومًا كما كان واللام مقترنة به.
(٢) هذا البيت من شواهد سيبويه "١/ ٤٠٩" وأنشده ابن منظور "ب ع ض" وكلاهما نسبه لمتمم بن نويرة. والبعوضة: اسم مكان بعينه، كانت فيه موقعة قتل فيها جماعة من قومه. ومحل الاستشهاد في البيت قوله "أو يبك" وللعلماء في تخريج هذه الكلمة رأيان، الأول: أن "يبك" مجزوم بلام أمر محذوفة، وأصل الكلام "أو ليبك" فحذف لام الأمر وأبقى عملها، على نحو ما ذكرناه في شرح الشاهد السابق وبهذا يستدل الكوفيون على أن حذف حرف الجزم مع بقاء عمله واقع في كلام العرب، والتخريج الثاني: أن "يبك" مجزوم حملًا على معنى "فأخمشي" لأن فعل الأمر أصله فعل مضارع للمخاطب مجزوم بلام الطلب وكأنه قال "على مثل أصحاب البعوضة فلتخمشي وجهك أو يبك من بكى" والبصريون يرون هذا الوجه أقرب مأخذا وأيسر طريقا من الوجه الأول؛ لأنه يخلصهم من استشهاد الكوفيين بالبيت ويبقى لهم ما أصلوه من القاعدة التي تقول: إن حذف حروف الجزم وبقاء عملها وحذف حروف الجر وبقاء عملها لا يجوز؛ لأنها عوامل ضعيفة. ونظير هذا البيت ما أنشده سيبويه "١/ ٤٠٩" ونسبه لأحيحة بن الجلاح: فمن نال الغنى فليصطنعه صنيعته ويجهد كل جهد والاستشهاد به في قوله "ويجهد" فإنه جزمه بتقدير لام أمر، وأصل العبارة "وليجهد" فحذف اللام، وأبقى الفعل مجزوما كما كان واللام مقترنة بهن وسيبويه يقول "واعلم أن حروف الجزم لاتجزم إلا الأفعال، ولا يكون الجزم إلا في هذه الأفعال المضارعة =
[ ٢ / ٤٣٣ ]
أراد "لِيَبْكِ" وقال الآخر:
[٣٥٣]
من كان لا يزعم أني شاعر فيدن مني تَنْهَهُ المَزَاجِرُ
أراد "فليدن" فحذف اللام وأعملها في الفعل الجزم، وهذا كثير في أشعارهم، وإذا جاز أن يعمل حرف الجزم مع الحذف في هذه المواضع جاز أن يعمل ههنا مع الحذف لكثرة الاستعمال.
وكذلك أيضا منعكم إعمال سائر عوامل الأفعال مع الحذف لا يستقيم أيضا على أصلكم؛ فإنكم تذهبون إلى أن أن الخفيفة المصدرية تعمل مع الحذف بعد الفاء إذا كانت جوابا للستة الأشياء التي جوزتم فيها إعمال أن الخفيفة الشرطية مع الحذف، نحو: ايتني فآتيك، ولا تفعل يكون خيرا لك، واللهم ارزقني بعيرا فأحج عليه، وأين بيتك فأزورك، وألا ماء فأشربه، وألا تنزل فأكرمك، وكذلك تعملونها مع الحذف بعد الفاء في جواب النفي نحو: ما أنت صاحبي فأعطيك، وكذلك أيضا تعملونها مع الحذف بعد الواو نحو: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، وبعد "أو" نحو: لأشكونك أو تُعْتِبَنِي، وبعد لام كي نحو: جئتك لتكرمني، وبعد لام الجحود نحو: ما كنت لأفعل ذلك، وبعد حتى نحو: سرت حتى أدخلها، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] وإذا جاز لكم أن تعملوا أن الناصبة للفعل بعد هذه الأحرف مع الحذف وهي من عوامل الأفعال وإن الجازمة للفعل في المواضع التي بيّناها مع الحذف وهي من عوامل الأفعال جاز أن تعمل اللام الجازمة للفعل مع الحذف لكثرة الاستعمال وإن كانت من عوامل الأفعال.
_________________
(١) = للأسماء، كما أن الجر لا يكون إلا في الأسماء، والجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء، فليس للاسم في الجزم نصيب، وليس للفعل في الجر نصيب، فمن ثم لم يضمروا الجازم كما لم يضمروا الجار، وقد أضمره الشاعر، شبهه بإضمارهم رب وواو القسم في كلام بعضهم "ا. هـ كلامه.
(٢) هذان بيتان من مشطور الرجز، وقد أنشدهما ابن منظور "ز ج ر" ولم يعزهما، وتقول: دنا فلان من فلان يدنو، تريد قرب يقرب، وزجره: منعه، وأراد بالمزاجر الأسباب التي من شأنها أن تمنعه وتنهره وتنهاه. ومحل الاستشهاد من البيت قوله "فيدن مني" فإن أصله -فيما زعم الكوفيون ومن استشهد بهذا البيت- "فليدن مني" بلام أمر مقترنة بفعل مضارع مجزوم بحذف الواو والضمة قبلها دليل عليها، فحذف الراجز لام الأمر وأبقى الفعل المضارع على جزمه الذي كان عليه واللام مقترنة به. ورواية ابن منظور في البيت "فليدن مني تنهه" بلام الأمر، وقال بعد إنشاده "ويروى: من كان لا يزعم أني شاعر فيدن مني، أراد فليدن، فحذف اللام، وذلك أن الخبن في مثل هذا أخف على ألسنتهم، والإتمام عربي" ا. هـ.
[ ٢ / ٤٣٤ ]
قالوا: ولا يجوز أن يقال "إنَّ نَزَالِ مبنيّ لأنه قام مقام فعل الأمر، فلو لم يكن فعل الأمر مبنيًّا وإلا لما بني ما قام مقامه" لأنا نقول: إنما بني نزال لتضمنه معنى لام الأمر، ألا ترى أن نزال اسم انْزِلْ، وأصله لتنزل، فلما تضمن معنى اللام كتضمن أين معنى حرف الاستفهام، وكما أن أين بنيت لتضمنها معنى حرف الاستفهام؛ فكذلك بنيت نزال لتضمنها معنى اللام.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه مبني على السكون لأن الأصل في الأفعال أن تكون مبنية، والأصل في البناء أن يكون على السكون، وإنما أعرب ما أعرب من الأفعال أو بني منها على فتحة لمشابهة ما بالأسماء، ولا مشابهة بوجه ما بين فعل الأمر والأسماء؛ فكان باقيًا على أصله في البناء.
ومنهم من تمسك بأن قال: الدليل على أنه مبني أنا أجمعنا على أن ما كان على وزن فَعَالِ من أسماء الأفعال -كنزال، وتراك، ومناع، ونعاء، وحذار، ونظار- مبني؛ لأنه ناب عن فعل الأمر فنزال ناب عن انزل، وتراك ناب عن اترك، ومناع ناب عن امنع، ونعاء ناب عن انع، وحذار ناب عن احذر، ونظار ناب عن انظر، قال زهير:
[٣٥٤]
ولأنت أشجع من أسامة إذ دُعِيَتْ نَزَالِ وَلَجَّ في الذُّعْر
_________________
(١) هذا البيت من قصيدة لزهير بن أبي سلمى المزني "د ٨٨-٩٥" يمدح فيه هرم بن سنان المري، وانظر الشاهد رقم ٢٣٢ الذي مضى في المسألة ٥٤، وهو من شواهد سيبويه "٢/ ٣٧" وابن يعيش في شرح المفصل "ص٤٩٥ و٥١٤" ورضي الدين في باب أسماء الأفعال من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "٣/ ٦١" وأنشده ابن منظور "ن ز ل" معزوا إليه، وأسامة: علم جنسي على الأسد، ووقع في رواية سيبويه "ولنعم حشو الدرع أنت" يريد أنت شجاع مقدام إذا لبست الدرع فكنت حشوها واشتدت الحرب فتنادى الأبطال: نزال، وصار الناس من الذعر في مثل لجة البحر، و"نزال" اسم فعل أمر معناه انزل، ومن حقه ألا يقع في مواقع الإعراب، فلا يكون فاعلًا ولا نائب فاعل ولا مفعولا به ولا غير ذلك، وذلك بسبب أن الفعل وما كان اسمًا له لا ينبغي أن يقع هذه المواقع، إلا أنه قد يقصد لفظه على طريق الحكاية، وحينئذ يقع في مواقع الإعراب المختلفة، وقد وقع هذا اللفظ في هذا البيت نائب فاعل، وقد أنث له الفعل بالتاء ليدل على أنه مؤنث، ونظير ذلك ما ورد في قول زيد الخيل: وقد علمت سلامة أن سيفي كريه كلما دعيت نزال فقد وقع لفظ "نزال" نائب فاعل في هذا البيت وأنث له الفعل كما في البيت المستشهد به، وبني في كل من البيتين على الكسر لما سنذكره في شرح الشاهد الآتي:
[ ٢ / ٤٣٥ ]
أراد انْزِلْ، وأنثها لأنها بمنزلة النَّزْلة، وقال الآخر:
[٣٥٥]
عرضنا نزالِ فلم ينزلوا وكانت نزال عليهم أَطَمْ
وقال الآخر:
[٣٥٦]
فدعوا نزال فكنت أوَّل نازلٍ وعَلَامَ أَرْكَبُهُ إذا لم أَنْزِلِ
_________________
(١) هذا البيت من كلام جريبة الفقعسي، وقد أنشده ابن منظور "ن ز ل" وعزاه إليه، وقد فسرنا "نزال" في البيت السابق بما يغني عن الإعادة، و"أطم" أفعل تفضيل من قولهم "طم الأمر" أي تفاقم، وأصله قولهم "طم الماء طما وطموما" أي غمر، و"طم البحر" أي غلب سائر البحور، وقد وقع لفظ "نزال" في هذا البيت في موقعين من مواقع الإعراب، الأول: وقع فيه مفعولا به، وذلك قوله "عرضنا نزال" والثاني: وقع فيه اسمًا لكان، وذلك قوله "وكانت نزال" وذلك كله لأنه قصد اللفظ على ما بيناه في شرح الشاهد السابق، قال ابن السراج: اعلم أنه لا يبنى على مثال فعال من هذا الباب على الكسر إلا وهو مؤنث معرفة معدول عن جهته، وإنما بني على الكسر لأن الكسر مما يؤنث به، تقول للمرأة: أنت فعلت، وإنك فاعلة، وكان أصل هذا -إذا أردت به الأمر- السكون، فحركته لالتقاء الساكنين، وجعلت الحركة الكسرة للتأنيث، وذلك قولك: نزال، وتراك؛ ومعناه انزل واترك، فهما معدولان عن المتاركة والمنازلة، قال الشاعر تصديقًا لذلك: ولنعم حشو الدرع أنت إذا دعيت نزال، ولج في الذعر فقال "دعيت" لما ذكرت لك من التأنيث" ا. هـ كلامه.
(٢) هذا البيت من كلام ربيعة بن مقروم الضبي، وقد أنشده ابن منظور "ن ز ل" ثاني بيتين من غير عزو، وأولهما قوله: ولقد شهدت الخيل يوم طرادها بسليم أوظفة القوائم هيكل والأوظفة: جمع وظيف -بوزن رغيف وأرغفة- والوظيف: مستدق الذارع والساق من الخيل والإبل، والهيكل: الفرس الطويل علوًا عدولًا، وهو الضخم من كل الحيوان، وقال امرؤ القيس في معلقته: وقد أغتدي والطير في وكناتها بمنجرد قيد الأوابد هيكل قال ابن منظور في تفسير بيت ربيعة "وصف فرسه بحسن الطراد فقال: وعلام أركبه إذا لم أنازل الأبطال عليه؟ وكذلك قول الآخر: فلم أذخر الدهماء عند الإغارة إذا أنا لم أنزل إذا الخيل جالت؟ فهذا بمعنى المنازلة في الحرب والطراد لا غير، ويدل علي أن نزال في قوله "فدعوا نزال" بمعنى المنازلة دون النزول إلى الأرض قوله: وعلام أركبه إذا لم أنزل؟ أي لماذا أركبه إذا لم أقاتل عليه؟ أي في حين عدم قتالي عليه؟ وإذا جعلت نزال بمعنى النزول إلى الأرض صار المعنى: وعلام أركبه حين لم أنزل إلى الأرض؟ ومعلوم أنه حين لم ينزل هو راكب، فكأنه قال: وعلام أركبه في حين أنا راكب؟ "ا. هـ. ومحل الاستشهاد =
[ ٢ / ٤٣٦ ]
وقال الآخر:
[٣٥٧]
تَرَاكِهَا من إبل تَرَاكِهَا أما ترى الموت لدى أَوْرَاكِهَا
أراد "اتْرُكْهَا" وقال الآخر:
[٣٥٨]
مَنَاعِهَا من إبل مَنَاعِهَا أما ترى الموت لدى أرباعها
أراد "امنعها" وقال جرير:
[٣٥٩]
نَعَاءِ أبا ليلى لكل طِمِرَّةٍ وجَرْدَاءَ مثل القَوْسِ سَمحٌ حُجُولُهَا
_________________
(١) = بالبيت ههنا قوله "فدعوا نزال" حيث أوقع لفظ "نزال" في موقع المفعول به لأنه أراد هذا اللفظ ولو أراد المعنى لم يجز له أن يوقعه في شيء من مواقع الإعراب؛ لأن الفعل وما هو بمعناه لا يقع في شيء منها، وقد بينا لك ذلك في شرح الشواهد السابقة.
(٢) هذان بيتان من مشطور الرجز، وهما من شواهد سيبويه "٢/ ٣٧" وابن يعيش في شرح المفصل "ص٥١٥" ولم يعزهما واحد منهما إلى قائل معين، وقد أنشدهما ابن منظور "ت ر ك" وعزاهما إلى طفيل بن يزيد الحارثي، وتراك: اسم فاعل أمر بمعنى اترك، وهو مبني على الكسر لما ذكرنا في شرح الشاهد ٣٥٥، وفيه ضمير مستتر واجب الاستتار كما يكون في فعل الأمر، والضمير البارز المتصل في محل نصب به. ومحل الاستشهاد قوله "تراكها" حيث استعمل فعال المأخوذ من مصدر الفعل الثلاثي المتصرف اسم فعل أمر، وبناه على الكسر، على ما بيناه في شرح الشواهد السابقة.
(٣) هذان بيتان من الرجز المشطور، وهما من شواهد سبيوبه "٢/ ٣٦" وابن يعيش في شرح مفصل الزمخشري "ص٥١٥" ولم يعزهما واحد منهما لقائل معين، ومناع: اسم فعل أمر بمعنى امنع، والأرباع: جمع ربع، وهو المنزل والدار بعينها، والوطن متى كان وبأي مكان كان، ويجمع أيضا على أربع ورباع وربوع. ومحل الاستشهاد به قوله "منعها" حيث استعمل فعال المأخوذ من مصدر الفعل الثلاثي المتصرف اسم فعل أمر، وبناه على الكسر، على نحو ما بيناه في شرح الشواهد السابقة.
(٤) هذا البيت من شواهد سيبويه "٢/ ٣٧" ونسبه إلى جرير بن عطية، ووافق الأعلم على هذه النسبة، ولكني لم أجده في ديوان جرير، ونعاء: اسم فعل أمر معناه انع، أي اذكر خبر موته والفجيعة فيه، والطمرة -بكسر الطاء والميم جميعا، وتشديد الراء مفتوحة- الخفيفة السريعة من الخيل، والجرداء: القصيرة الشعر، وهذان من الأوصاف التي توصف بها عتاق الخيل، وشبهها بالقوس لانطوائها من الهزال، يريد أنه كان يجهدها في الحرب والإغارات حتى هزلت، وقوله "سمح حجولها" الحجل: القيد، يريد أنها مذللة خاضعة للتقييد، ومحل الاستشهاد بهذا البيت قوله "نعاء أبا ليلى" حيث استعمل فيه اسم الفعل المأخوذ من مصدر الفعل الثلاثي المتصرف -وهو نعى- وجاء به على وزن فعال، وبناه على الكسر، وقد أضمر فيه فاعله كما يضمر في فعل الأمر الذي بمعناه، ونصب به المفعول -وهو قول "أبا ليلى"- لأن فعل الأمر الذي هو بمعناه يصل إلى المفعول به =
[ ٢ / ٤٣٧ ]
أراد "انْعَ" وقال الآخر:
[٣٦٠]
نعاءِ ابن ليلى للسَّماحة والنَّدَى وأيدي شمال باردات الأنامل
[٣٦١]
نعاءِ جُذَامًا غير موت ولا قتل ولكن فِرَاقًا للدَّعَائِمِ والأَصْل
أراد "انْعَ جُذَامًا" وقال الآخر، وهو أبو النجم:
[٣٦٢]
حَذَارِ من أرماحنا حَذَارِ
_________________
(١) = بنفسه، والمؤلف يريد أن يستدل بهذا ونحوه على أن الأسماء التي على وزن فعال الدالة على الأمر مبنية على الكسر في لسان العرب، وقد بينا علة ذلك في شرح الشواهد السابقة.
(٢) هذا البيت من شواهد سيبويه "٢/ ٣٧" ولم يعزه، ولا عزاه الأعلم الشنتمري في شرح شواهده، ونعاء: أي انع، أي اذكر خبر موته والفجيعة فيه، والسماحة: الجود، والندى: الكرم، وقوله "وأيدي شمال باردات الأنامل" أحسن ما يحمل عليه هذا الكلام أن تكون الواو للحال، وأيدي شمال: مبتدأ، وباردات الأنامل: خبره، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب حال، أي اذكر خبر موت ابن ليلى للجود والكرم في حال كون أيدي الشمال باردات الأنامل، أي ليكن ذكرك إياه عند برد ريح الشمال لأنه هو الذي كان يغيث من هذا البرد، وخص الشمال لأنها أبرد الرياح، ولأنها هي التي يأتي معها القحط والجدب؛ فعندها تظهر حاجة المحتاجين الذين كان يقوم عليهم، وخص الأنامل -وهي أطراف الأصابع- لأن البرد يسرع إليها. والاستشهاد بهذا البيت في قوله "نعاء ابن ليلى" والكلام فيه كالكلام فيما قبله.
(٣) هذا البيت للكميت بن زيد كما قال المؤلف، وهو شواهد ابن يعيش في شرح المفصل "ص٥١٥" وقد أنشده ابن منظور "ن ع ا" وكلاهما نسبه إلى الكميت. ونعاءك معناه انع، والأصل فيه ذكر خبر موته والفجيعة فيه، وكانوا في جاهليتهم إذا مات منهم ميت له خطر وقدر ركب راكب وجعل يسير في الناس ويرد عليهم محلاتهم وهو يقول "نعاء فلانا" أي أظهر خبر وفاته، وقد نهى النبي ﷺ عما كان أهل الجاهلية يصنعونه، والدعائم: جمع دعامة، وأصله أن يميل شيء فتدعمه بخشبة ونحوها لتقيمه، وسموا سيد القوم دعامة، من ذلك، لأنه الذي يقيم ما اعوج من أمورهم. يقول: انع هؤلاء القوم واذكر الفجيعة فيهم، ولكن لا تذكر ذلك لأنهم ماتوا أو قتلوا، ولكن لأنهم فارقوا سادتهم وأهل الخطر منهم فتبدد أمرهم وانصدع شملهم. ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "نعاء جذاما" حيث استعمل فيه اسم فعل أمر مأخوذًا من مصدر الفعل الثلاثي المتصرف، وبناه على الكسر، والكلام فيه كالكلام فيما مضى من الشواهد.
(٤) هذا البيت من شواهد سيبويه "٢/ ٣٧" وقد نسبه إلى أبي النجم الفضل بن قدامة العجلي، وقد أنشده ابن منظور "ح ذ ر" وأنشد بعده: أو تجعلوا دونكم وبار
[ ٢ / ٤٣٨ ]
أراد "احْذَرْ" وقال رؤبة:
[٣٦٣]
نَظَارِ كي أركبها نَظَارِ
أراد "انْظُرْ" فلو لم يكن فعل الأمر مبنيًّا وإلا لما بني ما ناب مَنَابَهُ، وما ذكره الكوفيون على هذا فسنذكر فساده في الجواب عن كلماتهم في موضعه إن شاء الله تعالى.
أما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إن الأصل في افعل لتفعل" قلنا: لا نسلم، قولهم "كما قالوا للغائب: ليفعل" قلنا: فكان يجب أن لا يجوز حذف اللام منه، كما لا يجوز في الغائب، قولهم "إنما حذفت في الأمر للمواجهة لكثرة الاستعمال" قلنا: هذا فساد؛ لأنه لو كان الأمر كما زعمتم لوجب أن يختص الحذف بما يكثر استعماله دون ما يقل استعماله- نحو: احْرَنْجَمَ واعْرَنْزَمَ، واعْلَوَّطَ، واخْرَوَّطَ، واسْبَطَرَّ، واسْبَكَرَّ- وما أشبه ذلك من الأفعال؛ لأن الحذف لكثر الاستعمال إنما يختص بما يكثر في الاستعمال، ألا ترى أنهم قالوا في "لم يكن": لم يَكُ؛ فحذف النون لكثرة الاستعمال، ولم يقولوا في "لم يَصُنْ": لم يَصُ، ولا في "لم يَهُنْ": لم يَهُ، لأنه لم يكثر استعماله، وقالوا في "لم أُبَالِ": لم
_________________
(١) = ونسبهما إليه، وحذار: اسم فعل أمر معناه احذر، واشتقاقه من الحذر، ووبار: أرض كانت من مساكن عاد بين اليمن ورمل يبرين، فلما أهلك الله عادًا صارت خرابًا لا يتقاربها أحد من الناس، ومحل الاستشهاد بالبيت قوله "حذار" وهو اسم لفعل الأمر وواقع موقعه، وكان حقه السكون لأن فعل الأمر مبني على السكون، إلا أنه حرك للتخلص من التقاء الساكنين، وخص بالكسر لأنه اسم مؤنث والكسرة والياء مما يخص به المؤنث نحو قولك "أنت تذهبين" كسرة التاء في "أنت" دالة على المؤنث والياء في "تذهبين" دالة على المؤنث، وربما نونه بعضهم كما في قول الشاعر: حذار حذار من فوارس دارم أبا خالد من قبل أن تتندما فنوّن "حذار" الثانية ولم يكن ينبغي له ذلك، غير أنه اضطر إلى ذلك ليتم به الوزن.
(٢) هذا البيت من كلام رؤبة بن العجاج، وهو من شواهد سيبويه "٢/ ٣٧" ونسبه إلى رؤبة، ووافق الأعلم على هذه النسبة. ونظار: اسم فعل أمر بمعنى انظر، أي انتظر، تقول: نظرته أنظره -من مثال نصرته أنصره- وانتظرته أنتظره، وأنظرته أنظره، كله بمعنى واحد، وقرئ في قوله تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] بقطع الهمزة على أنه من مثال أكرم وبوصل الهمزة على أنه ثلاثي من باب نصر، وقيل في التفسير: إن المعنى على القراءتين انتظرونا، وقال عمرو بن كلثوم: أبا هند فلا تعجل علينا وأنظرنا نخبرك اليقينا ومحل الاستشهاد من البيت قوله "نظار" فإنه اسم فعل أمر مبني على الكسر، والقول فيه كالقول فيما سبق من الشواهد، والعلة كالعلة.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
أَبَلْ؛ فحذفوا الكسرة لكثرة الاستعمال، ولم يقولوا في "لم أوَالِ": لم أوَلْ، ولا في "لم أَعَالِ": لم أَعَلْ؛ لأنه لم يكثر استعماله، وكذلك قالوا في أي شيء": أيْشٍ -بالشين معجمة- لكثرة استعماله، ولم يقولوا في "أي سَيء": أيس -بالسين غير معجمة- لقلة استعماله، وقالوا "عِمْ صباحًا" في أنعم صباحا؛ لكثرته، ولم يقولوا "عمِ ْبَالًا" في انعم بالًا؛ لقلته، وقالوا "وَيْلُمِّهِ" في: ويل أمِّهِ، ولم يقولوا في "ويلخته" في ويل أخته؛ لقلته، فلما حذفت اللام وحرف المضارعة في محل الخلاف من جميع الأفعال التي تكثر في الاستعمال والتي تقل في الاستعمال دلَّ على أن ما ادَّعَوْهُ من التعليل ليس عليه تعويل، ثم لو قدرنا أن الأصل فيه ما صرتم إليه إلا أنه قد تضمن معنى لام الأمر، فإذا تضمن معنى لام الأمر فقد تضمن معنى الحرف، وإذا تضم معنى الحرف وجب أن يكون مبنيًّا. ثم نقول إن علة وجود الإعراب في الفعل المضارع وجود حرف المضارعة، فما دام حرف المضارعة ثابتا كانت العلة ثابتة، ومادامت العلة ثابتة سليمة عن المضارعة كان حكمها ثابتًا؛ ولهذا كان قوله تعالى: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ١٠] معربًا، وقوله صلوات الله عليه "ولتزُرَّهُ" و"لتأخُذُوا" و"لتقومُوا" وما أشبهه معربًا لوجود حرف المضارعة، ولا خلاف في حذف حرف المضارعة في محل الخلاف، وإذا حذف حرف المضارعة -وهو علة وجود الإعراب فيه- فقد زالت العلة؛ فإذا زالت العلة زال حكمها، فوجب أن لا يكون فعل الأمر معربًا.
وأما قولهم "إن فعل النهي معرب مجزوم، فكذلك فعل الأمر؛ لأنهم يحملون الشيء على ضده كما يحملونه على نظيره" قلنا: حمل فعل الأمر على فعل النهي في الإعراب غير مناسب؛ فإن فعل النهي في أوله حرف المضارعة الذي أوجب للفعل المشابَهَةَ بالاسم، فاستحق الإعراب، فكان معربًا وأما فعل الأمر فليس في أوله حرف المضارعة الذي يوجب للفعل المشابهة بالاسم؛ فيستحق أن لا يعرب؛ فكان باقيًا على أصله في البناء.
والذي يدل على ذلك أن لام التأكيد التي تدخل على الفعل المضارع في نحو "إن زيدا ليقوم" كما تقول "إن زيدا لقائم" لا يجوز دخولها على فعل الأمر، كما لا يصح دخولها على الفعل الماضي، وإن كان الماضي أقوى من فعل الأمر بدلالة الوصف به، والشرط به، وبنائه على حركة تشبه حركة الإعراب [و] بدليل أنه لا يلحق آخره هاء السكت، كما لا يلحق آخر الاسم المعرب، وإذا كان الماضي لا تدخله هذه اللام مع وجود شبه ما بالأسماء فلأن لا تدخل هذه اللام فعل الأمر مع عدم شبهٍ ما بالأسماء كان ذلك من طريق الأولى، وإذا ثبت أنها لا تدخله دلَّ على أنه لا مشابهة بينه وبين الاسم، وإذا لم يكن بينه وبين الاسم مشابهة كان مبنيًّا على أصله.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
وأما قولهم: "إنك تحذف الواو والياء والإلف من نحو: اغز، وارم، واخش، ما تحذفها من نحو: لم يغز، ولم يرم، ولم يخش" قلنا: إنما حذفت هذه الأحرف التي هي الواو والياء والألف للبناء، لا للإعراب والجزم، حملًا للفعل المعتل على الصحيح، وذلك أنه لما استوى الفعل المجزوم الصحيح وفعل الأمر الصحيح، كقولك "لم يفعل وافعل يا فتى" وإن كان أحدهما مجزومًا والآخر ساكنًا سوِّيَ بينهما في الفعل المعتل، وإنما وجب حذفها في الجزم لأن هذه الأحرف التي هي الواو والياء والألف جرت مجرى الحركات لأنها تشبهها، وهي مركبة منها في قول بعض النحويين، والحركات مأخوذة منها في قول آخرين، وعلى كلا القولين فقد وجدت المشابهة بينهما، وكما أن الحركات تحذف للجزم، فكذلك هذه الأحرف، فلما وجب حذف هذه الأحرف في المعتل للجزم، فكذلك يجب حذفها من المعتل للبناء؛ حملًا للمعتل على الصحيح؛ لأن الصحيح هو الأصل، والمعتل فرع عليه؛ فحذف حملًا للفرع على الأصل.
والذي يدل على صحة ما ذكرناه وأنه ليس مجزومًا بلام مقدرة أن حرف الجر لا يعمل مع الحذف، فحرف الجزم أولى.
قولهم "إنكم تذهبون إلى أن رب تعمل الخفض مع الحذف بعد الواو والفاء وبل" قلنا: إنما جاز ذلك لأن فيما بقي من هذه الأحرف دليلًا على ما ألقي وبيانًا عنه، فلما كانت هذه الأحرف دليلًا عليه وبيانا عنه جاز حذفه؛ لأن المحذوف بهذه المثابة في حكم الثابت، بخلاف حرف الجزم؛ فإنه حذف وليس في اللفظ حرف يدل عليه ولا يبين عنه، فبان الفرق بينهما.
وأما قولهم "إنكم تذهبون إلى أن حرف الشرط يعمل مع الحذف في ستة مواضع، وهي الأمر والنهي والدعاء والاستفهام والتمني والعرض" قلنا: الجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أنا لا نسلم حذف حرف الشرط في هذه المواضع، ولا أن الفعل مجزوم بتقدير حرف الشرط، وإنما هو مجزوم لأنه جواب لهذه الأشياء التي هي الأمر والنهي والدعاء والاستفهام والتمني والعرض، وهذا الوجه ذكره بعض النحويين، وليس بصحيح؛ لأنك لو حملت الكلام على ظاهره من غير تقدير حرف الشرط لكان ذلك يؤدي إلى محال، ألا ترى أنك إذا قلت: "ايتني آتك" كان الأمر بالإتيان موجبًا للإتيان، وإذا قلت: "لا تفعل يكن خيرًا" كان النهي عن الفعل موجبًا للخير، وإذا قلت: "اللهم ارزقني بعيرا أحجَّ عليه" كان الدعاء بالرزق موجبًا للحج، وإذا قلت: "أين بيتك أزرْك" كان الاستفهام عن بيته موجبًا للزيارة، وإذا قلت: "ألا
[ ٢ / ٤٤١ ]
ماء أشربْه" كان التمني للماء موجبًا للشرب، وإذا قلت "ألا تنزل عندنا أكرمْك" كان العرض موجبًا للكرامة، وذلك محال؛ لأن الأمر بالإتيان لا يكون موجبًا للإتيان وإنما يوجبه الإتيان؛ والنهي عن الفعل لا يكون موجبًا للخير، وإنما يوجبه الانتهاء، والدعاء بالرزق لا يكون موجبًا للحج، وإنما يوجبه الرزق، والاستفهام عن بيته لا يكون موجبًا للزيارة، وإنما يوجبه التعريف، والتمني للماء لا يكون موجبًا للشرب، وإنما يوجبه وجوده، والعرض بالنزول لا يكون موجبًا للكرامة، وإنما يوجبه النزول؛ فدل على أن حرف الشرط فيها كلها مقدر، وأن التقدير: ايتني فإنك إن تأتني آتك، ولا تفعل فإنك إن لا تفعل يكن خيرًا لك، واللهم ارزقني بعيرًا فإنك إن ترزقني بعيرًا أحج عليه، وأين بيتك فإنك إن تعرِّفْنِي بيتك أزرك، وألا ماء فإن يك ماء أشربه، وألا تنزل فإنك إن تنزل أكرمك؛ فدلّ على أن هذا الوجه الذي ذكره بعضهم عن تعري الكلام عن تقدير حرف الشرط ليس بصحيح.
والوجه الثاني: وهو الصحيح -أنا نسلم تقدير حرف الشرط، وأنه حذف، وإنما حذف لدلالة هذه الأشياء عليه، فصار في حكم ثابت على ما بيَّنَّا في حذف رُبَّ.
وأما قولهم "إن إعمال حرف الجزم مع حذف الحرف قد جاء كثيرًا، وأنشدوا الأبيات التي رووها" فنقول: أما قوله:
[٣٥٠]
محمد تَفْدِ نفسك كُلُّ نفس إذا ما خفت من أمر تَبَالَا
فقد أنكره أبو العباس محمد بن يزيد المُبَرِّد، ولئن سلمنا صحته -وهو الصحيح- فنقول: قوله "تفد نفسك" ليس مجزومًا بلام مقدرة، وليس الأصل فيه لتفد نفسك، وإنما الأصل: تفدي نفسك، من غير تقدير لام، وهو خبر يراد به الدعاء، كقولهم: غفر الله لك، ويرحمك الله، وإنما حذف الياء لضرورة الشعر اجتزاء بالكسرة عن الياء، كما قال الأعشى:
[٢٤٧]
وأخو الغَوَانِ متى يشأ يَصْرِمْنَهَ ويَصِرْنَ أعداء بُعَيْدَ وِدَادِ
أراد "الغواني" فاجتزأ بالكسرة عن الياء، وقال الآخر:
[٣٦٤]
فما وَجَدَ النَّهْدِيُّ وَجْدًا وَجَدْتُهُ ولا وَجَدَ العُذْرِيُّ قبل جَمِيلُ
_________________
(١) النهدي: المنسوب إلى نهد -بفتح النون وسكون الهاء- وهي قبيلة من قبائل اليمن يرجع نسبها إلى قضاعة، فهي نهد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، والعذري: المنسوب إلى عذرة -بضم العين وسكون الذال المعجمة- وهي قبيلة عظيمة =
[ ٢ / ٤٤٢ ]
أراد "قَبْلِي" وقال الآخر:
[٣٦٥]
وطِرْتُ بِمُنْصُلِي في يَعْمَلَاتِ دوامي الأيدِ يَخْبِطْنَ السَّرِيحَا
أراد "الأيدي". وقال خُفَافُ بن نَدْبَةَ السلمي:
[٣٦٦]
كنواحِ ريش حمامة نجدية ومسحت باللثتين عَصْفَ الإِثْمِدِ
أراد "كنواحي" فاجتزأ بالكسرة عن الياء كما يجتزئون بالضمة عن الواو وبالفتحة عن الألف، فاجتزاؤهم بالضمة عن الواو كقولهم في قاموا "قامُ" وفي كانوا "كانُ" قال الشاعر:
[٢٤٥]
فلو أن الأطِبَّاء كانُ حَوْلِي وكانَ مع الأطباء الأَسَاةُ
إذا ما أذهبوا ألمًا بقلبي وإن قيل: الأطِبَّاء الشّفَاةُ
أراد "كانوا" فاجتزأ بالضمة عن الواو.
_________________
(١) = من قبائل العرب يرجع نسبها إلى قضاعة أيضا، فهي: عذرة بن سعد بن هذيم بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، ومن بني عذرة جميل بن عبد الله بن معمر صاحب بثينة، ومنهم أيضا عروة بن حزام بن مالك صاحب عفراء، ومنهم مجنون بني عامر صاحب ليلى، والاستشهاد في هذا البيت بقوله "قبل" فإنه يروى بكسر اللام وأصله "قبلي" فحذف ياء المتكلم مكتفيًا بالكسرة التي قبلها للدلالة عليها، ولو أنه قال "قبل" بضم اللام على حذف المضاف إليه ونيّة معناه لاستقام له الوزن وسلم من كل شيء، فقد كان متمكنًا من أن يأتي بالبيت على وجه لا ضرورة فيه، وذلك يدل على أن حذف حرف العلة لدلالة الحركة عليه أمر هين عندهم لا يرون به بأسا، وانظر الشواهد ٢٤٥-٢٥٤ التي مضت في المسألة ٥٦ ثم انظر الشاهد ٢٧٤ والشاهد ٢٨٣ في المسألة ٦٢.
(٢) هذا البيت من شواهد سيبويه "١/ ٩" ولم يعزه ولا عزاه الأعلم إلى قائل معين، والمنصل -بضم الميم والصاد بينها نون ساكنة- السيف، واليعملات: جمع يعملة، وهي الناقة القوية على العمل، وقوله "دوامي الأيد" إشارة إلى أنه كان في سفر وأن نوقه قد حفين لإدمان السير ودميت أخفافهن، والسريح: جلود أو خرق تشد على أخفاق الناقة، وصف أنه عقر نوقه بسيفه للأضياف مع شدة حاجته إليهن لكونه مسافرًا، والاستشهاد بالبيت في قوله "دوامي الأيد" حيث حذف الياء اكتفاء بالكسرة قبلها، وأصله "دوامي الأيدي".
(٣) هذا البيت من شواهد سيبويه أيضا "١/ ٩" ونسبه إلى خفاف بن ندبة السلمي -وصف الشاعر شفتيّ امرأة فشبهها بنواحي ريش الحمامة في رقتهما ولطافتهما، وأراد أن لثاتها تضرب إلى السمرة فكأنها مسحت بالإثمد، وعصف الإثمد: ما سحق منه، وخص الحمامة النجدية لأنه يريد الحمام الورق وهي تألف الجبال، ولا تألف الفيافي والسهول، والنجدية: المنسوبة إلى النجد، وهو ما ارتفع من الأرض، والاستشهاد بالبيت في قوله "كنواح" فإنه أراد أن يقول: كنواحي ريش حمامة" فلم يتهيأ له أن يقيم وزن البيت مع الياء فحذفها اكتفاء بالكسرة التي قبلها للدلالة عليها.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
واجتزاؤهم بالفتحة عن الألف نحو ما أنشدوا:
[٢٤٥]
فلست بمدركٍ ما فاتَ منِّي بِلَهْفٍ ولا بِلَيْتَ ولا لَوَانِّي
أراد "بلهفًا" فاجتزأ بالفتحة عن الألف، كما قال رؤبة:
[٢٨٣]
وصَّانِي العجاج فيما وَصَّنِي
أراد "فيما وصاني" فاجتزأ بالفتحة عن الألف.
واجتزاؤهم بهذه الحركات عن هذه الأحرف كثير في كلامهم، والشواهد على ذلك أكثر من أن تُحْصَى.
ثم لو صح أن التقدير فيه "لتفد" كما زعمتم فنقول: إنما حذف اللام لضرورة الشعر. وما حذف للضرورة لا يجعل أصلًا يقاس عليه.
وأما قوله.
[٣٥١]
فقلت ادْعِي وأَدْعُ فإنَّ أندى
فإنه قد روي:
[٣٥١]
ادعي وأَدْعُو إنَّ أندى
بإثبات الواو في "أدعو" وحذف الفاء من "إن" فلا يكون فيه حجة، ولئن صح ما رووه فهو محمول على ضرورة الشعر كما بينا في البيت الأول، وهو الجواب عن قول الآخر:
[٣٥٢]
أو يَبْكِ من بَكَى
وعن قول الآخر:
[٣٥٣]
فيدن مني تَنْهَهُ المَزَاجِرُ
والذي يدل على أن ذلك مما يختص بالشعر أن أبا عثمان المازني قال: جلست في حلقة الفراء فسمعته يقول لأصحابه: لا يجوز حذف لام الأمر إلا في شعر، وأنشد:
[٣٥٣]
من كان لا يزعم أني شاعر
فَيَدْنُ مني تَنْهَهُ المَزَاجِرُ
فقلت له: لم جاز في الشعر ولم يجز في الكلام؟ فقال: لأن الشعر يضطر فيه الشاعر فيحذف؛ فدل على أن هذا الحذف إنما يكون في الشعر لا في اختيار الكلام، بالإجماع.
وأما ما رووه عن رؤبة من قوله: "خيرٍ" فلا خلاف أنه من الشاذ النادر الذي لا يعرَّجُ عليه، ولهذا أجمع النحويون قاطبة على أنه لا يجوز في جواب من قال: "أين تذهب" أن يقال: زيدٍ، على تقدير إلى زيد، وفي امتناع ذلك
[ ٢ / ٤٤٤ ]
بالإجماع دليل على أنه من النادر الذي لا يلتفت إليه ولا يقاس عليه.
وأما قولهم "إنكم تذهبون إلى أن "أن" الخفيفة المصدرية تعمل مع الحذف بعد الفاء والواو وأو ولام كي ولام الجحود وحتى، وإذا جاز لكم أن تعملوها مع الحذف وهي من عوامل الأفعال كذلك يجوز لنا أن نُعْمِلَ اللام مع الحذف وهي من عوامل الأفعال" قلنا: الجواب عن هذا من وجهين.
أحدهما: إنما جاز حذفها لأن هذه الأحرف دالة عليها، فصارت في حكم ما لم يحذف، على ما بينا في حذف رب وحرف الشرط، بخلاف لام الأمر، فبان الفرق بينهما.
والوجه الثاني: أنه لو كانت اللام الجازمة للفعل محذوفة كما تحذف أن لكان يجب أن يُلْقَى حرف المضارعة فيقال "تفعل" في معنى لتفعل، كما بقي حرف المضارعة مع حذف أن بعد الفاء والواو وأو ولام الجحود ولام كي وحتى، فلما حذف ههنا حرف المضارعة فقيل "افعل" دل على أن ما ذهبوا إليه قياس باطل لا أصل له ولا حاصل.
والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه أن ما كان على وزن فعال من أسماء الأفعال نحو نزال مبنيّ لقيامه مقام فعل الأمر، فلو لم يكن فعل الأمر مبنيا وإلا لما بني ما قام مقامه.
قولهم "إنما بني ما كان على فعال من أسماء الأفعال لتضمنه معنى لام الأمر، لأن نزال اسم انزل وأصله لتنزل" قلنا: هذا بناء منكم على أن فعل الأمر مقتطع من الفعل المضارع، وقد بينا فساده بما يغني عن الإعادة، ودللنا على أن فعل الأمر صيغة مُرْتَجَلَةٌ قائمة بنفسها باقية في البناء علي أصلها؛ فوجب أن يكون هذا الاسم مبنيًّا لقيامه مقامه على ما بينا، والله أعلم.
[ ٢ / ٤٤٥ ]
٧٣- مسألة: [القول في علة إعراب الفعل المضارع] ١
أجمع الكوفيون والبصريون على أن الأفعال المضارعة معربة، واختلفوا في علة إعرابها؛ فذهب الكوفيون إلى أنه إنما أعربت لأنه دخلها المعاني المختلفة والأوقات الطويلة. وذهب البصريون إلى أنها إنما أعربت لثلاثة أوجه؛ أحدها٢ أن الفعل المضارع يكون شائعًا فيتخصص، كما أن الاسم يكون شائعًا فيتخصص، ألا ترى أنك تقول "يذهب" فيصلح للحال والاستقبال، فاختص بعد شياعه، كما أن الاسم يختص بعد شياعه، كما تقول "رجل" فإذا قلت "سوف يذهب" اختص بالاستقبال، فاختص بعد شياعه، كما أن الاسم يختص بعد شياعه، كما تقول "رجل" فيصلح لجميع الرجال، فإذا قلت "الرجل" اختص بعد شياعه، فلما اختص هذا الفعل بعد شياعه كما أن الاسم يختص بعد شياعه فقد شابهه من هذا الوجه، والوجه الثاني: أنه تدخل عليه لام الابتداء تقول: "إن زيدا ليقوم" كما تقول "إن زيدا لقائم" فلما دخلت عليه لام الابتداء كما تدخل على الاسم دلَّ على مشابهة بينهما، ألا ترى أنه لا يجوز أن تدخل هذه اللام على الفعل الماضي ولا على فعل الأمر! ألا ترى أنك لا تقول: "إن زيدا لقام" ولا "إن زيدا لاضْرِبْ عمرًا" وما أشبه ذلك؛ لعدم المشابهة بينهما وبين الاسم.
والوجه الثالث: أنه يجري على اسم الفاعل في حركته وسكونه، ألا ترى أن قولك "يضرب" على وزن "ضارب" في حركته وسكونه، فلما أشبه هذا الفعل الاسم من هذه الأوجه وجب أن يكون معربًا كما أن الاسم معرب.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: قولهم: "إنما أعربت لأنها دخلها المعاني
_________________
(١) ١ انظر في هذه المسألة: أسرار العربية للمؤلف "ص١٢٦" وشرح ابن يعيش على المفصل "ص٩٢٢" وشرح الأشموني مع حاشية الصبان "١/ ٦٤ و٣/ ٢٣٤ بولاق" وتوضيح الشيخ خالد الأزهري "١/ ٦٦ و٢/ ٢٨٩". ٢ العلة في إعراب المضارع عند البصريين هي مشابهته للاسم، وهذه الوجوه التي ذكرها المؤلف هي بعض وجوه مشابهة الفعل المضارع للاسم.
[ ٢ / ٤٤٦ ]
المختلفة والأوقات الطويلة قلنا: قولكم يدخلها المعاني المختلفة يبطل بالحروف؛ فإنها تدخلها المعاني المختلفة، ألا ترى أن "ألا" تصلح للاستفهام والعرض والتمني، و"مِنْ" تجيء لمعانٍ مختلفة من ابتداء الغاية والتبعيض والتبيين والزيادة للتوكيد، إلى غير ذلك من الحروف، ولا خلاف بين النحويين أنه لا يعرب منها شيء وقولكم "والأوقات الطويلة" تبطل بالفعل الماضي؛ فإنه كان ينبغي أن يكون معربًا؛ لأنه أطول من المستقبل؛ لأن المستقبل يصير ماضيًا، والماضي لا يصير مستقبلًا، فإذا كان الماضي الذي هو الأطول مبنيًّا؛ فكيف [يجوز أن] يكون المستقبل الذي هو دونه معربًا؟ فلو كان طول الزمان يوجب الإعراب لوجب أن يكون الماضي معربًا، فلما لم يعرب دلَّ على أن هذا تعليل ليس عليه تعويل، والله أعلم.
[ ٢ / ٤٤٧ ]
٧٤- مسألة: [القول في رفع الفعل المضارع] ١
اختلف مذهب الكوفيين في رفع الفعل المضارع نحو "يقوم زيد، ويذهب عمرو" فذهب الأكثرون إلى أنه يرتفع لتعريه من العوامل الناصبة والجازمة، وذهب الكسائي إلى أنه يرتفع بالزائد في أوله، وذهب البصريون إلى أنه يرتفع لقيامه مقام الاسم.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن هذا الفعل تدخل عليه النواصب والجوازم، فالنواصب نحو: أن، ولن، وإذن، وكي، وما أشبه ذلك، والجوازم نحو: لم، ولما، ولام الأمر، ولا في النهي، وإن في الشرط، وما أشبه ذلك، فإذا دخلت عليه هذه النواصب دخله النصب، نحو "أريد أن تقوم، ولن يقوم، وإذن أكرمك، وكي تفعل ذلك"، وما أشبه ذلك، وإذا دخلت عليه هذه الجوازم دخله الجزم، نحو "لم يقم زيد، ولما يذهب عمرو، ولينطلق بكر، ولا يفعل بشر، وإن تفعل أفعل" وما أشبه ذلك، وإذا لم تدخله هذه النواصب أو الجوازم يكون رفعًا، فعلمنا أن بدخولها دخل النصب أو الجزم، وبسقوطها عنه دخله الرفع.
قالوا: ولا يجوز أن يقال: "إنه مرفوع لقيامه مقام الاسم" لأنه لو كان مرفوعًا لقيامه مقام الاسم لكان ينبغي أن ينصب إذا كان الاسم منصوبًا كقولك: "كان زيد يقوم" لأنه قد حلّ محلّ الاسم إذا كان منصوبًا وهو "قائمًا" ثم كيف يأتيه الرفع لقيامه مقام الاسم والاسم يكون مرفوعًا ومنصوبًا ومخفوضًا؟ ولو كان كذلك لوجب أن يعرب بإعراب الاسم في الرفع والنصب والخفض، يدل عليه٢ أنا وجدنا نصبه وجزمه بناصب وجازم لا يدخلان على الاسم؛ فعلمنا أنه يرتفع من
_________________
(١) ١ انظر في هذه المسألة: شرح الأشموني بحاشية الصبان "٣/ ٢٣٤ بولاق" وتوضيح الشيخ خالد الأزهري "٢/ ٢٨٩ بولاق". ٢ في ر "يدل عليه وهو أنا وجدنا" وكلمة "وهو" مقحمة.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
حيث لا يرتفع الاسم مثل الحالين في النصب والجزم، فدلَّ على ما قلنا.
والذي يدل على أنه لا يرتفع لقيامه مقام الاسم أنه لو كان مرفوعًا لقيامه مقام الاسم لكان ينبغي أن لا يرتفع في قولهم "كاد زيد يقوم" لأنه لا يجوز أن يقال: كاد زيد قائمًا، فلما وجب رفعه بالإجماع دلَّ على صحة ما قلناه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه مرفوع لقيامه مقام الاسم، وذلك من وجهين:
أحدهما: أن قيامه مقام الاسم عامل معنوي؛ فأشبه الابتداء، والابتداء يوجب الرفع، فكذلك ما أشبهه.
والوجه الثاني: أنه بقيامه مقام الاسم قد وقع في أقوى أحواله، فلما وقع في أقوى أحواله وجب أن يعطى أقوى الإعراب، وأقوى الإعراب الرفع؛ فلهذا كان مرفوعًا لقيامه مقام الاسم.
ولا يلزم على كلامنا الفعل الماضي؛ فإنه يقوم مقام الاسم، ومع هذا فلا يجوز أن يكون مرفوعًا؛ لأنه إنما لم يكن قيام الفعل الماضي مقام الاسم موجبًا لرفعه، وذلك لأن الفعل الماضي ما استحق أن يكون معربًا بنوع ما من الإعراب؛ فصار قيامه مقام الاسم بمنزلة عدمه في وجوب الرفع؛ لأن الرفع نوع من الإعراب، وإذا لم يكن يستحق أن يعرب بشيء من الإعراب استحال أن يكون مرفوعًا؛ لأنه نوع منه، بخلاف الفعل المضارع؛ فإنه استحق جملة الإعراب بالمشابهة التي بيناها، فكان قيامه مقام الاسم موجبا له الرفعَ؛ وصار هذا بمنزلة السيف؛ فإنه يقطع في محل يقبل القطع، ولا يقطع في محل لا يقبل القطع، فعدم القطع في محل لا يقبل القطع لا يدل على أنه ليس بقاطع، فكذلك ههنا: عدم الرفع في الفعل الماضي مع قيامه مقام الاسم لا يدل على أن قيام الفعل المضارع مقام الاسم ليس بموجب للرفع، وهذا واضح لا إشكال فيه.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم: "إنه يرتفع بتعرِّيه من العوامل الناصبة والجازمة" قلنا: هذا فاسد، وذلك لأنه يؤدي إلى أن يكون الرفع قبل النصب والجزم، ولا خلاف بين النحويين أن الرفع قبل النصب والجزم؛ وذلك لأن الرفع صفة الفاعل، والنصب صفة المفعول، وكما أن الفاعل قبل المفعول؛ فكذلك ينبغي أن يكون الرفع قبل النصب، وإذا كان الرفع قبل النصب فلأن يكون قبل الجزم كان ذلك من طريق الأولى، فلما أدّى قولهم إلى خلاف الإجماع وجب أن يكون فاسدًا.
[ ٢ / ٤٤٩ ]
قولهم "لو كان مرفوعًا لقيامه مقام الاسم لكان ينبغي أن يكون منصوبًا إذا كان الاسم منصوبًا -إلى آخر ما ذكروه" قلنا: إنما لم يكن منصوبًا ومجرورًا إذا قام مقام اسم منصوب أو مجرور؛ لأن عوامل الأسماء لا تعمل في الأفعال؛ وهذا فعل؛ فلهذا لم يكن عامل الاسم عاملًا فيه.
وأما قولهم "وجدنا نصبه وجزمه بناصب وجازم لا يدخلان على الاسم، فعلمنا أنه يرتفع من حيث لا يرتفع الاسم" قلنا: وكذلك نقول؛ فإنه يرتفع من حيث لا يرتفع الاسم؛ لأن ارتفاعه لقيامه مقام الاسم، والقيام مقام الاسم ليس بعامل للرفع في الاسم.
وأما قول الكسائي "إنه يرتفع بالزائد في أوله" فهو قول فاسد من وجوه:
أحدها: أنه كان ينبغي أن لا تدخل عليه عوامل النصب والجزم؛ لأن عوامل النصب والجزم لا تدخل على العوامل.
والوجه الثاني: أنه لو كان الأمر على ما زعم لكان ينبغي أن لا ينتصب بدخول النواصب، ولا ينجزم بدخول الجوازم؛ لوجود الزائد أبدًا في أوله، فلما انتصب بدخول النواصب وانجزم بدخول الجوازم دلَّ على فساد ما ذهب إليه.
والوجه الثالث: إن هذه الزوائد بعض الفعل، لا تنفصل منه في لفظ، بل هي من تمام معناه، فلو قلنا: "إنها هي العاملة" لأدى ذلك إلى أن يعمل الشيء في نفسه، وذلك محال، ويخرج على هذا "أن" المصدرية فإنها تعمل في الفعل المستقبل وهي معه في تقدير المصدر؛ لأنها قائمة بنفسها ومنفصله عن الفعل، وكل واحد منهما ينفصل عن صاحبه، فبان الفرق بينهما.
وأما قولهم: "إنه لو كان مرفوعًا لقيامه مقام الاسم لكان ينبغي أن لا يرتفع في قولهم: كاد زيد يقوم؛ لأنه لا يجوز أن يقال كاد زيد قائما" قلنا: هذا فاسد؛ لأن الأصل أن يقال: كاد زيد قائمًا، ولذلك ردَّه الشاعر إلى الأصل لضرورة الشعر في قوله:
[٣٦٧]
فَأُبْتُ إلى فهمٍ وما كدت آئِبًا وكم مثلها فارقْتُها وهي تَصْفِرُ
_________________
(١) هذا البيت من كلام تأبط شرا، واسمه ثابت بن جابر بن سفيان، الفهمي وهو تاسع تسعة أبيات اختارها أبو تمام حبيب ابن أوس الطائي في ديوان الحماسة "انظر شرح التبريزي ١/ ٧٥ بتحقيقنا وشرح المرزوقي ص٧٤-٨٤" والبيت من شواهد ابن يعيش في شرح المفصل "ص٩٢٣ و١٠٢١" والأشموني "رقم ٢٣١" وأوضح المسالك "رقم ١١٨" وابن عقيل "رقم ٨٥" وابن الناظم في باب أفعال المقاربة من شرح الألفية، وشرحه العيني "٢/ ١٦٥ بهامش الخزانة" ورضي الدين في باب الفعل المضارع من شرح الكافية، وشرحه =
[ ٢ / ٤٥٠ ]
إلا أنه لما كانت "كاد" موضوعة للتقريب من الحال واسم الفاعل ليس دلالته على الحال بأولى من دلالته على الماضي عدلوا عنه إلى "يفعل" لأنه أدلُّ على مقتضى كاد، ورفعوه مراعاة للأصل؛ فدلَّ على صحة ما ذهبنا إليه، والله أعلم.
_________________
(١) = البغدادي في الخزانة "٣/ ٥٤٠" وكان بنو لحيان -وهم حي من هذيل- وقد وجدوا تأبط شرا يشتار عسلا فوق جبل، فأخذوا عليه طريقه، فلما أحس ذلك منهم وكره أن يقع في أسرهم انطلق إلى مكان بعيد ثم صب ما معه من العسل على الصخر وانزلق عليه حتى انتهى إلى الأرض ثم أسلم قدميه للريح فنجا، وفهم -بفتح فسكون- قبيلة تأبط شرًا، وهم بنو فهم بن عمرو بن قيس عيلان "وما كدت آئبا" رواية الحماسة "وما كنت آئبا" ولا شاهد فيها لما نحن فيه الآن، وآئب: اسم الفاعل من آب يئوب أوبا ومآبا: أي رجع، وتصفر: تتأسف وتتحزن على أنها لم تستطع أن تنال مني. وموضع الاستشهاد بهذا البيت هنا هو قوله "وما كدت أئبا" حيث جاء الشاعر بخبر "كاد" اسما مفردا منصوبًا، والأصل في أفعال المقاربة ني كون خبرها جملة فعلية فعلها مضارع، قال ابن جني "استعمل الشاعر الاسم الذي هو الأصل المرفوض الاستعمال موضع الفعل الذي هو فرع، وذلك أن قولك كدت أقوم أصله كدت قائما، ولذلك ارتفع المضارع -أي لوقوعه موقع الاسم- فأخرجه الشاعر على أصله المرفوض، كما يضطر الشاعر إلى مراجعة الأصول المهجورة عن مستعمل الفروع، نحو صرف ما لا ينصرف، وإظهار التضعيف، وتصحيحه المعتل، وما جرى مجرى ذلك" ا. هـ كلامه. ونظير هذا البيت قول الشاعر، وهومن شواهد ابن يعيش "ص٩٢٤" و"٢٣٢" ومغني اللبيب "٢٥٠" وشرحه العيني "٢/ ١٦١": أكثرت في العذل ملحا دائما لا تكثرن إني عسيت صائما
[ ٢ / ٤٥١ ]
٧٥- مسألة: [عامل النصب في الفعل المضارع بعد واو المعية] ١
ذهب الكوفيون إلى أن الفعل المضارع في نحو قولك: "لا تأكل السمك وتَشْرَبَ اللبن" منصوب على الصرف. وذهب البصريون إلى أنه منصوب بتقدير أن، وذهب أبو عُمَرَ الجَرْمِيُّ من البصريين إلى أن الواو هي الناصبة بنفسها؛ لأنها خرجت عن باب العطف.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا: إنه منصوب على الصرف، وذلك لأن الثاني مخالف للأول، ألا ترى أنه لا يحسن تكرير العامل فيه، فلا يقال: لا تأكل السمك ولا تشرب اللبن، وأن المراد بقولهم: "لا تأكل السمك وتشرب اللبن" بجزم الأول وبنصب الثاني النهي عن أكل السمك وشرب اللبن مجتمعين، لا منفردين، فلو طَعِمَ كل واحد منهما منفردا لما كان مرتكبًا للنهي، ولو كان في نية تكرير العامل لوجب الجزم في الفعلين جميعًا، فكان يقال: "لا تأكل السمك وتشربِ اللبن" فيكون المراد هو النهي عن أكل السمك وشرب اللبن منفردين ومجتمعين، فلو طَعِمَ كل واحد منهما منفردا عن الآخر أو معه لكان مرتكبا للنهي؛ لأن الثاني موافق للأول في النهي، لا مخالف له، بخلاف ما وقع الخلاف فيه؛ فإن الثاني مخالف للأول، فلما كان الثاني مخالفًا للأول ومصروفا عنه صارت مخالفته للأول وصرفه عنه ناصبًا له، وصار هذا كما قلنا في الظروف، نحو "زيدٌ عندك" وفي المفعول معه، نحو "لو تُرِكَ زيدٌ والأسد لأكلَهُ" فكما كان الخلاف يوجب النصب هناك، فكذلك ههنا.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا: إنه منصوب بتقدير "أن" وذلك لأن الأصل في الواو أن تكون حرف عطف، والأصل في حروف العطف أن لا تعمل؛ لأنها لا تختص؛ لأنها تدخل تارة على الاسم وتارة على الفعل على ما بيّنّا
_________________
(١) ١ انظر في هذه المسألة: شرح الأشموني مع حاشية الصبان "٣/ ٢٥٨ و٢٦٠" وشرح المفصل لابن يعيش "ص٩٢٩" وشرح الرضي على الكافية "٢/ ٢٢٣ وما بعدها".
[ ٢ / ٤٥٢ ]
في غير موضع، وإنما لما قصدوا أن يكون الثاني في غير حكم الأول وحُوِّل المعنى حول إلى الاسم، فاستحال أن يضم الفعل إلى الاسم، فوجب تقدير "أن"؛ لأنها مع الفعل بمنزلة الاسم، وهي الأصل في عوامل النصب في الفعل.
وأما ما ذهب إليه أبو عمر الجَرْمِي أنها عاملة لأنها خرجت عن باب العطف فباطل؛ لأنه لو كانت هي العاملة كما زعم لجاز أن تدخل عليها الفاء والواو للعطف، وفي امتناعه من ذلك دليل على بطلان ما ذهب إليه.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم: "إن الثاني مخالف للأول فصارت مخالفته له وصرفه عنه موجبًا له النصب" قلنا: قد بينا في غير مسألة أن الخلاف لا يصلح أن يكون موجبًا للنصب، بل ما ذكرتموه هو الموجب لتقدير "أن" لا أن العامل هو نفس الخلاف والصرف، ولو جاز ذلك لجاز أن يقال: إن زيدا في قولك: "أكرمت زيدًا" لم ينتصب بالفعل، وإنما انتصب بكونه مفعولًا، وذلك محال؛ لأن كونه مفعولًا يوجب أن يكون أكرمت عاملًا فيه النصب، فكذلك ههنا: الذي أوجب نصب الفعل ههنا بتقدير "أن" هو امتناعه من أن يدخل في حكم الأول، كما أن الذي أوجب نصب زيد في قولك "أكرمت زيدا" وقوع الفعل عليه؛ فدلّ على ما قلناه، والله أعلم.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
٧٦- مسألة: [عامل النصب في الفعل المضارع بعد فاء السببية] ١
ذهب الكوفيون إلى أن الفعل المضارع الواقع بعد الفاء في جواب الستة الأشياء -التي هي الأمر والنهي والنفي والاستفهام والتمني والعرض- ينتصب بالخلاف، وذهب البصريون إلى أنه ينتصب بإضمار أن، وذهب أبو عمر الجرمي إلى أنه ينتصب بالفاء نفسها؛ لأنها خرجت عن باب العطف، وإليه ذهب بعض الكوفيين، والكلام في هذه المسألة على طريق الإجمال كالكلام في المسألة التي قبلها، فأما الكلام على سبيل التفصيل فنقول:
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن الجواب مخالف لما قبله؛ لأن ما قبله أمر أو نهي أو استفهام أو نفي أو تمنٍ أو عرض، ألا ترى أنك إذا قلت: "إيتنا فنكرمك" لم يكن الجواب أمرًا، فإذا قلت "لا تنقطع عنا فَنَجْفُوكَ" لم يكن الجواب نهيًا، وإذا قلت "ما تأتينا فتحدثنا" لم يكن الجواب نفيا، وإذا قلت: "أين بيتك فأزورك" لم يكن الجواب استفهاما، وإذا قلت: "ليت لي بعيرا فأحج عليه" لم يكن الجواب تمنيا، وإذا قلت: "ألا تنزل فتصيب خيرا" لم يكن الجواب عرضا، فلما لم يكن الجواب شيئا من هذه الأشياء كان مخالفا لما قبله وإذا كان مخالفا لما قبله وجب أن يكون منصوبًا على الخلاف على ما بينا.
وأما البصريون فقالوا: إنما قلنا: إن "هـ" منصوب بتقدير "أن" وذلك لأن الأصل في الفاء أن يكون حرف عطف، والأصل في حروف العطف أن لا تعمل؛ لأنها تدخل تارة على الأسماء وتارة على الأفعال، على ما بينا فيما تقدم؛ فوجب أن لا تعمل، فلما قصدوا أن يكون الثاني في غير حكم الأول وحوِّل المعنى حوِّل إلى الاسم، فاستحال أن يضم الفعل إلى الاسم، فوجب تقدير "أن"؛ لأنها مع الفعل
_________________
(١) ١ انظر في هذه المسألة شرح الأشموني مع حاشية الصبان "٣/ ٢٥٨" وما ذكرناه من المراجع في المسألة السابقة.
[ ٢ / ٤٥٤ ]
بمنزلة الاسم، وهي الأصل في عوامل النصب في الفعل على ما بيَّنا قبل، وجاز أن تعمل "أن" الخفيفة مع الحذف دون أنّ الشديدة، وإن كانت الشديدة أقوى من الخفيفة؛ لأن الشديدة من عوامل الأسماء، والخفيفة من عوامل الأفعال، وعوامل الأسماء أقوى من عوامل الأفعال؛ لأن الفاء ههنا صارت دالة عليها، فصارت في حكم ما لم يحذف، وكذلك الواو وأو ولام كي ولام الجحود وحتى، وصارت دالة عليه، فجاز إعمالها مع الحذف، بخلاف "أن" الشديدة فإنه ليس في اللفظ ما يدل على حذفها، فبان الفرق بينهما.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: قولهم "إن الجواب لما كان مخالفا لما قبله وجب أن يكون منصوبًا على الخلاف" قلنا: قد أجبنا عن هذا في غير موضع فيما مضى؛ فلا نعيده ههنا.
وأما من ذهب إلى أنها هي العاملة لأنها خرجت عن بابها؛ قلنا: لا نسلم، فإنها لو كانت هي الناصبة بنفسها، وأنها قد خرجت عن بابها لكان ينبغي أن يجوز دخول حرف العطف عليها، نحو "ايتني وفأكرمك وفأعطيك" وفي امتناع دخول حرف العطف عليها دليل على أن الناصب غيرها، ألا ترى أن واو القسم لما خرجت عن بابها جاز دخول حرف العطف عليها، نحو "فوالله لأفعلن، ووالله لأذهبن" لأن الحرف إنما يمتنع دخوله على حرف مثله إذا كانا بمعنى واحد، فلما امتنع دخول حرف العطف ههنا على الفاء دلَّ أنها باقية على حكم الأصل، فلا يجوز أن يدخل عليها حرف العطف، والله أعلم.
[ ٢ / ٤٥٥ ]
٧٧- مسألة [هل تعمل "أن" المصدرية محذوفة من غير بَدَلٍ؟] ١
ذهب الكوفيين إلى أنَّ "أن" الخفيفة تعمل في الفعل المضارع النصب مع الحذف من غير بدل.
وذهب البصريون إلى أنها لا تعمل مع الحذف من غير بدل.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه يجوز إعمالها مع الحذف قراءة عبد الله بن مسعود ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣] فنصب "لا تَعْبُدُواَ" بأن مقدرة؛ لأن التقدير فيه: أن لا تعبدوا إلا الله، فحذف "أن" وأعملها مع الحذف، فدل على أنها تعمل النصب مع الحذف، وقال طرفة:
[٣٦٨]
أَلَا أَيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرَ الوَغَى وأن أشهد اللَّذَّات هل أنت مُخْلِدِي
_________________
(١) هذا البيت من معلقة طرفة بن العبد البكري، وهو من شواهد سيبويه "١/ ٤٥٢" وابن منظور "أن ن" وابن يعيش في شرح المفصل "ص١٦٩" وابن هشام في مغني اللبيب "رقم ٦٢٦" وابن عقيل "رقم ٣٣٣" وشرحه العيني "٤/ ٤٠٢ بهامش الخزانة" وأنشده رضي الدين وشرحه البغدادي في الخزانة "١/ ٥٧ و٣/ ٥٩٤" والزاجري: أي الذي يكفني ويمنعني؛ والوغى -بوزن الفتى مقصورًا- الحرب، يقول: أنا لست خالدًا، ولا بدَّ أن يأتيني الموت يومًا، فليس مما يقتضيه العقل أن أقعد عن شهود الحرب ومنازلة الأقران مخافة أن أموت. ومحل الاستشهاد بالبيت قوله "أحضر الوغى" وهذا الفعل يروى بروايتين، الأولى: برفع "أحضر" وقد رواه سيبويه على هذا الوجه، ورواه ابن هشام في المغني ليستشهد به على رواية الرفع، وهذه الرواية هي الأصل عند الفريقين، فإن الأصل أن يرتفع المضارع ما لم يسبقه ناصب ولا جازم، والرواية الأخرى بنصب "أحضر" على أنه فعل مضارع منصوب بأن المصدرية محذوفة، قال الأعلم "وقد يجوز النصب بإضمار أن ضرورة، وهو مذهب الكوفيين" ا. هـ. ١ انظر في هذه المسألة: شرح ابن عقيل "٢/ ٢٨٣" بتحقيقنا" وشرح الأشموني مع حاشية الصبان "٣/ ٢٦٥-٢٦٦" وتصريح الشيخ خالد "٢/ ٣٠٩-٣١٠".
[ ٢ / ٤٥٦ ]
فنصب "أحضر" لأن التقدير فيه: أن أحضر، فحذفها وأعملها على الحذف. والدليل على صحة هذا التقدير أنه عطف عليه قوله "وأن أشهد اللذات" فدل على أنها تنصب مع الحذف. وقال عامر بن الطُّفَيلِ:
[٣٦٩]
فلم أَرَ مثلها خُبَاسَةَ وَاجِدٍ ونَهْنَهْتُ نفسي بعد ما كِدْتُ أَفْعَلَهْ
_________________
(١) هذا البيت من شواهد سيبويه "١/ ١٥٥" ونسبه لعامر بن جوين الطائي، وأقر هذه النسبة الأعلم الشنتمري، واستشهد به ابن هشام في مغني اللبيب "رقم ٨٩٥" ولم يعزه، والأشموني "رقم ٢٣٧" وأنشده ابن منظور "خ ب س" وقال قبل إنشاده "قال عمر بن جوين وامرؤ القيس" هكذا محرفًا، وروى أبو الفرج الأصفهاني عجز هذا البيت لعامر بن جوين الطائي وهو مع بيت سابق عليه بروايته هكذا: فكم للسعيد من هجان مؤبلة تسير صحاحا ذات قيد ومرسلة أردت بها فتكا فلم أرتمض له ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله وقد استشهد بالبيت ابن الناظم في نواصب المضارع، وشرحه العيني "٤/ ٤٠١" والخباسة -بضم الخاء وفتح الباء مخففة- الغنيمة، وتقول: خبس فلان الشيء يخبسه -من مثال نصر- واختبسه، وتخبسه: أي أخذه وغنمه. ونهنهت نفسي: كففتها وزجرتها، وقال أبو جندب الهذلي. فنهنهت أولي القوم عنهم بضربة تنفس عنها كل حشيان مجحر والاستشهاد بهذا البيت في قوله "كدت أفعله" وكل العلماء متفقون على أن الرواية بنصب اللام في "أفعله" ولكنهم يختلفون في التخريج، فأما سيبويه فيرى أن الفعل المضارع هنا منصوب بأن المصدرية محذوفة مع أنه يقول: إن الأصل تجرد المضارع الذي يقع خبرًا لكاد من أن المصدرية، فقد ركب ضرورة على ضرورة، قال: "حمله على أن؛ لأن الشعراء قد يستعملون أن هنا مضطرين كثيرًا" ا. هـ. وقال الأعلم "الشاهد فيه نصب أفعله بإضمار أن ضرورة، ودخول أن على كاد لا يستعمل في الكلام، فإذا اضطر الشاعر أدخلها عليها تشبيهًا لها بعسى، لاشتراكهما في معنى المقاربة، فلما أدخلوها بعد كاد في الشعر ضرورة توهمها هذا الشاعر مستعملة، ثم حذفها ضرورة، هذا تقدير سيبويه، وقد خولف فيه؛ لأن أن مع ما بعدها اسم فلا يجوز حذفها، وحمل المراد بالفعل على إرادة النون الخفيفة وحذفها ضرورة، والتقدير عنده: بعد ما كدت أفعلنه، وهذا التقدير أيضًا بعيد، لتضمنه ضرورتين: إدخال النون في الواجب، ثم حذفها، فقول سيبويه أولى، لأن أن قد أتت في الأشعار محذوفة كثيرا" ا. هـ. وترجيحه مقالة سيبويه مع اشتماله على ضرورة مركبة على ضرروة أخرى من أعجب العجب، وقال ابن هشام في مغني اللبيب: "حذف أن الناصبة: هو مطرد في مواضع معروفة، وشاذ في غيرها، نحو: خذ اللص قبل يأخذك، ومرة يحفرها، ولا بدّ من تتبعها، أي قبل أن يأخذك، وأن يحفرها، ولا بدّ من أن تتبعها، وقال به سيبويه في قوله: ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله وقال المُبَرّد: الأصل أفعلها، ثم حذفت الألف ونقلت حركة الهاء لما قبلها، وهذا أولى =
[ ٢ / ٤٥٧ ]
فنصب "أفعله" لأن التقدير فيه: أن أفعله؛ فدلّ على أنها تعمل مع الحذف، وهذا على أصلكم ألزم؛ لأنكم تزعمون أنها تعمل مع الحذف بعد الفاء في جواب الأمر والنهي والنفي [والاستفهام] والتمني والعرض، وكذلك بعد الواو واللام وأو وحتى فكذلك ههنا.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنها لا يجوز إعمالها مع الحذف أنها حرف نصب من عوامل الأفعال، وعوامل الأفعال ضعيفة؛ فينبغي أن لا تعمل مع الحذف من غير بدل.
والذي يدل على ذلك أنَّ "أنَّ" المشددة التي تنصب الأسماء لا تعمل مع الحذف، وإذا كانت "أَنَّ" المشددة لا تعمل مع الحذف فأنِ الخفيفة أولى أن لا تعمل، وذلك لوجهين.
أحدهما: أن "أن" المشددة من عوامل الأسماء، و"أن" الخفيفة من عوامل الأفعال، وعومل الأسماء أقوى من عوامل الأفعال، وإذا كانت أن المشددة لا تعمل مع الحذف وهي الأقوى فأن لا تعمل "أن" الخفيفة مع الحذف وهي الأضعف كان ذلك من طريق الأولى.
والثاني: أن "أن" الخفيفة إنما عملت النصب لأنها أشبهت "أنّ" المشددة، وإذا كان الأصل المشبه به لا ينصب مع الحذف، فالفرع المشبه أولى أن لا ينصب مع الحذف؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون الفرع أقوى من الأصل وذلك لا يجوز.
والذي يدل على ضعف عمل "أن" الخفيفة أنه من العرب من لا يعملها
_________________
(١) = من قول سيبويه؛ لأنه أضمر أن في موضع حقها ألا تدخل فيه صريحًا وهو خبر كاد، واعتد بها مع ذلك بإبقاء عملها" ا. هـ كلامه. ويتخلص من هذين الكلامين كلام الأعلم وكلام ابن هشام أن في قول الشاعر: "بعد ما كدت أفعله" ثلاثة تخريجات: التخريج الأول: تخريج سيبويه، وحاصله أن الفتحة على لام "أفعله" فتحة إعراب، وأن الفعل المنصوب بأن المصدرية محذوفة، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. التخريج الثاني: التخريج الذي حكاه الأعلم ولم يبين القائل به، وحاصله أن الفتحة التي على لام "أفعله" فتحة بناء، وأن الفعل مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة المحذوفة تخفيفًا، وقد ذكر المؤلف هذا التخريج. التخريج الثالث: تخريج أبي العباس المبرد، وحاصله أن الفتحة التي على لام "أفعله" لا هي فتحة الإعراب ولا هي فتحة البناء، ولكنها فتحة منقولة من الحرف الذي بعدها والفعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة العارضة بسبب النقل.
[ ٢ / ٤٥٨ ]
مظهرة ويرفع ما بعدها تشبيهًا لها بما؛ لأنها تكون مع الفعل بعدها بمنزلة المصدر كما أن "ما" تكون مع الفعل بعدها بمنزلة المصدر، ألا ترى أنك تقول "يعجبني أن تفعل" فيكون التقدير: يعجبني فعلك، كما تقول "يعجبني ما تفعل فيكون التقدير: يعجبني فعلك، فلما أشبهتها من هذا الوجه شُبِّهَتْ بها في ترك العمل، وقد روى ابن مجاهد أنه قرئ "لمن أراد أن يتم الرضاعة" بالرفع، وقال الشاعر:
[٣٧٠]
يا صاحبي فَدَتْ نفسي نفوسكما وحيثما كنتما لَاقَيْتُمَا رَشَدَا
_________________
(١) قد استشهد بثالث هذه الأبيات ابن يعيش في شرح المفصل "ص٩٢٥" وابن جني في شرح تصريف المازني "١/ ٢٧٨" ورضي الدين في شرح الكافية "٢/ ٢١٧" وشرحه البغدادي في الخزانة "٢/ ٥٥٩" وابن هشام في مغني اللبيب "رقم ٣٥" وفي أوضح المسالك "رقم ٤٩٣" والأشموني "رقم ١٠١١" وشرحه العيني "٤/ ٣٨٠ بهامش الخزانة" وقال البغدادي "وهذه الأبيات الثلاثة قلما خلا عنها كتاب نحو، ومع كثرة الاستعمال لم يعزها أحد إلى شاعر" وأنشد العيني وابن جني ثاني هذه الأبيات هكذا: إن تقضيا حاجة لي خفّ محملها تستوجبا سنة عندي بها ويدا ومحل الاستشهاد بهذه الأبيات قوله "أن تقرآن" وقد اختلف العلماء في تخريج هذه الكلمة؛ فذهب قوم منهم الزمخشري وابن يعيش وتبعهما شراح الألفية -إلى أن "أن" هذه هي المصدرية التي تختص بالدخول على الفعل المضارع، والتي ينصب بها عامة العرب، ولكنها أهملت في هذا البيت ونحوه حملًا على "ما" المصدرية أختها، لاشتراكهما في معنى المصدرية وفي أن كل واحدة منهما تسبك ما بعدها بمصدر، وادّعى جماعة منهم ابن يعيش- أن إهمال "أن" المصدرية لغة لجماعة من العرب، قال: "على أن من العرب من يلغي عمل أن تشبيهًا بما، وعلى هذا قرأ بعضهم "لمن أراد أن يتم الرضاعة" بالرفع "ا. هـ. وذهب جماعة منهم أبو علي الفارسي وابن جني إلى أن "أن" ههنا مخففة من الثقيلة، وليست هي المصدرية المختصة بالفعل المضارع، وكان من حق العربية على الشاعر أن يفصل بين "أن" والفعل بالسين أو بسوف أو بقد، كما في قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ [المزمل: ٢٠] وقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] وقوله: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ [المائدة: ١١٣] ولكنه ترك الفصل حين اضطر لإقامة الوزن، قال ابن جني في شرح التصريف "١/ ٢٧٨" "سألت أبا علي عن ثبات النون في تقرآن بعد أن، فقال: أن مخففة من الثقيلة، وأولاها الفعل بلا فصل للضرورة، فهذا أيضًا من الشاذ عن القياس والاستعمال جميعا" ا. هـ. وجعل ابن هشام القول بأن "أن" هي المخففة من الثقيلة قول الكوفيين، والقول بأنها المصدرية أهملت حملًا على قول البصريين، قال في مغني اللبيب "ص٣٠ بتحقيقنا" "وقد يرفع الفعل بعد أن، كقراءة ابن محصين "لمن أراد أن يتم الرضاعة" وقول الشاعر: أن تقرآن على أسماء ويحكما مني السلام وألا تشعرا أحدا وزعم الكوفيون أن أن هذه هي المخففة من الثقيلة شذ اتصالها بالفعل، والصواب قول البصريين إنها أن الناصبة أهملت حملًا على ما أختها المصدرية" ا. هـ.
[ ٢ / ٤٥٩ ]
أن تَحْمِلَا حاجةً لِي خَفّ مَحْمِلُهَا تصنعا نعمةً عندي بها وَيَدَا
أن تَقْرَآنِ على أسماء ويَحْكُمَا مني السلام، وأن لا تُشْعِرا أحدا
فقال "أن تقرآن" فلم يعملها تشببها لها بما، على ما بيّنّا.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قراءة من قرآ: ﴿لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّه﴾ [هود: ٢٦]
فهي قراءة شاذة، وليس لهم فيها حجة؛ لأن: ﴿تَعْبُدُوا﴾ مجزوم بلا؛ لأن المراد بها النهي، وعلامة الجزم والنصب في الخمسة الأمثلة التي هذا أحدها واحدةٌ.
أما قول طرفة:
[٣٦٨]
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى
الرواية عندنا على الرفع، وهي الرواية الصحيحة، وأما من رواه بالنصب؛ فلعله رواه على ما يقتضيه القياس عنده من إعمال "أن" مع الحذف، فلا يكون فيه حجة، ولئن صحت الرواية بالنصب؛ فهو محمول على أنه توهَّم أنه أتى بأن، فنصب على طريق الغلط، كما قال الأحوص اليَرْبُوعِي:
[١١٧]
مشائيمُ ليسوا مصلحين عشيرةً ولا ناعبٍ إلا ببينٍ غُرَابُها
فجر قوله "ناعب" توهما أنه قال "ليسوا بمصلحين" فعطف عليه بالجر، وإن كان منصوبًا كما قال صِرْمَةُ الأنصاري:
[١١٥]
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ولا سابقٍ شيئًا إذا كان جائيًا
فجر "سابق" توهما أنه قال "لست بمدرك ما مضى" فعطف عليه بالجر وإن كان منصوبًا، وهذا لأن العربي قد يتكلم بالكلمة إذا استهواه ضربٌ من الغلط فيعدل عن قياس كلامه وينحرف عن سَنَنِ أصوله، وذلك مما لا يجوز القياس عليه.
وأما قول الآخر:
[٣٦٩]
بعد ما كدت أفعله
فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنه نصب "أفعله" على طريق الغلط على ما بيناه فيما تقدم، كأنه توهم أنه قال "كدت أن أفعله" لأنهم قد يستعملونها مع كاد في ضرورة الشعر، كما قال الشاعر:
[٣٧١]
قد كاد من طول البِلَى أن يَمْصَحَا
_________________
(١) هذا بيت من الرجز المشطور، وقبله: ربع عفاه الدهر طولا فانمحى وقد أنشده سيبويه "١/ ٤٧٨" ونسبه إلى رؤبة بن العجاج، وأقره على هذه النسبة الأعلم =
[ ٢ / ٤٦٠ ]
فأما في اختيار الكلام فلا يستعمل مع "كاد" ولذلك لم يأتِ في قرآن ولا كلام فصيح. قال الله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] وقال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ١١٧] وكذلك
_________________
(١) = الشنتمري، وأنشده أيضًا ابن يعيش فيشرح المفصل "ص١٠٣٣" ونسبه لرؤبة أيضًا، وأنشده رضي الدين في باب أفعال المقاربة من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "٤/ ٩٠" وذكر أنه لم يعثر عليه في ديوان رؤبة، وأنشده جماعة من شراح الألفية، وشرحه العيني "٢/ ٢١٥ بهامش الخزانة" والربع: المنزل حيث كان، ويروى "رسم" وهو ما بقي لاصقًا بالأرض من آثار الديار، وعفا: يكون لازمًا بمعنى درس، تقول: عفا المنزل يعفو، أي درس، ومنه قول لببيد بن ربيعة العامري في مطلع معلقته: عفت الديار محلها فمقامها بمنى تأبد غولها ورجامها ويكون عفا متعديا كما في البيت الذي قبل بيت الشاهد، ومعناه محا آثاره، وانمحى: مطاوع "محاه يمحوه" ويروى "فامحى" بتشديد الميم، على أنه قلب النون ميمًا ثم أدغم الميم في الميم، ومحل الاستشهاد في البيت قوله: "كاد أن يمصحا" حيث اقترن المضارع الواقع خبرًا لكاد بأن المصدرية، ومذهب سيبويه أن المستعمل في الكلام إسقاط أن، وأن ذكر أن معها مما يجيء في الشعر للضرورة تشبيهًا لكاد بعسى، كما أن المستعمل في الكلام ذكر أن في خبر عسى، وأنها قد تسقط مع عسى تشبيهًا لعسى بكاد. وأقول: قد وقع اقتران الفعل الواقع خبرا لكاد بأن في الحديث، وفي جملة من الشعر العربي، فمن ذلك ما ورد في صحيح البخاري في شأن أمية بن أبي الصلت "كاد أن يسلم" ويروى: "كاد الفقر أن يكون كفرًا" وفي حديث عمر بن الخطاب "ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب" وفي حديث جبير بن مطعم "كاد قلبي أن يطير" وأما الشعر فمنه بيت الشاهد، ومنه قول ذي الرمة: وجدت فؤادي كاد أن يستخفه رجيع الهوى من بعض ما يتذكر ومنه قول محمد بن مناذر، وهو من شواهد الأشموني: كادت النفس أن تفيظ عليه إذا غدا حشو ريطة وبرود ومنه قول الآخر، وهو من شواهد الأشموني أيضًا: أبيتم قبول السلم منا؛ فكدتم لدى الحرب أن تغنوا السيوف عن السل ومنه ما أنشده ابن الأعرابي: يكاد لولا سيره أن يملصا ومنه ما أنشده هو وغيره: حتى تراه وبه إكداره يكاد أن ينطحه إمجاره لو لم ينفس كربه هراره ومنه ما أنشده أبو زيد في صفة كلب: يرتم أنف الأرض في ذهابه يكاد أن ينسل من إهابه
[ ٢ / ٤٦١ ]
سائر ما في القرآن من هذا النحو؛ فأما الحديث١ "كاد الفقر أن يكون كفرًا" فإن صح فزيادة "أن" من كلام الراوي، لا من كلامه ﵇؛ لأنه صلوات الله عليه أفصح من نطق بالضاد.
والوجه الثاني: أن يكون أراد بقوله "بَعْدَ ما كدت أَفْعَلَهْ" بعد ما كدت أفعلها، يعني الخَصْلَةَ. فحذف الألف وألقى فتحة الهاء على ما قبلها، وهذا التأويل في هذا البيت حكاه أبو عثمان عن أبي محمد التوزي عن الفراء من أصحابكم، كما حكي أن بعض العرب قتل رجلًا يقال له مَرْقَمَةُ وقد كلفه وآخر أن يبتلعا جُرْدَانَ الحمار٢ فامتنعا فَقَتَلَ مَرْقَمةَ، فقال الآخر "طَاحَ مَرْقَمَةْ" فقال له القاتل: "وأنت إن لم تَلْقَمَهْ" يريد: تَلقمُهَا، فحذف الألف وألقى حركة الهاء على الميم، وكما قال الشاعر:
[٣٧٢]
فإني قد رأيت بدار قومي نوائبَ كنت في لَخْمٍ أَخَافَهْ
يريد: "أخافُها" فحذف الألف وألقى حركة الهاء على الفاء، وهي لغة لخم، وحكى أصحابكم "نحن جئنَاكَ به" أي جئناك بِهَا، فحذف الألف وألقى حركة الهاء على الباء، فكذلك ههنا.
والوجه الأول أَوْجَهُ الوجهين، لأنه يحتمل أن يكون التقدير في قوله:
_________________
(١) النوائب: جمع نائبة، وأصلها اسم الفاعل من "نابه ينوبه" إذا نزل به وعرض له، ثم أطلقوا النائبة على ما ينزل بالمرء من الحوادث والمصائب والمهمات، وفي حديث خيبر "قسمها نصفين: نصفًا لنوائبه وحاجاته، ونصفًا بين المسلمين" ومحل الاستشهاد بهذا البيت قوله "أخافه" بفتح الفاء وسكون الهاء فإن أصل هذه الكلمة "أخافها" بضم الفاء وبضمير المؤنثة العائد إلى "نوائب" فأراد الشاعر الوقف بنقل الحركة، فحذف الألف، ثم ألقى حركة الهاء على الفاء بعد أن أسقط حركة الفاء الأصلية، على مثل ما ذكرناه في شرح المثل السابق. ١ في ر "فأما من الحديث" وظاهر أن لفظ "من" مقحم. ٢ ارجع إلى مجمع الأمثال للميداني "المثل رقم ٥٦٨ بتحقيقنا "أبخل من ما در" فقد روى القصة وخرج الكلمة التي خرجه المؤلف. ونظيره ما حكوه من قولهم "بالفضل ذو فضلكم الله به، والكرامة ذات أكرمكم الله به" بفتح الباء في "به" الثانية وسكون الهاء "وانظر أوضح المسالك في الكلام على ذو الموصولة" وقد روى هذه العبارة الفراء ينسبها لأعرابي من طيئ، وتخريج "به" الثانية أن أصلها "بها" بباء الجر المكسورة وضمير المؤنثة الغائبة العائد إلى الكرامة، وقد ألقى حركة الهاء -وهي الفتحة- على باء الجر بعد سلب حركة الباء، ثم حذف ألف "ها" ووقف بالسكون.
[ ٢ / ٤٦٢ ]
"وأنت إن لم تلقمه" تَلْقَمَنْهُ -بنون التأكيد الخفيفة- فحذفها وبقيت الميم مفتوحة، كما قال الشاعر:
[٣٧٣]
اضرِبَ عنك الهُمُوم طَارِقَهَا ضربك بالسوط قَوْنَسَ الفَرَسِ
_________________
(١) هذا البيت من شواهد مغني اللبيب "رقم ٩٠٠ بتحقيقنا" وابن جني في الخصائص "١/ ١٢٦" وقد أنشده ابن منظور "ق ن س" ونقل عن ابن بري أن البيت لطرفة بن العبد البكري، وقد رواه أبو زيد في نوادره "١٣" وقال قبل إنشاده "قال أبو حاتم: أنشدني الأخفش بيتا مصنوعا لطرفة" وقد استشهد به ابن يعيش في شرح المفصل "ص١٢٤٢" وابن الناظم في باب نوني التوكيد من شرح الألفية، وشرحه العيني "٤/ ٣٣٧" بهامش الخزانة" و"اضرب" يقع في موضعه "اصرف" والأول أدق وأوفق ببقية البيت، وطارقها: اسم الفاعل من "طرق يطرق" إذا أتى ليلا، وقونس الفرس -بفتح القاف والنون وسكون الواو وآخره سين مهملة- هو العظم الناتئ بين أذني الفرس، ومحل الاستشهاد بالبيت قوله "اضرب عنك" فإن الرواية فيه بفتح الباء، وقد خرج العلماء هذه الرواية على أن أصل الكلام "اضربن عنك" بنون توكيد خفيفة ساكنة، وفعل الأمر يبنى مع نوني التوكيد على الفتح، ثم حذف الشاعر نون التوكيد وهو ينويها، فلذلك أبقى الفعل على ما كان عليه وهو مقرون بها؛ لتكون هذه الفتحة مشيرة إلى النون المحذوفة ودالة عليها، وهذا شاذ؛ لأن نون التوكيد الخفيفة إنما تحذف إذا وليها ساكن كما في قول الأضبط بن قريع السعدي: لا تهين الفقر علك أن تركع يوما والدهر قد رفعه فإنه أراد "لا تهين الفقير" بنونين: أولاهما: لام الكلمة، والثانية: نون التوكيد الخفيفة، فحذف نون التوكيد لأن التالي لها ساكن وهو لام "الفقير" ويدل على حذف النون ههنا الفتحة التي على لام الكلمة والياء التي هي عين الكلمة؛ إذ لو لم يكن على تقدير النون لحذف هذه الياء، لأن الأجوف المجزوم تحذف عينه للتخلص من التقاء الساكنين: سكون هذه العين المعتلة، وسكون اللام للجازم. ونظير بيت الشاهد في حذف نون التوكيد الخفيفة مع أنه ليس بعدها ساكن قول الشاعر، وأنشده الجاحظ في البيان "٢/ ١٨٧" والحيوان "٧/ ٨٤" على وجه لا شاهد فيه: خلافا لقولي من فيالة رأيه كما قيل قبل اليوم خالف تذكرا محل الشاهد قوله "خالف" فإن الرواية في هذه الكلمة بفتح آخره، وتخريجها أن الأصل "خالفن" بنون التوكيد الخفيفة، فحذف النون وهو ينويها، ورواية الجاحظ "خالف فتذكرا" ومثله قول الآخر وأنشده أبو علي الفارسي: إن ابن أحوص مغرور فبلغه في ساعديه إذا رام العلا قصر الشاهد في قوله "فبلغه" فإن أصله "فبلغنه "بنون ساكنة بعد الغين، فحذف النون. ومثله قول الآخر: يا راكبا بلغ إخواننا من كان من كندة أو وائل الاستشهاد بقوله "بلغ" فإن الأصل "بلغن" فحذف النون وأبقى الغين على فتحتها ونظيره قوله الآخر وأنشده أبو زيد في نوادره "ص١٣" وابن جني في الخصائص "٣/ ٩٤": =
[ ٢ / ٤٦٣ ]
والتقدير "اضْرِبَنْ عنك الهموم" فحذف النون وبقيت الباء مفتوحة، فكذلك ههنا.
وأما قولهم "إنها تعمل عندكم مع الحذف بعد الفاء والواو وأو واللام وحتى" قلنا: إنما جاز ذلك؛ لأن هذه الأحرف دالة عليها، فتنزلت منزلة ما لم يحذف، فعلمت مع الحذف، بخلاف ههنا، فإنه ليس ههنا حرف يدل عليها؛ فلم يعمل مع الحذف، والله أعلم.
_________________
(١) = في أي يومي من الموت أفر أيوم لم يقدر أم يوم قدر الاستشهاد بقوله: "لم يقدر" فإن الرواية بفتح الفعل المضارع على تقدير أنه مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة المقدرة، وأصله "يقدرن" فحذفت النون وأبقى المضارع مفتوح الآخر للإشارة إليها.
[ ٢ / ٤٦٤ ]
٧٨- مسألة: [هل يجوز أن تأتي "كي" حرف جر؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن "كي" لا تكون إلا حرف نصب، ولا يجوز أن تكون حرف خفض.
وذهب البصريون إلى أنها يجوز أن تكون حرف جر.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا: إن "كي" لا يجوز أن تكون حرف خفض؛ لأن "كي" من عوامل الأفعال، وما كان من عوامل الأفعال لا يجوز أن يكون حرف خفض؛ لأنه من عوامل الأسماء، وعوامل الأفعال لا يجوز أن تكون من عوامل الأسماء.
والذي يدل على أنها لا تكون حرف خفض دخول اللام عليها كقولك: "جئتك لكي تفعل هذا" لأن اللام على أصلكم حرف خفض، وحرف الخفض لا يدخل على حرف الخفض، وأما قول الشاعر:
[٣٧٤]
فلا والله ما يُلْفَى لما بي ولا لِلِمَا بِهِمْ أبدًا دواء
_________________
(١) هذا البيت من كلمة لمسلم بن معبد الوالبي يقولها في ابن عمه عمارة بن عبيد الوالى، والبيت من شواهد ابن هشام في مغني اللبيب "رقم ٣٠٢" وفي اوضح المسالك "قم ٤٠٧" والأشموني "رقم ٨١٢" وابن جني في سر الصناعة "رقم ٢١٥ في ١/ ٢٨٣" ورضي الدين في باب التوكيد من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "١/ ٣٦٤ بولاق" كما شرحه العيني "٤/ ١٠٢" ويلفي: مضارع مبني للمجهول ماضيه المبني للمعلوم الفي، ومعناه وجد؛ وفي القرآن الكريم: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى البَابِ﴾ [يوسف: ٢٥] وفيه: ﴿إِنَّهُمْ الفَوْا آبَاءَهُمْ ضَإلينَ﴾ [الصافات: ٦٩] وقوله "ما بي" أي الذي استقر بي، وأراد به ما في نفسه من الهم والحزن الكدر = ١ انظر في هذه المسألة: شرح الأشموني بحاشية الصبان "٢/ ١٧٩ و٣/ ٢٣٦" وشرح ابن عقيل على الألفية "٢/ ٣ بتحقيقنا" وتصريح الشيخ خالد الأزهري "٢/ ٣ و٢٩١" وشرحنا المطول على شرح الأشموني "٣ – ١٨٨" ومغني اللبيب لابن هشام "ص١٨٢ وما بعدها".
[ ٢ / ٤٦٥ ]
فمن الشاذ الذي لا يُعَرَّج عليه ولا يؤخذ به بالإجماع.
قالوا: ولا يجوز أن يقال: "الدليل على أنها حرف جر أنها تدخل على ما الاستفهامية كما يدخل عليها حرف الجر؛ فيقال: كَيْمَه، كما يقال: لِمَهْ" لأنا نقول: مَهْ من كَيْمَهْ ليس لكي فيه عمل، وليس في موضع خفض، وإنما هو في موضع نصب؛ لأنها تقال عند ذكر كلام لم يُفْهَم؛ يقول القائل: أقوم كي تقوم، فيسمعه المخاطب ولم يفهم "تقوم" فيقول: كَيْمَهْ؟ يريد كي ماذا، والتقدير: كي ماذا تفعل، ثم حذف، فَمَهْ: في موضع نصب، وليس لكي فيه عمل.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنها تكون حرف جر دخولها على الاسم الذي هو "ما" الاستفهامية كدخول اللام وغيرها من حروف الجر عليها، وحذف الألف منها، فإنهم يقولون "كيمه" كما يقولون "لمه".
والدليل على أنها في موضع جر أن الألف من "ما" الاستفهامية لا يحذف إلا إذا كانت في موضع جر واتصل بها الحرف الجار، كقولهم: لِمَ، وبِمَ، وفِيمَ، عَمّ، قال الله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] وقال تعالى: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤] وقال تعالى: ﴿فِيمَ أنتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: ٤٣] وقال تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١] فأما إذا اتصل بماذا فلا يجوز حذف الألف منها وإن اتصل بها حرف الجر، فلا يجوز أن يقال في لماذا وبماذا وفيماذا وعمّاذا: لم ذا، وبم ذا، وفيم ذا، وعمّ ذا؛ لأن ما صارت مع ذا كالشيء الواحد، فلم يحذف منها الألف، وكذلك إذا وقعت في صدر الكلام لا يجوز أن يحذف الألف منها؛ كقولهم: ما تريد، وما تصنع، ولا يجوز أن يقال: مَ تريد، ومَ تصنع، فلما حذف الألف منها في قولهم "كيمه" كما يحذف مع حرف الجر دلَّ على أنها حرف جر،
_________________
(١) = مما يفعل به قومه، وأراد بقوله: "ما بهم" ما في أنفسهم من الحسيكة والغل والحقد والحسد، ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "للما بهم" حيث أكد الشاعر اللام الجارة -وهي حرف غير جوابي- توكيدًا لفظيًّا فأعادها بنفس لفظها الأول من غير أن يفصل بين المؤكد والتوكيد، وتوكيد الحروف غير الجوابية من غير فصل بين المؤكد والتوكيد في نفسه شاذ، وهو في هذا الموطن من هذا البيت بالغ الغاية في الشذوذ، بسبب كون المؤكد والتوكيد على حرف واحد، وكل النحاة يروون البيت على الوجه الذي رواه للمؤلف عليه، ويستدلون به لما قلنا، ولكن ابن الأعرابي روى البيت في وجه آخر، وهو: فلا والله لا يلفى لما بي وما بهم من البلوى دواء وعلى هذا يخلو البيت من الشذوذ ومن الشاهد على ما جاء به المؤلف من أجله، فاعرف ذلك.
[ ٢ / ٤٦٦ ]
وإنما حذفت مع حرف الجر لأنها صارت مع حرف الجر بمنزلة كلمة واحدة، فحذفت الألف منها للتخفيف، ودخلها هاء السكت صيانة للحركة عن الحذف، فصار: كيمه، ولمه، وبمه، وفيمه، وعمه، وقد يجوز أن يكونوا أبدلوا الهاء من الألف في "ما" كما أبدلوها من الألف في أنا فقالوا "أَنَهْ" وفي حيهلا فقالوا "حيهله" وقول الكوفيين "إن مَهْ في موضع نصب "فسنبين فساده في الجواب إن شاء الله تعالى.
أما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إن كي من عوامل الأفعال؛ فلا يجوز أن تكون من عوامل الأسماء" قلنا: هذا الحرف من عوامل الأفعال في كل الأحوال، أو في بعض الأحوال؟ فإن قلتم في كل الأحوال فلا نسلم، وإن قلتم في بعض الأحوال فنسلم، وهذا لأن كي على ضربين؛ أحدهما: ان تكون حرف نصب من عوامل الأفعال كما ذكرتم، وذلك إذا دخلت عليها اللام كقولك "جئتك لكي تكرمني" كما قال تعالى: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] فكي ههنا هي الناصبة بنفسها من غير تقدير أن، ولا يجوز أن تكون ههنا حرف جر؛ لأن حرف الجر لا يدخل على حرف الجر، وهذا لا إشكال فيه، والثاني، أن تكون حرف جر كاللام نحو "جئتك كي تكرمني" فهذه كي حرف جر بمنزلة اللام، والفعل بعدها منصوب بتقدير "أنْ" كما هو منصوب بعد اللام بتقدير "أنْ" وحذفت فيها طلبًا للتخفيف.
والذي يدل على أنها بمنزلة اللام أنها في معنى اللام، ألا ترى أنه لا فرق بين قولك "جئتك كي تكرمني" وبين قولك "جئتك لتكرمني" وإذا كانا بمعنى واحد فلا معنى لترك الظاهر لشيء لم يقم عليه دليل؛ فدل على أنها تكون حرف جر كما تكون حرف نصب، فإذا ذهبت بها مذهب حرف الجر لم تتوهم فيه غيره، وإذا ذهبت بها مذهب حرف النصب لم تتوهم فيه غيره؛ فهي وإن كانت حرفًا واحدًا فقد نزلت منزلة حرفين، وصار هذا كما قلتم في "حتى" فإنها تنصب الفعل في حالٍ من غير تقدير ناصب، وتخفض الاسم في حالٍ من غير تقدير خافض، على الصحيح المشهور من مذهبكم، ولم يمنع كونها ناصبة للفعل أن تكون خافضة للاسم، فكذلك ههنا، وكذلك أيضًا "حتى" تكون خافضة وتكون عاطفة، وكذلك قلتم إن "إلَّا" تكون ناصبة وتكون عاطفة، وكذلك "حاشى" و"خلا" تكونان ناصبين وخافضين، واللفظ فيها كلها واحد، والعمل مختلف، فكذلك ههنا.
وأما قولهم: "إن مَهْ في موضع نصب" قلنا: هذا باطل؛ لأنها لو كانت ما في موضع نصب لكان ينبغي أن لا يحذف الألف من ما؛ لأنها لا يحذف
[ ٢ / ٤٦٧ ]
الألف منها إلا إذا كانت في موضع جر، بخلاف ما إذا كانت في موضع نصب أو رفع؛ فإنه لا يجوز أن يحذف الألف منها، ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول "مَ تفعل" في قولك: ما تفعل، و"مَ عندك" في قولك: ما عندك، فلما حذفت الألف ههنا دلَّ على أنها ليست مع موضع نصب، وإنما هي في موضع جر.
ثم هذا الحذف في موضع الجر إنما يكون في ما الاستفهامية، دون ما الموصولة، الا في قولهم "ادْعُ بِمَ شئت" أي: بالذي شئت؛ فإن العرب تحذف الألف من ما الموصولة ههنا خاصة؛ كما تحذفها منها إذا أردت بها الاستفهامية.
وقولهم "إنها تقال عند ذكر كلام لم يفهم إلى آخر ما قرروا" قلنا: فكان يجب أن يجوز أن يقال: أن مَهْ، ولن مَهْ، وإذن مَهْ، كما يقال "كيمه" إذا لم يفهم السامع ما بعد هذه الأحرف من الفعل؛ لأنه إنما يسأل عن مصدر، والمصدر في الأفعال بعد هذه الأحرف التي هي أن ولن وإذن وبعد كي واحد، فلما لم يقل ذلك واختصت به كي دونها دلَّ على بطلان ما ذهبوا إليه، والله أعلم.
[ ٢ / ٤٦٨ ]
٧٩- مسألة: [القول في ناصب المضارع بعد لام التعليل] ١
ذهب الكوفيون إلى أن لام "كي" هي الناصبة للفعل من غير تقدير "أن" نحو "جئتك لتكرمني". وذهب البصريون إلى أن الناصب للفعل "أن" مقدرة بعدها، والتقدير: جئتك لأن تكرمني.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنها هي الناصبة لأنها قامت مقام كي، ولهذا تشتمل على معنى كي، وكما أن كي تنصب الفعل فكذلك ما قام مقامه.
ومنهم من تمسك بأن قال: إنما نصبت الفعل لأنها تفيد معنى الشرط، فأشبهت "إن" المخففة الشرطية، إلا أنَّ "إنْ" لما كانت أمَّ الجزاء أرادوا أن يفرقوا بينهما، فجزموا بإن، ونصبوا باللام؛ للفرق بينهما، ولم يكن للرفع مدخل في واحد من هذين المعنيين؛ لأنه يبطل مذهب الشرط؛ لأن الفعل المضارع إنما ارتفع لخلوّه من حرف الشرط وغيره من العوامل الجازمة والناصبة.
ولا يجوز أيضًا أن يقال "هلَّا نصبوا بإن وجزموا باللام وكان الفرق واقعًا" لأنا نقول: إنَّ إنْ لما كانت أمّ الجزاء كانت أولى باستحقاق الجزم، لأنها تفتقر إلى فعل الجزاء كما تفتقر إلى فعل الشرط فيطول الكلام، والجزم حذف، والحذف تخفيف، ومع طول الكلام يناسب الحذف والتخفيف، بخلاف اللام، فبان الفرق بينهما.
قالوا: ولا يجوز أن يقال "إنها لام الخفض التي تعمل في الأسماء" لأنا نقول: لو جاز أن يقال إن هذه اللام الداخلة على الفعل هي اللام الخافضة والفعل بعدها ينتصب بتقدير "أن" لجاز أن يقال "أمرت بتكرم" على تقدير: أمرت بأن
_________________
(١) ١ انظر في هذه المسألة: مغني اللبيب لابن هشام "ص٢١٠ بتحقيقنا" وشرح الأشموني مع حاشية الصبان "٣/ ٢٤٧" وتصريح الشيخ خالد الأزهري "٢/ ٣٠٧" وما بعدها" وشرح ابن يعيش على المفصل "ص١١٨٨ و١٢٢٩".
[ ٢ / ٤٦٩ ]
تكرم، فلما لم يجز ذلك بالإجماع دلَّ على فساده، على أنَّا وإن سلمنا أنها من عوامل الأسماء إلا أنها عامل من عوامل الأفعال في بعض أحوالها، والدليل على هذا أنها تجزم الأفعال في غير هاتين الحالين، في الأمر والدعاء، نحو "ليقم زيد، وليغفر الله لعمرو" فكما جاز أن تعمل في بعض أحوالها في المستقبل جزمًا جاز أيضًا أن تعمل في بعض أحوالها فيه نصبًا.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن الناصب للفعل "أن" المقدرة دون اللام، وذلك لأن اللام١ من عوامل الأسماء، وعوامل الأسماء لا يجوز أن تكون عوامل الأفعال؛ فوجب أن يكون الفعل منصوبًا بتقدير "أن". وإنما وجب تقدير "أن" دون غيرها لأن "أن" يكون مع الفعل بمنزلة المصدر الذي يحسن أن يدخل عليه حرف الجر، وهي أمّ الباب، فكان تقديرها أولى من غيرها؛ ولهذا إن شئت أظهرتها بعد اللام، وإن شئت أضمرتها، كما يجوز إظهار الفعل وإضماره بعد "إن" في قولهم "إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر" وإنما حذفت ههنا بعد اللام وكذلك بعد الواو والفاء تخفيفًا، والحذف للتخفيف كثير في كلامهم؛ ولهذا يذهبون إلى أنه حذفت لام الأمر وتاء المخاطب في أمر المَوَاجَهِ طلبًا للتخفيف، وقد حكى هشام بن معاوية عن الكسائي أنه حكى عن العرب "لا بُدَّ مِنْ يَتْبَعَهَا" أي: لا بد مِنْ أن يتبعها؛ فحذف "أن" فكذلك ههنا.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إنما قلنا إنها هي الناصبة؛ لأنها قامت مقام كي، وكي تنصب، فكذلك ما قام مقامها" قلنا: لا نسلم أن كي تنصب بنفسها على الإطلاق، وإنما تنصب تارة بتقدير "أن" لأنها حرف جر، وتارة تنصب بنفسها، وليس حملها على إحدى الحالين أولى من الأخرى، بل حملها عليها في الحالة التي تنصب الفعل فيه بتقدير "أن" أولى من حملها عليها في الحالة التي تنصب الفعل بنفسها؛ لأنها في تلك الحالة التي تنصب الفعل بتقدير "أن" حرف جر كما أن اللام حرف جر، وفي الحالة التي تنصب الفعل بنفسها حرف نصب، وحمل حرف الجر على حرف الجر أولى من حمل حرف الجر على حرف النصب، فكما أن "كي" في هذه الحالة تنصب الفعل بتقدير "أن" فكذلك اللام ينبغي أن تنصبه بتقدير أن.
وقولهم "إنها تشتمل على معنى كي" قلنا: كما أنها تشتمل على معنى كي، إذا كانت ناصبة، فكذلك تشتمل على معنى كي إذا كانت جارة؛ فإنه لا فرق بين
_________________
(١) ١ في ر "عاملة من عوامل الأفعال" وليس بذاك.
[ ٢ / ٤٧٠ ]
كي الناصبة وكي الجارة في المعنى؛ على أن كونها في معنى كي الناصبة لا يخرجها عن كونها حرف جر، فإنه قد يتفق الحرفان في المعنى وإن اختلفا في العمل، ألا ترى أن اللام في قولك جئت لأكرمك" بمعنى كي في قولك "جئت كي أكرمك، ولكي أكرمك" وإن كانت اللام حرف جر، وكي حرف نصب، ولم تخرج بذلك عن كونها حرف جر، فكذلك ههنا.
فإن قلتم: إن اللام ههنا دخلت على الاسم الذي هو مصدر؛ فلم تخرج عن كونها حرف جر.
قلنا: وكذلك اللام ههنا دخلت على الاسم الذي هو مصدر؛ لأن "أن" المقدرة مع الفعل في تقدير المصدر؛ فقد دخلت على الاسم، ولا فرق بينهما.
وأما قولهم "إنها تفيد معنى الشرط فأشبهت إن المخففة الشرطية" قلنا: لا نسلم أنها تفيد الشرط، وإنما تفيد التعليل، ثم لو كان كما زعمتم لكان ينبغي أن تحمل عليها في الجزم؛ فيجزم باللام كما يجزم بإن؛ لأجل المشابهة التي بينهما.
قولهم "إنَّ إنْ لما كانت أمّ الجزاء أرادوا أن يفرقوا بينهما" قلنا: فهلَّا رفعوا؟ قولهم "إنَّ الرفع يبطل مذهب الشرط" قلنا: فكان ينبغي أن لا ينصب أيضًا؛ لأن النصب أيضًا يبطل مذهب الشرط!
وقولهم "إن الفعل المضارع يرتفع لخلوه من حرف الشرط وغيره من العوامل الناصبة والجازمة" قلنا: قد بينا فساد ما ذهبوا إليه من ارتفاع الفعل المضارع بتعرِّيه من العوامل الناصبة والجازمة في موضعه بما يُغْنِي عن الإعادة.
وأما قولهم "إنها لو كانت لام الجر لجاز أن يقال: أمرت بتكرم، على معنى أمر بأن تكرم" قلنا: هذا فاسد، وذلك لأن حروف الجر لا تتساوى؛ فإن اللام لها مزية على غيرها؛ لأنها تدخل على المصادر التي هي أغراض الفاعلين، وهي شاملة يحسن أن يسأل بها عن كل فعل فيقال: لم فعلت؟ لأن لكل فاعل غرضًا في فعله، وباللام يخبر عنه ويسأل عنه؛ وكي وحتى في ذلك المعنى، ألا ترى أنك تقول: مدحت الأمير ليعطيني، وحتى يعطيني؛ فجاز أن تقدر بعدها "أنْ" وليست الباء كذلك؛ فلا يجوز أن تقدر.
وقولهم "إنا نسلم أنها من عوامل الأسماء؛ إلا أنها من عوامل الأفعال في بعض أحوالها، بدليل أنها تجزم الأفعال في قولهم: ليقم زيد" قلنا: إذا سلمتم أنها من عوامل الأسماء بطل أن تكون من عوامل الأفعال؛ لأن العامل إنما كان عاملًا لاختصاصه، فإذا بطل الاختصاص بطل العمل.
[ ٢ / ٤٧١ ]
وقولهم "إنها تجزم الفعل" قلنا: لا نسلم أن هذه اللام هي اللام الجازمة، فإن لام الجر غير١ لام الأمر، والدليل على ذلك أن لام الجر لا تقع مبتدأة، بل لا بد أن تتعلق بفعل أو معنى فعل، نحو "جئتك لتقوم" وما أشبه ذلك، وأما لام الأمر فيجوز الابتداء بها من غير أن تتعلق بشيء قبلها، ألا ترى أنك تقول: "ليقم زيد، وليذهب عمرو" فلا تتعلق اللام بفعل ولا معنى فعل، فبان الفرق بينهما، والله أعلم.
_________________
(١) ١ في ر "فإن لام الجزم غير لام الأمر" وليس بشيء، بل هو خطأ لأنهما شيء واحد.
[ ٢ / ٤٧٢ ]
٨٠- مسألة [هل يجوز إظهار "أن" المصدرية بعد "لكي" وبعد حتى؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز إظهار "أن" بعد "كي" نحو "جئت لكي أن أكرمك" فتنصب "أكرمك" بكي، "وأن" توكيد لها، ولا عمل لها. وذهب بعضهم إلى أن العامل في قولك "جئت لكي أن أكرمك" اللام، وكي وأن توكيدان لها، وكذلك أيضًا يجوز إظهار "أن" بعد حتى.
وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز إظهار "أن" بعد شيء من ذلك بحال.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه يجوز إظهار "أن" بعدها النقل والقياس.
أما من جهة النقل فقد قال الشاعر:
[٣٧٥]
أردت لِكَيْمَا أن تَطِيرَ بِقِرْبَتِي فتتركها شَنًّا بِبَيْدَاءَ بَلْقَعِ
_________________
(١) هذا البيت من شواهد ابن يعيش في شرح المفصل "ص٩٢٨" وابن هشام في مغني اللبيب "رقم ٣٠٦" وفي أوضح المسالك "رقم ٤٩٢" والأشموني "رقم ٩٩٩" ورضي الدين في نواصب المضارع من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "٣/ ٥٨٥" كما شرحه العيني "٤/ ٤٠٤ بهامش الخزانة" و"ما" في قوله: "لكيما" زائدة بالإجماع، وتطير: تسير سيرا سريعا، ومعنى تتركها تخليها، وعلى هذا يكون قوله بعد ذلك "شنا" حالًا من الضمير المستتر في تتركها، ويجوز أن يكون تتركها بمعنى تصيرها، وعلى هذا الوجه يكون قوله بعد ذلك "شنا" مفعولًا ثانيًا لتتركها، وشنا: أي يابسة متخرقة، والبيداء: الصحراء التي يبيد سالكها، أي يهلك، والبلقع: الخالية. ١ انظر في هذه المسألة: شرحنا المطول على شرح الأشموني "٣/ ١٨٤" وشرح الأشموني بحاشية الصبان "٢/ ١٨ و٣/ ٢٥١ وما بعدها" ومغني اللبيب لابن هشام "ص١٢٤ و١٨٢" وشرح الرضي على الكافية "٢/ ٢٢٢ و٢٢٣" وشرح ابن يعيش على المفصل "ص٩٢٨".
[ ٢ / ٤٧٣ ]
وأما من جهة القياس فلأَنَّ "أنْ" جاءت للتوكيد، والتوكيد من كلام العرب؛ فدخلت "أن" توكيدًا لها، لاتفاقهما في المعنى وإن اختلفتا في اللفظ كما قال الشاعر:
[٣٧٦]
قد يَكْسِبُ المالَ الهِدَانُ الجافي بغير لا عَصْفِ ولا اصْطِرَافِ
_________________
(١) = ومحل الاستشهاد بهذا البيت قوله "لكيما أن" حيث أظهر الشاعر "أن" المصدرية بعد كي، وفي هذه العبارة ثلاثة مذاهب للنحاة: المذهب الأول: مذهب جمهور الكوفيين، وتلخيصه أن "كي" في جميع استعمالاتها حرف مصدري ناصب للفعل المضارع بنفسه مثل أن المصدرية الناصبة للمضارع، فإن جاءت "أن" بعدها كما في هذا البيت فأن إما زائدة، وإما بدل من كي، وإما توكيد لكي، لأنهما بمعنى واحد، ونختار أنها توكيد، وإن جاءت اللام بعدها كما في قول الشاعر: كي لتقضيني رقية ما وعدتني غير مختلس وكما في بعض الروايات في الشاهد رقم "٣٤٦" الذي سبق قريبًا تكون اللام زائدة، وإن دخلت على "ما" الاستفهامية نحو قولك "كيمه" كانت كي أيضًا مصدرية، والمضارع المنصوب منها محذوف، وما الاستفهامية مفعول به للمضارع المحذوف، فإذا قال لك قائل "أزورك غدا" فقلت له "كيمه" فكأنك قلت: كي أفعل ماذا؟ المذهب الثاني: مذهب الكسائي، وحاصله أن كي في جميع استعمالاتها حرف جر، دالٍ على التعليل، وانتصاب المضارع بعدها بأن المصدرية مقدرة، فإن تقدمت عليها اللام الدالة على التعليل نحو قوله تعالى: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا﴾ فكي بدل من اللام أو توكيد لها ومعناهما واحد، وإن تأخرت اللام كما في البيت الذي أنشدناه والشاهد رقم "٣٤٦" السابق، فاللام حينئذ بدل من كي أو توكيد لها. المذهب الثالث: مذهب جمهور البصريين، وحاصله أن "كي" تأتي على ثلاثة أوجه: الأول: أن تكون اسمًا مختصرًا من كيف، والثاني: أن تكون حرف جر دال على التعليل مثل اللام فتدخل على ما الاستفهامية وعلى ما المصدرية، والثالث: أن تكون حرفًا مصدريًا مثل أن المصدرية في المعنى والعمل، ولتفصيل مواضع كل واحد من هذه الوجوه الثلاثة مكان غير هذا الموضع. ومثل البيت المستشهد به قول جميل بن معمر العذري، وهو من شواهد الرضي وابن هشام في المغني: فقالت: أكل الناس أصبحت مانحًا لسانك كيما أن تغر وتخدعا؟ ومثله أيضًا قول الآخر، وأنشده أبو ثروان: أردت لكيما أن ترى لي عثرة ومن ذا الذي يعطى الكمال فيكمل؟
(٢) هذان بيتان من الرجز المشطور، وقد أنشدهما ابن منظور "ص ر ف - ع ص ف" ونسبهما في المرتين إلى العجاج، وقد روى البغدادي "٣/ ٥٨٦" ثانيهما عن الفراء ونسبه إلى رؤبة، ورواهما ابن منظور "هـ د ن" باختلاف يسير هكذا: قد يجمع المال الهدان الجافي من غير ما عقل ولا اصطراف ونسبهما إلى رؤبة. والهدان -بكسر الهاء- الأحمق الوخم الثقيل في الحرب، والجافي: =
[ ٢ / ٤٧٤ ]
فأكد "غير" بلا؛ لاتفاقهما في المعنى، ولهذا قلنا: إن العمل لكي، وأن لا عمل لها؛ لأنها دخلت توكيدا لها، وكذلك أيضًا قلنا: إن العمل للام في قولك "جئت لكي أن أكرمك" لأن كي وأن تأكيدان للام، ولا يبعد في كلامهم مثل ذلك؛ فقد قالوا: لا إن ما رأيتُ مثل زيد، فجمعوا بين ثلاثة أحرف من حروف الجحد للمبالغة في التوكيد، فكذلك ههنا.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إظهار "أنْ" بعد "لكي" لا يخلو: إما أن تكون لأنها قد كانت مقدرة فجاز إظهارها بعد الإضمار، وإما أن تكون مزيدة ابتداء من غير أن تكون قد كانت مقدرة، بطل أن يقال "إنها قد كانت مقدرة" لأن "لكي" تعمل بنفسها، ولا تعمل بتقدير "أن" ولو كانت تعمل بتقدير "أن" لكان ينبغي إذا ظهرت "أن" أن يكون العمل لأن دونها، فلما أضيف العمل إليها دلَّ على أنها العامل بنفسها، لا بتقدير أن، وبطل أن يقال أنها تكون مزيدة ابتداء؛ لأن ذلك ليس بمقيس فيفتقر إلى توقيف عن العرب، ولم يثبت عنهم في ذلك شيء، فوجب أن لا يجوز ذلك.
ومنهم من تمسك بأن قالوا: إنما لم يجز إظهار "أن" بعد كي وحتى؛ لأن كي وحتى صارتا بدلًا من اللفظ بأن، كما صارت "ما" بدلًا عن الفعل في قولهم: أما أنت منطلقا انطلقت معك، والتقدير فيه: أن كنت منطلقا انطلقت معك، فحذف الفعل وجعلت "ما" عوضا عنه، وكما لا يجوز أن يظهر الفعل بعد "ما" لئلا يجمع بين البدل والمبدل؛ فكذلك ههنا.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما البيت الذي أنشدوه فلا حجة لهم فيه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن هذا البيت غير معروف، ولا يعرف قائله، فلا يكون فيه حجة١.
_________________
(١) = الغليظ والعصف ومثله الاعتصاف: الطلب والحيلة، تقول: عصف فلان يعصف عصفا -من مثال ضرب يضرب ضربا- واعتصف، تريد أنه كسب وطلب واحتال وكد، وتقول: اصطرف فلان في طلب الكسب، إذا تصرف وكان ذا حيلة. وقد أنشد المؤلف هذا البيت على لسان الكوفيين ليقرر أن الكلمتين إذا كان معناهما واحدًا جاز أن تؤكد إحداهما بالأخرى كما أكد الراجز "غير" بلا في هذا الرجز أو كما تقع أن المصدرية بعد كي المصدرية فتكون أن توكيدًا لكي، وهذا ظاهر بعد أن ذكرنا مذهبهم مفصلًا في شرح الشاهد السابق. ١ لا نرى لك أن تقر هذا -لا في هذا الموضع ولا في غيره، ولا على لسان الكوفيين ولا البصريين- فكم من الشواهد التي يستدل بها هؤلاء وهؤلاء وهي غير منسوبة ولا لها سوابق أو لواحق، وفي كتاب سيبويه وحده خمسون بيتًا لم يعثر لها العلماء بعد الجهد والعناء الشديدين على نسبة لقائل معين.
[ ٢ / ٤٧٥ ]
والوجه الثاني: أن يكون قد أظهر "أن" بعد "كي" لضرورة الشعر؛ وما يأتي للضرورة لا يأتي في اختيار الكلام.
والوجه الثالث: أن يكون الشاعر أبدل "أن" من "كيما" لأنهما بمعنى واحد، كما يبدل الفعل من الفعل إذا كان في معناه؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ [الفرقان: ٦٩] فـ "يضاعف" بدل من "يلق" وقال الشاعر:
[٣٧٧]
متى تأتنا تُلْمِمْ بنا في ديارنا تجد حطبًا جزلًا ونارًا تَأَجَّجَا
[٣٧٨]
إن يَغْدِرُوا أو يَجْبُنُوا أو يَبْخَلُوا لا يَحْفِلُوا
_________________
(١) هذا البيت من شواهد سيبويه "١/ ٤٤٦" ولم ينسبه إلى قائل معين، ولا نسبه الأعلم. وقد استشهد به الأشموني "رقم ٨٦٠" وانظر شرح الشاهد رقم ٧٠١ في خزانة الأدب "٣/ ٦٦" وانظر أيضًا شرح الشاهد "رقم ٣٠" في شرح قطر الندى لابن هشام. وتلمم: مضارع مجزوم من الإلمام وهو الزيارة. وتأججا: مأخوذ من التأجج وهو التوقّد والالتهاب، وهذه الكلمة تحتمل وجهين: الأول: أن تكون فعلًا ماضيًا، والألف في آخرها على هذا الوجه -يحتمل أن تكون ضمير الاثنين- وهما الحطب الجزل والنار -ويحتمل أن تكون الألف حرف الإطلاق، ويكون في الفعل ضمير مستتر يعود على النار أو على الحطب الجزل، فإذا أعدته على الحطب الجزل كان الأمر ظاهرًا، فإذا أعدته على النار احتجت إلى أن تسأل: كيف أعاد ضمير المذكر على النار وهي مؤنثة؟ ويجاب عن هذا بأنه لما كان تأنيث النار مجازيا استباح الشاعر لنفسه أن يؤنث الفعل المسند إليه. والوجه الثاني: أن يكون "تأججا" فعلًا مضارعا، وأصله تتأجج، فحذف إحدى التاءين، وعلى هذا الوجه يجب أن تعتبر هذه الألف منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة للوقف، والأصل "تتأججن". ومحل الاستشهاد بهذا البيت قوله "تأتنا تلمم بنا" فإن قوله "تلمم" بدل من قوله: "تأتنا" واسمع إلى سيبويه، قال: "وسألت الخليل عن قوله "متى تأتنا تلمم بنا البيت" قال: تلمم بدل من الفعل الأول، ونظيره في الأسماء: مررت برجل عبد الله، فأراد أن يفسر الإتيان بالإلمام كما فسر الاسم الأول بالاسم الآخر" ا. هـ. وقال الأعلم "الشاهد في جزم تلمم لأنه بدل من قوله تأتنا وتفسير له؛ لأن الإلمام إتيان، ولو أمكنه رفعه على تقدير الحال لجاز" ا. هـ.
(٢) هذان البيتان من شواهد سيبويه أيضًا "١/ ٤٤٦" وقد نسبهما لبعض بني أسد، ولم يزد الأعلم في نسبتهما على ذلك. وقوله "لا يحفلوا" من قول العرب: ما حفل فلان بكذا، يعنون أنه ما بالى به ولا أكثرت له، والمرجل: اسم المفعول من الترجيل وهو مشط الشعر وتليينه بالدهن ونحوه، ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "لا يحفلوا يغدوا عليك" فإن الفعل الثاني -وهو يغدوا- مجزوم لأنه بدل من الفعل الأول -وهو "لا يحفلوا"- وتفسير له. قال سيبويه "ومثل ذلك أيضًا قوله أنشدنيهما الأصمعي عن أبي عمرو لبعض بني أسد =
[ ٢ / ٤٧٦ ]
يغدوا عليك مُرَجَّلِـ ـين كأنهم لم يفعلوا
فيغدوا: بدل من قوله: "لا يحفلوا" فكذلك ههنا، وعلى كل حال فهو قليل في الاستعمال.
وأما قولهم "إن التأكيد من كلام العرب؛ فدخلت أنْ للتأكيد" قلنا: إنما جاز التوكيد فيما وقع عليه الإجماع؛ لأنه قد جاء عن العرب كثيرًا متواترًا شائعًا، بخلاف ما وقع الخلاف فيه؛ فإنه لم يأتِ عنهم فيه إلا شاذًّا نادرًا لا يُعَرَّج عليه، ولم يثبت ذلك الشاذ النادر أيضًا عنهم؛ فوجب أن لا يكون جائزًا، والله أعلم.
_________________
(١) ــ = "إن يبخلوا أو يجبنوا البيتين" فقوله يغدوا على البدل من قوله لا يحفلوا كما هو؛ لأن غدوهم مرجلين دليل على أنهم لم يحفلوا بقبيح ما أتوه؛ فهو تفسير له وتبيين" ا. هـ.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
٨١- مسألة: [هل يجوز مجيء "كَمَا" بمعنى "كَيْمَا" وينصب بعدها المضارع؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن "كما" تأتي بمعنى كيما، وينصبون بها ما بعدها، ولا يمنعون جواز الرفع، واستحسنه أبو العباس المبرد من البصريين.
وذهب البصريون إلى أن "كما" لا تأتي بمعنى "كيما" ولا يجوز نصب ما بعدها بها.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن "كما" تكون بمعنى "كيما" وأن الفعل يُنْصَب بها أنه قد جاء ذلك كثيرًا في كلامهم، قال الشاعر وهو صخر الغَيِّ:
[٣٧٩]
جاءت كبيرٌ كما أخفِّرَهَا والقوم صيدٌ كأنهم رَمِدُوا
_________________
(١) هذا هو البيت السادس عشر من قصيدة لصخر الغي بن عبد الله الهذلي "ديوان الهذليين ٢/ ٥٧" وكان صخر الغي قد قتل جارًا لبني خناعة من بني سعد بن هذيل من بني الرمداء من مزينة، فحرض أبو المثلم قومه على صخر ليطلبوا بدم المزني، فبلغ ذلك صخرًا، فقال في ذلك هذه القصيدة، وأخفرها -بتضعيف الفاء- أي أمنعها وأجيرها وأؤمنها، تقول "خفر الرجل الرجل، وخفر به، وعليه، وخفره تخفيرًا" إذا أجاره ومنعه وأمنه وكان له خفيرًا، وقال أبو جندب الهذلي: ولكنني جمر الغضى من ورائه يخفرني سيفي إذا لم أخفر والصيد -بكسر الصاد- جمع أصيد، وهو الوصف من الصيد -بفتح الصاد والياء جميعًا، وهو داء يأخذ الإبل في رءوسها فترفع رءوسها وتسمو بها، فإذا كان ذلك في الرجل كان من كبر وطماحة. ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "كما أخفرها" فإن الكوفيين ذهبوا إلى أن "كما" بمعنى كيما وهي مؤلفة من كي الناصبة للمضارع وما الزائدة، ويجوز أن تكف "ما" الزائدة كي عن عمل النصب فيرتفع المضارع بعدها، ويجوز ألا تكفها فينتصب المضارع بكي كما في هذا البيت، وقد ذهب إلى هذا المذهب أبو علي الفارسي؛ فزعم أن = ١ انظر في هذه المسألة: مغني اللبيب "ص١٧٦-١٧٧" وشرح الأشموني مع حاشية الصبان "٣/ ٢٣٧" وشرح الرضي على الكافية "٢/ ٢٢٣".
[ ٢ / ٤٧٨ ]
أراد "كيما أُخفرها" ولهذا المعنى انتصب "أخفرها" وقال الآخر:
[٣٨٠]
وطَرْفَكَ إما جئتنا فاصْرِفَنَّهُ كما يحسبوا أن الهوى حيث تنظر
أراد "كيما يحسبوا" وقال الآخر:
[٣٨١]
لا تظلموا الناس كما لا تُظْلَمُوا
_________________
(١) = "كما" أصلها "كيما" فحذفت الياء للتخفيف، وقال ابن مالك: "كما" مؤلفة من الكاف الجارة ومعناها التعليل، ومن ما الكافة، ونصب المضارع بعد "كما" بالكاف الدالة على التعليل حملًا لها على "كي" لأن معناها كمعناها، وهما رأيان متقاربان، غير أن رأي أبي علي الفارسي أدق؛ فإن كون الكاف ناصبة لكونها بمعنى كي بعيد، ومما يبعده أن الكاف من عوامل الأسماء فكيف تكون من عوامل الأفعال؟
(٢) هذا البيت من شواهد ابن هشام في مغني اللبيب "رقم ٢٩٥" والأشموني "رقم ١٠٠٢" وهو من شواهد شرح الألفية، وقد شرحه العيني "٤/ ٤٠٧ بهامش الخزانة" وهو البيت التاسع والخمسون من رائية عمر بن أبي ربيعة الطويلة "د٨٤-٩٥ بتحقيقنا" وذكر العلامة الأمير في حواشيه على مغني اللبيب أنه وجد البيت في قصيدة لجميل بن معمر العذري صاحب بثينة. والطرف -بفتح فسكون- أراد به العين، وإما: مركبة من أن الشرطية، وما المؤكدة، واصرفنه: أراد حوله إلى جهة أخرى غير جهتنا، ومحل الاستشهاد بالبيت هنا قوله "كما يحسبوا" فإن الكوفيين ذهبوا إلى أن "كما" مثل "كيما" ويجوز أن ينصب الفعل المضارع بعدها على تقدير أن "ما" زائدة غير كافة، ويجوز أن يرفع بعدها على تقدير أن ما زائدة كافة، وقد جاء هذا البيت بالنصب على الوجه الأول. وقد زعم أبو محمد الأسود في كتابه المسمى "نزهة الأديب" أن أبا علي الفارسي حرف هذا البيت، وأن الصواب روايته على هذا الوجه: إذا جئت فامنح طرف عينيك غيرنا لكي يحسبوا أن الهوى حيث تنظر ويقول أبو رجاء: إن الرواية في ديوان عمر بن أبي ربيعة على ما قال أبو محمد الأسود، ومع هذا لا أرى لك أن تقبل الطعن في أبي علي الفارسي بأنه صحف البيت ليستشهد به؛ فإن الروايات تكثر في الشعر العربي، وكل راوٍ يعتمد إحدى الروايات ويعول عليها، وقد أسمعناك كلاما مثل كلام أبي محمد في روايات وردت في كتاب سيبويه وقال العلماء بصدد ذلك: إن سيبويه غير متهم فيما يرويه بعد أن يسمعه من أفواه العرب، وإنه لا بد أن يكون قد سمع الرواية التي حكاها في كتابه، والشواهد في هذه المسألة كثيرة، وقد ذكر المؤلف منها جملة فما يدعوا أبا علي إلى أن يحرّف بيتًا ليستشهد به وفي غيره من الشعر الثابت مندوحة؟ بل إن رواية أبي محمد الأسود وهي رواية ديوان عمر تؤيد المذهب الذي رآه أبو علي الفارسي الذي خلاصته أن أصل "كما" هو كيما، فقد أنبأتك غير مرة أن البيت إذا روي بروايتين أو أكثر ووضعت في إحدى الروايتين كلمة في مكان كلمة في الروية الأخرى دلَّ ذلك على أن الكلمتين بمعنى واحد، لأن الراوي العارف بالعربية لا يضع الكلمة مكان الكلمة إلا وهو على ثقة من أن معناهما واحد، لأنه يريد أن يؤدي المعنى الذي فهمه من الكلام، فاعرف ذلك وكن منه على ثبت.
(٣) هذا البيت من شواهد رضي الدين في باب نواصب المضارع في شرح الكافية، وشرحه =
[ ٢ / ٤٧٩ ]
أراد "كيما لا تظلموا" وقال عَدِيّ بن زيد العِبَادِيُّ:
[٣٨٢]
اسْمَعْ حديثا كَمَا يوما تُحَدِّثَهُ عن ظهر غيب إذا ما سائلٌ سَأَلَا
_________________
(١) = البغدادي في الخزانة "٣/ ٥٩١ و٤/ ٢٨٦" وهو من أرجوزة لرؤبة بن العجاج. ومحل الاستشهاد منه قوله "كما لا تظلموا" فإنه دليل على صحة ما ذهب إليه الكوفيون من أن "كما" يجوز أن ينتصب الفعل المضارع بعدها على أن أصلها كيما فحذفت الياء تخفيفًا، ألست ترى قوله "لا تظلموا" منصوبًا بحذف النون لأنه من الأفعال الخمسة؛ إذ هو فعل مضارع اتصلت به واو الجماعة، وقد وافق أبو العباس المبرد على هذا المذهب ورآه اقتناعًا منه بما ورد من الشواهد الدالة على صحته، وأما البصريون فإنهم امتنعوا من إقرار ذلك، وذهبوا مذاهب في هذه العبارة، فمنهم من أنكر الشواهد أو زعم أن روايتها على غير ما ذكر الكوفيون، وقد سمعت في شرح الشاهد السابق رواية تخرجه عن الاستشهاد به، وقالوا في البيت الذي نحن بصدد شرحه: إن الرواية فيه. لا تظم الناس كما لاتظم بالفعل المضارع المسند إلى ضمير الواحد المخاطب، وهو مرفوع بالضمة الظاهرة، وعليه تكون الكاف للتشبيه أو للتعليل، وما: كافة لهذه الكاف عن الاختصاص بالأسماء وعمل الجر الذي هو الأصل فيها، أو ما: مصدرية، وهي مع الفعل الذي بعدها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، وكأنه قال: لا تظلم الناس لعدم ظلمك، ومنهم من سلم الرواية التي رواها الكوفيون، وزعم أن الناصب في هذه العبارة هو "ما" التي دخلت الكاف عليها، وما هذه مصدرية، والأصل أنها لا تعمل، لكن العرب شبهت ما بأن المصدرية فنصبت بما كما نصبت بأن، وشبهت أن المصدرية بما المصدرية فأهملت أن كما أهملت ما، وانظر الشاهد رقم ٣٧٠ السابق، وهذا كله جدل ولجاج في الخصومة، والذي ذهب إليه الكوفيون أقرب من جميع ما قالوه. هذا، وقد روى سيبويه بيت الشاهد على وجه آخر "١/ ٤٥٩" وهو: لا تشتم الناس كما لا تشتم بالإسناد إلى ضمير الواحد المخاطب، وكذلك أنشده رضي الدين في باب حروف الجر من شرح الكافية، وشرحه البغدادي، "٤/ ٢٨٦" وكذلك أنشده الأشموني في نواصب المضارع "رقم ١٠٠٣" وسيذكر المؤلف هذه الرواية في الرد على كلام الكوفيين.
(٢) أنشد ابن منظور "ك ى ا" هذا البيت ونسبه إلى عدي كما قال المؤلف، قال: "كي: حرف من حروف المعاني ينصب الأفعال بمنزلة أن، ومعناه العلة لوقوع الشيء، كقولك: جئت كي تكرمني، وقال في التهذيب: تنصب الفعل الغابر، تقول: أدبه كي يرتدع، قال ابن سيده: وقد تدخل عليه اللام، وفي التنزيل العزيز: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] وقال لبيد لكيلا يكون السندري نديدبي وربما حذفوا كي اكتفاء باللام وتوصلًا بما ولا، فيقال: تحرر كيلا تقع، وخرج كيما يصلي، قال الله تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [حشر: ٧] وفي كيما لغة أخرى حذف الياء من لفظه كما قال عدي: اسمع حديثا كما يوما تحدثه عن ظهر غيب إذا ما سائل سألا =
[ ٢ / ٤٨٠ ]
وقال الآخر:
[٣٨٣]
يُقَلِّبُ عَيْنَيْهِ كما لأَخَافَهُ تَشَاوَسْ رويدًا إنني مَنْ تأَمَّلُ
_________________
(١) =أراد كما يوما تحدثه، وكي، وكيلا، وكيم، وكما: تعمل في الألفاظ المستقبلة عمل أن ولن حتى إذا وقعت في فعل لم يجب" ا. هـ كلامه بحروفه، وضبط المضارع ضبط قلم في بيت عدي بالرفع، والخطب سهل؛ فإن الذي يستدل بهذا البيت لا يقول: إن النصب واجب كما قررناه في شرح الشواهد السابقة، فيحتمل أن في البيت روايتين: الرفع، والنصب، وقد نص -فيما نقله عن ابن سيده- على أن "كما" تعمل في الفعل المضارع عمل أن ولن، وإن كان المؤلف قد أنكر رواية النصب، وزعم أن الرواة اتفقوا على أن الرواية في هذا البيت بالرفع، وعلى ما رواه الكوفيون في هذا البيت بنصب "تحدثه" يستدل بهذا البيت على شيئين: الأول: أنه يجوز نصب الفعل المضارع بعد "كما" وتخريج ذلك على أن الأصل "كيما" فحذفت الياء تخفيفا، وما: زائدة غير كافة، والثاني: أنه لا يضر الفصل بين "كما" والفعل المضارع بالظرف، وهذا ظاهر إن شاء.
(٢) يقال "فلان يتشاوس في نظره" إذا نظر نظرة ذي نخوة وكبر، وقال أبو عمرو: هو أن ينظر بمؤخر عينه ويميل وجهه في شق العين التي ينظر بها، ويكون ذلك خلقة ويكون من الكبر والتيه والغضب. ورويدًا: أصله تصغير الإرواد تصغير الترخيم -يعني بحذف حروف الزيادة كلها وهي الهمزة التي في أوله والألف التي بعد الواو، ثم إدخال ياء التصغير على حروفه الأصلية وهي الراء والواو والدال- وقد قالوا: أرود فلان في سيره إروادا، يريدون أنه تمهل في سيره وترفق، وسيبويه يرى أن "رويدا" إنما يستعمل استعمال المصادر التي تنوب عن الأفعال، تقول "رويد عليا" أي أملهه، وتكون اسم فعل، تقول "رويدك" أي أمهل، ويرى أيضًا أنه قد يقع صفة فتقول: "سار سيرا رويدا" وأنك قد تذكر المصدر الموصوف كما في هذا المثال، وقد تحذفه فتقول: "سار رويدا" قال "١/ ١٢٣" "هذا باب متصرف رويد، تقول: رويد زيدًا، وإنما تريد أرود زيدا، قال الهذلي: رويد عليا، جد ما ثدي أمّهم إلينا، ولكن بغضهم متماين وسمعنا من العرب من يقول: والله لو أردت الدراهم لأعطيتك رويد ما الشعر، يريد أرود الشعر، كقول القائل: لو أردت الدراهم لأعطيتك فدع الشعر، فقد تبين لك أن رويد في موضع الفعل، ويكون رويدا أيضًا صفة كقولك: سار سيرا رويدا، ويقولون أيضًا: ساروا رويدا، فيحذفون السير ويجعلونه حالًا به وصف كلامه، واجتزاء بما في صدر حديثه من قوله ساروا عن ذكر السير، ومن ذلك قول العرب، ضعه رويدًا أي وضعًا رويدًا، ومن ذلك قولك للرجل تراه يعالج شيئًا: رويدًا، إنما تريد علاجا رويدا، فهذا على وجه الحال، إلا أن يظهر الموصوف فيكون على الحال وعلى غير الحال "ا. هـ كلامه بحروفه وعلى هذا يكون قول الشاعر في البيت المستشهد به "رويدا" حالًا من الضمير الواجب الاستتار في قوله "تشاوس" وقوله "إنني من تأمل" أي أنا ذلك الذي تتأمله وتنظر إليه، ومتى عرفتني عرفت أنه ليس لك أن تنظر لي نظر الكبر والغضب، ومحل الاستشهاد بهذا البيت قوله "كما لأخافه" حيث زعم الكوفيون أن الفعل المضارع الذي هو أخافه منصوب =
[ ٢ / ٤٨١ ]
أراد "كيما أخافه" إلا أنه أدخل اللام توكيدًا، ولهذا المعنى كان الفعل منصوبًا فهذه الأشياء كلها تدل على صحة ما ذهبنا اليه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز النصب بها؛ لأن الكاف في "كما" كاف التشبيه أدخلت عليها "ما" وجُعِلَا بمنزلة حرف واحد كما أدخلت على رب وجُعِلَا بمنزلة حرف واحد، ويليها الفعل كربما، وكما أنهم لا ينصبون الفعل بعد ربما فكذلك ههنا.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما البيت الأول فلا حجة لهم فيه؛ لأنه روي "كما أَخَفِّرُهَا" بالرفع؛ لأن المعنى جاءت كما أَجِيئُهَا، وكذلك رواه الفرَّاء من أصحابكم، واختار الرَّفْعَ في هذا البيت، وهو الرواية الصحيحة.
وأما البيت الثاني فلا حجة فيه أيضًا؛ لأن الرواية:
[٣٨٠]
لكي يحسبوا أن الهوى حيث تنظر
وأما البيت الثالث فلا حجة فيه أيضًا؛ لأن الرواية فيه بالتوحيد:
[٣٨١]
لا تَظْلِمِ الناس كما لا تُظْلَمُ
كالرواية الأخرى:
٣٨١-
لا تَشْتُمِ الناس كما لا تُشْتَمُ
وأما البيت الرابع فليس فيه حجة أيضًا؛ لأن الرواة اتفقوا على أن الرواية "كما يوما تحدثُهُ" بالرفع كقول أبي النجم:
[٣٨٤]
قلت لشيبان: ادْنُ من لِقَائِهِ كما تُغَدِّي القوم من شِوَائِهِ
_________________
(١) = بكما التي هي في الأصل كيما. ونقول: إن هذا البيت لا يصلح لاستدلال الكوفيين أصلًا، وذلك من عدة وجوه: الأول: ما ادّعاه المؤلف من أن الرواية على غير هذا الوجه وأنها "لكيما أخافه" وإن كنا لا نقر المؤلف على هذا، والثاني: أنه بعد تسليم صحة روايتهم يكون النصب باللام في قوله "لأخافه" لأنها لام التعليل وهي عندهم ناصبة بنفسها، أو بأن المضمرة بعد لام التعليل على ما هو مذهب البصريين، والقول بزيادة هذه اللام لا دليل عليه، والوجه الثالث: أنهم -أي الكوفيين- يقولون: إن كي لا تكون إلا مصدرية مثل أن، فمجيء اللام بعدها في مثل هذا الشاهد ينقض هذه المقالة؛ لأننا لو جعلنا اللام توكيدا لكي لم يصح لاختلاف معناهما حينئذ، إذ إن كي مصدرية واللام للتعليل، ولو جعلنا اللام بدلا من كي كانت كما في حكم الساقط من الكلام لأن المبدل منه على نية الطرح من الكلام، ويكون العمل للبدل الذي هو اللام، فيتعين عندهم أن تعتبر زائدة، وهذا ما لم يقم عليه دليل.
(٢) هذان بيتان من الرجز المشطور، وهما من شواهد سيبويه "١/ ٤٦٠" وقد نسبهما إلى أبي النجم الفضل بن قدامة العجلي، وقد أقر الأعلم هذه النسبة، قال سيبويه "١/ ٤٥٩": =
[ ٢ / ٤٨٢ ]
وكقول الآخر:
[٣٨٥]
أنِخْ فاصْطَبِغْ قُرْصًا إذا اعتادك الهَوَى بِزَيْتٍ كما يَكْفِيكَ فَقْدَ الحَبَائِبِ
_________________
(١) = "سألت الخليل عن قول العرب: انتظرني كما آتيك، وارقبني كما ألحقك، فزعم أن ما والكاف جعلتا بمنزلة حرف واحد، وصيرت للفعل كما صيرت ربما للفعل، والمعنى لعلي آتيك، فمن ثم لم ينصبوا به كما لم ينصبوا بربما، قال رؤبة: لا تشتم الناس كما لا تشتم وقال أبو النجم: قلت لشيبان: ادن من لقائه كما تغدي الناس من شوائه وقال الأعلم: "الشاهد في قوله كما تغدي، حيث وقع بالفعل بعد كما لأنها كاف التشبيه وصلت بما وهيئت لوقوع الفعل بعدها كما فعل بربما، ومعناها لعلّ، ومن النحويين من يجعلها بمعنى كي ويجيز النصب بها وهو مذهب الكوفيين" ا. هـ كلامه. وشيبان: اسم ابن الشاعر، وضمير الغيبة في قوله "لقائه" وقوله "شوائه" يعود إلى ظليم، يأمر الشاعر ابنه شيبان بأن يتبع هذا الظليم ويدنو منه لعله يصيده فيشوي لحمه ويطعم الناس من هذا الشواء.
(٢) أنخ: فعل أمر من الإناخة، تقول "أناخ فلان بعيره ينيخه إناخة" تريد أنه أبركه، واصطبغ: فعل أمر من الاصطباغ، وأصله الصبغ -بكسر الصاد وسكون الباء- وهو ما يصطبغ به من الإدام، ومثله الصباغ -بكسر الصاد- أيضًا ومنه قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] يعني بالصبغ دهن الزيتون، وقال الزجاج: أراد بالصبغ الزيتون، قال الأزهري: وهذا أجود القولين؛ لأنه قد ذكر الدهن قبله، وتقول: صبغ فلان اللقمة يصبغها صبغا -من مثال نصر- إذا دهنها وغمسها، وكل ما غمس فقد صبغ، والقرص -بضم القاف وسكون الراء- أراد به الرغيف من الخبز وقد يقال "قرصة" بالتاء -إذا كانت صغيرة، وترك التاء أكثر، والاستشهاد بهذا البيت في قوله "كما يكفيك" حيث ورد الفعل المضارع مرفوعًا بضمة مقدرة على الياء بعد كما، وغرض المؤلف أن يرد بهذا الشاهد على الكوفيين القائلين بجواز نصب الفعل المضارع بعد كما، لكن هذا الشاهد ومائة شاهد آخر مثله لا يكفي في الرد على ما ذهب إليه الكوفيون، وذلك لأن الكوفيين لا يقولون: إنه يجب أن ينتصب الفعل المضارع بعد كما، وإنما يقولون: إذا وقع الفعل المضارع بعد كما جاز فيه وجهان: أحدهما النصب والآخر الرفع، وقد أتو بشواهد جاء فيها النصب، والذي يرد مذهبهم ألا يكون ثمت شاهد قد جاء بالنصب، وقد حاول المؤلف أن يرد شواهد النصب، ولكنه لم يستقم له الرد؛ لأن الرواة الثقات قد أثبوتها، فاعرف ذلك، ولا تكن أسير التقليد.
[ ٢ / ٤٨٣ ]
ولم يروه أحد "كما يوما تحدثه" بالنصب إلا المفضّل الضّبي وحده، فإنه كان يرويه منصوبًا، وإجماعُ الرواة من نحويّي البصرة والكوفة على خلافه، والمخالف له أقْوَمُ منه بعلم العربية.
وأما البيت الخامس ففيه تكلف يقبح، والأظهر فيه:
[٣٨٣]
يُقَلِّبُ عينيه لكَيْمَا أَخَافَهُ
على أنه لو صحَّ ما رَوَوْهُ من هذه الأبيات على مقتضى مذهبهم فلا يخرج ذلك عن حدّ الشذوذ والقلّة، فلا يكون فيه حجة، والله أعلم.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
٨٢- مسألة: [هل تنصب لام الجحود بنفسها؟ وهل يتقدم معمول منصوبها عليها؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن لام الجَحْدِ هي الناصبة بنفسها، ويجوز إظهار "أن" بعدها للتوكيد، نحو: "ما كان زيد لأن يدخل دارك، وما كان عمرو لأن يأكل طعامك" ويجوز تقديم مفعول الفعل المنصوب بلام الجحد عليها، نحو "ما كان زيد دارك ليدخل، وما كان عمرو طعامك ليأكل".
وذهب البصريون إلى أن الناصب للفعل "أن" مقدرة بعدها، ولا يجوز إظهارها، ولا يجوز تقديم مفعول الفعل المنصوب بلام الجحد عليها.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنها هي العاملة بنفسها وجواز إظهار "أن" بعدها ما قدمناه في مسألة لام كي.
وأما الدليل على جواز تقديم المنصوب على الفعل المنصوب لام الجحد؛ فما قال الشاعر:
[٣٨٦]
لقد عَذَلَتْنِي أُمُّ عمرو، ولم أكن مَقَالَتَهَا ما كنتُ حيّا لأَسْمَعَا
_________________
(١) هذا البيت من شواهد شرح ابن يعيش على المفصل "ص٩٣٦" وروى صدره "لقد وعدتني أم عمرو" ورضي الدين في نواصب المضارع من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "٣/ ٦٢٢" وقال "ولم أقف على تتمته ولا على قائله" ومحل الاستشهاد بهذا البيت قوله "مقالتها" فقد وردت الرواية بنصب هذه الكلمة، وقد اتفق الفريقان الكوفيون والبصريون على ثبوت الرواية، ولكنهم اختلفوا في تخريجها، فقال الكوفيون: مقالتها مفعول به تقدم على عامله وهو الفعل المضارع المقترن بلام الجحود الذي هو قوله "لأسمعا" وجوزوا أن يتقدم معمول المضارع المنصوب بلام الجحود على اللام، وقال البصريون: لا يجوز أن يتقدم معمول المضارع المقرون بلام الجحود عليه، وزعموا أن قول الشاعر "مقالتها" مفعول به لفعل مضارع محذوف يدل عليه هذا الفعل المذكور، = ١ انظر في هذه المسألة: شرح المفصل لابن يعيش "ص٩٣٦" وشرح الرضي على الكافية "٢/ ٢٣٣".
[ ٢ / ٤٨٥ ]
أراد "ولم أكن لأسمع مقالتها" وقدم منصوبَ لأسمع عليه، وفيه لام الجحود، فدلَّ على جوازه، وفيه أيضًا دليل على صحة ما ذهبنا إليه من أن لام الجحود هي العاملة بنفسها من غير١ تقدير "أن" إذ لو كانت أنْ ههنا مُقَدَّرَة لكانت مع الفعل بمنزلة المصدر، وما كان في صلة المصدر لا يتقدم عليه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن الناصب "أن" المقدرة بعدها ما قَدَّمْناه في مسألة لام كي.
وأما الدليل على أنه لا يجوز إظهار "أن" بعدها فمن وجهين؛ أحدهما: أن قولهم: "ما كان زيد ليدخل، وما كان عمرو ليأكل" جواب فعل ليس تقديره تقدير اسم، ولا لفظه لفظ اسم؛ لأنه جواب لقول قائل "زيد سوف يدخل، وعمرو سوف يأكل" فلو قلنا "ما كان زيد لأن يدخل، وما كان عمرو لأن يأكل" بإظهار أن لكنا جعلنا مقابل سوف يدخل وسوف يأكل اسمًا؛ لأن أنْ مع الفعل بمنزلة المصدر وهو اسم؛ فلذلك٢ لم يجز إظهارها كما لا يجوز إظهار الفعل في قولك "إياك
_________________
(١) = وأصل الكلام: ولم أكن أسمع مقالتها، ثم يبين هذا الفعل المحذوف الذي أضمره بقوله "لأسمعا" والسر في هذا الخلاف أن الكوفيين يقولون: الناصب للمضارع هو اللام التي للجحود، والبصريون يقولون: الناصب له هو أن المصدرية مضمرة بعد اللام، والمضارع صلة لأن المصدرية، ومعمول الصلة لا يتقدم على الموصول، ولكن هذه القاعدة منقوضة من أساسها، وإن كان قد ارتضاها الجمهور من الفريقين؛ فقد تقدم معمول الصلة على الموصول في قول العجاج: ربيته حتى إذا تمعددا كان جزائي بالعصا أن أجلدا فإن قوله "بالعصا" متعلق بقوله "أجلدا" وهو معمول لأن المصدرية، ونظيره قول ربيعة بن مقروم الضبي: هلا سألت وخبر قوم عندهم وشفاء غيك خابرا أن تسألي فإن قوله "خابرا" مفعول به تقدم على عامله وهو قوله "تسألي" المنصوب بأن المصدرية، وقد اضطر النحاة لتتم لهم قاعدتهم أن يقولوا: إن "خابرا" منصوب بفعل محذوف يدل عليه الفعل المذكور، وإن قول العجاج "بالعصا" متعلق بفعل محذوف يدل عليه الفعل المذكور بعده. ومثل هذين البيتين قول الآخر وسيأتي قريبا في كلام المؤلف "ص٥٩٦": وإني امرؤ من عصبة خندفية أبت للأعادي أن تذل رقابها وسنعود إلى هذه المسألة مرة أخرى، غير أنا نبادر فنقرر أنا لا نرى مع كثرة الشواهد التي تثبت في مسألة من المسائل أن نعرض عن الشواهد ثم نتمسك بالتعليل؛ لأن هذا عدول عن النص إلى القياس، وذلك لا يجوز، فاعرف هذا، ولا تغفل عنه. ١ في ر "عن غير" وليس بشيء. ٢ في ر "فكذلك لم يجز".
[ ٢ / ٤٨٦ ]
وزيدًا" والوجه الثاني: أن التقدير عندهم: ما كان زيد مُقَدِّرًا لأن يدخل أو نحو ذلك من التقدير الذي يوجب المستقبل من الفعل، و"أنْ" توجب الاستقبال، فاستغنى بما تضمن الكلام من تقدير الاستقبال عن ذكر "أنْ".
ومنهم من قال: إنما لم يجز إظهار "أن" بعدها لأنها صارت بدلا من اللفظ بها؛ لأنك إذا قلت "ما كان زيد ليدخل" كان نفيًا لسيدخل، كما لو أظهرت "أن" فقلت "ما كان زيد لأن يدخل" فلما صارت بدلا منها كما أن ألف الاستفهام بدل من واو القسم في قولهم: "أللهِ لأقومنَّ" لم يجز إظهارها؛ إذا كانت اللام بدلا منها فكأنها مظهرة.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قول الشاعر:
[٣٨٦]
ولم أكن مقالتها ما كنت حيا لأسمعا
فلا حجّة لهم فيه؛ لأن "مقالتها" منصوب بفعل مقدر، كأنه قال: ولم أكن لأسمع مقالتها، لا بقوله "لأسْمَعَا" كما قال الشاعر:
[٣٨٧]
وإني امرؤ عن عصبة خِنْدِفِيّةِ أَبَتْ للأَعَادِي أنْ تَدِيخَ رِقَابُها
_________________
(١) هذا البيت من شواهد ابن يعيش في شرح المفصل "٩٣٦" وابن جني في شرح تصريف المازني "١/ ١٣٠" ولم يعزواه، والعصبة: الجماعة من الناس، وخندفية -بكسر الخاء والدال بينهما نون ساكنة- منسوبة إلى خندف، وهي امرأة إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وأصل اسمها ليلى بنت حلوان -ويقال: لها بنت عمران بن الحاف بن قضاعة- لقبت خندف في قصة مشهورة، وأصل الخندفة الإسراع في السير، تقول "خندف الرجل خندفة -من مثال دحرج دحرجة" إذا أسرع، وقالوا: "خندف الرجل" إذا انتسب إلى خندف، وقال رؤبة: إني إذا ما خندف المسمى وظُلِمَ رجلٌ فنادى: يا لخندف، فخرج إليه الزبير بن العوام ومعه سيفه وهو يقول: أخندف إليك أيها المخندف، يريد أسرع إلى نصرتك أيها المعتزي إلى خندف، وتديخ بالدال المهملة، وبالذال المعجمة أيضًا، أي تذل وتخضع، ويروى "أن تذل رقابها" والاستشهاد بالبيت في قوله "أبت للأعادي أن تديخ رقابها" فإن ظاهره أن الجار والمجرور -وهو قوله "للأعادي"- متعلق بقوله "تديخ" المتأخر عنه المعمول لأن المصدرية، فيكون معمول صلة أن المصدرية قد تقدم على أن، ولما كان جمهور النحاة قد اتفقوا على أن معمول صلة أن المصدرية لا يجوز أن يتقدم عليها فإنهم جعلوا الجار والمجرور متعلقًا بفعل محذوف يقدر قبله ويكون المذكور تفسيرا وبيانا لذلك المحذوف، وأصل الكلام: أبت أن تديخ رقابها للأعادي، أن تديخ رقابها، فحذف أن المصدرية وصلتها وهو ينويهما، ثم دلَّ على هذا الذي حذفه بذكر أن المصدرية وصلتها، قال ابن يعيش "وقال الكوفيون: لام الجحد هي العاملة بنفسها، وأجازوا تقديم المفعول على الفعل المنتصب بعد اللام، نحو قولك: ما =
[ ٢ / ٤٨٧ ]
فاللام في قوله "للأعادي" لا تكون من صلة "أن تَدِيخَ" بل من صلة فعل مُقَدَّرٍ قبله، وتقديره "أبت أن تديخ" وجعل هذا المُظْهَر تفسيرًا لذلك المقدر، وهذا النحو في كلامهم أكثر من أن يحصى، والله أعلم.
_________________
(١) = كنت زيدًا لأضرب، وأنشدوا "لقد وعدتني أم عمرو البيت السابق" ولا دليل في ذلك؛ لأنا نقول: إنه منصوب بإضمار فعل، كأنه قال: ولم أكن لأسمع مقالتها، ثم بين ما أضمر بقوله لأسمعا، كما في قوله "أبت للأعادي أن تذل رقابها" التقدير: أبت أن تذل رقابها للأعادي، ثم كرر الفعل بيانا للمضمر، فاعرفه" ا. هـ كلامه. ويقول أبو رجاء: لقد أصل النحاة قاعدة أن معمول الصلة لا يتقدم على الموصول، واستنبطوا لهذه القاعدة علة حاصلها أن الصلة تكملة وتمام للموصول، وهما في قوة الكلمة الواحدة، وأن المعمول من تكملة العامل، وتقديم المعمول كتقديم عجز الكلمة على صدرها، ولما كان تقديم عجز الكلمة على صدرها غير جائز كان تقديم ما هو بمنزلة عجز الكلمة على ما هو بمنزلة صدرها غير جائز أيضًا، فيكون تقديم معمول الصلة على الموصول غير جائز، وفاتهم أن النص مقدم على القياس وعلى التعليل، وأن تقدير شيء وفي الكلام ما يغني عنه مما لا يصح ارتكابه ولا اللجوء إليه، ثم إنهم يقولون دائما: إن الجار والمجرور يتوسع فيهما ما لا يتوسع في غيرهما، فهلا اعتذروا عن تقدم معمول الفعل المعمول لأن المصدرية في هذا البيت بأن هذا المعمول جار ومجرور، وأن الجار والمجرور يتوسع فيهما ما لا يتوسع في غيرهما، ولكننا نعتقد أن البصريين لما رأوا معمول الفعل المنصوب بعد لام الجحود في البيت السابق "الشاهد رقم ٣٨٦" مفعولا صريحا وليس جارا ومجرورًا، وأن حجة الكوفيين قائمة به، لما رأوا ذلك تغاضوا عن كون المعمول في هذا البيت جارا ومجرورًا وساقوا الكلام مساقًا واحدًا، فتنبه لذلك، وأجل فيه نظرك، والله يتولاك بعصمته وتأييده.
[ ٢ / ٤٨٨ ]
٨٣- مسألة: [هل تنصب "حتى" الفعل المضارع بنفسها؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن حتى تكون حرف نصب ينصب الفعل من غير تقدير أن، نحو قولك "أطع الله حتى يدخلَك الجنة، واذكر الله حتى تطلعَ الشمس" وتكون حرف خفض من غير تقدير خافض، نحو قولك "مَطَلْتُهُ حتى الشتاء، وسَوَّفْتُهُ حتى الصيف". وذهب أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي إلى أن الاسم يخفض بعدها بإلى مضمرة أو مظهرة. وذهب البصريون إلى أنها في كلا الموضعين حرف جر، والفعل بعدها منصوب بتقدير "أن" والاسم بعدها مجرور بها.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنها تنصب الفعل بنفسها لأنها لا تخلو: إما أن تكون بمعنى كي كقولك: "أطع الله حتى يدخلك الجنة" أي: كي يدخلك الجنة، وإما أن تكون بمعنى إلى أن كقولك: "اذكر الله حتى تطلع الشمس" أي: إلى أن تطلع الشمس، فإن كانت بمعنى كي فقد قامت مقام كي، وكي تنصب، فكذلك ما قام مقامها، وإن كانت بمعنى إلى أن فقد قامت مقام أن، وأن تنصب، فكذلك ما قام مقامها، وصار هذا بمنزلة واو القسم؛ فإنها لما قامت مقام الباء عملت عملها، وكذلك واو رب لما قامت مقامها عملت عملها، فكذلك ههنا. وقلنا "إنها تخفض الاسم بنفسها" لأنها قامت مقام إلى، وإلى تخفض ما بعدها، فكذلك ما قام مقامها.
وأما الكسائي فقال: إنما قلت إنها تخفض بإلى مضمرة أو مظهرة لأن التقدير في قولك "ضربت القوم حتى زيد" حتى انتهى ضربي إلى زيد، ثم حذف انتهى ضربي إلى" تخفيفا، فوجب أن تكون إلى هي العاملة.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن الناصب للفعل "أن" المقدرة دون حتى أنَّا أجمعنا على أن حتى من عوامل الأسماء، وإذا كانت من عوامل
_________________
(١) ١ انظر في هذه المسألة: شرح الأشموني بحاشية الصبان "٣/ ٢٥٢" وشرح ابن يعيش على المفصل "ص٩٢٧ و٩٣٧" وشرح الكافية للرضي "٢/ ٢٢٤ وما بعدها".
[ ٢ / ٤٨٩ ]
الأسماء فلا يجوز أن تجعل من عوامل الأفعال؛ لأن عوامل الأسماء لا تكون عوامل الأفعال، كما أن عوامل الأفعال لا تكون عوامل الأسماء، وإذا ثبت أنه لا يجوز أن تكون عواملُ الأسماء عواملَ الأفعال، فوجب أن يكون الفعل منصوبًا بتقدير "أن" وإنما وجب تقديرها دون غيرها لأنها مع الفعل بمنزلة المصدر الذي يدخل عليه حرف الجر، وهي أم الحروف الناصبة للفعل؛ فلهذا كان تقديرها أولى من غيرها.
والذي يدل على أن الفعل بعد حتى منصوب بتقدير "أن" لا بها نفسها قول الشاعر:
[٣٨٨]
دَاوَيْتُ عين أبي الدَّهِيقِ بِمَطْلِهِ حتى المصيف ويَغْلُوَ القِعْدَانُ
فالمصيف: مجرور بحتى، ويغلو: عطف عليه، فلو كانت حتى هي الناصبة لوجب أن لا يجيء الفعل ههنا منصوبًا بعد مجيء الجر؛ لأن حتى لا تكون في موضع واحد جارة وناصبة، والمعطوف يجب أن يكون على إعراب المعطوف
_________________
(١) أبو الدهيق: كنية رجل، ومطله: مصدر مطله يمطله من باب نصر إذا سوَّف في قضاء حاجته ولم يفِ له، والمصيف: زمان الصيف، ويغلو: مضارع "إلا البعير في سيره غلوا" إذا ارتفع في سيره فجاوز حسن السير، والقعدان بكسر القاف وسكون العين المهملة جمع قعود، وهو من الإبل الذي يقتعده الراعي في كل حاجة، يتخذه للركوب ولحم الزاد والمتاع. ويقال: القعود من الإبل هو البكر حين يركب ت أي يمكن ظهره من الركوب وأدني ذلك أن يأتي عليه سنتان، يقال للذكر: قعود، وللأنثي قلوص، إلى أن يثنيا، ثم يقال لذكر جمل وللأنثي ناقة، ومحل الاستشاهد من هذا البيت قوله "ويغلو" فإنه فعل مضارع منصوب، وقد سبقه اسم مجرور بحتي لأنها لو كانت هي الناصبة للفعل المضارع لكانت قد عملت الجر في الاسم والنصب في الفعل، ولا نظير لذلك في العربية، ولكانت الواو قد عطفت مضارعا منصوبًا على اسم مجرور وذلك مما لا يجوز، وقد ذهب البصريون إلى أن هذا المضارع منصوب بأن المصدرية محذوفة، والتقدير: أن يغلو القعدان، وأن هذه مع الفعل في تأويل مصدر مجرور معطوف على الاسم المجرور بحتي، وكأنه قال: حتى المصيف وغلو القعدان. قال أبو رجاء: ثم يقال بعد ذلك أن المعروف أن أن المصدرية تقدر بعد حرف من حروف العطف، وهذا هو مذهب البصريين، فأين هذا الحرف الذي ستقدر أن بعده؟ وذلك لأن حتى المذكورة قد عملت الجر في الاسم الذي بعدها، والذي يخطر لي أنه لتكملة كلام البصريين الذي ذكره المؤلف لا بد من تقدير "حتى" أخرى بعد الواو تكون أن المصدرية وما عملت فيه في تأويل مصدر مجرور بها، وتكون الواو قد عطفت حتى ومجرورها على حتى المذكورة ومجرورها، وكأنه قد قال: حتى المصيف وحتي يغلو القعدان؛ فتأمل في ذلك.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
عليه؛ فإذا لم يكن قبل "يغلو" فعل منصوب وكان قبله اسم مجرور علمت أن ما بعد الواو يجب أن يكون مجرورًا، وإذا وجب الجر بعد الواو وجب أن يكون "يغلو" منصوبًا بتقدير أنْ؛ لأنَّ أنْ مع الفعل بمنزلة الاسم على ما بيّنا.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم: "إنها إذا كانت بمعنى كي فقد قامت مقام كي، وكي تنصب، فكذلك ما قام مقامها" فالكلام على فساده كالكلام في مسألة لام كي؛ فلا نعيده ههنا.
وأما قولهم: إنها إذا كانت بمعنى "إلى أن" فقد قامت مقام أنْ، وأنْ تنصب، فكذلك ما قام مقامها" قلنا: هذا فاسد، لأنه يجوز عندكم ظهور أن بعد حتى، ولو كانت بدلا عنها لما جاز ظهورها بعدها؛ لأنه لا يجوز أن يجمع بين البدل والمبدل، ألا ترى أن واو القسم لما كانت بدلا عن الباء لم يجز أن يجمع بينهما؛ فلا يقال: "بوالله لأفعلن" وكذلك التاء في القسم لما كانت بدلا عن الواو لا يقال: "تَوَالله لأقومن" لما كان يؤدي إليه من الجمع بين البدل والمبدل؟ وأما واو رب فلا نسلم أنها قامت مقامها، ولا أنها عاملة، وإنما هذا شيء تدعونه على أصلكم، وقد بيّنّا فساده في موضوعه بما يغني عن الإعادة.
وأما ما ذهب إليه الكسائي من أن الخفض بإلى مضمرة أو مظهرة فظاهر الفساد؛ لبعده في التقدير، وإبطال معنى "حتى". وذلك لأن موضع حتى في الأسماء أن يكون الاسم الذي بعدها من جنس ما قبله، وإنما حتى اختصَّته من بين الجنس، لأنه يستبعد منه الفعل أكثر من استبعاده من سائر الجنس، كقولك: قاتل زيد السباع حتى الأسد" لأن قتاله الأسد أبعد من قتاله لغيره، وكقولك "استجرأ على الأمير جنده حتى الضعيفُ الذي لا سلاح معه" لأن استجراء الضعيف الذي لا سلاح معه أبعد من استجراء غيره؛ فلو قلنا إن التقدير فيه: حتى انتهى استجراؤهم إلى الضعيف الذي لا سلاح معه؛ لأدّى ذلك إلى زيادة كثيرة، وكانت "إلى" في صلة "انتهى" لا في صلة "حتى" وذلك خروج عن المتناولات القريبة من غير برهان ولا قرينة، وذلك لا يجوز، وإذا قلنا: إنه مجرور بحتى؛ لم يخرج عن قياس العربية والمتناولات القريبة؛ لأن حتى قد يليها المجرور في حالٍ وغير المجرور في حالٍ، ولا نظائر مما يجر في حال، ولا يجر في حال، نحو "مُذْ، ومُنْذُ" و"حَاشَا، وخلا" في الاستثناء، وإذا ظهر الجر بعدها ولم يدل دليل على إضمار حرف جر -على أن حروف الجر لا تعمل مع الحذف- دلَّ على أنها هي الجارة.
والذي يدل على أنها هي الجارة قولهم: "حَتَّام، وحَتَّامَهْ" كقولهم: "إلامَ،
[ ٢ / ٤٩١ ]
وإلامَهْ" والأصل فيها: حتى ما، وما للاستفهام، فلو لم يكن حتى حرف جر، وإلا لما جاز حذف الألف من "ما" لأن ما لا يحذف ألفها إلا أن يدخل عليها حرف جر، على ما بينا في "كيمه، وفيمه، وبمه، ولمه، وعمَّه" وما أشبه ذلك؛ فدل على أنها هي الجارة.
والذي يدل على أنه لا يجوز أن تكون إلى مقدرة بعد حتى أن حتى تقوم مقام إلى، ألا ترى أنك تقول "أَقِمْ حتى يقدم زيد، وسِرْ حتى تطلع الشمس" فيصلح أن تقيم مقامها "إلى" فتقول "أقم إلى أن يقدم زيد، وسر إلى أن تطلع الشمس" فتقوم "إلى" مقام حتى، فإذا كانت تقوم مقامها فينبغي أن لا يجمع بينهما؛ لأن إحداهما تغني عن الأخرى.
والذي يدلُّ على أن "حتى" في موضع إلى في هذا الموضع أنك تقول: أقم إلى قدومِ زيد، وأقم حتى قدومِ عمرو. وإنما ظهرت "أن" بعد إلى، ولم تظهر بعد حتى لأن إلى تلزم الاسم، وحتى لا تلزم الاسم، فألزموا إلى أنْ لتظهر اسميةُ ما دخلت عليه، وقوةُ لزومها الجرَّ، وكذلك أيضًا يحسن ظهور "أنْ" بعد لام كي، ولم يحسن بعد حتى وكي؛ لأن اللام تلزم الاسم، بخلاف حتّى وكي، والله أعلم.
[ ٢ / ٤٩٢ ]
٨٤- مسألة: [عامل الجزم في جواب الشرط] ١
ذهب الكوفيون إلى أن جواب الشرط مجزوم على الجِوَارِ، واختلف البصريون؛ فذهب الأكثرون إلى أن العامل فيهما حرف الشرط، وذهب آخرون إلى أن حرف الشرط وفعل الشرط يعملان فيه، وذهب آخرون إلى أن حرف الشرط يعمل في فعل الشرط، وفعل الشرط يعمل في جواب الشرط، وذهب أبو عثمان المازني إلى أنه مبنيّ على الوَقْفِ.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه مجزوم على الجوار لأن جواب الشرط مجاور لفعل الشرط، لازم له، لا يكاد ينفكُّ عنه، فلما كان منه بهذه المنزلة في الجوار حمل عليه في الجزم، فكان مجزوما على الجوار، والحمل على الجوار كثير، قال الله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ والْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] وجه الدليل أنه قال: ﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾ بالخفض على الجوار، وإن كان معطوفا على ﴿الَّذِينَ﴾ فهو مرفوع لأنه اسم "يكن"، وقال تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وأَرْجُلَكُمْ إلى الكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] بالخفض على الجوار، وهي قراءة أبي عمرو، وابن كثير، وحمزة، ويحيى عن عاصم، وأبي جعفر، وخلف، وكان ينبغي أن يكون منصوبًا؛ لأنه معطوف على قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُم﴾ [المائدة: ٦] كما في القراءة الأخرى، وهي قراءة نافع، وابن عامر، والكسائي، وحفص عن عاصم، ويعقوب، ولو كان معطوفًا على قوله: ﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾ لكان ينبغي أن تكون الأرجل ممسوحة لا مغسولة، وهو مخالف لإجماع أئمة الأمة من السلف والخلف، إلا فيما لا يعد خلافًا، ثم قال زهير:
[٣٨٩]
لَعِبَ الرِّيَاحُ بها وغَيَّرَهَا بَعْدِي سَوَافِي المُورِ والقَطْرِ
_________________
(١) هذا البيت من كلام زهير بن أبي سلمى المزني، وهو البيت التالى للشاهد رقم ٢٣٢ = ١ انظر في هذه المسألة: شرح الأشموني مع حاشية الصبان "٤/ ١٣" وتصريح الشيخ خالد الأزهري "٢/ ٣١٣" وشرح الرضي على الكافية "٢/ ٢٣٦ وما بعدها" وشرح ابن يعيش على المفصل "ص٩٤٧ وما بعدها".
[ ٢ / ٤٩٣ ]
فخفض "القطر" على الجوار، وإن كان ينبغي أن يكون مرفوعًا؛ لأنه معطوف
_________________
(١) = الذي تقدم في المسألة ٥٤ "وانظر الديوان ٨٦-٨٧" ورواية الأعلم "لعب الزمان بها إلخ" والسوافي: جمع سافية، وتطلق على الريح التي تسفي التراب، ويقال أيضًا على التراب الذي تسفيه الرياح، أي تذروه وتطيره وتهيجه، والمور -بضم الميم- هو التراب، والقطر -بفتح القاف وسكون الطاء- هو المطر، والاستشهاد بهذا البيت في قوله "والقطر" فإنه مجرور بدليل أن رويّ هذه القصيدة مجرور، فيسبق إلى الوهم أنه معطوف على "المور" لأنه هو المجرور بإضافة سوافي إليه، ولو عطف على المور للزم أن يكون معمولًا لسوافي؛ لأن العامل في المعطوف هو العامل في المعطوف عليه، ويلزم أن يكون تقدير الكلام: سوافي المور وسوافي القطر، ومراد الشاعر أن الذي غير هذه الديار شيئان: أحدهما: الرياح التي تسفي عليها التراب، وثانيهما: المطر، وهذا المعنى لا يتأدى إلا بأن يكون "القطر" معطوفا على سوافي مع أنه ليس للمطر سوافين فيكون مرفوعًا في التقدير، وجره لمجاورته المجرور، فتقول: القطر معطوف على سواف، والمعطوف على المرفوع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المجاورة. والجر على الجوار واقع في العربية في بابي العطف والنعت -وزاد قوم في باب التوكيد أيضًا- فأما باب العطف فمنه هذا البيت، ومنه قول الآخر: كم قد تمششت من قصّ وإنفحة جاءت إليك بذاك الأضؤن السود تقول: تمششت العظم؛ إذا مصصت أطرافه، والقصّ -بفتح القاف- عظام الصدر، أو رأس الصدر، والإنفحة -بكسر الهمزة وسكون النون وفتح الفاء- كرش الحمل أو الجدي إذا كان لم يأكل، فإذا أكل فهو كرش، فقول الشاعر "وإنفحة" لا يجوز أن يكون معطوفا على "قص" لأنه لو كان معطوفا على قص لكان قوله تمششت عاملًا فيه، وقد علمت أن التمشش خاص بمص العظم، والإنفحة ليست عظمًا، فوجب أن يكون قوله "إنفحة" مفعولًا به لفعل محذوف، وتقدير الكلام: كم تمششت من عظم وأكلت إنفحة، ويكون إنفحة منصوبًا بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المجاورة. وأما الجر إلى الجوار في باب النعت فمن شواهده قولهم "هذا جحر ضب خرب" -بجر خرب مع أنه نعت لجحر المرفوع؛ فخرب مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المجاورة، ونظيره قول امرئ القيس في معلقته: كان ثبيرًا في عرانين وبله كبير أناس في بجاد مزمل ثبير: اسم جبل، شبهه بكبير قوم مزمل في بجاد، فمزمل: نعت لكبير المرفوع على أنه خبر كأن، والرواية بجر مزمل بدليل رويّ القصيدة كلها، فهو مرفوع تبعًا لموصوفه وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المجاورة. ونظيره قول دريد بن الصمة: فجئت إليه والرياح تنوشه كوقع الصياصي في النسيج الممدد فدافعت عنه الخيل حتى تبددت وحتى علاني حالك اللون أسود فأسود صفه لحالك اللون، وأسود مجرور بدليل الرويّ، وحالك اللون: مرفوع لأنه فاعل =
[ ٢ / ٤٩٤ ]
على "سَوَافِي" ولا يكون معطوفًا على "المُورِ" وهو الغُبَار؛ لأنه ليس للقطر سوافٍ كالمور ٢٥١- حتى يعطفه عليه، وقال الآخر:
[٣٩٠]
كأنَّمَا ضَرَبَتْ قُدَّامَ أعيُنِهَا قُطْنًا بِمُسْتَحْصِدِ الأوتار مَحْلُوجِ
فخفض "محلوج" على الجوار، وكان ينبغي أن يقول "محلوجًا"؛ لكونه وصلًا لقوله "قطنًا" ولكنه خفضه على الجوار، وقال الآخر:
[٣٩١]
كأنَّ نَسْجَ العَنْكَبُوتِ المُرْمَلِ
_________________
(١) = علاني، ولكنه جرّ أسود لكونه بجوار اللون المجرور بالإضافة. وأما الجر للمجاورة في باب التوكيد فقد ورد منه قول الشاعر، وهو من شواهد ابن هشام في الشذور. يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب فإن قوله "كلهم" توكيد لذوي الواقع مفعولًا به لبلغ، وقد وردت الرواية بجر كل، وقد علمت أن التوكيد يتبع المؤكد في إعرابه؛ فكان حق العربية أن ينصب كلا، ولكنه لما وقع مجاورا للزوجات المجرور بالإضافة جره، فهذا الجر بسبب مجاورة الاسم المجرور. والنحاة يذكرون أن الجر بسبب مجاورة الاسم المجرور سواء أكان في النعت أم في العطف -شاذ، وهو في باب التوكيد أشد شذوذًا، لأنهم مختلفون في مجيئه في هذا الباب، وفي اعتباره فيه.
(٢) القطن -بضم القاف وسكون الطاء- معروف، و"مستحصد الأوتار" من إضافة الصفة للموصوف، أي الأوتار المستحصدة، وتقول: هذا حبل أحصد -كأحمر- وحصد -كفرح- ومحصد -كمكرم- ومستحصد -بكسر الصاد- إذا كان قد أحكم فتله وصنعته، وهذا اللفظ يقال في كل ما أحكمت صناعته من الحبال والأوتار والدروع، وقالوا "هذا رجل محصد الرأي" أي سديد الرأي محكمه، على التشبيه، وقالوا: "هذا رأي مستحصد" أي محكم وثيق، وهو في هذا بفتح الصاد، وقال لبيد: وخصم كنادي الجن أسقطت شأوهم بمستحصد ذي مرة وضروع يريد برأي سديد وثيق محكم، ومحلوج: اسم المفعول من قولهم "حلج القطن يحلجه -من مثال ضرب ونصر" إذا ندفه، وقطن حليج ومحلوج: مندوف، أي قد استخرج منه الحب، وصانع ذلك هو الحلاج كالعطار والقصاب، وصناعته الحلاجة كالعطارة والقصابة، والمحلج والمحلجة والمحلاج: الخشبة أو الحجر الذي يندف عليه، ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "محلوج" فإن الرواية فيه بالجر مع أنه نعت لقوله "قطنا المنصوب على أنه مفعول به لقوله "ضربت" وذلك لأن هذه الكسرة ليست الحركة التي اقتضاها العامل، وإنما هي كسرة المجاورة، فهو منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المجاورة.
(٣) هذا بيت من الرجز المشطور، وهو من شواهد سيبويه "١/ ٢١٧" وشواهد ابن جني في الخصائص "٣/ ٢٢١" وقد نسبه سيبويه إلى العجاج، وأقر الأعلم هذه النسبة، وقد =
[ ٢ / ٤٩٥ ]
فخفض "المُرْمَلِ" على الجوار، وكان ينبغي أن يقول: "المرملا" لكونه وَصْفًا
_________________
(١) = كرر البغدادي ذكره في شرح الشاهد رقم ٣٤٩ من الخزانة "٢/ ٣٢١" وبعد هذا البيت قوله: على ذرى قلامه المهدل سبوب كتان بأيدي الغزل المرمل -بوزن اسم المفعول- أي المنسوج، والقلام -بضم القاف وتشديد اللام- ضرب من النبت، والمهدّل أي المسترسل، والسبوب: الشقق أي قطع الكتان. شبه نسيج العنكبوت على ما نبت من القلام حول المنهل بشقق من الكتان بأيدي الغازلات ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "المرمل" فإنه مجرور بدليل روي الأبيات التي ذكرناها لك مما يليه، وهو صفة لنسج العنكبوت المنصوب لكونه اسم كأن، ومتى كان من المقرر الذي لا يحتمل التردد أن النعت يجب أن يطابق منعوته في حركة إعرابه كان من المسلم به أن هذه الكسرة التي في "المرمل" ليست هي الحركة التي اقتضاها العامل؛ لأن العامل يتقضي فتحة، فهو إذًا منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المجاورة، قال الأعلم "الشاهد فيه جر المرمل على العنكبوت نعتًا لها في اللفظ لقرب جوارها منه، وكان الخليل ﵀ لا يجيز مثل هذا حتى يكون المتجاوران مستويين في التعريف والتنكير، والتأنيث والتذكير، والإفراد والتثنية والجمع، كقولهم: هذا جحر ضب خرب، وجحرًا ضبين خربين، وجحرة ضباب خربة، وسيبويه يجيز الحمل على الجوار وإن اختلف المتجاوران، إذا لم يشكل المعنى، كقولك: هذان جحرا ضب خربين، وهذا جحر ضبين خرب، واحتج ببيت العجاج هذا، لأنه حمل المرمل وهو مذكر على العنكبوت وهي مؤنثة، والمرمل من وصف الغزل في الحقيقة" ا. هـ، قال أبو رجاء: وقد قال قوم: إنه ليس في هذا البيت رد على الخليل، لأن العنكبوت تذكر وتؤنث، فيجوز أن يكون هنا مذكرًا، فلا يصلح البيت ردًّا عليه، ومثله مما ذكروه في سبيل الرد على الخليل قول الحطيئة، وأنشده ابن جني "٣/ ٢٢٠" والرضي لذلك، وشرحه البغدادي "٢/ ٣٢١". فإياكم وحية بطن وادٍ هموز الناب ليس لكم بسي وحية البطن وادٍ: أراد نفسه، يريد أنه يحمي ناحيته ويذود عما يحميه فيجب عليهم أن يتقوه ويحذروا صولته، وهموز الناب: مأخوذ من الهمز وهو الضغط والغمز، وليس لكم بسي: أي ليست مثلكم ولا مستوية معكم، بل فوقكم وأعلى منكم، والاستشهاد به عندهم في قوله: "هموز الناب" فإن الرواية في هذه الكلمة بجر "هموز" مع أنها نعت للحية المنصوب على التحذير، وقد جرَّ الشاعر هذه الكلمة لأنها في مجاورة كلمة مجرورة وهي قوله: "وادٍ" والهموز مؤنثة لكونها صفة للحية والوادي مذكر، فدلَّ على أنه لا يلزم في الجرّ للمجاورة أن يكون المتجاوران متساويين في التذكير والتأنيث، كما ذهب إليه الخليل بن أحمد، بل يجوز مع تخالفهما في التذكير والتأنيث، وفي التعريف والتنكير، وفي الإفراد والتثنية والجمع، على ما قررناه لك من قبل، قال ابن جني "جر هموز لمجاورته الواد مع اختلاف المضاف والمضاف إليه تذكيرًا وتأنيثًا، فإن =
[ ٢ / ٤٩٦ ]
للنسج، لا للعنكبوت، ومن ذلك قولهم: "جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ" فخفضوا خربًا على الجوار، وكان ينبغي أن يكون مرفوعًا؛ لكونه في الحقيقة صفة للجحر، لا للضّبّ، فكذلك ههنا: جواب الشرط كان ينبغي أن يكون مرفوعًا، إلا أنه جزم للجوار، ولهذا إذا حلت بينه وبين فعل الشرط بالفاء أو بإذا رجع إلى الرفع، وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ [الج-ن: ١٣] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] .
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن العامل هو حرف الشرط وذلك لأن حرف الشرط يقتضي جواب الشرط كما يقتضي فعل الشرط، وكما وجب أن يعمل في فعل الشرط فكذلك يجب أن يعمل في جواب الشرط.
وأما من ذهب إلى أن حرف الشرط وفعل الشرط يعملان في جواب الشرط فقال: إنما قلنا ذلك لأن حرف الشرط وفعل الشرط يقتضيان جواب الشرط؛ فلا ينفك أحدهما عن صاحبه، فلما اقتضياه معًا وجب أن يعملا فيه معًا؛ كما قلنا في الابتداء والمبتدأ أنهما يعملان في الخبر، فكذلك ههنا، غير أن هذا القول وإن اعتمد عليه كثير من البصريين فلا ينفك من ضعفٍ، وذلك لأن فعل الشرط فعل، والأصل في الفعل أن لا يعمل في الفعل، وإذ لم يكن للفعل تأثير في أن يعمل في الفعل، و"إنْ" له تأثير في العمل في الفعل؛ فإضافة ما لا تأثير له إلى ما له تأثير لا تأثير له.
والتحقيق فيه عندي أن يقال: إنَّ "إن" هو العامل في جواب الشرط بواسطة فعل الشرط؛ لأنه لا ينفك عنه؛ فحرف الشرط يعمل في جواب الشرط عند وجود فعل الشرط، لا به، كما أن النار تسخن الماء بواسطة القدر والحطب؛ فالتسخين إنما حصل عند وجودهما، لا بهما؛ لأن التسخين إنما حصل بالنار
_________________
(١) = حية مؤنث وما بعدها مذكر" ا. هـ، وفي هذه الكلام شيآن: الأول: أنه جعل خلاف الخليل وسيبويه في المضاف والمضاف إليه، والأعلم يجعله في المتجاورين اللذين هما المضاف إليه وما جر لمجاورته إياه، ويمكن في كلام سيبويه أن يحمل على كل واحد من هذين، لكني أستبعد أن يكون الخلاف بينهما في مساواة المضاف والمضاف إليه فيما ذكرنا، بل ينبغي أن يكون الخلاف بينهما في المتجاورين على ما فهمه الأعلم، والثاني: أن هذا البيت مثل بيت العجاج؛ لأن الحية يقال على الذكر وعلى الأنثى، والعرب تقول: حيّة ذكر، فيجوز أن يقال: إنه عنى هنا الحية الذكر، والبطن مذكر، فقد اتفق المضاف والمضاف إليه على كلام ابن جني، ويجوز أن يقال: إن هموز مذكر لكونه وصفًا للحية الذكر، والوادي مذكر، فاتفق المتجاوران تذكيرًا وتأنيثًا على ما هو كلام الأعلم، فاعرف هذا وتنبه له.
[ ٢ / ٤٩٧ ]
وحدها فكذلك ههنا؛ إنْ هو العامل في جواب الشرط عند وجود فعل الشرط لا أنه عامل١ معه.
وأما من ذهب إلى أن حرف الشرط يعمل في فعل الشرط، وفعل الشرط يعمل في جواب الشرط، فقال: لأن حرف الشرط حرف جزم، والحروف الجازمة ضعيفة فلا تعمل في شيئين، فوجب أن يكون فعل الشرط هو العامل.
وهذا القول ضعيف أيضًا؛ لأنه يؤدي إلى إعمال الفعل في الفعل. وقولهم: "الحروف الجازمة ضعيفة فلا تعمل في شيئين" باطل؛ لما بينا من وجه مناسبته للعمل في الشرط وجوابه لاقتضائه لهما، بخلاف غيره من الحروف الجازمة؛ فإنها لما اقتضت فعلًا واحدًا عملت في شيء واحد، وحرف الشرط لما اقتضى شيئين وجب أن يعمل في شيئين قياسًا على سائر العوامل.
فأما من ذهب إلى أنه مبني على الوقف فقال: لأن الفعل المضارع إنما أعرب بوقوعه موقع الاسم، وجواب الشرط لا يقع موقع الاسم؛ لأنه ليس من مواضعه؛ فوجب أن يكون مبنيًّا على أصله، فكذلك فعل الشرط٢.
وهذا القول ليس بمعتدّ به عند البصريين؛ لظهور فساده؛ لأنه لو كان الأمر على ما زعمتم لكان ينبغي أن لا يكون الفعل معربا بعد أن وكي وإذن، وكذلك أيضًا بعد لم ولما ولام الأمر ولا في النهي؛ لأن الاسم لا يقع بعد هذه الأحرف؛ فكان ينبغي أن يكون الفعل بعدها مبنيا؛ لأنه لم يقع موقع الاسم؛ فلما انعقد الإجماع في هذه المواضع على أنه معرب، وأنه منصوب بدخول النواصب ومجزوم بدخول الجوازم؛ دلَّ على فساد ما ذهب إليه.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] فلا حجة لهم فيه؛ لأن قوله: ﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾ ليس معطوفًا على ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وإنما هو معطوف على قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ﴾ فدخله الجر لأنه معطوف على مجرور، لا على الجوار.
وأما قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلى الكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] فلا حجة لهم فيه أيضًا؛ لأنه على قراءة من قرأ بالجر ليس معطوفا على قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وإنما هو معطوف على قوله: ﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾ على أن المراد بالمسح في الأرجل الغسل، وقال أبو زيد
_________________
(١) ١ في ر "إلا أنه عامل معه" ولا يستقيم مع ما قرره. ٢ الظاهر أن عبارة "فكذلك فعل الشرط" مقحمة إذ لا مؤدى لها.
[ ٢ / ٤٩٨ ]
الأنصاري: المسح خفيف الغسل، وكان أبو زيد الأنصاري من الثقات الأثبات في نقل اللغة، وهو من مشايخ سيبويه، وكان سيبويه إذا قال "سمعت الثقة" يريد أبا زيد الأنصاري.
والذي يدل على ذلك قوله: "تمسحت للصلاة" أي توضأت، والوضوء يشتمل على ممسوح ومغسول، والسر في ذلك أن المتوضئ لا يقنع بصب الماء على الأعضاء حتى يمسحها مع الغسل؛ فلذلك سمي الغسل مسحًا، فالرأس والرجل ممسوحان، إلا أن المسح في الرجل المراد به الغسل لبيان السنة، ولولا ذلك لكان محتملًا، والذي يدل على أن المراد به الغسل ورود التحديد في قوله: ﴿إِلَى الكَعْبَيْنِ﴾ والتحديد إنما جاء في المغسول لا في الممسوح، وقال قوله: الأرجل معطوفة على الرأس في الظاهر، لا في المعنى، وقد يعطف الشيء على الشيء والمعنى فيهما مختلف، قال الشاعر:
[٣٩٢]
إذا ما الغانيات بَرَزْنَ يومًا وزَجَّجْنَ الحَوَاجِبَ والعُيُونَا
فعطف العيون على الحواجب وإن كانت العيون لا تُزَجَّجَ، وقال الآخر:
[٣٣٤]
تراه كأن الله يَجْدَعُ أَنْفَهُ وعينيه إِنْ مولاه ثَابَ له وَفْرُ
_________________
(١) هذا البيت من شواهد ابن هشام في مغني اللبيب "رقم ٥٨٧" وفي أوضح المسالك "رقم ٢٥٩" وفي شرح شذور الذهب "رقم ١١٦" وابن جني في الخصائص "٢/ ٤٣٢" وابن عقيل "رقم ٢٩٩" والأشموني "رقم ٤٤٢" والرضي، وشرحه البغدادي "٣/ ٩١ و٤/ ١٧٣" والبيت من كلام الراعي النميري، واسمه عبيد بن حصين، وبرزن ظهرن، تقول "برز فلان يبرز بروزا -على مثال قعد يقعد قعودا" إذا ظهر، وزجّجن أي دققن، وتقول: رجل أزجّ، وامرأة زجّاء؛ إذا كان كل منهما قد دقق حاجبيه ورققهما في طول، ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "والعيونا" فإن ظاهر الأمر أن هذه الكلمة معطوفة على الحواجب" مع أن العامل في المعطوف عليه لا يصح أن يتسلط على المعطوف؛ لأن العيون لا تزجج، وإنما تكحل، مثلًا، ومن أجل هذا لم يرتض المحققون والأثبات من العلماء أن تكون هذه الواو قد عطفت كلمة العيون على كلمة الحواجب مع بقاء معنى كلمة زججن على معناها الأصلي الذي ذكرناه، بل ذهبوا إلى أحد طريقين: الأول: أن يكون قوله "العيونا" مفعولًا به لفعل محذوف يناسبه، وكأنه قال: زججن الحواجب وكحلن العيونا، وتكون الواو قد عطفت جملة على جملة، والطريق الثاني: أن تتوسع في كلمة "زججن" فتجعل المراد بها حسّنّ أو جملن أو ما أشبه ذلك مما يصح أن يتسلط على المعطوف والمعطوف عليه جميعًا، وعلى هذا تكون الواو قد عطفت مفردا على مفرد، وقد بينا لك ذلك بيانا وافيا في الكلام على الشاهد رقم ٣٣٤ الذي سبق في المسألة ٧٠ ومن هنا تعلم أن قول المؤلف إنهم عطفوا الثاني على الأول في مثل هذا البيت كلام مبني على الظاهر، ولا شيء فيه من التحقيق.
[ ٢ / ٤٩٩ ]
فعطف عينيه على أنفه، وإن كانت العينان لا توصفان بالجدع؛ وقال لبيد:
[٣٩٣]
فَعَلَا فروع الأَيْهُقَانِ وأَطْفَلَتْ بالجَلْهَتَيْنِ ظِبَاؤُهَا ونَعَامُهَا
فعطف نعامها على ظباؤها، والنعام لا تُطْفِلُ، وإنما تَبِيضُ، وقال الآخر:
[٣٩٤]
يالليت بَعْلَكِ في الوَغَى متقلّدًا سيفًا ورُمْحًا
_________________
(١) هذا هو البيت السادس من معلقة لبيد بن ربيعة العامري "انظر شرح التبريزي على المعلقات العشر ص١٢٧ ط السلفية" وهو من شواهد ابن جني في الخصائص "٢/ ٤٣٢" ويروى "فغلا فروع الأيهقان" بالغين معجمة ورفع فروع الأيهقان، ويروى "فاعتم نور الأيهقان" ومن روى "فعلا" بالعين مهملة رفع فروع الأيهقان أو نصبه، فأما من روى "فغلا" بغين معجمة فرفع فروع الأيهقان، ومعناه عنده ارتفع وزاد، من قولهم "غلا السعر" إذا ارتفع، وقولهم "غلا الصبي يغلو" إذا شب، والمعنى كذلك عند من روى "فاعتم نور الأيهقان" وعند من روى "فعلا فروع الأيهقان" بالعين المهملة مع رفع الفروع، فأما من روى بنصب الفروع فقد جعل في علا ضميرا مستترا يعود إلى السيل، والمعنى أن السيل قد ارتفع حتى علا فروع الأيهقان وجاوزها، والرفع أجود معنى، لأن الغرض وصف هذه الأرض بالنماء والخصب وأن ما فيها قد عاش ونما، ولأنه المناسب لما بعده، وأطفلت: أي صارت ذات طفل أي ولد، والفروع: الأعالي، واحدها فرع، والجلهتان: جانبا الوادي، وموطن الاستشهاد من هذا البيت قوله "وأطفلت ظباؤها ونعامها" فإن ظاهره أن قوله: "نعامها" معطوف على قوله: "ظباؤها" فيكون الفعل الذي عمل في المعطوف عليه هو العامل في المعطوف وأهل العربية لا يقولون "أطفلت النعامة" وإنما يقولون في هذا المعنى أفرخ النعام أو باض النعام؛ ولهذا يرى أهل التحقيق من النحاة أن العامل في "نعامها" محذوف، والتقدير: أطفلت ظباؤها وأفرخت نعامها، أو أطفلت ظباؤها وباضت نعامها، وعلى هذا تكون الواو قد عطفت جملة "وأفرخت نعامها" على جملة "أطفلت ظباؤها" أو يكون الشاعر قد توسع في معنى "أطفلت" فصيره كقولك "أنتجت" وما يؤدي مؤداه، وحينئذ يصح تسلطه على كل واحد من المعطوف والمعطوف عليه، ويرد على المؤلف ما أوردناه عليه في شرح الشاهد السابق، ونظير ذلك أيضًا قول لبيد في المعلقة نفسها: بطليح أسفار تركن بقية منها فأحنق صلبها وسنامها الطليح: الناقة التي أعيت وتعبت، وأحنق، أي ضمر، والاستشهاد به في قوله: "أحنق صلبها وسنامها" فإن ظاهره أن قوله "سنامها" معطوف على قوله "صلبها" فيكون قوله "أحنق" مسلطا عليهما جميعا، وقد قال نقلة اللغة: إنه يقال: "أحنق صلب الناقة" أي ضمر وهزل، ولا يقال "أحنق سنام الناقة" وإنما يقال: ذهب سنامها فيئول بأحد التأويلين السابقين، ومن العلماء من أجاز أن تقول "أحنق السنام" وأغلب ظني أنه إنما أجازه على تضمين أحنق معنى دق أو فني أو ذهب أو ما أشبه ذلك.
(٢) هذا البيت من شواهد ابن يعيش في شرح المفصل "ص٢٢٤" وكامل المبرد "١/ ١٩٦ و٢١٨ الخيرية، رغبة الآمل ٣/ ٢٣٤" وخصائص ابن جني "٢/ ٤٣١" وأنشده ابن منظور
[ ٢ / ٥٠٠ ]
فعطف "رمحًا" على "سيفًا" وإن كان الرمح لا يتقلّد، وقال الآخر:
[٣٩٥]
علفتها تبنًا وماء باردًا حتى شَتَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا
_________________
(١) "ق ل د" وصحة الرواية "يا ليت زوجك قد غدا" وهو -كما قال الأخفش- من كلام عبد الله بن الزبعرى، ومحل الاستشهاد منه قوله "متقلدًا سيفا ورمحا" فإن ظاهره أن قوله "رمحًا" معطوف على قوله "سيفا" فيكون قوله "متقلدا" مسلطًا وعاملًا في المعطوف والمعطوف عليه جميعا، وقد قال علماء اللغة: إنه يقال: تقلد فلان سيفه، ولا يقال: تقلد رمحه، وإنما يقال: حمل رمحه، وقالوا "المقلد" -بضم الميم وفتح القاف وتشديد اللام مفتوحة- لموضع نجاد السيف من كتف الرجل، والكلام في هذا كالكلام الذي ذكرناه في الشواهد السابقة: إما أن يكون "رمحا" مفعولا لمحذوف، أي متقلدا سيفا ومعتقلا رمحا، وإما أن يكون متقلدا" قد ضمن معنى يصح تسلطيه على المعطوف والمعطوف عليه جميعا كحامل، قال ابن يعيش بعد أن أنشد البيت "يريد متقلدًا سيفًا ومعتقلًا رمحًا؛ لتعذر حمله على ما قبله، لأنه لا يقال: تقلّدت الرمح" ا. هـ.
(٢) هذا البيت أنشده ابن منظور "ق ل د" وهو من شواهد ابن جني في الخصائص "٢/ ٤٣١" وابن هشام في أوضح المسالك "رقم ٢٥٨" وفي شرح شذور الذهب "رقم ١١٥" وابن عقيل "رقم ١٦٥" والأشموني "رقم ٤٤١" وابن الناظم في باب المفعول معه من شرح الألفية، وشرحه العيني "٣/ ١٠١ بهامش الخزانة" والسيد المرتضي في أماليه "٢/ ٢٥٩ ط الحلبي" وتقول: علفت الدابة أعلفها -من باب ضرب- تريد أطعمتها، والتبن -بكسر التاء وسكون الباء- هو قصب الزرع بعد أن يداس، وهمالة: صيغة مبالغة من قولهم: هملت عين فلان؛ إذا أرسلت دمعها إرسالًا، ومحل الاستشهاد في هذا البيت قوله "وماء" فإن ظاهره أنه معطوف بالواو على قوله "تبنًا" ولو كان معطوفا على التبن لكان الواجب أن يتسلط على المعطوف الفعل العامل في المعطوف عليه وهو قوله علفتها، ولكنك تعلم أنه يقال: علفت الدابة تبنا، ولا يقال: علفتها ماء. ولكن يقال: سقيتها ماء، ومن أجل هذا وجب واحد من أمرين: الأول: أن يكون قوله "ماء" مفعولا به لفعل محذوف -والتقدير: وسقيتها ماء- وتكون جملة الفعل المحذوف ومعمولاته معطوفة على جملة علفتها تبنًا، والأمر الثاني: أن تضمن علفتها معنى فعل يصح أن تسلطه على المعطوف والمعطوف عليه جميعًا مثل أنلتها أو قدمت لها أو ما أشبه هذين، ونظير هذا البيت والأبيات السابقة قول طرفة بن العبد البكري. أعمرو بن هند ما ترى رأي صرمة لها سبب ترعى به الماء والشجر والاستشهاد بهذا البيت في قوله "ترعى به الماء والشجر" فإن ظاهره غير صحيح لأنه يقال: رعت الماشية الشجر، ولا يقال: رعت الماء، وإنما يقال: شربت الماء، ومن أجل هذا يجب أن تقدر فعلا يعمل في الماء؛ وكأنه قد قال: لها سبب تشرب به الماء وترعى الشجر، وإما أن تضمن ترعى معنى فعل يصح تسلطه على المعطوف والمعطوف عليه جميعا مثل تتناول، وفي بيت طرفة هذا لطيفة، وحاصلها أن الذي منع من صحة تسلط العامل المذكور فيه هو المعطوف عليه، وفي كل الأبيات السابقة كان المانع هو المعطوف، فتأمل.
[ ٢ / ٥٠١ ]
فعطف ماء على تبنًا، وإن كان الماء لا يعلف، وقال الآخر:
[٣٩٦]
شرَّاب أَلْبَان وتمر وأَقِطْ
فعطف تمرا على ألبان، وإن كان التمر لا يشرب، فكذلك عطف الأرجل على الرءوس وإن كانت لا تُمْسَحُ.
وأما قول زهير:
[٢٥٤]
" سَوَافِي المُورِ والقَطْرِ
فلا حجة لهم فيه؛ لأنه معطوف على المور وهو الغبار، وقولهم: "لا يكون معطوفا على المور لأنه ليس للقطر سواف" قلنا: يجوز أن يكون قد سمى ما تسفيه الريح منه وقت نزوله سوافي كما يسمى ما تسفيه الريح من الغبار سوافي.
وأما قوله الآخر:
[٣٩١]
كأن نسج العنكبوت المُرْمَلِ
فنقول الرواية "المرمل" بكسر الميم، فيكون من وصف العنكبوت لا النسج،
_________________
(١) هذا بيت من الرجز المشطور، وقد أنشده أبو العباس المبرد في الكامل "١/ ١٩٦ و٢١٨ الخيرية، رغبة الآمل ٣/ ٢٣٤" من غير عزو، ولم يتعرض له الأخفش بشيء، والألبان: جمع لبن، وهو معروف، والتمر: معروف أيضًا، والأقط -بفتح الهمزة وكسر القاف وآخره طاء مهملة- وهو طعام يتخذ من اللبن المخيض يطبخ ثم يترك حتى يمصل، وقد يقال: أقط فلان القوم يأقطهم -من مثال ضرب يضرب- إذا أطعمهم الأقط، كما يقال "لبنهم" أي أطعمهم اللبن، و"لبأهم" أي أطعمهم اللبأ، وحكى اللحياني: أتيت بني فلان فخبزوا وأقطوا وحاسوا، أي أطعموني الخبز والأقط والحيس، هكذا حكاه اللحياني من غير أن تعدى هذه الأفعال. ومحل الشاهد في هذا البيت قوله "وتمر" فإن ظاهره أن هذه الكلمة معطوفة بالواو على قوله "ألبان" فيكون قوله "شراب" مسلطا على المعطوف والمعطوف عليه، لكن كل من التمر والأقط مطعوم مأكول، لا مشروب، كما هو واضح، ولهذا خرجه العلماء على أحد وجهين: الأول: أن تقدر عاملا للتمر يكون معطوفا على شراب، والتقدير على هذا: شراب ألبان وطعام تمر وأقط، والثاني: أن تتوسع في شراب فتضمنه معنى كلمة أخرى يصح أن تتسلط على المعطوف والمعطوف عليه جميعًا، والتقدير على هذا: متناول ألبان وتمر وأقط، وهذا واضح إن شاء الله. ومن شواهد هذه المسألة ما أنشده ابن جني "الخصائص ٢/ ٤٣٢" والمرتضى "الأمالي ٢/ ٢٥٩" من قول الراجز: تسمع للأحشاء منه صردًا وفي اليدين جسأة وبددا الجسأة -بالضم- الصلابة واليبس، والبدد: التفرق، وكل من الصلابة والتفرق لا يسمع، فوجب أن تقدر لهما فعلًا، وكأنه قال: وترى في اليدين جسأة وبددا، أو تضمن قوله تسمع معنى فعل يصح أن يتسلط على كل من الصرد والصلابة والتفرق، وكأنه قال: تحس منه.
[ ٢ / ٥٠٢ ]
وإن كانت الرواية التي ذكرتم صحيحة وأنه مجرور على الجوار، إلا أنه لا حجة فيه؛ لأن الحمل على الجوار من الشاذ الذي لا يعرج عليه.
وكذلك قوله:
[٣٩٠]
قُطْنًا بمُسْتَحْصِدِ الأوتار مَحْلُوجِ
وقولهم: "جحر ضبّ خرب" محمول على الشذوذ الذي يقتصر فيه على السماع لقلته، ولا يقاس عليه؛ لأنه ليس كل ما حكي عنهم يقاس عليه، ألا ترى أن اللحياني حكى أن من العرب من يجزم بلن وينصب بلم، إلى غير ذلك من الشواذ التي لا يلتفت إليها ولا يقاس عليها، فكذلك ههنا، والله أعلم.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
٨٥- مسألة: [عامل الرفع في الاسم المرفوع بعد "إن" الشرطية] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه إذا تقدم الاسم المرفوع بعد "إن" الشرطية نحو قولك "إنْ زيدٌ أتاني آتِهِ" فإنه يرتفع بما عاد إليه من الفعل من غير تقدير فعل.
وذهب البصريون إلى أنه يرتفع بتقدير فعل، والتقدير فيه: إن أتاني زيد، والفعل المظهر تفسر لذلك الفعل المقدر.
وحكي عن أبي الحسن الأخفش أنه يرتفع بالابتداء.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما جوزنا تقديم المرفوع مع "إن" خاصة وعملها في فعل الشرط مع الفصل لأنها الأصل في باب الجزاء؛ فلقوتها جاز تقديم المرفوع معها، وقلنا إنه يرتفع بالعائد لأن المكني المرفوع في الفعل هو الاسم الأول؛ فيبنغي أن يكون مرفوعًا به، كما قالوا: "جاءني الظريف زيد" وإذا كان مرفوعًا به لم يفتقر إلى تقدير فعل.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه يرتفع بتقدير فعل لأنه لا يجوز أن يُفْصَل بين حرف الجزم وبين الفعل باسم لم يعمل فيه ذلك الفعل، ولا يجوز أن يكون الفعل ههنا عاملا فيه؛ لأنه لا يجوز تقديم ما يرتفع بالفعل عليه، فلو لم يقدر ما يرفعه لبقي الاسم مرفوعًا بلا رافع، وذلك لا يجوز؛ فدلَّ على أن الاسم يرتفع بتقدير فعل، وأن الفعل المظهر الذي بعد الاسم يدل على ذلك المقدر.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم: "إنما جوزنا تقديم المرفوع مع "إنْ" خاصة لقوتها لأنها الأصل في باب الجزاء دون غيرها من الأسماء والظروف التي يجازى بها" قلنا: نسلم أن "إنْ" هي الأصل في باب الجزاء، ولكن
_________________
(١) ١ انظر في هذه المسألة: شرح الأشموني مع حاشية الصبان "٢/ ٦١" وشرحنا الكبير على شرح الأشموني "٢/ ٢٣٩ وما بعدها" وكتاب سيبويه "١/ ٦٧ وما يليها" ومفصل الزمخشري "١/ ١٤٩ بتحقيقنا" وشرح الرضي على الكافية "٢/ ٢٣٧" وشرح ابن يعيش على المفصل "ص١٢١٣".
[ ٢ / ٥٠٤ ]
هذا لا يدل على جواز تقديم الاسم المرفوع بالفعل عليه؛ لأنه يؤدي إلى أن يتقدم ما يرتفع بالفعل عليه، وذلك لا يجوز؛ لأنه لا نظير له في كلامهم، فوجب أن يكون مرفوعًا بتقدير فعل، ويكون الفعل الظاهر مفسرًا له، بلى لما كانت "إن" هي الأصل اختصت بجواز تقديم المرفوع١ بتقدير فعل مع الفعل الماضي خاصة، دون غيرها من الأسماء والظروف التي يجازى بها؛ لأنها هي الأصل، وتلك الأسماء والظروف فرع عليها، والأصل يتصرف ما لا يتصرف الفرع، ألا ترى أن همزة الاستفهام لما كانت هي الأصل في حروف الاستفهام جاز فيها ما لم يجز في غيرها من حروف الاستفهام؟ فكذلك ههنا.
وأما قول عدي:
[٣٩٧]
فمتي وَاغِلٌ يَنُبْهُمْ يُحَيُّو هُ وتُعْطَفْ عليه كأس الساقي
وقال الآخر:
[٣٩٨]
صعدة نابتة في حائرٍ أينما تُمَيِّلْهَا تَمِلْ
_________________
(١) هذا البيت من كلام عدي بن زيد العبادي، وهو من شواهد سيبويه "١/ ٤٥٨" وابن يعيش "ص١٢١٤" ورضي الدين في باب الاشتغال وباب الجوازم من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "١/ ٤٥٦ و٣/ ٦٣٩" والواغل -بالغين المعجمة- وهو الرجل يدخل على الشرب من غير أن يدعوه، يقال: وغل يغل -من مثال وعد يعد- وغلا فهو واغل وهو أيضًا وغل -بسكون الغين- والذي يدخل على القوم وهم يأكلون من غير أن يدعوه أحد يقال له: وارش، أو طفيلي، وينبهم: أي ينزل بهم، ويروى في مكانه "يزرهم" ويروى أيضًا "يجبهم" و"تعطف" مضارع مبني للمجهول، والكأس: وعاء الخمر، ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "متى واغل ينبهم" فإن الشاعر فصل بالاسم المرفوع بين أداة الشرط وفعل الشرط، وقد خرجه النحاة على أن هذا الاسم المرفوع فاعل بفعل محذوف يفسره الفعل المذكور بعد، وتقدر الكلام: متى ينبهم واغل ينبهم، قال الأعلم "الشاهد فيه تقديم الاسم على الفعل في متى، مع جزمها له، ضرورة، وارتفاع الاسم بعدها بإضمار فعل يفسره الظاهر، لأن الشرط لا يكون إلا بالفعل" ا. هـ. وفي عبارته هذه مؤاخذة؛ لأنه -وقد جعل الاسم المرفوع بعد أداة الشرط معمولا لفعل محذوف يلي أداة الشرط- لا يكون الاسم المرفوع متقدمًا، بل هو -على هذا- واقع في موقعه، فتنبه لهذا.
(٢) هذا البيت من كلام كعب بن جعيل بن قمير -بضم أولهما على زنة التصغير- ابن عجرة، أحد بني تغلب بن وائل، وهو شاعر إسلامي كان في عهد معاوية بن أبي سفيان ١ محصل هذا الكلام أن إن الشرطية تختص من بين سائر أدوات الشرط بجواز وقوع اسم مرفوع بعدها، بشرط أن يكون الفعل التالي للاسم المرفوع ماضيا، وارتفاع هذا الاسم بفعل مقدر عند البصريين أصحاب هذا الكلام، وليس مقدما على عامله كما يقول الكوفيون.
[ ٢ / ٥٠٥ ]
وقول الآخر:
[٣٩٩]
فمن نحن نُؤْمِنْهُ يَبِتْ وهو آمِنٌ ومَنْ لا نُجِرْه يُمْسِ مِنَّا مُفَزَّعَا
فهو ضعيف لا يجوز في الكلام؛ لأنه قدر الفعل بعد متى وأينما ومَنْ، وهي
_________________
(١) والبيت من شواهد سيبويه "١/ ٤٥٨" وشواهد ابن يعيش في شرح المفصل "ص١٢١٤" وشواهد رضي الدين في باب الاشتغال وباب الجوازم من شرح الكافية وشرحه البغدادي في الخزانة "١/ ٤٥٧" وشواهد ابن عقيل "رقم ٣٣٦" والأشموني "رقم ١٠٦٦" وابن الناظم في باب الجوازم، وشرحه العيني "٤/ ٤٣٤" وقبل هذا البيت مما يبين معناه قوله: وضجيع قد تعللت به طيب أردانه غير تفل والصعدة -فتح فسكون- القناة التي تنبت مستوية، والحائر: المكان الذي يكون وسطه منخفضا وحروفه مرتفعه عالية، وإنما جعل الصعدة في هذا المكان لأنه يكون أنعم لها وأسد لنبتتها، شبه امرأة بقناة مستوية لدنة قد نبتت في مكان مطمئن الوسط مرتفع الجوانب والريح تعبث بها وهي تميل مع الريح، وموطن الاستشهاد من هذا البيت قوله "أينما الريح تميلها" حيث وقع اسم مرفوع بعد أداة الشرط، ووقع بعد هذا الاسم المرفوع فعل مضارع مجزوم ضرورة، وقد خرج النحاة ذلك على أن الاسم المرفوع فاعل بفعل محذوف يفسره الفعل المتأخر، وهذا الفعل المحذوف هو فعل الشرط، وقد دعاهم إلى هذا أنهم يرون أدوات الشرط تختص بالأفعال، ولا يجوز أن تليها الأسماء المرفوعة على الابتداء، فإن وليها اسم مرفوع فإن كانت الأداة "إن" والفعل المتأخر ماضيًا جاز ذلك، ثم اختلفوا في رافع هذا الاسم الخلاف الذي ذكره المؤلف، وإن كانت الأداة غير "إن" أو كان الفعل غير ماضٍ لم يكن ذلك جائزًا إلا أن يضطر إليه شاعر، وحينئذ يكون ارتفاعه على ما ذكرنا. قال سيبويه "واعلم أن قولهم في الشعر: إن زيد يأتك يكن كذا، إنما ارتفع على فعل هذا تفسيره، كما كان في قولك: إن زيدا رأيته يكن ذلك؛ لأن إن لا تبتدأ بعدها الأسماء ثم يبنى عليها" ا. هـ.
(٢) هذا البيت من كلام هشام المري، وهو من شواهد سيبويه "١/ ٤٥٨" ورضي الدين في باب الجوازم من شرح الكافية، وقد شرحه البغدادي في الخزانة "٣/ ٦٤٠" وشواهد ابن هشام في مغني اللبيب "رقم ٦٥٢" ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "فمن نحن نؤمنه" حيث وقع الضمير المنفصل المرفوع بعد أداة الشرط وبعده فعل مضارع مجزوم، فيظن من لا علم عنده أن هذا المضارع المجزوم قد عملت فيه أداة الشرط المذكورة، ولكن النحاة البصريين لا يرون ذلك، ويجعلون الضمير المنفصل فاعلا بفعل محذوف يفسره هذا الفعل المذكور بعده، وتقدير الكلام: فمن نؤمنه نؤمنه، فلما حذف فعل الشرط الذي هو الفعل الأول من هذين الفعلين وفيه ضمير مستتر واجب الاستتار تقديره نحن برز هذا الضمير فصار الكلام: فمن نحن نؤمنه، فهذا الضمير البارز المنفصل المرفوع هو الضمير الذي كان مستترًا في الفعل المحذوف، وهذا الفعل المذكور جيء به تفسيرًا وبيانًا لذلك الفعل المحذوف، فاعرف هذا، وكن منه على ثبت.
[ ٢ / ٥٠٦ ]
فرع على إنْ، ولأنه فعل مضارع يظهر فيه عمل حرفِ الجزمِ، وذلك ضعيف في إنْ في الكلام، فإنما يجوز في الشعر، وإذا كان ذلك ضعيفًا في إن وهي الأصل ففيما هو فرع عليه أولى، ولو كان فعلًا ماضيًا لكان في هذه المواضع أسهل؛ إذ كان ذلك جائزا في إنْ في الكلام دون غيرها، وهذا كله شيء يختص بالشعر، ولا يجوز في الكلام.
وأما قولهم: "إنه يرتفع بالعائد؛ لأن المَكْنِيَّ المرفوعَ في الفعل هو الاسم الأول فينبغي أن يكون مرفوعًا به كما قالوا: جاءني الظريف زيد" قلنا: هذا باطل؛ لأن ارتفاع زيد في "جاءني الظريفُ زيدٌ" إنما كان على البدل من الظريف، وجاز أن يكون بدلا لتأخر البدل عن المبدل منه، فأما ههنا فلا يجوز أن يكون بدلا؛ لأنه لا يجوز أن يتقدم البدل على المبدل منه، وقد بينا بطلان الرفع بالعائد في موضعه بما يغني عن الإعادة ههنا.
وأما ما ذهب إليه أبو الحسن الأخفش من أنه يرتفع بالابتداء ففاسد؛ وذلك لأن حرف الشرط يقتضي الفعل ويختصّ به دون غيره، ولهذا كان عاملًا فيه، وإذا كان مقتضيًا للفعل ولا بد له منه بطل تقدير الابتداء؛ لأن الابتداء إنما يرتفع به الاسم في موضع لا يجب فيه تقدير الفعل؛ لأن حقيقة الابتداء هو التعري من العوامل اللفظية المظهرة أو المقدرة، وإذا وجب تقدير الفعل استحال وجود الابتداء الذي يرفع الاسم.
وبهذا يبطل قول من ذهب من الكوفيين وغيرهم إلى أن الاسم بعد "إذا" مرفوع لأنه مبتدأ إما بالترافع أو بالابتداء في نحو قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] لأن "إذا" فيها معنى الشرط، والشرط يقتضي الفعل؛ فلا يجوز أن يحمل على غيره، والله أعلم.
[ ٢ / ٥٠٧ ]
٨٦- مسألة: [هل يجوز تقديم اسم مرفوع أو منصوب في جملة جواب الشرط؟ وما يترتب عليه؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه إذا تقدم الاسم المرفوع في جواب الشرط فإنه لا يجوز فيه الجزم، ووجب الرفع، نحو "إن تأتِنِي زيدٌ يكرِمُك" واختلفوا في تقديم المصنوب في جواب الشرط نحو "إن تأتني زيدا أكرم" فأباه أبو زكرياء يحيى بن زياد الفراء، وأجازه أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي.
وذهب البصريون إلى أن تقديم المرفوع والمنصوب في جواب الشرط كله جائز.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز فيه الجزم، وذلك لأن جزم جواب الشرط إنما كان لمجاورته فعل الشرط، فإذا فارقه بتقديم الاسم بطلت المجاورة الموجبة للجزم، فبطل الجزم، وإذا بطل الجزم وجب فيه الرفع.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه يجوز، وذلك لأنه يجب أن يقدر فيه فعل كما وجب التقدير مع تقديم الاسم على فعل الشرط؛ لأن حرف الشرط يعمل فيهما، على ما بينا، فكما وجب التقدير مع تقديمه على فعل الشرط فكذلك مع تقديمه على جواب الشرط، ولا فرق بينهما.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم: "إنما قلنا: إنه لا يجوز فيه الجزم؛ لأن الجزم في جواب الشرط إنما كان لمجاورته فعل الشرط؛ فإذا فارقه بتقديم الاسم وجب أن يبطل الجزم" قلنا: قد ذكرنا بطلان كون المجاورة موجبة للجزم في موضعه وبينا فساده بما يغني عن الإعادة.
_________________
(١) ١ انظر في هذه المسألة: شرح الرضي على كافية ابن الحاجب "٢/ ٢٣٨"
[ ٢ / ٥٠٨ ]
والذي يدل على فساد ما ذهب إليه الفراء من منع جواز تقديم المنصوب قول طُفَيْلٍ الغَنَوِي:
[٤٠٠]
وللْخَيْلِ أَيَّامٌ؛ فَمَنْ يَصْطَبِرْ لهَا ويعرف لها أيَّامَهَا الخَيْرَ تُعْقِبِ
فنصب "الخير" بتعقب، وتقديره: تعقب الخير، و"تعقب" مجزوم، وإنما كسرت الباء لأن القصيدة مجرورة، وإنما كان هذا في المجرورة دون المرفوعة والمنصوبة لوجهين؛ أحدهما: أن الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء، فلما
_________________
(١) هذا البيت من قصيدة طويلة لطفيل الغنوي -وهو أحد شعراء قيس الفحول، وكان يلقب "طفيل الخيل" لكثرة وصفه إياها، كان يلقب "المحبر" لجودة وصفه -وبعد البيت المستشهد به قوله: وقد كان حيانا عدوين في الذي خلا؛ فعلى من كان في الدهر فارتبي إلى اليوم لم تحدث إليكم وسيلة ولم تجدوها عندنا في التنسب جزيناهم أمس العظيمة؛ إننا متى ما تكن منا الوثيقة نطلب وإنما روينا لك هذه الأبيات لتعلم أن روي هذه القصيدة مكسور لأن لذلك مدخلا في بيان الاستشهاد بالبيت، والبيت من شواهد رضي الدين في باب الجوازم، وشرحه البغدادي في الخزانة "٣/ ٦٤٢" وقوله "وللخيل أيام" مبتدأ مؤخر وخبر مقدم، وقوله: "من يصطبر لها" من اسم شرط، والفعل بعده مجزوم به على أنه فعل الشرط، وقوله "ويعرف لها أيامها" الفعل معطوف على فعل الشرط، ولهذا كان مجزوما، والخير: مفعول مقدم لتعقب، وتعقب الخير، أي تحدث الخير في عاقبة أمرها، ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "الخير تعقب" فإنه قوله تعقب فعل مضارع واقع جواب الشرط الذي هو "من" والدليل على أنه جواب الشرط أنه مكسور للرويّ، ولا يجوز أن يكون هذا الفعل مرفوعًا ولا أن يكون منصوبًا، لأنهم لا يستسيغون كسر الفعل المضارع لأجل الروي إلا أن يكون مجزومًا، والسر في هذا يرجع إلى أمرين، الأول: أن الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء، كل واحد منهما يختص به قبيل منهما، فالجر يختص به الاسم، والجزم يختص به الفعل، فلما وجب تحريك الفعل المضارع المجزوم لأجل الرويّ حركوه بالحركة التي يختص بها نظيره وهي الكسرة، والوجه الثاني: أن الفتحة والضمة يدخلان الفعل المضارع؛ فلو أنهم حركوا المضارع المجزوم بالفتحة أو الضمة حين تدعوهم الحاجة إلى تحريكه لالتبس الأمر فلم يعرف أهذه الحركة أصلية أم عارضة لأجل الروي، ولكن إذا كسروا آخره للرويّ وقد علم أن الكسر لا يدخله بالأصالة علم من أول وهلة أن هذه الكسرة طارئة وليست أصلية، وهذا ظاهر إن شاء الله أبلغ الظهور، ومتى عرف أن هذا الفعل المضارع مجزوم وقد سبقه أداة شرط وفعل الشرط علم أنه جواب الشرط. وأن كلمة "الخير" مفعول به لهذا الفعل تقدم عليه؛ فدل ذلك على أنه يجوز تقديم الاسم المنصوب بجواب الشرط مع أن جواب الشرط مجزوم؛ فهذا إيضاح كلام المؤلف في هذا الموضوع وبيانه بأوضح عبارة، والله سبحانه أعلى وأعلم.
[ ٢ / ٥٠٩ ]
وجب تحريكه حركوه حركَةَ النظير، والثاني: أن الرفع والنصب يدخلان هذا الفعل، ولا يدخله الجر، فلو حركوه بالضم أو الفتح لالتبس حركة الإعراب بحركة البناء، بخلاف الكسر؛ فإنه ليس فيه لَبْسٌ.
والذي يدل على فساد ما ذهب إليه الفراء من امتناع جواز تقديم المنصوب أنا أجمعنا على أن المنصوب فَضْلَهٌ في الجملة، بخلاف المرفوع؛ فينبغي أن لا يعتدّ بتقديمه كتقديم المرفوع، والله أعلم.
[ ٢ / ٥١٠ ]
٨٧- مسألة: [القول في تقديم المفعول بالجزاء على حرف الشرط] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز تقديم المفعول بالجزاء على حرف الشرط، نحو "زيدا إن تضربْ أضربْ" واختلفوا في جواز نصبه بالشرط؛ فأجازه الكسائي، ولم يجزه الفراء.
وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز أن ينصب بالشرط ولا بالجزاء.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه يجوز تقديم المنصوب بالجزاء على حرف الشرط؛ لأن الأصل في الجزاء أن يكون مقدمًا على "إنْ" كقولك: "أَضْرِبُ إنْ تضرب" وكان ينبغي أن يكون مرفوعًا، إلا أنه لما أُخِّرَ انجزم بالجوار على ما بينا، وإن كان من حقه أن يكون مرفوعًا.
والذي يدل على ذلك قول الشاعر:
[٤٠١]
يا أقرعُ بن حابس يا أقرعُ إنك إنْ يُصْرَعْ أخوك تصرعُ
_________________
(١) هذان بيتان من مشطور الرجز، وهما من شواهد سيبويه "١/ ٤٣٦" وقد نسبه إلى جرير بن عبد الله البجلي، وأقر الأعلم هذه النسبة، وهو أيضًا من شواهد رضي الدين في باب المجموع وباب الجوازم من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "٣/ ٣٩٦ و٦٤٣" وابن يعيش في شرح المفصل "ص١٢٠٧" وابن هشام في مغني اللبيب "رقم ٨٠٧" والأشموني "رقم ١٠٨٣" وابن عقيل "رقم ٣٤٢" وشرحه العيني "٤/ ٤٣٠" وذكره العيني والبغدادي أن الرجز ينسب إلى عمرو بن خثارم البجلي وأسند العيني ذلك إلى الصاغاني، والأقرع بن حابس: أحد علماء العرب وحكامهم في زمانه، وكان جرير بن عبد الله البجلي قد تنافر إليه هو وخالد بن أرطاة الكلبي، ويصرع -بالبناء للمجهول- أراد يهلك، ومحل الاستشهاد من هذا البيت هنا قوله "تصرع" فإن الرواية فيه بالرفع بدليل البيت السابق عليه، وقد اختلف تخريج العلماء لذلك، فأما سيبويه رحمه الله تعالى فقد جعل جملة "تصرع" ١ انظر في هذه المسألة: شرح رضي الدين على كافية ابن الحاجب "٢/ ٢٣٨" فإن كلامه في هذه المسألة وكلام المؤلف يخرجان من مشكاة واحدة.
[ ٢ / ٥١١ ]
والتقدير فيه: إنك تصرعُ إن يُصْرَعْ أخوك، ولولا أنه في تقديم التقديم، وإلا لما جاز أن يكون مرفوعًا، ولوجب أن يكون مجزومًا، وقال زهير:
[٤٠٢]
وإنْ أتاهُ خليل يوم مسألةٍ يقول لا غائبٌ ما لي ولا حَرِمُ
_________________
(١) خبرًا لإن المؤكدة، وهو مؤخر لفظا والنية به التقديم على أداة الشرط، وكأنه قد قال: إنك تصرع إن يصرع أخوك، وجواب الشرط محذوف لأن هذا دال عليه ومشير إليه، قال سيبويه: وقد تقول: "إن أتيتني آتيك": أي آتيك إن أتيتني، قال زهير "وإن أتاه خليل البيت ٤٠٢" ولا يحسن: إن تأتني آتيك، من قبل أن إن هي العاملة، وقد جاء من الشعر، قال جرير بن عبد الله البجلي: إنك إن يصرع أخوك تصرع أي إنك تصرع إن يصرع أخوك، ومثل ذلك قوله: هذا سراقة للقرآن يدرسه والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب أي المرء ذيب إن يلق الرشا، قال الأصمعي: هو قديم، أنشدنيه أبو عمرو، وقال ذو الرمة: وإني متى أشرف على الجانب الذي به أنت من بين الجوانب ناظر أي ناظر متى أشرف، فجاز هذا في الشعر، وشبهوه بالجزاء إذا كان جوابه منجزما" ا. هـ كلامه، وخلاصته أنه إذا كان فعل الشرط ماضيًا جاز رفع المضارع الواقع جزاء وهذا هو الذي عبر عنه بقوله "وقد تقول: إن أتيتني آتيك" وإذا كان فعل الشرط مضارعًا مجزومًا لم يجز أن ترفع المضارع الواقع جوابًا؛ لأن عمل الجازم قد ظهر في فعل الشرط، وهذا هو الذي عبر عنه بقوله "ولا يحسن: إن تأتني آتيك" لكن إذا وقع مثل هذا في ضرورة الشعر كان تخريجه على ما ذكر من أن المتأخر دليل الجواب، وليس جوابًا، وأما أبو العباس المبرد فقد جعل المتأخر هو الجواب وتمحل له بأنه على تقدير فاء الربط ومبتدأ تقع جملة المضارع خبرا عنه، وتقدير الكلام على هذا: إنك إن يصرع أخوك فأنت تصرع وجملة المبتدأ والخبر في محل جزم جواب الشرط، والجملة الشرطية في محل رفع خبر إن، وتقدير البيت الذي أنشده الأصمعي على كلام المبرد: والمرء عند الرشا إن يلقها فهو ذيب، وتقدير بيت ذي الرمة على هذا: وإني متى أشرف فأنا ناظر، قال الأعلم في تخريج بيت الشاهد "الشاهد فيه على مذهبه تقديم تصرع في النية؛ وتضمنه الجواب في المعنى، والتقدير: إنك تصرع إن يصرع أخوك؛ وهذا من ضرورة الشعر؛ لأن حرف الشرط قد جزم فحكمه أن يجزم الآخر، وهو عند المبرد على حذف الفاء" ا. هـ.
(٢) هذا البيت من كلام زهير بن أبي سلمى المزني، وهو من شواهد سيبويه "١/ ٤٣٦" ومفصل الزمخشري، وشرحه لابن يعيش "ص١٢٠٦" وابن هشام في مغني اللبيب "رقم ٦٧٩" وفي أوضح المسالك "رقم ٥١١" وفي شرح شذور الذهب "رقم ١٧٥" والأشموني "رقم ١٠٨١" وابن عقيل "رقم ٣٤١" وابن الناظم في باب الجوازم، وشرحه العيني "٤/ ٤٢٩ بهامش الخزانة" والقالي في أماليه "١/ ١٩٣ ط الدار" وقوله "وإن أتاه خليل" الضمير المنصوب يعود إلى هرم بن سنان المري، والخليل: الفقير المحتاج؛ وأصله الخلة -بفتح
[ ٢ / ٥١٢ ]
والتقدير فيه: يقول إن أتاه خليل يوم مسألة، ولولا أنه في تقدير التقديم، وإلا لما جاز أن يكون مرفوعًا، وقال الآخر:
[٤٠٣]
فَلَمَ أَرْقِهِ إِنْ يَنْجُ مِنْهَا، وإِنْ يَمُتْ فطعنةُ لا غُسٍّ ولا بِمُغَمَّرِ
والتقدير فيه: إن ينج فلم أرقه، فقدَّمه في الموضع الذي يستحقه في الأصل،
_________________
(١) = الخاء وتشديد اللام وهو الفقر، ومن أمثال العرب "الخلة تدعو إلى السلّة" أي الفقر يدعو إلى السرقة، ويوم مسألة: يروى في مكانه "يوم مسغبة" وقوله "لا غائب مالي" يريد أنه لا يعتذر للمحتاج بأن ماله غائب، وقوله "ولا حرم" هو بفتح الحاء المهملة وكسر الراء، ومعناه المحروم، وهو على تقدير مبتدأ، أي ولا أنت محروم؛ ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "يقول" فإنه فعل مضارع وقع بعد أداة شرط وفعل شرط ماضٍ؛ وقد جاء هذا المضارع مرفوعًا؛ فأما سيبويه فيرى أن هذا المضارع ليس هو جواب الشرط، ولكنه دليل على الجواب، وهو على نية التقديم وإن كان متأخرًا في اللفظ، فكأنه قال: يقول: لا غائب مالي ولا حرم إن أتاه خليل، وأما أبو العباس المبرد فيذكر أن هذا المضارع هو نفس الجواب؛ لكنه على تقدير فاء الربط، وكأن الشاعر قد قال: إن أتاه خليل يوم مسألة فهو يقول لا غائب مالي إلخ؛ وقد وافق أبو العباس ذلك مذهب الكوفيين وأبي زيد؛ وقد رجحه العلامة موفق الدين بن يعيش؛ قال "فسيبويه يتأوله على إرادة التقديم، كأن المعنى: يقول إن أتاه خليل، وقد استضعف؛ والجيد أن يكون على إرادة الفاء، فكأنه قال: فيقول" ا. هـ.
(٢) هذا البيت لزهير بن مسعود، وقد أنشده ابن منظور في لسان العرب "غ س س" وقد أنشده ابن جني في الخصائص "٢/ ٣٨٨" وأبو زيد في النوادر "ص٧" ثاني بيتين، والغس -بضم الغين وتشديد السين المهملة- الضعيف اللئيم من الرجال، وجمعه أغساس وغساس -بوزن رجال- وغسوس، وقال ابن الأعرابي: هم الضعفاء في آرائهم وعقولهم، والمغمر -بضم الميم الأولى وتشديد الثانية مفتوحة- هو الذي لم يجرب الأمور والناس يستجهلونه، ومثله الغمر -بفتح أوله وثانيه ساكن أو مفتوح أو مكسور، وبضم أوله مع سكون ثانيه- وقال ابن سيده: هو من لا غناء عنده ولا رأي، وقال ابن الأثير: هو الجاهل الغرّ الذي لم يجرب الأمور. ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "فلم أرقه أن ينج منها" حيث قدم ما يصلح أن يكون جوابا على أداة الشرط، ألا ترى أنه لو قال "إن ينج منها فلم أرقه" لصح الكلام، فتقديم الشاعر ما يصلح أن يكون جوابا يدل على أن هذا هو موضعه من الكلام، فيكون قول زهير "يقول لا غائب إلخ" وقول جرير البجلي "تصرع" متقدما في النية وإن تأخر في اللفظ، وهذا يؤيد ما ذهب إليه سيبويه ﵀ من أن الفعل المتأخر عن أداة الشرط وفعل الشرط إذا كان غير مجزوم فهو على نية التقديم، من قبل أن هذا هو الموضع الأصلي له، فاعرف ذلك وتنبه له، فأما البصريون فلا يرون ذلك، ويجعلون المتقدم دليلا على الجواب، وليس هو نفس الجواب تقدم، لأن الجواب مجزوم بالشرط، وقد تكرر أن عامل الجزم ضعيف، ومن آثار ضعفه ألا يتقدم معموله عليه.
[ ٢ / ٥١٣ ]
وإذا ثبت هذا وأنه في تقدير التقديم؛ فوجب جواز تقديم معموله على حرف الشرط؛ لأن المعمول قد وقع في موقع العامل.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز تقديم معمول الشرط والجزاء على حرف الشرط؛ لأن الشرط بمنزلة الاستفهام، والاستفهام له صدر الكلام، فكما لا يجوز أن يعمل ما بعد الاستفهام فيما قبله فكذلك الشرط، ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال "زيدًا أَضَرَبْتَ"؟ فكذلك لا يجوز أن يقال "زيدا إنْ تضرب أضرب".
والذي يدلُّ على ذلك أن بين الاستفهام وبين الشرط من المشابهة ما لا خفاء به، ألا ترى أنك إذا قلت "أضربت زيدا؟ " كنت طالبا لما لم يستقر عندك، كما أنك إذا قلت "إن تضرب زيدا أضرب" كان كلامًا معقودًا على الشك؛ فإذا ثبتت المشابهة بينهما من هذا الوجه؛ فينبغي أن يُحْمَلَ أحدهما على الآخر؛ فكما لا يجوز أن يتقدم ما بعد الاستفهام عليه؛ فكذلك الشرط.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم: "إن الأصل في الجزاء أن يكون مقدما على الشرط" قلنا: لا نسلم، بل مرتبة الجزاء بعد مرتبة الشرط؛ لأن الشرط سبب في الجزاء، والجزاء مُسَبِّبُهُ، ومحال أن يكون المسبب مقدما على السبب، ألا ترى أنك لا تقول "إن أشكرك تُعْطِنِي١" وأنت تريد إن تعطني أشكرك؛ لاستحالة أن يتقدم المسبب على السبب، وإذا ثبت أن مرتبة الجزاء أن تكون بعد الشرط وجب أن تكون مرتبة معمولهِ كذلك؛ لأن المعمول تابع لعامل.
وأما قول الشاعر:
[٤٠١]
إنك إن يصرع أخوك تصرع
فلا حجة لهم فيه؛ لأنه إنما نَوَى به التقديم وجعله خبرا لإنَّ لأجل ضرورة الشعر، وما جاء لضرورة شعر أو إقامة وزن أو قافية فلا حجة فيه.
وأما قول زهير:
[٤٠٢]
وإن أتاه خليل يوم مسألة يقول
فلا نسلِّم أنه رفعه لأن النية به التقديم، وإنما رفعه لأن فعل الشرط ماضٍ، وفعل الشرط إذا كان ماضيًا نحو "إن قمت أقوم" فإنه يجوز أن يبقى على رفعه؛ لأنه لما لم يظهر الجزم في فعل الشرط تُرِكَ الجواب على أول أحواله -وهو الرفع
_________________
(١) ١ لكنه لو قال "أشكرك إن تعطني" كان صحيحًا وأفاد المعنى، وهو موطن الخلاف، فتأمل.
[ ٢ / ٥١٤ ]
- وهو وإن كان مرفوعًا في اللفظ فهو مجزوم في المعنى، كقولك "يغفرُ الله لفلان" لفظه مرفوع ومعناه دعاء مجزوم، كقولهم: "ليغفرِ اللهُ لفلان".
وأما قول الآخر:
[٤٠٣]
فلم أَرْقِهِ إن يَنْجُ منها
فلا حجة لهم فيه؛ لأن قوله: "فلم أرقه" دليل على جواب الشرط؛ لأن لم أفعل نفي لفعلت، وفعلت تنوب مناب جواب الشرط المحذوف، كما قال الشاعر:
[٤٠٤]
يا حَكَمُ الوَارِثَ عن عبد الملك أَوْدَيْتُ إن لم تحبُ حَبْوَ المُعْتَنِكْ
_________________
(١) هذان بيتان من الرجز المشطور، وهما من أرجوزة لرؤبة بن العجاج يمدح فيها الحكم بن عبد الملك بن بشر بن مروان، وأولهما: من شواهد ابن هشام في مغني اللبيب "رقم ١٥" وفي شرح قطر الندى "رقم ٨٧" وثانيهما: وحده من شواهد ابن منظور "ع ن ك - ح ب ا" وابن جني في الخصائص "٢/ ٣٨٩ و٣٢١" وبين البيتين في أرجوزة رؤبة عدة أبيات، و"أوديت" أي هلكت، وتحبو: له معنيان أحدهما: أن يكون بمعنى الحبو الذي هو الزحف، وأصله مشي الصبي على يديه ورجليه، والآخر: أن يكون بمعنى تمنح وتعطي، تقول: حباه يحبوه حبوًا، وتريد أنه أعطاه، والمعتنك -على زنة اسم الفاعل- أصله البعير يكلف أن يصعد في العانك من الرمل، والعانك من الرمل هو ما انعقد منه، ولا يتأتى الصعود فيه إلا مع جهد ومشقة عظيمين والبعير قد يحبو فيه ويبطئ في سير ويشرف بصدره ويتلطف حتى يتمكن من صعوده يقول: إني أهلك إن لم تمنحني من عنايتك وترفقك بي وتلطفك في معالجة شئوني مثل ما يعطيه البعير من ذلك حين يريد أن يصعد في عانك الرمل. ومحل الاستشهاد من هذا البيت ههنا قوله "أوديت إن لم تحب" فإن قوله "أوديت" في هذه العبارة دليل على جواب الشرط المتأخر وهو قوله "إن لم تحب" ولا يجيز البصريون أن يكون قوله أوديت هو جواب الشرط؛ لأن جواب الشرط معمول للشرط، والشرط عامل ضعيف ومن آثار ضعف العامل: ألا يعمل محذوفًا، ولا متأخرًا عن المعمول، بل لا بد أن يكون مذكورًا متقدمًا على معموله، وقد يجوز حذفه إن قام مقامه شيء، قال ابن جني: "أما قوله: فلم أرقه إن ينج منها، وإن يمت فذهب أبو زيد إلى أنه أراد: إن ينج منها فلم أرقه، وقدم الجواب. وهذا عند كافة أصحابنا غير جائز، والقياس له دافع، وعنه حاجز، وذلك أن جواب الشرط مجزوم بنفس الشرط، ومحال تقدم المجزوم على جازمة، بل إذا كان الجار -وهو أقوى من الجازم؛ لأن عوامل الأسماء أقوى من عوامل الأفعال -لا يجوز تقديم ما انجر به عليه كان ألا يجوز تقديم المجزوم على جازمه أحرى وأجدر، وإذا كان كذلك فقد وجب النظر في البيت، ووجه القول عليه أن الفاء في قوله فلم أرقه لا يخلو أن تكون معلقة بما قبلها أو زائدة، وأيهما كان فكأنه قال: لم أرقه إن ينج منها، وقد علم أن لم أفعل نفي فعلت، وقد أنابوا فعلت
[ ٢ / ٥١٥ ]
أي: إنْ لم تحبُ أوديتُ، فجعل "أوديت" المقدَّم دلالة على أوديت المؤخر؛ فكما جاز أن يجعل فعلتُ دليلا على جواب الشرط المحذوف فكذلك يجوز أن يُجْعَلَ نفيُهَا الذي هو لم أفعل دليلًا على جوابه؛ لأنهم قد يحملون الشيء على ضده كما يحملونه على نظيره، ألا ترى أنهم قالوا "امرأةٌ عدوَّةٌ" كما قالوا: "صديقة" وقالوا: "مِلْحَفَةٌ جديدةٌ" كما قالوا "عتيقةٌ" وقالوا: "جوعان" كما قالوا: "شبعان" وقالوا: "علم" كما قالوا: "جهل" ولهذا قال الكسائي في قول الشاعر:
[٤٠٥]
إذا رَضِيَتْ عليَّ بنو قشيرٍ لَعَمْرُ اللهِ أعجبني رِضَاهَا
_________________
(١) عن جواب الشرط، وجعلوه دليلًا عليه في قوله: يا حكم الوارث عن عبد الملك أوديت إن لم تحب حبو المعتنك أي إن لم تحب أوديت، فجعل أوديت المتقدم دليلًا على أوديت هذه المتأخرة، فكما جاز أن تجعل فعلت دليلًا على جواب الشرط المحذوف كذلك جعل نفيها الذي هو لم أفعل دليلًا على جوابه" ا. هـ. والنحاة يستشهدون بهذين البيتين في مسألتين أخريين، أما أولاهما: ففي قوله "يا حكم الوراث" فإن قوله "الوارث" نعت للمنادى قبله، وهذا النعت مقترن بأل، ونعت المنادى المفرد إذا كان مقترنًا بأل يجوز رفعه تبعًا للفظ المنادى ونصبه تبعًا لمحله، فإن المنادى المفرد العلم مبني على الضم في محل نصب، وأما الثانية: ففي قوله "أوديت" فإن هذا الفعل ماضٍ في اللفظ، ولكنه مستقبل في المعنى، أي إني أودي وأهلك إن لم تتداركني، واستعمل الماضي مكان المستقبل تحققًا لوقوعه وثقة منه بأنه كائن لا محالة؛ فكأنه يقول: إن الجود منكم واقع متى أريد وواجب متى طلب.
(٢) هذا البيت من كلام القحيف العقيلي يمدح حكيم بن المسيب القشيري، وهو من شواهد ابن هشام في مغني اللبيب "رقم ٢٢٥" وفي أوضح المسالك "رقم ٢٩٨" والأشموني "رقم ٥٥٣" وابن الناظم في باب حروف الجر من شرح الألفية؛ وشرحه العيني "٣/ ٢٨٢ بهامش الخزانة" ورضي الدين في باب حروف الجر من شرح الكافية؛ وشرحه البغدادي "٤/ ٢٤٧" وابن جني في الخصائص "٢/ ٣١١ و٣٨٩" وأبي زيد في نوادره "ص١٧٦" وقشير -بزنة التصغير- هو قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وقوله "لعمر الله" أراد الحلف بإقراره لله تعالى بالخلود والبقاء بعد فناء الخلق، وقال قالوا: عمرك الله، وعمري الله؛ بنصب عمر على حذف حرف القسم؛ وبنصب لفظ الجلالة على التعظيم، وعمر: مصدر أضيف لفاعله الذي هو ياء المتكلم أو كاف المخاطب، ويجوز رفع العمر على أنه مبتدأ حذف خبره وجوبا: أي لعمرك الله قسمي. ومحل الاستشهاد في هذا البيت قوله "رضيت علي" حيث عدَّي رضي بعليّ؛ والأصل في هذا الفعل أن يتعدّى بعن كما في قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] وللعلماء في ذلك ثلاثة تخرجيات. الأول: أن الشاعر وضع "على" موضع عن، وزعم من ذهب إلى هذا أن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض؛ ومن أمثلة ذلك قول دوسر بن غسان اليربوعي: إذا ما امرؤ ولى علي بودّه وأدبر لم يصدر بإدباره ودّي
[ ٢ / ٥١٦ ]
إنه لما كان "رضيتُ ضد سخطتُ، وسخطتُ تعدَّى بعلى، فكذلك "رضيت" حملًا له على ضده؛ فكذلك ههنا: جعل لم أفعل دليلًا على جواب الشرط المحذوف؛ حملًا على فَعَلْتُ.
وحذف جواب الشرط كثير في كلامهم إذا كان في الكلام ما يدل على حذفه، كقولهم: "أنت ظالم إن فعلت كذا" أي: إن فعلت كذا ظلمت، فحذف "ظلمت" لدلالة قوله: "أنت ظالم" عليه، والشواهد على حذف جواب الشرط في كلامهم للدلالة عليه أكثر من أن تحصى، والله أعلم.
_________________
(١) يريد إذا امرؤ ولّى عني بوده وجفاني ثم رجع إلى الودّ لم يرجع برجوعه ودي؛ فوضع على موضع عن كما في بيت الشاهد؛ ومن وضع حرف في موضع حرف آخر قول عنترة في معلقته: بطل كأن ثيابه في سرحة يحذى نعال السبت ليس بتوأم يريد أنه طويل القامة فإذا لبس ثيابه فكأنها نشرت على شجرة مشرفة عالية. فوضع في موضع على، ومن ذلك قول أعرابي من طيّئ: نلوذ في أم لنا ما تغتصب من الغمام ترتدي وتنتقب أراد بالأم جبلًا من جبال طيّئ؛ وما تغتصب: أي أنها منيعة على من أرادها؛ وقد وضع في موضع الباء في قوله "نلوذ في أم لنا" لأن "لاذ" يتعدّى بالباء. التخريج الثاني: أن يضمنوا الفعل المذكور في الكلام معنى فعل آخر يتعدّى بالحرف المذكور؛ فيضمنوا "رضي" في قول القحيف معنى عطف أو أقبل؛ وكل من عطف وأقبل يتعدّى بعلى، وهكذا. والتخريج الثالث: أن يحمل الفعل على ضده؛ فيحمل "رضي" في بيت القحيف على سخط، وسخط يتعدّى بعلى، ويحمل "ولى" في قول الطائي "ولى علي بودّه" على أقبل، وأقبل ضد ولّى، وهكذا. وليس كل كلام يمكن تخريجه على كل واحد من هذه التخريجات الثلاثة، بل يحمل على ما يمكن منها. وفي هذا ما يكفي أو يغني.
[ ٢ / ٥١٧ ]
٨٨- مسألة: [القول في "إنِ" الشرطية، هل تقع بمعنى إذْ؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن "إن" الشرطية تقع بمعنى إذْ، وذهب البصريون إلى أنها لا تقع بمعنى إذ.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن "إن" قد جاءت كثيرًا في كتاب الله تعالى وكلام العرب بمعنى إذ، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣﴾ أي: وإذ كنتم في ريب؛ لأن "إن" الشرطية تفيد الشك، بخلاف "إذ"؛ ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: "إن قامت القيامة كان كذا" لما يقتضيه من معنى الشك، ولو قلت "إذ قامت القيامة" أو "إذا قامت القيامة" كان جائزًا؛ لأن إذ وإذا ليس فيهما معنى الشك، وإذا ثبت أن "إن" الشرطية فيها معنى الشك؛ فلا يجوز أن تكون ههنا الشرطية؛ لأنه لا شك أنهم كانوا في شك؛ فدلَّ على أنها بمعنى إذ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] أي: إذ كنتم مؤمنين؛ لأنه لا شك في كونهم مؤمنين؛ ولهذا خاطبهم في صدر الآية بالإيمان: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧] أي: إذ كنتم مؤمنين، وقال تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] أي: إذ وقال تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] أي: إذ شاء الله، وجاء في الحديث عن الرسول صلوات الله عليه حين دخل المقابر: "سلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنَّا إنْ
_________________
(١) ١ انظر في هذه المسألة: مغني اللبيب لابن هشام "ص٢٦ بتحقيقنا" وخزانة الأدب للبغدادي "٣/ ٦٥٦ في أثناء شرح الشاهد رقم ٦٩٩" وإيضاح القزويني "٨٨-٩٥ بتحقيقنا".
[ ٢ / ٥١٨ ]
شاء الله بكم لَاحِقُونَ" أي: إذْ، لأنه لا يجوز الشك في اللحوق بهم، وقال الشاعر:
[٤٠٦]
وسمعتَ حَلْفَتَهَا التي حَلَفَتْ وإنْ كانَ سَمْعُكَ غير ذِي وَقْرِ
_________________
(١) الحلفة -بفتح الحاء وسكون اللام- واحدة الحلف، وهو القسم؛ تقول حلف فلان يحلف -من باب ضرب- حلفًا -بفتح فسكون أو بكسر فسكون أو بفتح فكسر؛ ومحلوفًا أيضًا؛ وهذا أحد المصادر التي جاءت على زنة المفعول مثل المجلود والمعقول والمعسور والميسور؛ وقالوا "محلوفة بالله ما فعل كذا" بالنصب: أي يحلف محلوفة بالله ما فعل كذا؛ وقال امرؤ القيس في الحلفة: حلفت لها بالله حلفة فاجر لناموا؛ فما إن من حديث ولا صالي وقال زيد الفوارس الحصين بن ضرار الضبي: تألّى ابن أوس حلفة ليردّني إلى نسوة كأنهن مفائد والوقر -بفتح الواو وسكون القاف- ثقل في الأذن؛ ويقال: هو أن يذهب السمع كله؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾ [فصلت: ٥] وقال: ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً﴾ [فصلت: ٤٤] وقال: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥] وقال: ﴿وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ [لقمان: ٧] ومحل الاستشهاد في هذا البيت هنا قوله "إن كان سمعك غير وقر" فإن الكوفيين زعموا أن "إن" ههنا بمعنى إذ؛ والكلام تعليل لقوله "سمعت حلفتها" فإن المراد عندهم: سمعت حلفتها لأن سمعك سليم غير ذي وقر؛ والذي دعاهم إلى هذا أن الأصل في الشرط أن يكون مستقبلًا؛ لأن القصد تعليق الجواب عليه، وتعليق الشيء لا يكون على شيء مضى؛ لأنه حينئذ لا فائدة في تعليق وجود الجواب عليه؛ وإنما يكون التعليق فيما يأتي من الزمان؛ فلما وجدوا "إن" تدخل على الفعل الماضي قالوا: إنه لا يراد بها التعليق حينئذ، وإنما يراد بها التعليل؛ وخرجوا ما أثره المؤلف من الآيات الكريمة ونحوها على هذا؛ واستدلوا بجملة أبيات منها هذا البيت الذي أنشده المؤلف ههنا؛ ومنها قول الفرزدق؛ وهو من شواهد الرضي في الجوازم وشواهد المغني: أتغضب إن أذنا قتيبة حزتا جهارًا؛ ولم تغضب لقتل ابن خازم؟ ومنها قول الآخر: أتجزع إن بان الخليط المودع وحبل الصفا من عزّة المتقطع؟ ومما يؤيدهم أنك تجد "إن" -فيما ذكروه من الآيات الكريمة والأبيات- لم يذكر بعدها جواب؛ وأن الآيات قد قرئ في كل منها بكسر همزة "إن" وقرئ بفتحها؛ وكذلك الأبيات التي رووها تروى بكسر الهمز وبفتحها؛ فهذه ثلاثة أشياء: كون الفعل بعدها ماضيًا، وعدم ذكر جواب؛ ورواية فتح الهمزة. وكلها يمنع أن تكون "إن" شرطية. وقد تمحل البصريون في كل واحد من هذه الثلاثة: أما مضي الفعل فزعموا أنه -وإن كان ماضيًا في اللفظ- مستقبل في المعنى؛ لأنه سبب لما أريد التعليق عليه، أو لأن المراد: إن يتبيّن كذا، وأما عدم ذكر الجواب فقد ادّعوا أنه محذوف لدلالة الكلام عليه وهو مراد، وأما فتح الهمزة فقد أنكروا وروده.
[ ٢ / ٥١٩ ]
أي: إذْ، والشواهد على هذا النحو أكثر من أن تُحْصَى.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: أجمعنا على أن الأصل في "إنْ" أن تكون شرطًا، والأصل في "إذ" أن تكون ظرفًا، والأصل في كل حرف أن يكون دالًّا على ما وضع له في الأصل، فمن تمسك بالأصل فقد تمسك باستصحاب الحال؛ ومَنْ عَدَلَ عن الأصل بقي مرتَهَنًا بإقامة الدليل، ولا دليل لهم يدل على ما ذهبوا إليه.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين. أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣] فلا حجة لهم فيه، لأن "إنْ" فيه شرطية، وقولهم: "إنَّ إنْ الشرطية تفيد معنى الشك" قلنا: وقد تستعملها العرب وإن لم يكن هناك شك، على ما بيّنّا قبل، ومنه قولهم: "إن كنت إنسانًا فأنت تفعل كذا، وإن كنت ابني فَأَطِعْنِي" وإن كان لا يشك في أنه إنسان وأنه ابنه، ومعناه أن مَنْ كان إنسانًا أو ابنًا فهذا حكمه، فخاطبهم الله تعالى على عادة خطابهم فيما بينهم.
وهذا هو الجواب عن جميع ما استشهدوا به من الآيات، إلا قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧﴾ فإن الجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن [٢٦٢] يكون الاستثناء وقع على دخولهم آمنين، والتقدير فيه: لتدخلن المسجد الحرام آمنين إن شاء الله.
والوجه الثاني: أن يكون ذلك على طريق التأديب للعباد ليتأدَّبُوا بذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أن يَشَاءَ اللَّه﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] .
وهذا هو الجواب عن قوله صلوات الله عليه: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" لأنه لما أدَّبه الحق بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أن يَشَاءَ اللَّه﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] تمسَّك بالأدب، وأحال على المشيئة فقال: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون".
وعلى هذا أيضًا يحمل قول السلف "أنا مؤمن إن شاء الله تعالى"، ويحتمل أيضًا وجهين آخرين:
أحدهما: أن يكونوا قالوا ذلك تركًا لتزكية النفس، لا للشك، كما قال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [لنجم: ٣٢] وكما قيل لبعض الحكماء: ما الصدق القبيح؟ فقال: ثَنَاء الرجل على نفسه.
[ ٢ / ٥٢٠ ]
والثاني: أن يكون قولهم: "إن شاء الله" شكًّا في وصف الإيمان، لا في أصل الإيمان، والشك في وصف الإيمان لا يقدح في أصل الإيمان.
وأما قول الشاعر:
[٤٠٦]
إن كان سمعك غير ذي وقر
فلا حجة فيه، لأن "إن" فيه حرف شرط، لا بمعنى إذ، واستغنى بما تقدم من قوله: "وسمعت" عن جواب الشرط، لدلالته عليه، على ما بيّنّا فيما تقدم، والله أعلم.
[ ٢ / ٥٢١ ]
٨٩- مسألة: [القول في "إن" الواقعة بعد "ما" أَنَافِيَةٌ مؤكدة أم زائدة؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن "إن" إذا وقعت بعد "ما" نحو "ما إنْ زيد قائم" فإنها بمعنى ما. وذهب البصريون إلى أنها زائدة.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن "إن" تكون بمعنى "ما" وقد جاء ذلك كثيرًا في كتاب الله وكلام العرب، قال الله تعالى: ﴿إِنِ الكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠] أي: ما الكافرون إلا في غرور، وقال تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ [يس: ١٥] أي: ما أنتم، وقال تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [إبراهيم: ١٠] أي: ما أنتم، وقال تعالى: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [إبراهيم: ١١] أي: ما نحن، وقال تعالى: ﴿بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ، إِنْ، كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٣] أي: ما كنتم مؤمنين، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ [الزخرف: ٨١] أي: ما كان للرحمن ولد، إلى غير ذلك؛ فإذا ثبت أنها تكون بمعنى "ما" جاز أن يجمع بينها وبين "ما" لتأكيد النفي، كالجمع بين إنَّ واللام لتوكيد الإثبات.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنها ههنا زائدة أن دخولها كخروجها؛ فإنه لا فرق في المعنى بين قول القول القائل "ما إنْ زيدٌ قائم" وبين "ما زيد قائمًا" فلما كان خروجها كدخولها تنزلت منزلة "من" بعد النفي، كما قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [لأعراف: ٥٩] أي ما لكم إله غيره، وكما قال الشاعر:
[١٥٩]
وما بالرَّبْعِ من أحد
أي أحد، وأشبهت "ما" إذا وقعت زائدة، قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]
_________________
(١) ١ انظر في هذه المسألة: توضيح الشيخ خالد الأزهري "١/ ٢٣٦ بولاق" وشرح ابن يعيش على المفصل "ص١١٨٢" وشرح الرضي على كافية ابن الحاجب "٢/ ٣٥٧".
[ ٢ / ٥٢٢ ]
أي: فبرحمة، وقال تعالى: ﴿عمَّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون: ٤٠] أي: عن قليل، وقال تعالى: ﴿فبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥] أي: فبنقضهم، و"ما" زائدة، فكذلك ههنا.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم: "إنها تكون بمعنى ما" قلنا: نسلم أنها تكون بمعنى "ما" في موضع ما، فأما ما احتجوا به فأكثره نقول بموجبه؛ إذ لا نمنع١ أن تقع في بعض المواضع بمعنى ما.
وأما ما احتجوا به من قوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٣] فلا نسلم أن "إن" ههنا بمعنى ما، وإنما هي ههنا شرطية، وجوابه مقدر، والتقدير فيه: إن كنتم مؤمنين فأي إيمان يأمر بعبادة عجل من دون الله تعالى؟ وكذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ العَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] لا نسلم أيضًا أنها ههنا بمعنى ما، وإنما هي شرطية، وجوابه فأنا أول العابدين: أي الآنفين، من قولهم: "عبِدَ الرجلُ يَعْبُدُ عبدًا فهو عَبْدٌ وعَابِدٌ" إذا أَنِفَ، وجاء في كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ "عَبِدْتُ فَصَمَتُّ" أي أَنِفْتُ فَسَكَتُّ، وقال الشاعر:
[٤٠٧]
أولئك قومي إِنْ هَجَوْنِي هَجَوتُهُمْ وأعبد إِنْ تُهْجَى تميمٌ بِدَارِمِ
_________________
(١) أنشد ابن منظور هذا البيت "ع ب د" ونسبه إلى الفرزدق، وقد بحثت في ديوان الفرزدق فلم أجده، وإن كان معنى البيت يتكرر كثيرا في كلام الفرزدق، كقوله لجرير: ولست وإن فقأت عينيك واجدًا أبا لك -إذ عد المساعي- كدارم وكقوله في العديل بن الفرخ العجلي: عجبت لعجل إذ تهجى عبيدها كما آل يربوع هجوا آل دارم وكقوله، وهو أقرب لبيت الشاهد: وليس بعدل أن سببت مقاعسًا بآبائي الشم الكرام الخضارم ولكن عدلا لو سببت وسبني بنو عبد شمس من مناف وهاشم وتقول "عبد فلان على فلان يعبد عبدا فهو عبد من مثال فرح يفرح فرحًا فهو فرح" وعابد أيضًا: إذا غضب وأنف، وقد عدّى الفرزدق هذا الفعل بنفسه من غير حرف الجر في قوله: علام يعبدني قومي وقد كثرت فهيم أباعر ما شاءوا وعبدان؟ والاستشهاد بالبيت ههنا في قول "وأعبد" فإنه فعل مضارع ماضيه "عبد" من باب فرح، ومعناه أنف وغضب، وقال ابن أحمر يصف الغواص: فأرسل نفسه عبدا عليها وكان بنفسه أربًا ضنينا ١ في ر "إذ لا يمنع أن يقع".
[ ٢ / ٥٢٣ ]
أي: آنَفُ، ومعنى الآية أنَّا أَوَّلُ الآنفين أن يقال لله ولد، وقيل: أول العابدين، أي: أول من عبد الله وحده، وقيل: المعنى كما أني لست أول من عبد الله فكذلك ليس لله ولد، كما يقال: إن كنت كاتبا فأنا حاسب، يريد أنك لست بكاتب ولا أنا حاسب، على أنا نقول: ولم قلتم إنها إذا كانت في موضع ما بمعنى "ما" ينبغي أن تكون ههنا؟
قولهم: "جمع بينها وبين ما لتوكيد النفي كما جمع بين إنَّ واللام لتوكيد الإثبات" قلنا: لو كان الأمر كما زعمتم لوجب أن يصير الكلام إيجابًا؛ لأن النفي
_________________
(١) = قيل معنى قوله "عبدًا" أي أنفًا، يقول: أنف أن تفوته الدرة. قال ابن منظور: "وفي التنزيل ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ العَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] ويقرأ "العبدين" قال الليث: العبد -بالتحريك- الأنف والغضب والحمية من قول يستحيا منه ويستنكف، ومن قرأ "العبدين" فهو مقصور، من عبد يعبد فهو عبد، وقال الأزهري: هذه آية مشكلة، وأنا ذاكر أقوال السلف فيها، ثم أتبعها بالذي قال أهل اللغة، وأخبر بأصحها عندي، أما القول الذي قاله الليث في قراءة "العبدين" فهو قول أبي عبيدة، على أني ما علمت أحدًا قرأ "فأنا أول العبدين" ولو قرئ مقصورًا كان ما قاله أبو عبيدة محتملًا وإذ لم يقرأ به قارئ مشهور لم نعبأ به، والقول الثاني: ما روي عن ابن عيينة أنه سئل عن هذه الآية، فقال: معناه إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين، يقول: فكما أنني لست أول من عبد الله فكذلك ليس لله ولد، وقال السدي: قال الله لمحمد: قل إن كان -على الشرط- للرحمن ولد كما تقولون لكنت أول من يطيعه ويعبده: وقال الحسن وقتادة: إن كان للرحمن ولد، على معنى ما كان، فأنا أول العابدين: أي أول من عبد الله من هذه الأمة، وقال الكسائي "إن كان" أي ما كان للرحمن ولد "فأنا أول العابدين" أي الآنفين، رجل عابد وعبد وآنف وأنف، أي الغضاب الآنفين من هذا القول، وقال: فأنا أول الجاحدين لما تقولون، ويقال: أنا أول من تعبده على الوحدانية مخالفة لكم، وقال ابن الأنباري "إن كان للرحمن ولد" ما كان للرحمن ولد، والوقف على ولد، ثم ابتدئ "فأنا أول العابدين" له على أنه لا ولد له، قال الأزهري: قد ذكرت الأقوال، وفيه قول أحسن من جميع ما قالوا، وأسوغ في اللغة وأبعد من الاستكراه، وأسرع إلى الفهم، روي عن مجاهد أنه قال: "إن كان لله ولد في قولكم فأنا أول من عبد الله وحده وكذبكم فيما تقولون". قال الأزهري: وهذا واضح، ومما يزيده وضوحًا أن الله ﷿ قال لنبيه: ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ في زعمكم "فأنا أول العابدين" إله الخلق أجمعين الذي لم يلد ولم يولد، وأول الموحدين للرب الخاضعين المطيعين له وحده؛ لأن من عبد الله تعالى واعترف بأنه معبود وحده لا شريك له فقد دفع أن يكون له ولد في دعواكم، والله ﷿ واحد لا شريك له وهو معبودي الذي لا ولد له ولا والد، قال الأزهري: وإلى هذا ذهب إبراهيم بن السري وجماعة من ذوي المعرفة، وهو الذي لا يجوز عندي غيره" ا. هـ كلامه.
[ ٢ / ٥٢٤ ]
إذا دخل على النفي صار إيجابًا؛ لأن نفي النفي إيجاب١، وعلى هذا يخرج توكيد الإثبات فإنه لا يغير المعنى؛ لأن إثبات الإثبات لا يصير نفيًا، بخلاف النفي؛ فإنه يصير إيجابًا، فبان الفرق بينهما، والله أعلم.
_________________
(١) ١ هذه مغالطة ظاهرة، لا يجوز أن تأخذ بها، ولا أن تجدها صحيحة في الرد على ما ذهب إليه الكوفيون، وذلك لأن النفي إذا دخل على النفي لا يكون الكلام إيجابًا على الإطلاق، وبيان هذا أن النفي الداخل على النفي يكون على أحد وجهين: الأول: أن يكون المراد به نفي النفي الأول، وحينئذ يكون الكلام إثباتا وإيجابا؛ لأن نفي النفي إيجاب، والوجه الثاني: أن يكون المراد بالنفي الثاني تأكيد النفي الأول، وحينئذ يكون الكلام نفيًا مؤكدا، ولا يكون إثباتا أصلا، وذلك وارد في التوكيد اللفظي فإنه إعادة اللفظ الأول بنفسه أو بمرادفه. مثل قول جميل: لا، لا أبوح بحب بثنة إنها أخذت علي مواثقا وعهودا ثم إن المؤلف ﵀ في المسألة الثالثة والثلاثين أبطل قول الكوفيين بأن الصفة الصالحة لأن تكون خبرا إذا كان معها ظرف مكرّر وجب نصب هذه الصفة حتى يكون أحد الظرفين خبرا والآخر حالا، إذ لو جوزنا فيها الرفع لكانت هي الخبر، ويكون الظرفان حالين؛ فلا تكون في أحد الظرفين فائدة جديدة، وحمل الكلام على إفادة فائدة جديدة أولى، فأبطل هذا الكلام بقوله "هذا فاسد؛ وذلك لأنه وإن كانت الأولى تفيد ما أفادته الثانية إلا أن ذلك لا يدل على بطلان فائدة الثانية؛ لأن من مذاهب العرب أن يؤكد اللفظ بتكريره إلخ" فما الذي حدث ههنا حتى ذهل عن أن من مذاهب العرب أن يؤكد اللفظ بتكريره بلفظه أو بمرادفه؟
[ ٢ / ٥٢٥ ]
٩٠- مسألة: [القول في معنى "إنْ" ومعنى اللام بعدها] ١
ذهب الكوفيون إلى أنَّ "إِنْ" إذا جاءت بعدها اللام تكون بمعنى "ما" واللام بمعنى "إلا". وذهب البصريون إلى أنها مخفّفة من الثقيلة، واللام بعدها لام التأكيد.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأنه قد جاء ذلك كثيرًا في كتاب الله وكلام العرب، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ [الإسراء: ٧٦] أي: وما كادوا إلا يستفزونك، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [القلم: ٥١] أي: وما كادوا إلا يزلقونك، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ، لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا﴾ [الصافات: ١٦٧-١٦٨] أي: وما كانوا إلا يقولون، وقال تعالى: ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٨] أي: ما كان وعد ربنا إلا مفعولًا، ثم قال الشاعر:
[٤٠٨]
شلَّت يمينُك إن قَتَلْت لمُسْلِمَا كُتِبَتْ عليك عُقُوَبةُ المُتَعَمِّدِ
_________________
(١) هذا البيت من كلام عاتكة بنت زيد العدوية، ترثي فيه زوجها الزبير بن العوام الذي قلته ابن جرموز وهو منصرف من وقعة الجمل، والبيت من شواهد ابن يعيش في شرح المفصل "ص١١٢٨" ورضي الدين في باب الحروف المشبهة بالفعل من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "٤/ ٣٤٨" وابن هشام في مغني اللبيب "رقم ٢٢" وفي أوضح المسالك "رقم ١٤٧" والأشموني "رقم ٢٧٩" وابن عقيل "رقم ١٠٤" وابن الناظم في باب إن وأخواتها من شرح الألفية، وشرحه العيني "٢/ ٢٧٨ بهامش الخزانة" وشلت: يبست، وأصل الفعل شلل -من باب فرح- وقوله "كتبت عليك" يروى في مكانه "حلت عليك" ويروى أيضًا "وجبت عليك" ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "إن قتلت لمسلما" فإن = ١ انظر في هذه المسألة: مغني اللبيب لابن هشام "ص٢٣٢ وما بعدها" وشرح الأشموني مع حاشية الصبان "١/ ٢٦٧ وما بعدها" وتصريح الشيخ خالد الأزهري "١/ ٢٧٩ وما بعدها" وشرح ابن يعيش على المفصل "ص١١٢٩"
[ ٢ / ٥٢٦ ]
أي: ما قتلت إلا مسلمًا، وهو في كلامهم أكثر من أن يحصى.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنها مخففة من الثقيلة لأنا وجدنا لها في كلام العرب نظيرًا، وأنا أجمعنا على أنه يجوز تخفيف "إنَّ" وإن اختلفنا في بطلان عملها مع التخفيف، وقلنا: إن اللام لام التأكيد؛ لأن لها أيضًا نظيرا في كلام العرب، وكون اللام للتأكيد في كلامهم مما لا ينكر لكثرته فحكمنا على اللام بما لا نظير في كلامهم، فأما كون اللام بمعنى "إلا" فهو شيء ليس له نظير في كلامهم، والمصير إلى ما له نظير في كلامهم أولى من المصير إلى ما ليس له نظير.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بالآيات وما أنشدوه على أن "إنْ" بمعنى "ما" واللام بمعنى "إلا" فلا حجة لهم في شيء من ذلك؛ لأنه كله محمول على ما ذهبنا [إليه] من أن "إنْ" مخففة من الثقيلة، واللام لام التأكيد، والذي يدل على ذلك أنَّ "إنْ" التي بمعنى ما لا تجيء اللام معها، كما قال الله تعالى: ﴿إِنِ الكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠] وكما قال الله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ [ي-س: ١٥] وكما قال الله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ [الفرقان: ٤] إلى غير ذلك من المواضع، ولم تجئ مع شيء منها اللام.
فأما قولهم: "إن اللام في ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ و﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ و﴿لَيَقُولَنَّ﴾ و﴿لَمَفْعُولًا﴾ إلى غير ذلك من المواضع بمنزلة إلا في هذه المواضع" قلنا: هذا فاسد؛ لأنه لو جاز أن يقال "إن اللام تستعمل بمعنى إلا" لكان ينبغي أن يجوز "جاءني القوم لَزَيْدًا" بمعنى إلا زيدًا، فلما لم يجز ذلك دلَّ على فساد ما ذهبتم
_________________
(١) = الكوفيين ذهبوا إلى أنَّ إنْ في هذه العبارة نافية بمعنى ما، واللام التي في قوله "لمسلما" استثنائية بمعنى إلا، وكأن الشاعر قد قال: ما قتلت إلا مسلما، وتجد في كلام بعض النحاة -منهم الرضي والزمخشري وابن هشام- ما يفيد أن الكوفيين يستدلون بهذا البيت على أنه يجوز أن يقع بعد إن المخففة من الثقيلة الفعل الماضي غير الناسخ، وهو كلام غير مبني على التحقيق، والتحقيق أن جمهور الكوفيين لا يقولون بأن إن تكون مخففة من الثقيلة أصلًا، والكسائي يقول: إذا وليها جملة اسمية جاز أن تكون مخففة من الثقيلة، وإذا وليها فعل فهي نافية واللام بعدها بمعنى إلا، فإن في هذا البيت نافية عند الكوفيين كلهم أجمعين؛ لأن الوالي لها فعل، وقد تنبه لهذا الشيخ خالد فأنكر كلام ابن هشام، وأما البصريون فيرون "إن" في هذا البيت مخففة من الثقيلة، واللام التي بعدها لام فارقة بين الكلام المنفي والكلام المثبت المؤكد، نعني أنها تدخل الكلام في حال إهمال إن المخففة لتكون فارقة بينها وبين إن النافية، وهم يختلفون في هذه اللام: أهي لام الابتداء التي تدخل لتفيد الكلام زيادة توكيد أم هي لام أخرى؟ وليس هذا موضع الإفاضة في هذا الموضوع.
[ ٢ / ٥٢٧ ]
إليه، وإنما جاءت هذه اللام مع "إن" المخففة من الثقيلة لأن "إن" المخففة في اللفظ بمنزلة التي يراد بها النفي، فلما كان ذلك يؤدّي إلى اللّبس جيء بها للفرق بينهما؛ فما جاء للفرق وإزالة اللّبس جعلتموه سببًا للّبس وإزالة الفرق، وهذا غاية الجور عن الصواب والحق، والله أعلم.
[ ٢ / ٥٢٨ ]
٩١- مسألة: [هل يجازى بكيف؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن "كيف" يجازى بها كما يجازى بمتى ما وأينما وما أشبههما من كلمات المجازاة. وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز أن يجازى بها.
أما الكوفيين فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه يجوز المجازاة بها لأنها مشابهة لكلمات المجازاة في الاستفهام، ألا ترى أن "كيف" سؤال عن الحال كما أن "أين" سؤال عن المكان، و"متى" سؤال عن الزمان، إلى غير ذلك من كلمات المجازاة، ولأن معناها كمعنى كلمات المجازاة، ألا ترى أن معنى "كيفما تكن أكن": في أي حال تكن أكن، وكما أن معنى "أينما تكن أكن": في أي مكان تكن أكن، ومعنى "متى ما تكن أكن": في أي وقت تكن أكن، ولهذا قال الخليل بن أحمد: مخرجها مخرج الجزاء، وإن لم يقل إنها من حروف الجزاء، فلما شابهت "كيف" ما يجازى به في الاستفهام ومعنى المجازاة وجب أن يجازى بها كما يجازى بغيرها من كلمات المجازاة.
قالوا: ولا يجوز أن يقال: "إنما لم يجز المجازاة بها لأنها لا تتحقق بها؛ لأنك إذا قلت "كيف تكن أكن" فقد ضمنت له أن تكون على أحواله كلها وذلك متعذر؛ لأنا نقول: هذا يلزمكم في تجويزكم "كيف تكون أكون"؟ لأن ظاهر هذا يقتضي ما منعتموه؛ فكان ينبغي أن لا يجوز، فلما أجزتموه دلَّ على فساد ما ذهبتم إليه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز المجازاة بها لثلاثة أوجه:
أحدها: أنها نقصت عن سائر أخواتها؛ لأن جوابها لا يكون إلا نكرة لأنها
_________________
(١) ١ انظر في هذه المسألة: مغنى اللبيب لابن هشام "ص٢٠٥ بتحقيقنا" وشرح الأشموني مع حاشية الصبان "٤/ ١١".
[ ٢ / ٥٢٩ ]
سؤال عن الحال، والحال لا يكون إلا نكرة، وسائر أخواتها تارة تجاب بالمعرفة وتارة تجاب بالنكرة، فلما قصرت عن أحد الأمرين ضعفت عن تصريفها في مواضع نظائرها من المجازاة.
والوجه الثاني: إنما لم يجز المجازاة بها لأنها لا يجوز الإخبار عنها، ولا يعود إليها ضمير، كما يكون ذلك في مَنْ وما وأي ومهما، فلما قصرت في ذلك عن نظائرها ضعفت عن تصريفها في مواضع نظائرها من المجازاة.
والوجه الثالث: أن الأصل في الجزاء أن يكون بالحرف، إلا أن يضطر إلى استعمال الأسماء، ولا ضرورة ههنا تلجئ إلى المجازاة بها؛ فينبغي أن لا يجازى بها؛ لأنا وجدنا أيًّا تغني عنها، ألا ترى أن القائل إذا قال "في أي حال تكن أكن" فهو في المعنى بمنزلة "كيف تكن أكن". غير أن هذا الوجه عندي ضعيف لأن "أيا" كما تتضمن الأحوال تتضمن الزمان، والمكان، وغير ذلك؛ فكان ينبغي أن يستغنى بها عن متى ما وأينما وغيرهما من كلمات المجازاة؛ فلما لم يستغنوا بها عنها دلَّ على ضعف هذا التعليل.
والتعويل في الدلالة على أنه يجوز أن يجازى بها الوجهان الأولان.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم: "إنها أشبهت كلمات المجازاة في الاستفهام، وإن معناها كمعنى كلمات المجازاة" قلنا: لا نسلم أن معناها كمعنى كلمات المجازاة، وذلك لأنه لا تتحقق المجازاة بها، ألا ترى أنك إذا قلت "كيف تكن أكن" كان معناها: على أي حال تكون أكون، فقد ضَمِنْتَ له أن تكون على أحواله وصفاته كلها، وأحوال الشخص كثيرة يتعذر أن يكون المجازي عليها كلها؛ لأنه يتعذر أن يتفق شيآن في جميع أحوالهما، بل ربما كان كثير من الأحوال لا يدخل تحت الإمكان كالصّحة والسّقم والقوة والضعف إلى غير ذلك؛ فإن أحدهما لو كان سقيما والآخر صحيحا أو ضعيفا والآخر قويا لما كان يمكن السقيم أن يجعل نفسه صحيحا ولا الضعيف أن يجعل نفسه قويا، فأما متى ما وأينما فإنه تتحقق المجازاة بهما، ألا ترى أنك إذا قلت "أينما تكن أكن" فقد ضمنت له متى كان في بعض الأماكن أن تكون أيضًا في ذلك المكان، ولا يتعذر، وكذلك إذا قلت "متى تذهب أذهب" ضمنت له في أي زمان ذهب أن تذهب معه، وهذا أيضًا غير متعذر، بخلاف كيف؛ فإنه يتعذر أن يكون المجازى على جميع أحوال المجازي وصفاتها كلها لكثرتها وتنوعها، فبان الفرق.
[ ٢ / ٥٣٠ ]
وأما قولهم: "إن هذا يلزمكم في تجويزكم كيف تكون أكون بالرفع؛ لأن ظاهر هذا يقتضي ما منعتموه" قلنا: الفرق بينهما أنا إذا رفعنا الفعل بعد كيف فإنما نقدر أن هذا الكلام قد خرج على حال عَلِمَهَا المجازي؛ فانصرف اللفظ إليها؛ فلذلك صح الكلام، ولم يمكن هذا التقدير في الجزم بها على المجازاة لأن الأصل في الجزاء أن لا يكون معلوما؛ لأن الأصل في الجزاء أن يكون بإن، وأنت إذا قلت "إن قمتُ قمتَ" فوقت القيام غير معلوم، فلما كان الأصل في الجزاء أن يكون غير معلوم بطل أن تقدر كيف في الجزاء واقعة على حال معلومة لأنها تخرج من الإبهام وتباين أصل كلمات الجزاء؛ فلذلك لم يجز الجزم بها على تقدير حالٍ معلومةٍ، والله أعلم.
[ ٢ / ٥٣١ ]
٩٢- مسألة: [السين مقتطعة من سوف أو أصل برأسه] ١
ذهب الكوفيون إلى أن السين التي تدخل على الفعل المستقبل نحو سأفعل أصلُها سوف. وذهب البصريون إلى أنها أصلٌ بنفسها.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن "سوف" كَثُرَ استعمالها في كلامهم وجَرْيُها على ألسنتهم، وهم أبدا يحذفون لكثرة الاستعمال، كقولهم: "لا أدْرِ، ولم أَبَلْ، ولم يَكُ، وخُذْ، وكُلْ" وأشباه ذلك، والأصل لا أدري، ولم أبال، ولم يكن، واأخذ، واأكل، فحذفوا في هذه المواضع وما أشبهها لكثرة الاستعمال، فكذلك ههنا: لما كثر استعمال "سوف" في كلامهم حذفوا منها الواو والفاء تخفيفا.
والذي يدل على ذلك أنه قد صح عن العرب أنهم قالوا في سوف أفعل "سو أفعل" فحذفوا الفاء، ومنهم من قال "سف أفعل" فحذف الواو، وإذا جاز أن يحذف الواو تارة والفاء أخرى لكثرة الاستعمال جاز أن يجمع بينهما في الحذف مع تطرق الحذف إليهما في اللغتين لكثرة الاستعمال.
والذي يدل على ذلك أن السين تدل على ما تدل عليه سوف من الاستقبال، فلما شابهتها في اللفظ والمعنى دلَّ على أنها مأخوذة منها، وفرع عليها.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن الأصل في كل حرف يدل على معنى أن لا يدخله الحذف، وأن يكون أصلًا في نفسه، والسين حرف يدل على معنى؛ فينبغي أن يكون أصلًا في نفسه، لا مأخوذًا من غيره.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم: "إن سوف لما كثر استعمالها في كلامهم حذفوا الواو والفاء لكثرة الاستعمال" قلنا: هذا فاسد؛ فإن الحذف
_________________
(١) ١ انظر في هذه المسألة: مغني اللبيب لابن هشام "ص١٣٨ بتحقيقنا" وشرح ابن يعيش على المفصل "ص١١٩٩"
[ ٢ / ٥٣٢ ]
لكثرة الاستعمال ليس بقياس ليجعل أصلًا لمحل الخلاف١، وعلى أن الحذف لو وجد كثيرًا في غير الحرف من الاسم والفعل فقلَّما يوجد في الحرف، وإن وجد الحذف في الحرف في بعض المواضع فهو على خلاف القياس؛ فلا يجعل أصلا يقاس عليه.
وأما ما رووه عن العرب من قولهم فسوف أفعل "سو أفعل" و"سَفَ أفعل" فالجواب عنه من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن هذه رواية تفرَّد بها بعض الكوفيين؛ فلا يكون فيها حجة.
والثاني: إن صحت هذه الرواية عن العرب فهو من الشاذ الذي لا يُعْبَأْ به؛ لقلته.
والثالث: أن حذف الفاء والواو على خلاف القياس، فلا ينبغي أن يجمع بينهما في الحذف؛ لأن ذلك يؤدّي إلى ما لا نظير له في كلامهم؛ فإنه ليس في كلامهم حرف حذف جميع حروفه طلبا للخفة على خلاف القياس حتى لم يبقَ منه إلا حرف واحد، والمصير إلى ما لا نظير له في كلامهم مردود.
وأما قولهم: إن السين تدل على الاستقبال كما أن سوف تدل على الاستقبال" قلنا: هذا باطل؛ لأنه لو كان الأمر كما زعمتم لكان ينبغي أن يستويا في الدلالة على الاستقبال على حدّ واحد، ولا شك أن سوف أشدّ تراخيا في الاستقبال من السين، فلما اختلفا في الدلالة دلَّ على أن كل واحد منهما حرف مستقل بنفسه، غير مأخوذ من صاحبه، والله أعلم.
_________________
(١) ١ ليس هنا قياس، لأنه قد ورد عن العرب "سوف أفعل" و"سو أفعل" بحذف الفاء، و"سف أفعل" بحذف الواو، وأجمعنا على أن الثاني والثالث مقتطعان من الأول؛ وورد عن العرب أيضًا "سأفعل" فقلنا: وهذا أيضًا مقتطع من الأول؛ فالمدار على الورود عن العرب، فأين القياس؟
[ ٢ / ٥٣٣ ]
٩٣- مسألة: [المحذوف من التاءين المبدوء بهما المضارع] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه إذا اجتمع في أول المضارع تاءان: تاء المضارعة وتاء أصلية -نحو "تَتَنَاوَلُ، وتَتَلَوَّنُ"- فإن المحذوف منها تاء المضارعة دون الأصلية، نحو "تَنَاولُ، وتَلَوَّنُ".
وذهب البصريون إلى أن المحذوف منهما التاء الأصلية، دون تاء المضارعة.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأنه لما اجتمع في أول هذا الفعل حرفان متحركان من جنس واحد -وهما التاء المزيدة للمضارعة والتاء الأصلية- استثقلوا اجتماعهما؛ فوجب أن تحذف إحداهما؛ فلا يخلو: إما أن تحذف الزائدة، أو الأصلية، فكان حذف الزائدة أولى من الأصلية؛ لأن الزائد أضعف من الأصلي، والأصلي أقوى من الزائد؛ فلما وجب حذف أحدهما كان حذف الأضعف أولى من حذف الأقوى.
وأما البصريون فقالوا: إنما قلنا إن حذف الأصلية أولى من الزائدة؛ لأن الزائدة دخلت لمعنى وهو المضارعة، والأصلية ما دخلت لمعنى؛ فلما وجب حذف إحداهما كان حذف ما لم يدخل لمعنى أولى.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم: "إن الزائد أضعف من الأصلي فكان حذفه أولى" قلنا: لا نسلم هذا مطلقًا؛ فإن الزائد على ضربين: زائد جاء لمعنى، وزائد لم يجئ لمعنى، فأما الزائد الذي جاء لمعنى فلا نسلم فيه أن الأصلي أقوى منه، وأما الزائد الذي ما جاء لمعنى فمسلَّم أنه أقوى؛ ولكن لا نسلم أنه قد وجد ههنا، وهذا لأن التاء ههنا جاءت لمعنى المضارعة؛ فقد جاءت لمعنى، وإذا كانت قد جاءت لمعنى فيجب أن تكون تَبْقِيَتُهَا أولى؛ لأن في
_________________
(١) ١ انظر في هذه المسألة: شرح الأشموني مع حاشية الصبان "٤/ ٢٩٤ بولاق" وتصريح الشيخ خالد الأزهري "٢/ ٤٩٩ بولاق"
[ ٢ / ٥٣٤ ]
حذفها إسقاطا لذلك المعنى الذي جاءت من أجله، وذلك خلاف الحكمة.
والذي يدلّ على صحة هذا ثبوت التنوين في المنقوص والمقصور وحذف حرف العلة منهما لالتقاء الساكنين وإن كان أصليًا فيهما، ألا ترى أنك تقول في المنقوص "هذا قاضٍ، ومررت بقاضٍ" والأصل فيه "هذا قاضيٌ، ومرت بقاضيٍ" إلا أنهم لما حذفوا الضمة والكسرة استثقالا لهما على الياء بقيت الياء ساكنة والتنوين ساكنًا فحذفوا الياء لالتقاء الساكنين وأبقوا التنوين؛ لأن الياء ما جاءت لمعنى، والتنوين جاء لمعنى؛ فكان تبقيته أولى، فكذلك أيضًا تقول في المقصور "هذه رحًا وعصًا" والأصل فيه "رحيٌ وعَصَوٌ" فلما تحركت الياء والواو انفتح ما قبلهما قلبوهما ألفًا١ لتحركهما وانفتاح ما قبلهما، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين وبقي التنوين بعدها؛ لأن الألف ما جاءت لمعنى، والتنوين جاء لمعنى؛ فكان تبقيته أولى، فكذلك ههنا، ولهذا كان الواجب في تصغير منطلق ومغتسل: مطيلق ومغيسل، وكذلك التكسير نحو: مَطَالق ومَغَاسل بإثبات الميم وحذف النون من منطلق والتاء من مغتسل؛ لأن الميم جاءت لمعنى -وهو الدلالة على اسم الفاعل- والنون والتاء ما جاءتا لمعنى؛ فكان حذفهما أولى من حذف الميم؛ لأنها جاءت لمعنى، وكذلك القياس في كل حرفين اجتمعا فوجب حذف أحدهما؛ فإن حذف ما لم يجئ لمعنى أولى من حذف ما جاء لمعنى، والسر فيه هو٢ أن الحرف الذي جاء لمعنى قد تَنَزَّلَ في الدلالة على معنى بمنزلة سائر الكلمة التي تدل بجميع حروفها على معنى، بخلاف الحرف الذي لم يجئ لمعنى؛ فإنه ليس فيه دلالة على معنى في نفسه البتة، فكما يمتنع أن تحذف الكلمة بأسرها لشيء لا معنى له في نفسه؛ فكذلك ههنا: يمتنع أن يحذف الحرف الذي جاء لمعنى لأجل حرف لم يجئ لمعنى، فدل على أن حذف التاء الأصلية أولى من الزائدة على ما بيّنّا، والله أعلم.
_________________
(١) ١ في ر "قلبوها ألفا" وليس بذاك. ٢ في ر "وهو أن إلخ" والظاهر أن الواو من "وهو" زائدة.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
٩٤- مسألة: [هل تدخل نون التوكيد الخفيفة على فعل الاثنين وفعل جماعة النسوة؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز إدخال نون التوكيد الخفيفة على فعل الاثنين وجماعة النسوة، نحو "افْعَلَانْ وافْعَلْنَانْ" بالنون الخفيفة، وإليه ذهب يونس بن حبيب البصري.
وذهب البصريون إلى انه لا يجوز إدخالها في هذين الموضعين.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه يجوز ذلك لوجهين:
أحدهما: أن هذه النون الخفيفة مخففة من الثقيلة، وأجمعنا على أن النون الثقيلة تدخل في هذين الموضعين؛ فكذلك النون الخفيفة.
والوجه الثاني: أن هذه النون إنما دخلت في القسم والأمر والنهي والاستفهام والشرط بإمَّا لتوكيد الفعل المستقل، فكما يجوز إدخالها للتوكيد على كل فعل مستقبل وقع في هذه المواضع فكذلك فيما وقع الخلاف فيه، قُصَارَى ما يُقَدَّر أن يقال: إنه يؤدي إلى اجتماع الساكنين الألف والنون، وقد جاء ذلك في كلام العرب؛ لأن الألف فيها فرط مد، والمد يقوم مقام الحركة، وقد قرأ نافع، وهو أحد أئمة القراء ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] بسكون الياء من ﴿وَمَحْيَايَ﴾ فجمع بين الساكنين وهما الألف والياء، فكذلك ههنا، وقد حكي عن بعض العرب أنه قال "التقت حلقتا البطان" بإثبات الألف مع لام التعريف، وقد حكي عن بعض العرب أيضًا أنه قال "له ثُلُثَا المالِ" بإثبات الألف، فجمع بينها وبين لام التعريف وهما ساكنان لما في الألف من إفراط المد، ولذلك أيضًا يجوز تخفيف الهمزة المتحركة إذا كان قبلها ألف نحو هَبَاءة، والهمزة المخففة ساكنة.
والذي يدل على صحة مذهبنا قراءة ابن عامر "ولا تتعبان" بنون
_________________
(١) ١ انظر في هذه المسألة: شرح الأشموني بحاشية الصبان "٣/ ١٨٩" وتصريح الشيخ خالد "٢/ ٢٦١".
[ ٢ / ٥٣٦ ]
التوكيد الخفيفة، والمراد به موسى وهارون، فدل على ما قلناه.
قالوا: ولا يجوز أن يقال: "إنما يجتمع حرفان ساكنان في الوصل، إذا كان الثاني منهما مدغما في مثله، نحو "دابَّة، وتُمُودَّ، وأُصَيْمّ" لأنا نقول: إن هذا النحو قد يلحقه ما يوجب له الإدغام، نحو قولنك "اضربا نُّعْمَانَ، واضربانِّي" فالنون الأولى في قولك "اضربا نعمان" نون التوكيد الخفيفة، والنون الثانية نون "نعمان" وكذلك النون الأولى في "اضربانّي" نون التوكيد المخففة، والنون الثانية التي تصحب ضمير المتكلم١؛ فينبغي أن تجيزوا هذا الإدغام؛ لأن الألف تقع وبعدها نونٌ مشددة، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٨٩] في قراءة من قرأ بالتشديد، فلما لم تجيزوا ذلك دلَّ على فساد ما ذهبتم إليه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز دخول نون التوكيد الخفيفة في هذين الموضعين، وذلك لأن نون الاثنين التي للإعراب تسقط؛ لأن نون التوكيد إذا دخلت على الفعل المعرب أكدت فيه الفعلية فردَّته إلى أصله وهو البناء، فإذا سقطت النون بقيت الألف؛ فلو أدخل عليها نون التوكيد الخفيفة لم يَخْل: إما أن تحذف الألف أو تكسر النون، أو تُقَرَّ ساكنة، بطل أن تحذف الألف؛ لأنه بحذفها يلتبس فعل الاثنين بالواحد، وبطل أن تكسر النون؛ لأنه لا يعلم هل هي نون الإعراب أو نون التوكيد، وبطل أن تُقَرَّ ساكنة؛ لأنه يؤدي إلى أن يجمع بين ساكنين مظهرين في الإدراج، وذلك لا يجوز؛ لأنه إنما يكون ذلك في كلامهم إذا كان الثاني منهما مدغما، نحو "دابّة، وضالّة، وتمودّ الثوب، ومُدَيْقّ، وأصيمّ" وما أشبه ذلك؛ فبطل إدخال هذه النون في فعل الاثنين.
وكذلك أيضًا يبطل إدخالها في فعل جماعة النسوة، وذلك لأنك إذا ألحقته إياها لم يَخْلُ: إما أن تبين النونين مظهرتين، أو تدغم إحداهما في الأخرى، أو تلحق الألف فتقول: "يفعلنان" بطل أن تبين النونين مظهرتين؛ لأنه يؤدي إلى اجتماع المثلين، وذلك لا يجوز، وبطل أن تدغم إحداهما في الأخرى؛ لأن لام الفعل ساكنة، والمدغم كذلك؛ فيلتقي ساكنان، وساكنان لا يجتمعان؛ فيؤدي إلى تحريك اللام مع ضمير الفاعل من غير فائدة، وذلك لا يجوز، وكان أيضًا يؤدي إلى اللبس؛ لأنه لا يخلو: إما أن تحرك اللام بالفتح، أو الضم، أو الكسر؛ فإن حركتها بالفتح التبس بفعل الواحد إذا لحقته النون الشديدة، نحو "تضربنَّ يا رجل" وإن حركتها بالضم التبس بفعل الجمع، نحو "تضربُنَّ يا رجال" وإنّ حركتها
_________________
(١) ١ هي النون التي سموها نون الوقاية.
[ ٢ / ٥٣٧ ]
بالكسر التبس بفعل المرأة المخاطبة، نحو "تضربنَّ يا امرأة" فبطل تحريك اللام، وبطل أن تلحق الألف؛ لأنه لا يخلو: إما أن تكسر النون لالتقاء الساكنين، أو تترك ساكنة مع الألف، بطل أن تكسر لالتقاء الساكنين؛ لأنها تجري مجرى نون الإعراب، وذلك لا يجوز، وبطل أن تترك ساكنة مع الألف؛ لأنه يجتمع ساكنان على غير حَدِّه؛ لأنه لم ينقل ذلك عن أحد من العرب، ولا نظير له في كلامهم، وذلك لا يجوز؛ فإذا ثبت هذا فلسنا بمضطرين إلى إدخالها على صورة لم تنقل عن أحد من العرب وتخرج بها عن منهاج كلامهم.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم: "إن النون الخفيفة مخففة من الثقيلة" قلنا: لا نسلم، بل كل واحد منهما أصل في نفسه، غير مأخوذ من صاحبة؛ فالنون الشديدة والخفيفة، وإن اشتركا في التأكيد فهما متغايران في الحقيقة، وكلتاهما لتأكيد الفعل، وإخراجه عن الحال، وإخلاصه للاستقبال، والثقيلة آكد في هذا المعنى من الخفيفة.
والذي يدل على أن الخفيفة ليست مخففة من الثقيلة أن الخفيفة تتغير في الوقف، ويوقف عليها بالألف، قال الله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥] وقال تعالى: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلِيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف: ٣٢] أجمع القرَّاء على أن الوقف في هذين الموضعين ﴿لَنَسْفَعًا﴾، ﴿َلِيَكُونًا﴾ بالألف لا غير.
وقال الشاعر:
[٤٠٩]
يَحْسِبُهُ الجاهل ما لم يعلما شيخًا على كرسيّه معمَّمًا
_________________
(١) هذان بيتان من مشطور الرجز لأبي الصمعاء مساور بن هند العبسي، وهما من شواهد سيبويه "٢/ ١٥٢" وابن يعيش في شرح المفصل "ص١٢٤١" ورضي الدين في باب نون التوكيد من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "٤/ ٥٦٩" وابن هشام في أوضح المسالك "رقم ٤٧٤" وابن عقيل "رقم ٣١٧" وقد زعم الأعلم أن هذين البيتين في وصف جبل قد عمه الخصب ونما فيه النبات فجعله الراجز كشيخ مزمل في ثيابه معمم بعمامته، وأنه خص الشيخ لوقاره في جلسته وحاجته للاستكثار من الثياب. وليس هذا الكلام بشيء، بل البيتان في وصف وطب لبن قد علته رغوة اللبن وتكورت فوقه فأشبهت العمامة بدليل أن قبل البيتين قوله: وقد حلبن حيث كانت قيما مثنى الوطاب، والوطاب الزمما وقمعا يكسى ثماما قشعما قيما: هو -بضم القاف وتشديد الياء- جمع قائمة، والقياس أن يقال: قوم -بالواو- لأن عين هذه الكلمة واو، ومثنى الوطاب: أي المتكرر منه، والوطاب: جمع وطب وهو سقاء اللبن خاصة، والزمم: جمع زام، وهو المملوء، والقمع -بكسر القاف وفتح الميم- هو =
[ ٢ / ٥٣٨ ]
فقال "يَعْلَمَا" بالألف، ولا يجوز أن يكون ههنا بالنون؛ لمكان قوله "مُعَمَّمَا" بالألف، لأن النون لا تكون وصلا مع الألف في لغة من يجعلها وصلا، ولا رويًّا مع الميم إلا في الإكفاء، وهو عيب من عيوب الشعر، ولو جاز أن تقع رويّا معها لما جاز ههنا؛ لأن النون مقيدة، والميم مطلقة، فإن أتى بتنوين الإطلاق على لغة بعض العرب فقال "معمما" بالتنوين جاز أن يقول "يَعْلَمَنْ" بالنون؛ لأنهم يجعلون في القافية مكان الألف والواو والياء تنوينا، ولا فرق عنده في ذلك بين أن تكون هذه الأحرف أصلية أو منقلبة أو زائدة، في اسم أو فعل، كما قال الشاعر:
[٤١٠]
أَقِلِّي اللَّوْمَ عاذلَ والعتابَنْ وقولي: إنْ أَصَبْتُ لقد أَصَابَنْ
_________________
(١) = شيء يوضع في فم السّقاء ويصبّ اللبن فيه مخافة أن يقع على الأرض، والثمال -بضم الثاء- ههنا الرغو، ويحسبه: أي الوطب الذي علاه الثمال، وما في قوله "ما لم يعلما" مصدرية ظرفية: أي مدة عدم علمه، ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "يعلما" والعلماء يستشهدون بهذه الكلمة لشيئين: أولهما أن نون التوكيد تنقلب ألفًا في الوقف، ألا ترى الراجز قد جاء بهذه الكلمة في آخر البيت بالألف لأن آخر البيت محل الوقف؟ والثاني أن الفعل المضارع المنفي بلم تدخل عليه نون التوكيد تشبيهًا للم بلا الناهية، وسيبويه يرى أن ذلك لا يكون إلا في الضرورة، قال الأعلم "الشاهد فيه دخول النون في قوله لم يعلمن، وليس المضارع بعد لم من مواضع نون التوكيد، ضرورة" ا. هـ بتوضيح يسير.
(٢) هذا البيت من كلام جرير بن عطية بن الخطفي، وهو من شواهد سيبويه "١/ ٢٩٨/ و٢٩٩" وابن جني في الخصائص "٢/ ٩٦" وفي شرح تصريف المازني "١/ ٢٤٤" وابن هشام في مغني اللبيب "رقم ٥٦٧" وفي أوضح المسالك "رقم ١" والأشموني "رقم ٤" وابن عقيل "رقم ١" وشرحه العيني "١/ ٩١ بهامش الخزانة" ورضي الدين في أوائل شرح الكافية وشرحه البغدادي في الخزانة "١/ ٣٤" ومفصل الزمخشري وشرحه لابن يعيش "ص١٢٣١" وأقلي: فعل أمر من الإقلال، وهو في الأصل جعل الشيء قليلا، وقد يطلق على ترك الشيء بتة، وهو المراد ههنا، واللوم: العذل والتوبيخ، وعاذل: مرخم عاذلة، وهو اسم فاعل مؤنث من العذل وهو اللوم والتعنيف، والعتاب: هو مخاطبة الإدلال ومذاكرة الغضب، والمراد ههنا اللوم في تسخط، وأصبت: يروى بضم التاء على أنها ضمير المتكلم، ويروى بكسرها على أنها ضمير المخاطبة المؤنثة. ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "العتابن" و"أصابن" حيث لحق التنوين هاتين الكلمتين، وههنا أشياء لا بد أن ننبّهك إليها، الأول: أن هذا التنوين يسمى تنوين الترنّم، وهو غير مختص بالأسماء، بل يدخل الاسم والفعل والحرف، ويدخل من الأسماء المتمكن وغير المتمكن والمقرون بأل وغير المقرون بها، ولو كان مختصًّا بالأسماء لما دخل غير الأسماء المتمكنة المجردة من أل، والثاني: أن هذا ضرب من ضروب إنشاد القوافي، قال سيبويه في باب وجوه القوافي في الإنشاد: "وأما ناس كثير من تميم فإنهم يبدلون مكان المدة النون فيما ينون وما =
[ ٢ / ٥٣٩ ]
وكما قال الشاعر:
[٤١١]
وقد كنت من سلمى سنين ثمانيًا على صِيرِ أمرٍ ما يُمِرُّ وما يَحْلُنْ
وكما قال الشاعر:
[٤١٢]
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدَّخُول فَحَوْمَلِ
_________________
(١) = لم ينون، لما لم يريدوا الترنم أبدلوا مكان المدة نونًا، ولفظوا بتمام البناء وما هو منه، كما فعل أهل الحجاز ذلك بحروف المد" ا. هـ الثالث: أنهم سموا هذا التنوين تنوين الترنم، مع أنه في الواقع تنوين المقصود منه ترك الترنم كما سمعت في عبارة سيبويه، وقد قال العلماء: إن هذه التسمية على تقدير مضاف، أي تنوين قطع الترنّم، أو ما أشبه ذلك.
(٢) هذا البيت من كلام زهير بن أبي سلمى المزني "الديوان ص٩٦" وهو البيت الثاني من قصيدته التي مطلعها: صحا القلب عن سلمى، وقد كاد لا يسلو وأقفر عن سلمى التعانيق فالثقل وصحا القلب: أفاق من سكرة حبه، وأراد قلبه، يقول: أفاق قلبي من حب سلمى وبعدها عنه، وقد كاد لا يفيق لشدة تعلقه بها، وأقفر: خلا، والتعانيق: أرض، والثقل يروى بالفاء، وبالقاف، ويروى "الثجل" بالجيم وقد ورد في معجم البلدان بالثلاثة، واستشهد بهذا البيت، والثقل: موضع في شق العالية، وصير الأمر -بكسر الصاد- منتهاه وصيرورته، تقول: أنا من حاجتي على صير أمر، وعلى صيرورة وعلى صمات -بضم أوله- وعلى ثبار -بكسر أوله- إذا كنت على شرف منها، وقوله "ما يمر" أي ما يكون مرًا فأيأس منه وأتخلى عنه، ويحلو: أي ما يكون حلوًا فأرجوه وأتمنى تمامه. ومحل الاستشهاد بهذا البيت قوله "وما يحلن" حيث ألحق هذه الكلمة تنوين الترنم، أي تنوين قطع الترنم على ما علمت في شرح الشاهد السابق، وهذه الكلمة فعل مضارع، فدل ذلك على أن هذا الضرب من التنوين غير مختص بالأسماء كما بيناه لك آنفا، والمنشد قد حذف حرف المد وجاء بدله بالتنوين، ونريد أن ننبهك ههنا إلى أن حرف المد الذي حذفه المنشد من كلمة "يحلو" وأتى بدله بالتنوين، هو من أصول هذه الكلمة لأنه لام الفعل، أما في "أصابن" وفي "العتابن" في بيت جرير السابق فحرف المد الذي يأتي المنشد بدله بالتنوين حرف زائد على أصول الكلمة وإنما يأتي المنشد بحرف المد أيضًا إذا قصد الترنم، واستمع إلى سيبويه يقول "أما إذا ترنموا فإنهم يلحقون الألف والياء والواو ما ينون وما لا ينون، لأنهم أرادوا مد الصوت" ا. هـ، ونظير هذا البيت إنشادهم بيت رؤبة: داينت أروى والديون تقضن فمطلت بعضًا وأدت بعضن بالنون في "يقضن" حذف الألف "تقضى" وهي لام.
(٣) هذا البيت هو مطلع قصيدة امرئ القيس بن حجر الكندي المعلقة "شرح المعلقات العشر للتبريزي ص١" وهو من شواهد سيبويه "٢/ ٢٩٨" وابن هشام في مغني اللبيب "رقم ٢٦٩" وفي أوضح المسالك "رقم ٤١٣" وفي شرح قطر الندى "رقم ٢٤" والأشموني "رقم ٨١٩" وابن الناظم في باب عطف النسق، وشرحه العيني "٤/ ١٣٠" ورضي الدين في باب =
[ ٢ / ٥٤٠ ]
بتنوين الرويّ، وإنما يفعلون ذلك إذا أرادوا ترك الترنم؛ لأن التنوين ليس فيه من الامتداد ما في الألف والواو والياء؛ فإثبات النون في "يعلمن" في القافية على هذه اللغة لا يدل على أنه لا يجب أن يوقف عليها بالألف في سائر الكلام، وقال الشاعر:
[٤١٣]
وإيَّاكَ والمَيْتَاتِ لا تَقْرَبَنَّهَا ولا تَعْبُدِ الشيطان، واللهَ فاعبدا
_________________
(١) = الحروف العاطفة من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "٤/ ٣٩٧" وقف: فعل أمر من الوقوف، والألف المتصلة به تحتمل وجهين: الأول أن تكون ضمير المثنى المخاطب، والثاني أن تكون منقلبة عن نون التوكيد، والأصل "قفن" ثم أبدل النون ألفا للوقف، ثم عامل الكلمة في الوصل معاملتها في الوقف، ونبك: مضارع من البكاء مجزوم في جواب الأمر، والسقط -مثلث السين والقاف ساكنة- ما تساقط من الرمل، واللوى -بكسر أوله مقصورًا- المكان الذي يسترق فيه الرمل فيخرج منه إلى الجدد، والدخول وحومل: موضعان وكان الأصمعي يعيب امرأ القيس في قوله "بين الدخول فحومل" ويقول: كان ينبغي أن يجيء بواو العطف فيقول "بين الدخول وحومل" لأن كلمة بين لا تضاف إلا إلى متعدد، سواء أكان بلفظ واحد كأن يكون المضاف إليه مثنى أو مجموعًا نحو أن تقول: جلست بين الرجلين الكريمين، أو تقول: جلست بين العلماء، أم كان تعدده بالعطف وذلك لا يكون إلا بالواو، وقد اعتذر العلماء عن امرئ القيس بأن غرضه بين أماكن الدخول فأماكن حومل، فهو من باب التعدد بلفظ واحد. ومحل الاستشهاد بهذا البيت ههنا قوله "ومنزلن" وقوله "فحوملن" حيث ألحق المنشد النون في الكلمتين، والقول فيهما كالقول في البيتين السابقين.
(٢) ما أنشده المؤلف عجز بيت للأعشى ميمون، ويروى صدره: وذا النصب المنسوك لا تنسكنه وهذا البيت والبيت العشرون من قصيدته التي كان قد أعدّها ليمدح به سيدنا رسول الله ﷺ فصدته قريش "الديوان ١٠١ – ١٠٣" والبيت من شواهد ابن يعيش في شرح المفصل "ص١٢٣٩" وابن هشام في مغني اللبيب "رقم ٦١٦" وفي أوضح المسالك "رقم ٤٧٧" وفي شرح قطر الندى "رقم ١٤٩" والأشموني "رقم ٩٦٩" وكلا هؤلاء رووا صدره: وإياك والميتات لا تقربنها وهو تلفيق بيت واحد من بيتين من أبيات القصيدة، وقد شرحه العيني "٤/ ٣٤٠ بهاشم الخزانة" وبين انفصال الشطرين، ويروى: وذا النصب المنصوب لا تنسكنه بعاقبة، والله ربك فاعبدا والفاء في قوله "فاعبدا" تحتمل ثلاثة أوجه: الأول أن تكون زائدة، والثاني أن تكون واقعة في جواب أما مقدرة، وكأن قد قال: وأما الله ربك فاعبد، والوجه الثالث أن تكون عاطفة، والمعطوف عليه محذوف، وكأنه قد قال: تنبه فاعبد الله ربك ومحل الاستشهاد بهذا البيت ههنا قوله: "فاعبدا" فإن أصل هذه الكلمة "فاعبدن" بنون توكيد خفيفة، فلما أراد أن يقف =
[ ٢ / ٥٤١ ]
والشواهد على هذا النحو كثيرة جدا؛ فلو كانت هذه النون مخففة من الثقيلة لما كانت تتغير في الوقف، ألا ترى أن نون "إن" و"لكن" المخففتين من إنَّ ولكنَّ الثقيلتين؛ لما كانتا مخففتين من الثقيلتين لم تتغيرا في الوقف عما كانتا عليه في الوصل؛ فلما تغيرت النون الخفيفة في الوقف دلَّ على أنها ليست مخففة من الثقيلة، يدل عليه أن النون الخفيفة تحذف في الوقف إذا كان ما قبلها مضموما أو مكسورا، تقول في الوصل "هل تَضْرِبُنْ زيدا، وهل تَضْرِبِنْ عمرًا" فإن وقفت قلت "هل تضربون، وهل تضربِيِنْ" فتردُّ نون الرفع التي كنت حذفتها للبناء؛ لزوال ما كنت حذفت من أجله، ولو كانت مثل نون "إنْ، ولكنْ" المخففتين من الثقيلتين لما جاز أن تحذف، يدل عليه١ أنَّ النون الخفيفة إذا لقيها ساكن حذفت، تقول في "اضْرِبَنْ يا هذا" إذا وصلتها: اضْرِبَ القَوْمَ٢، فتحذف النون ولا تحركها لالتقاء الساكنين، ولو كانت مخففة من الثقيلة مثل "إنْ، ولكنْ" لما كان يجوز أن تحذف؛ فدلَّ على أنها ليست مخففة من الثقيلة وأنها بمنزلة التنوين، وإنما وجب حذفها ههنا، بخلاف التنوين؛ لأن نون التوكيد تدخل على الفعل والتنوين يدخل على الاسم، والاسم أصل للفعل، والفعل فرع عليه؛ فجعل ما يدخل على الاسم الذي هو الأصل أقوى مما يدخل على الفعل الذي هو الفرع؛ فلهذا المعنى حذفت النون لالتقاء الساكنين ولم يحذف التنوين، على أنه قد قرأ بعض أئمة القراء: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] فحذفت التنوين من ﴿أَحَدٌ﴾ لالتقاء الساكنين، وقرأ أيضًا بعض القراء ﴿وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يّ-س: ٤٠] فحذف التنوين من ﴿سَابِقُ﴾ لالتقاء الساكنين، لا للإضافة، ولهذا نصب ﴿النَّهَارِ﴾؛ لأنه
_________________
(١) = عليها أبدلها ألفًا، قال ابن يعيش بعد أن أنشد البيت "قال لا تقربنّها بالنون الشديدة في النهي، وقال والله فاعبدا، فأتى بالنون الخفيفة مع الأمر، ثم وقف فأبدل منها الألف" ا. هـ، ومثل هذا البيت قول الأعشى ميمون صاحب الشاهد الذي نحن بصدد شرحه: وصل على حين العشيات والضحى ولا تحمد المثرين، والله فاحمدا وقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: وقمير بدا لخمس وعشريـ ـن له قالت الفتان: قوما والاستشهاد بهذا البيت في قوله "قوما" فإن هذه الألف لا يجوز أن تكون ألف الاثنين، لأن الحديث عن واحد، فوجب أن تكون منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة للوقف. ١ في ر "يدل عليه وهو أن النون" وواضح أن كلمة "وهو" مقحمة، وقد نبهنا إلى مثل ذلك فيما مضى. ٢ ونظيره قول الشاعر، وقد أنشدناه في شرح الشاهد رقم ٣٧٣ الذي سبق قريبًا في المسألة ٧٧، وهو: لا تهين الفقير علك أن تركع يوما والدهر قد رفعه
[ ٢ / ٥٤٢ ]
مفعول "سابق"، وقال الشاعر:
[٤١٤]
فَأَلْفَيْتُهُ غيرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذاكر اللهَ إلا قليلًا
_________________
(١) ينسب هذا البيت لأبي الأسود الدؤلي، وهو من شواهد سيبويه "١/ ٨٥" وابن جني في الخصائص "١/ ٣١١" والزمخشري في المفصل، وابن يعيش في شرحه "ص١٢٣٥" ورضي الدين في باب التنوين من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "٤/ ٥٥٤" وابن هشام في مغني اللبيب "رقم ٨٠٨" وابن الشجري في أماليه "١/ ٣٤٦" والزمخشري في تفسير سورة آل عمران من الكشاف "١/ ١٥٢ بولاق" وألفيته: أي وجدته، وانظر شرح الشاهد ٣٧٤ السابق في المسألة ٧٨، ومستعتب: أي طالب العتبى، وهي الرضا، والاستشهاد بالبيت يستدعي أن نقدم لك بين يدي بيانه بحثا في ذكر المواضع التي يحذف فيها التنوين من الاسم وجوبًا، فنقول: إنما يحذف التنوين من الاسم وجوبا في ثمانية مواضع؛ الأول: بسبب الإضافة، نحو قولك: زيد ضارب بكر، والثاني: بسبب شبه الإضافة نحو قولك: لا مال لزيد عندك، إذا لم تقدر هذه اللام مقحمة، فإن قدرتها مقحمة كان حذف التنوين بسب إضافة مال إلى زيد، فيكون من النوع الأول: والثالث: بسبب اقتران الاسم بأن نحو الضارب والرجل والغلام، والرابع: بسبب وجود علتين يقتضيان المنع من الصرف نحو فاطمة وأحمد وضوارب، والخامس: بسبب اتصال الضمير بعامله نحو ضاربك وصاحبك، إذا قدرت الضمير في محل نصب على المفعولية، فإن جعلته في محل جر بالإضافة كان من النوع الأول، والسادس: بسبب البناء، وذلك في النداء واسم لا نحو يا رجل لمعين ولا رجل عندك، والسابع: بسبب كون الاسم علما موصوفا بابن مضاف إلى علم نحو يا زيد بن عمرو، والثامن: بسبب الوقف في غير المنصوب، أما في المنصوب فإن التنوين يقلب ألفا في المشهور من لغة العرب، وربيعة تعامل المنصوب معاملة غيره. إذا عرفت هذا فاعلم أن محل الاستشهاد بهذا البيت قوله "ولا ذاكر الله" والرواية فيه بنصب لفظ الجلالة على التعظيم، وهو معمول لذاكر، وكان من حق العربية عليه أن ينون "ذاكر" لكنه حذف التنوين لضرورة الشعر، وقد كان يمكنه أن يضيف "ذاكر" إلى لفظ الجلالة؛ فيكون حذف التنوين حينئذ واجبًا، لا ضرورة، لكنه آثر أن يرتكب الضرورة على حذفه للإضافة لقصد حصول التماثل بين المتعاطفين في التنكير، قال سيبويه "وزعم عيسى أن بعض العرب ينشد هذا البيت لأبي الأسود الدؤلي: فألفيته غير مستعتب ولا ذاكر الله البيت لم يحذف التنوين استخفافا ليعاقب المجرور، ولكنه حذفه لالتقاء الساكنين كما قال رمى القوم، وهذا اضطرار، وهو مشبه بذلك الذي ذكرت لك" ا. هـ. وقال الأعلم "الشاهد فيه حذف التنوين من ذاكر لالتقاء الساكنين ونصب ما بعده، وإن كان الوجه إضافته، وفي حذف تنوينه لالتقاء الساكنين وجهان: أحدهما أن يشبه بحذف النون الخفيفة إذا لقيها ساكن كقولك: اضرب الرجل، تريد اضربن، والوجه الثاني: أن يشبه بما حذف تنوينه من الأسماء الأعلام إذا وصف بابن مضاف إلى علم كقولك: رأيت زيد بن عمرو، وأحسن ما يكون حذف التنوين للضرورة في مثل قولك: هذا زيد الطويل؛ لأن النعت والمنعوت كالشيء الواحد، فيشبه بالمضاف والمضاف إليه" ا. هـ.
[ ٢ / ٥٤٣ ]
أراد "ذاكر الله" فحذف التنوين لالتقاء الساكنين، لا للإضافة، ولهذا نصب "الله" بذاكر، وقال الآخر:
[٤١٥]
تُذْهِلُ الشيخ عن بنيه، وتُبْدِي عن خِدَامِ العَقِيلَةُ العَذْرَاءُ
أراد "عن خدام" فحذف التنوين لالتقاء الساكنين، لا للإضافة، ولهذا رفع "العقيلَةُ" لأنها فاعل "تُبْدِي". وقال الآخر:
[٤١٦]
تغيرت البلاد ومن عليها فوجه الأرض مُغْبَرٌّ قبيحُ
_________________
(١) هذا البيت من كلام عبيد الله بن قيس الرقيات، وقبله قوله: كيف نومي على الفراش ولما تشمل الشام غارة شعواء والبيت من شواهد ابن يعيش في شرح المفصل "ص١٢٣٦" وقد أنشد ابن منظور البيتين "خ د م" من غير عزو، وأنشدهما ابن الشجري في أماليه "١/ ٣٤٥" وعزاهما إليه، وتبدي: تظهر، وعدّاه بعن في قوله: "وتبدي عن خدم" لأنه ضمنه معنى تكشف، كما جاء في قول امرئ القيس في المعلقة: تصدّ وتبدي عن أسيل، وتتقي بناظرة من وحش وجرة مطفل والخدام -بكسر الخاء- جمع خدمة، وهي الخلخال، وربما سميت الساق نفسها خدمة؛ لكونها موضع الخدمة. والعقيلة: الكريمة المخدرة من النساء، والعذراء: البكر، وجملة "تذهل الشيخ" في محل رفع صفة لغارة، والرابط في هذه الجملة بين الموصوف والصفة الضمير المستتر في "تذهل" فإنه يعود إلى غارة، وجملة "وتبدي عن خدام" في محل رفع بالعطف على الجملة السابقة، ورابط هذه الجملة بالموصوف محذوف، وأصل الكلام: وتبدي العقيلة العذراء لها -أي لهذه الغارة، أي لأجلها- عن خدام، أي ترفع المرأة الكريمة من شدة هذه الغارة ثوبها طالبة الهرب فيبدو خلخالها، ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "خدام" فقد كان من حق العربية عليه أن ينوّن هذه الكلمة لأنها ليست في موضع من المواضع الثمانية التي أحصيناها لك في شرح الشاهد السابق، ولكنه حذف هذا التنوين للضرورة على نحو ما ذكرناه لك في شرح الشاهد السابق، ومن العلماء من يذكر أن الشاعر قد حذف التنوين من هذه الكلمة لأنه قدر إضافتها إلى ضمير العقيلة العذراء، وأصل الكلام على هذا: وتبدي عن خدامها العقيلة العذراء، فحذف الضمير وهو ينويه، فلذلك أبقى التنوين محذوفا، قال ابن منظور "وخدام ههنا في نية خدامها" ا. هـ. ومن العلماء من يروي هذا البيت على وجه آخر ليس فيه شاهد، وهو: كيف نومي على الفراش، ولما تشمل الشام غارة شعواء تذهل الشيخ عن بنيه، وتبدي عن براها العقيلة العذراء
(٢) يعزى هذان البيتان إلى آدم أبي البشر، وقد أنشدهما ابن الشجري في أماليه "١/ ٣٤٦" وذكر أنه يقولها بعد أن قتل ابنه قابيل أخاه هابيل، ويروى صدر الثاني "تغير كل ذي حسن وطيب" والبشاشة: طلاقة الوجه. ومحل الاستشهاد من البيت قوله "بشاشة" واعلم أولًا أن من العلماء من يروي هذه الكلمة برفع "بشاشة" من غير تنوين ويضيفها إلى الوجه، فيكون آخر البيت الثاني مجرورًا وآخر البيت الأول مرفوعًا، ويكون في هذين البيتين =
[ ٢ / ٥٤٤ ]
تغيَّرَ كلُّ ذي طَعْمٍ ولونٍ وقَلَّ بَشَاشَةَ الوجهُ المَلِيحُ
أراد "قل بشاشة" بالتنوين؛ فحذف التنوين لالتقاء الساكنين، لا للإضافة، ولهذا رفع "الوجه" لأنه فاعل "قل" ويروى هذا الشعر لآدم ﵇، وقال الآخر:
[٤١٧]
حَيْدَةُ خالي ولَقِيطٌ وعلي وحاتم الطائيُّ وهَّابُ المِئِي
يراد "حاتم" بالتنوين؛ فحذف التنوين لالتقاء الساكنين، وقال الآخر:
[٤١٨]
عمروُ الذي هَشَم الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ ورجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجَافُ
_________________
(١) = الإقواء، وهو تغير حركة حرف الروي، ومنهم من يروي بنصب "بشاشة" من غير تنوين، ويرفع "الوجه" على أنه فاعل قل، ويرفع "المليح" على أنه صفة للفاعل، وعلى هذا يسلم البيتان من الإقواء، ولكن يقع في ثانيهما ضرورة حذف التنوين من الاسم الذي هو بشاشة لغير سبب من الأسباب الثمانية التي ذكرناها في شرح الشاهد ٤١٤ وقد قرئ في قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] برفع ذائقة من غير تنوين ونصب الموت على أنه مفعول به لذائقة، وحذف التنوين على هذا للتخلص من التقاء الساكنين كما في بيت الشاهد والبيتين قبله. وحكى أبو سعيد السيرافي قال: "حضرت مجلس أبي بكر بن دريد، ولم أكن قبل ذلك رأيته، فجلست في ذيل المجلس، فأنشده أحد الحاضرين بيتين يعزيان إلى آدم ﵇ قالهما لما قتل ابنه قابيل هابيل وهما" تغيرت البلاد البيتين" فقال أبو بكر: هذا شعر قد قيل في صدر الدنيا وجاء فيه الإقواء، فقلت: إن له وجهًا يخرجه من الإقواء، فقال: ما هو؟ قلت: نصب بشاشة، وحذف التنوين منها لالتقاء الساكنين لا للإضافة، فتكون بهذا التقدير نكرة منتصبة على التمييز، ثم رفع الوجه وصفته بإسناد قل إليه، فقال لي: ارتفع، فرفعني حتى أقعدني إلى جنبه".
(٢) هذان بيتان من الرجز المشطور، وهما لامرأة من بني عقيل تفخر بأخوالها من اليمن كذا قال أبو زيد في النوادر "ص٩١" وهما من شواهد رضي الدين في باب العدد وباب الجمع وباب التنوين من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "٣/ ٣٠٤" وقد أنشدهما ابن منظور "م أى" وأبو زيد في نوادره "ص٩١" وابن جني في الخصائص "١/ ٣١١" وحيدة، ولقيط، وعلي: أعلام أشخاص، و"حاتم الطائي" مضرب المثل في الجود والكرم. ومحل الاستشهاد من هذا الشاهد قوله "وحاتم الطائي" حيث حذف التنوين من حاتم لالتقاء الساكنين، لا لسبب من الأسباب الثمانية التي بيناها لك في شرح الشاهد ٤١٤، وهذا الحذف ههنا للضرورة، وكان الأصل أن يحرك التنوين فتنشأ نون يكسرها على ما هو الأصل في التخلص من التقاء الساكنين، ولكنه لم يفعل ذلك وحذف التنوين رأسا، وقد سمعت في عبارة الأعلم الشنتمري التي أثرناها لك في شرح الشاهد ٤١٤ أن الحذف في "وحاتم الطائي" أخف الضرورات لكون الطائي صفة لحاتم، والصفة مع موصوفها كالكلمة الواحدة، وفي البيت شاهد آخر، وذلك في قوله "المئي" حيث حذف النون، وأصله "المئين" لأنها أخت التنوين.
(٣) هذا البيت لمطرود بن كعب الخزاعي، من كلمة له يمدح فيها هاشم بن عبد مناف والد =
[ ٢ / ٥٤٥ ]
وقال الآخر:
[٤١٩]
حُمَيْدُ الذي أمَجٌ دَارُهُ أَخُو الخَمْرِ ذو الشَّيْبَةِ الأصْلَعُ
_________________
(١) = عبد المطلب جد النبي ﷺ، وكان هاشم يسمى عمرًا، فسموه هاشما لأنه كان يهشم الثريد لقومه ويطعمهم في المجاعات، وقد روى هذا البيت ابن دريد في الاشتقاق "ص١٣" ونسبه لمطرود بن كعب الخزاعي، ورواه ابن منظور "هـ ش م" ونسبه إلى ابنه هاشم ولم يسمها، ثم قال: "وقال ابن برى: الشعر لابن الزبعرى". وأنشده أبو العباس المبرد في الكامل "١/ ١٤٨" ولم يعزه إلى قائل معين، وأبو زيد في نوادره "ص١٦٧". قال أبو رجاء: والسر في هذا الاضطراب أن لمطرود بن كعب الخزاعي كلمة على هذا الروي، ولابن الزبعرى كلمة أخرى على الروي نفسه، فأما كلمة مطرود بن كعب الخزاعي فرواها السيد المرتضى في أماليه "٢/ ٢٦٨" وأما أبيات بن الزبعرى فرواها ابن هشام في السيرة، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، وروى السيد المرتضى منها بيتين أولهما بيت الشاهد، ومما كان من دواعي الاضطراب أن عجز هذا البيت وقع في الشعرين جميعا: شعر مطرود بن كعب الخزاعي، وشعر ابن الزبعرى. والاستشهاد بهذا البيت في قوله "عمرو" حيث حذف التنوين منه لغير سبب من الأسباب الثمانية التي فصلناها في شرح الشاهد ٤١٤"، وإنما حذفه للتخلص من التقاء الساكنين: التنوين، وسكون اللام في "الذي" وليس هذا هو طريق التخلص من التقاء الساكنين الذي اعتاد العرب أن يسلكوه، إنما طريقهم أن يحركوا التنوين فتنشأ نون مكسورة، فلما لم يسلك الشاعر طريقهم المعتاد بل حذف التنوين رأسا كان ذلك ارتكابًا للضرورة التي يرتكبها الشاعر حين يلجئه إليه ملجئ من إقامة الوزن ونحوه.
(٢) أنشد ابن منظور هذا البيت "أم ج" عن أبي العباس المبرد "الكامل ١/ ١٤٨ الخيرية"، ولم يعزه، وابن الشجري في أماليه "١/ ٣٤٥" وأبو زيد في نوادره "ص١١٧" وأنشده ياقوت في معجم البلدان "أمج" ثاني ثلاثة أبيات، وقال قبل إنشاده: "أمج بالجيم، وفتح أوله وثانيه، والأمج في اللغة: العطش، من أعراض المدينة، منها حميد الأمجي، دخل على عمر بن عبد العزيز، وهو القائل: شربت المدام فلم أقلع وعوتبت فيها فلم أسمع حميد الذي أمج داره أخو الخمر البيت علاه المشيب على حبها وكان كريمًا، فلم ينزع ومن هنا تعلم أن في بيت الشاهد الإقواء، وهو كما قلنا في شرح الشاهد رقم ٤١٦ اختلاف حركة الروي في آخر البيت، فإن حركة الروي في "الأصلع" الضمة، وحركته في بقية الأبيات الكسرة، إلا أن يكون الرواة يروون "الأصلع" بالجر للجوار، لأن كلمة "الشيبة" قبله مجرورة بإضافة "ذو" إليها، وانظر الشواهد ٣٨٩-٣٩١ السابقة في المسألة رقم ٨٤. ومحل الاستشهاد بهذا البيت ههنا قوله "حميد" حيث حذف التنوين من هذه الكلمة لغير سبب من الأسباب الثمانية التي ذكرناها في شرح الشاهد رقم ٤١٤ وكان الأصل أن يحرك هذا التنوين حتى تنشأ نون مكسورة على ما هو الأصل في التخلص من =
[ ٢ / ٥٤٦ ]
وقال الآخر:
[٤٢٠]
لَتَجِدَنِّي بالأمير بَرًّا وبالقَنَاة مِدْعَسًا مِكَرَّا
إذا غُطَيْفُ السُّلَمِيُّ فَرَّا
أرد" غطيف" بالتنوين، إلا أنه حذفه لالتقاء الساكنين، كما حذفت نون التوكيد لالتقاء الساكنين.
والذي يدل على أن نون التوكيد في الفعل بمنزلة التنوين في الاسم أنه إذا انفتح ما قبلها أُبْدِلَتْ منها في الوقف ألفًا، وإذا انضم ما قبلها أو انكسر حذفتها، كما تُبْدِلُ من التنوين في النصب إذا وقفت ألفًا، نحو "رأيت زيدا" وتحذفه في الرفع والجر وتقف بالسكون نحو "هذا زيد، ومررت بزيد" فدلّ على ما قلناه.
وأما قولهم: "إن هذه النون دخلت لتأكيد الفعل المستقبل؛ فكما جاز إدخالها في كلّ فعلٍ؛ فكذلك فيما وقع فيه الخلاف" قلنا: إنما جاز هناك لمجيئه في النقل، وصحته في القياس، وأما ما وقع فيه الخلاف فلم يأتِ في النقل عن أحد من العرب، ولا يصحُّ في القياس؛ لأنه لا نظير له في كلامهم.
وأما قولهم: "إن الألف فيها زيادة مدّ" قلنا: إلا أنه على كل حال لا يخفُّ كل الخفة، ولا يَعْرَى عن الثقل، هذا مع عدم نظيره في النقل وضعفه في القياس؛ لأن الألف لم تخرج عن كونها ساكنة، وإذا كانت ساكنة فلا يجوز أن يقع بعدها ساكن إلا مدغما، نحو "دابّة وشابّة" لأن الحرف المدغم بحرفين: الأول ساكن، والثاني متحرك، إلا أنه لما نَبَا اللسان عنهما نَبْوَةً واحدة، وصارا بمنزلة حرف واحد وفيهما حركة قد رفع المدّ في الألف كأنه لم يجتمع ساكنان.
_________________
(١) = التقاء الساكنين اللذين هما سكون التنوين وسكون لام الذي لأن بينهما ألف وصل ولا اعتداد بها في الدرج، لكنه حذف التنوين رأسًا في هذا الموضع للتخلص من التقاء هذين الساكنين، وهذا الحذف من الضرورات التي لا تقع إلا في الشعر.
(٢) هذه ثلاثة أبيات من الرجز المشطور، وقد أنشد ثلاثتها ابن الشجري في أماليه "١/ ٣٤٥" وابن منظور "د ع س" وأنشد أولها وثانيها "د ع ص" ولم يعزها في المرتين، وأنشدها أبو زيد في النوادر "٩١" مع بيتين سابقين من غير عزو، وتقول: رجل مدعس، ومدعص -وهو بالصاد أشهر- ومداعس بضم الميم هنا: أي طعان، وتقول: دعصه بالرمح يدعصه دعصا -من مثال فتح- إذا طعنه به، وقد يمسى الرمح مدعصًا؛ لأنه آلة الدعص، وجمعه مداعص -بفتح الميم- ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "غطيف" حيث حذف التنوين لغير واحد من الأسباب الثمانية السابقة بيانها، بل للتخلص من التقاء الساكنين، وهو ضرورة، والقول فيه كالقول في الشواهد السابقة.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
وأما قولهم: "إنه قد جاء في غير المدغم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] فنقول: وجه هذه القراءة أنه نوى الوقف فحذف الفتح، وإلا فلا وجه لهذه القراءة في حال الوصل، إلا أن يجري الوصلُ مجرى الوقف. وذلك إنما يجوز في حالة الضرورة.
وأما ما حكي عن بعض العرب من قوله "التقتْ حَلْقَتَا البطان" وقول الآخر "ثلثا المال" فغير معروف، والمعروف عن العرب حذف الألف من "حلقتا البطان، وثلثا المال" وما أشبههما؛ لالتقاء الساكنين، وإن صحّ ما حكيتموه عن أحد من العرب فهو من الشاذ النادر الذي لا يقاس عليه، ولا يعتد به لقلته.
وأما قولهم: "إنه يجوز تخفيف الهمزة في نحو هَبَاءة، والهمزة المخففة ساكنة" قلنا: لا نسلم أنها ساكنة، بل هي متحركة، وسنبين فساد ذلك مستقصى في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأما قراءة ابن عمار: "وَلَا تَتَّبِعَانِ" بالنون الخفيفة فهي قراءة تفرد بها، وباقي القراءة على خلافها، والنون فيها للإعراب علامة الرفع؛ لأن "لا" محمول على النفي، لا على النهي، والواو في "ولا" واو الحال، والتقدير: فاستقيما غير متبعين، كما قال الشاعر:
[٤٢١]
بِأَيْدِي رِجَالٍ لم يَشِيمُوا سُيُوفَهُمْ ولم تَكْثُرِ القَتْلَى بِهَا حين سُلّتِ
_________________
(١) هذا البيت من شواهد ابن هشام في مغني اللبيب "رقم ٥٩٢" وابن يعيش في شرح المفصل "ص٢٤٨" وأنشده ابن منظور "ش ي م" وعزاه إلى الفرزدق، وقد وجدته في ديوان الفرزدق "ص١٣٩" بيتًا مفردًا، وأنشده ابن رشيق في العمدة "٢/ ١٧٨ بتحقيقنا" وعزاه إلى سليمان بن قنة في رثاء الحسين بن علي ﵄ وذكر آل بيت رسول الله ﷺ، ثم قال: "ويروى للفرزدق" وروى صدره: أولئك قوم لم يشيموا سيوفهم ورواه أبو العباس المبرد في الكامل "١/ ١٨٠ الخيرية" ولم يشيموا سيوفهم: أي لم يغمدوها، أي لم يعيدوها إلى قربها، وقال قوم: المراد لم يسلوها، أي لم يخرجوها من أغمادها، فهو على هذا من الأضداد. ومحل الاستشهاد من هذا البيت ههنا قوله "ولم تكثر القتلى" فإن جماعة من العلماء -منهم ابن يعيش وابن هشام- ذهبوا إلى أن الواو في قوله "ولم تكثر إلخ" هي واو الحال، قال ابن هشام "ولو قدرت للعطف لانقلب المدح ذمًّا" ا. هـ، وهذا مبني على أن معنى "لم يشيموا سيوفهم" لم يعيدوها إلى أغمادها، يريد أنهم لم يعيدوها إلى أغمادها في حال عدم كثرة القتلى، أي انتفت إعادتهم السيوف إلى الأغماد في حال عدم كثرة القتلى؛ فيكون الثابت لهم إدخال السيوف في أغمادها حال كثرة القتلى، وهذا مدح أي مدح، وهو مبنيّ على جعل الواو للحال، فأما إن جعلت الواو للعطف. =
[ ٢ / ٥٤٨ ]
أي: لم يَشِيمُوا سيوفَهم غيرَ كاثرة بها القتلى، والمعنى لم يشيموا سيوفهم١ إلا في تلك الحالة، وإذا كان محمولا على النفي لا على النهى لم يكن لكم فيه حجة.
والذي يدل على فساد ما ذهبوا إليه أنه لا يجتمع ساكنان في الوصل إلا إذا كان الثاني منهما مدغما.
قولهم: "إن هذا النحو قد يلحقه ما يوجب له الإدغام، نحو: اضْربَا نُّعْمَانَ واضْرِبَانِّي، فينبغي أن تجيزوا هذا للإدغام" قلنا: هذا لا يستقيم؛ لأنا نكون قد رَدَدْنَا النونَ الخفيفة مع لزوم حذفها في حال الوصل والوقف إذا لم يتبعه كلام، وذلك خطأ. ثم كيف ترده وأنت لو جمعت هذه النون إلى نون ثانية لاعتلت وأدغمت وحذفت في قول بعض العرب؟ فإذا كُفُوا مؤنتها لم تكن ليردوها إلى ما يستثقلون، ولو جوزنا هذا في "اضربا نُّعْمَان" ونحوه لوجب إجازته في قولك "اضْرِبَانَ أباكما" في قول من لم يهمز؛ لأن هذا الموضع لم يمتنع فيه الساكن من التحريك، فتردها إذا وثقت بالتحريك كما رددتها حيث وثقت في الإدغام، وكما لا يجوز أن ترد في هذا وما أشبهه لأنك جئت به إلى شيء قد لزمه الحذف فكذلك ههنا، ولو وجب٢ إجازته في غير ذلك من الأسماء التي لا نون في أولها؛ ليكون
_________________
(١) = والمفروض أن معنى لم يشيموا لم يغمدوا فإن المعنى حينئذ انتفت إعادتهم السيوف إلى أغمادها وانتفت أيضًا كثرة القتلى، يعني أن الثابت لهم شيآن: عدم إغماد السيوف، وعدم كثرة القتلى، وهذا ذم شنيع، ولا شك أنه ليس مراد الشاعر، وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن الواو في قوله "ولم تكثر القتلى" يجوز أن تكون للعطف، وصححوا المعنى على ما أراد الشاعر بأحد وجهين: الأول أن معنى "لم يشيموا سيوفهم" لم يسلّوها: أي لم يخرجوها من أغمادها. وهذا وجه نقله مع الوجه الأول ابن رشيق في العمدة؛ قال بعد إنشاد البيت: "أراد لم يغمدوا سيوفهم إلا بعد أن كثرت به القتلى؛ كما تقول: لم أضربك ولم تجن عليّ إلا بعد أن جنيت عليّ، وقال آخرون: أراد لم يسلوا سيوفهم إلا وقد كثرت بها القتلى؛ كما تقول: لم ألقك ولم أحسن إليك إلا وقد أحسنت إليك؛ والقولان جميعا صحيحان؛ لأنه من الأضداد" ا. هـ. والحاصل أنك إذا فسرت لم يشيموا سيوفهم" بلم يغمدوها تعين أن تكون الواو للحال، وإن فسرت "يشيموا سيوفهم" بلم يسلوها جاز أن تكون الواو للعطف وجاز أن تكون للحال؛ والوجه الثاني من الوجهين: أن مراد الشاعر بقوله "ولم تكثر القتلى" أنهم لم يكثروا من القتل؛ لأنهم لا يقتلون كل من قدروا عليه، وإلا لأفنوا أعداءهم إفناء، وإنما يقتلون أكفاءهم في الشجاعة والإقدام على المكاره، وذلك قليل في أعدائهم. ١ لعل كلمة "إلا" لا لزوم لها. ٢ كذا، وأظن أصل الكلام "ولوجب إجازته".
[ ٢ / ٥٤٩ ]
الحكم فيها واحدًا، وذلك لا يجوز؛ لأن حمل المدغم على غير المدغم في الامتناع أولى من حمل غير المدغم على المدغم في الجواز، وذلك لأن غير المدغم أعمُّ استعمالًا وأكثر وقوعًا، والمدغم أقل استعمالًا وأندر وقوعًا، فلما وجب أن يحمل أحدهما على الآخر كان حمل الأقل الأندر على الأعمّ الأكثر أولى من حمل الأعمّ الأكثر على الأقلّ الأندر، والله أعلم.
[ ٢ / ٥٥٠ ]
٩٥- مسألة: [الحروف التي وضع الاسم عليها في "ذا" و"الذي"] ١
ذهب الكوفيون إلى أن الاسم في "ذا، والذي" الذال وحدها، وما زيد عليها تكثير لهما. وذهب البصريون إلى أن الذال وحدها ليست هي الاسم فيهما، واختلفوا في "ذا": فذهب الأخفش ومن تابعه من البصريين إلى أن أصله: ذَيُّ -بتشديد الياء- إلا أنهم حذفواالياء الثانية فبقي "ذَيْ" فأبدلوامن الياء ألفًا لئلا يلتحق بكي؛ فإذا الألف منه منقلبة عن ياء، بدليل جواز الإمالة؛ فإنه قد حكي عنهم أنهم قالوا في ذا: "ذا" بالإمالة، فإذا ثبت أنها منقلبة عن ياء لم يجز أن تكون اللام المحذوفة واوًا؛ لأن لهم مثل "حَيِيتُ" وليس لهم مثل "حَيَوْتُ" وذهب بعضهم إلى أن الأصل في ذا "ذَوَي" بفتح الواو؛ لأن باب "شَوَيْت" أكثر من باب "حَيِيتُ" فحذفت اللام تأكيدا للإبهام، وقلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وأما "الذي" فأجمعواعلى أن الأصل فيه "لَذِي" نحو: عَمِي وشَجِي.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن الاسم هو الذال وحدها أن الألف والياء فيهما يحذفان في التثنية نحو "قام ذَانِ، ورأيت ذَيْنِ، ومررت بذَيْنِ، وقام اللَّذَانِ، ورأيت اللَّذَيْنِ، ومررت باللَّذَيْنِ" ولو كان كما زعمتم أنهما أصلان لكانا لا يحذفان، ولوجب أن يقال في التثنية "الذِيَان" كما يقال العَمِيَانِ، والشَّجِيَانِ، و"الَّذِيُونَ" كما يقال: العميين، والشجيين، وأن تقلب الألف في تثنية "ذا" ولا تحذف، فلما حذفت الياء والألف في تثنية "الذي، وذا" دلّ على أنهما زائدان لا أصلان، وأن ما زيد عليهما تكثير لهما كراهية أن يبقى كل وحد منهما على حرف واحد، وحركواالذال لالتقاء الساكنين -وهما الذال والألف في ذا،
_________________
(١) ١ انظر في هذه المسألة: شرح ابن يعيش على المفصل "ص٤٤٤ و٤٥٦" وشرح الأشموني مع حاشية الصبان "١/ ١٣٧ و١٤٦" وتصريح الشيخ خالد "١/ ١٥٠ و١٥٦ بولاق" وشرح الرضي على الكافية "٢/ ٢٨/ و٣٧" ولسان العرب لابن منظور "٢٠/ ١١١ و٣٣٠ و٣٣٥" وشرحنا المطول على شرح الأشموني "١/ ١٩٤" وأسرار العربية للمؤلف "ص١٥٠".
[ ٢ / ٥٥١ ]
والذال والياء في الذي -وفتحواالذال في "ذا" لأن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحًا، وكسروها من "الذي" لأن الكسرة من جنس الياء، فكسرواما قبل الياء توكيدا لها، وزادوااللام الثانية مفتوحة من "الذي" على اللام الأولى ليسلم سكون اللام الأولى؛ لأن الألف واللام لا تدخل على ساكن إلا احتيج إلى تحريك اللام لالتقاء الساكنين، كقولهم: "الانتظار، والانكسار" فلو لم تدخل اللام الثانية لأدّى إلى تحريك اللام الأولى؛ لأنها ساكنة والذال بعدها ساكنة؛ فزادوااللام الثانية لتبقى اللام الأولى على أصلها في السكون ولا تكسر لالتقاء الساكنين.
والذي يدل على أن الذال أصلها السكون قول الشاعر:
[٤٢٢]
اللَّذْ بأسفله صحراءُ واسعةٌ واللَّذْ بأعلاه سيل مدَّه الجرُفُ
وقول الآخر:
[٤٢٣]
فلم أَرَ بيتًا كان أحسنَ بهجةً من اللَّذْ لَهُ من آلِ عَزَّةَ عامرُ
وقول الآخر:
[٤٢٤]
لن تنفعي ذا حاجة ويَنْفَعَكْ وتجعلين اللَّذْ مَعِي في اللَّذْ مَعَك
_________________
(١) أنشد المؤلف هذا البيت شاهدًا للكوفيين على أن أصل ذال الذي، السكون، ونظيره في "التي" قول الأقيش بن ذهيل العكلي: وأمنحه اللت لا يغيب مثلها إذا كان نيران الشتاء نوائما وقول الآخر: وأنشده ابن الشَّجَرِي في أماليه عن الفَرَّاء، وأنشده رضي الدين في شرح الكافية: فقل للت تلومك: إن نفسي أراها لا تعوذ بالتميم والتّميم: جمع تميمة، وهي المعاذة، ولكن ما وجه دلالة ذلك على أن الأصل هو السكون، خصوصًا إذا راعيت أنه قد جاء مع هذه الشواهد شواهد أخرى بكسر الذال؟ وسيذكر المؤلف هذا الاعتراض وينشد شواهد أخرى تدل للغات أخر في "الذي" وسنتكلم عليها هناك إن شاء الله.
(٢) العامر: المقيم في الدار، كأنه سمي بذلك لأنه يعمرها. وقد أنشد المؤلف هذا البيت على لسان الكوفيين يستدلون به على أن أصل ذال "الذي" ساكنة؛ لأنها قد جاءت في قول الشاعر "من اللذ" ساكنة، والقول فيه كالقول في الشاهد السابق فإن أقصى ما يدل عليه مجيئها ساكنة في هذا البيت ونحوه أن يكون سكونها مع حذف الياء لغة من لغات العرب قد جاءت في هذه الكلمة، وسنتكلم على ذلك مع الشواهد الأخرى التي جاءت على لغات أخر في هذه الكلمة.
(٣) الاستشهاد من هذا البيت في قوله "اللذ معي في اللذ معك" حيث وردت كلمة "اللذ" ساكنة الذال في الموضعين، والكلام فيهما كالكلام في نظائرهما من الشواهد السابقة.
[ ٢ / ٥٥٢ ]
وقوله الآخر:
[٤٢٥]
فَظَلْتُ في شَرٍّ من اللَّذْ كِيدَا كاللَّذْ تَزَبَّى زُبْيَةً فَاصْطِيدَا
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه يجوز أن تكون الذال وحدها فيهما هو الاسم، وذلك لأن "ذا، والذي" كل واحد منهما كلمة منفصلة عن غيرها؛ فلا يجوز أن يُبْنَى على حرف واحد؛ لأنه لا بد من الابتداء بحرف والوقوف على حرف؛ فلو كان الاسم هو الذال وحدها لكان يؤدي إلى أن يكون الحرف الواحد ساكنًا متحركًا، وذلك محال؛ فوجب أن يكون الاسم في "ذا" الذال والألف معًا، والاسم في "الذي" لذي؛ لأن له نظيرًا في كلامهم، نحو شَجِي وعَمِي، وهو أقل الأصول التي تبنى عليها الأسماء، وما نقص عن ذلك من الأسماء التي أَوْغَلَتْ في شبه الحروف فعلى خلاف الأصل، ولا يمكن إلحاق "ذا، والذي" بها، ألا ترى أن "ذا" كاسم مظهر يكون وصفا وموصوفا؟ فكونه وصفا نحو قوله تعالى: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ [يوسف: ٩٣] وكونه موصوفًا نحو قوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ [الكهف: ٤٩] وكذلك لا يمكن إلحاق "الذي" بها بأن يحكم بزيادة اللام الثانية كاللام التي تزاد للتعريف؛ لأن زيادة اللام ليس بقياس مطرد، وإنما يحكم بزيادتها في كلمات يسيرة نحو "زَيْدَلٍ، وعَبْدَلٍ، وأُولالِكَ"؛ [٢٨٠] لقيام الدليل على ذلك، كقولك في معناها: زيد، وعبد، وأولاك، ولم يوجد ههنا: فبقينا فيه على الأصل.
والذي يدل على أن الألف في "ذا" والياء في "الذي" أصليَّتَان قولهم في تصغير ذا "ذَيَّا" وأصله: ذَيَيَّا، بثلاث ياءات: ياءان من أصل الكلمة وياء للتصغير؛ لأن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها، واستثقلوا اجتماع ثلاث ياءات؛ فحذفوا
_________________
(١) هذان بيتان من الرجز المشطور، وهما لرجل من هذيل، وقد أنشدهما ابن منظور "٢٠/ ٣٤٣" عن الفراء من غير عزو، وقد أنشد ثانيهما رضي الدين في باب الموصول من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "٣/ ٤٩٧" وأنشد ثانيهما أيضا ابن يعيش في شرح المفصل "ص٤٥٧" وتزبّى: اتخذ زبية، والزّبية -بضم الزاي وسكون الباء- حفرة بعيدة الغور تصنع لاصطياد السبع، إذا وقع فيها لم يستطع الخروج منها، وفي أمثال العرب: بلغ السيل الزبى، يقولونه إذا بلغ الأمر منتهاه، وإنما تتخذ الزبية في الجبال لأنها موطن الأسود، ويروى "الربا" بالراء مهملة، وهو جمع ربوة، وهي ما ارتفع وعلا من الأرض. وكيد: فعل ماضٍ مبني للمجهول من الكيد يقول: لقد ظللت في شر من الذي كدت في حقه، فكنت كمن حفر حفرة ليصطاد فيها فإذا هو واقع فيها. ومحل الاستشهاد من هذين البيتين قوله "في شر من اللذ" وقوله "كاللذ تزبّى" حيث وردت كلمة "اللذ" في الموضعين محذوفة الياء ساكنة الذال، والكلام فيها كالكلام فيما سبق من الشواهد.
[ ٢ / ٥٥٣ ]
الأولى، وكان حذفها أولى؛ لأن الثانية دخلت لمعنى وهو التصغير، والثالثة لو حذفت لوقعت ياء التصغير قبل الألف، والألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحًا؛ فكانت تتحرك، وياء التصغير لا تكون إلا ساكنة، ووزنه "فَيْلى"؛ لذهاب العين منه؛ وفي تصغير الذي "اللَّذيّا" ولولا أنهما أصليتان، وإلا لما انقلبت الألف في "ذا" ياء وأدغمت في ياء التصغير، ولما ثبتت الياء في "الذي" في التصغير؛ لأن التصغير يردّ الأشياء إلى أصولها.
قالوا: ولا يجوز أن يقال: "إن هذا يبطل بما إذا سميتم رجلًا بهل وبل ثم صغرتموه؛ فإنكم تزيدون فيه في التصغير ما لم يكن فيه قبل ذلك" لأنا نقول: إذا سمينا بهل وبل وما أشبه ذلك فقد نقلناه من الحرفية إلى الاسمية، فإذا صغرناه صغرناه على أنه اسم؛ فوجب أن نزيد عليه حرفا توجبه الاسمية، بخلاف تصغير "الذي، وذا" لأنا إنما نصغرهما١ على معناهما الذي وُضِعا له؛ فبان الفرق بينهما.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم: "إن الألف والياء يحذفان في التثنية في نحو ذان واللذان، فدلّ على زيادتهما" قلنا: ذان واللذان ليس ذلك تثنية على حد قولهم: "زيد وزيدان، وعمرو وعمران" وإنما ذلك صيغة مرتَجَلة للتثنية، كما أن "هؤلاء" صيغة مرتجلة للجمع.
والذي يدل على ذلك أنه لو كان ذلك تثنية على حدّ قولهم "زيد وزيدان، وعمرو وعمران" لوجب أن يجوز عليه دخول الألف واللام كما يقال: الزيدان، والعمران، فلما لم يجز عليهما دخول الألف واللام فيقال الْذَان واللَّذَان٢ دلّ على أنه صيغة مرتجلة للتثنية في أول أحواله بمنزلة "كِلا" وكذلك حكم كل اسم لا يقبل التنكير. وإنما لم يجز تثنيتهما على حد قولهم: "زيد وزيدان، وعمرو وعمران" لأن التثنية ترد الاسم المعرفة إلى التنكير، والأسماء الموصولة وأسماء الإشارة والأسماء المضمرة لا تقبل التنكير، إلا أنهم لما قصدواتثنيتهما عاملوها ببعض ما يكون في التثنية الحقيقية؛ فأدخلواعليها حرف التثنية، فوجود حرف التثنية في اللفظ بمنزلة تاء التأنيث في "غرفة، وقربة" فكما أن التأنيث في "غرفة وقربة" لفظي لا معنوي؛ فكذلك ههنا: التثنية لفظية لا معنوية.
وقولهم: "لو كان الأمر كما زعمتم لكان ينبغي أن لا تحذف الألف والياء من ذا والذي كما لا تحذف الياء من عمي وشجي" قلنا: هذا باطل، وذلك من وجهين:
_________________
(١) ١ في ر "لأنا إنما تصغيرهما على معناهما" تحريف. ٢ الأول تثنية "ذا" والثاني تثنية "الذي" مقرونين بأل.
[ ٢ / ٥٥٤ ]
أحدهما: أن تثنية عمي وشجي على حدّ تثنية زيدان وعمران، بخلاف "ذا، والذي" على ما بينّا.
والثاني: أن ياء شجي وعمي يدخلها النصب، نحو "رأيت عميًا وشجيًا" بخلاف الياء في "الذي" فإنها لا يدخلها النصب، بل يلزمها السكون أبدًا؛ فبان الفرق بينهما.
وأما قولهم: "إن الاسم هو الذال وحدها وما زيد عليها تكثير لهما" قلنا: لو كان كما زعمتم لكان ينبغي أن يقتصر في "الذي" على زيادة حرف واحد، كما زدتم في "ذا" فأما زيادة أربعة أحرف فهذا ما لا نظير له في كلامهم، على أنَّا قد بيّنَّا فساد كونها زائدة.
وأما قولهم: "الدليل على أن الأصل فيهما السكون نحو قول الشاعر:
[٤٢٥]
فَظَلْتُ في شَرٍّ مِنَ اللَّذْ كِيدَا كاللَّذْ تَزَبَّى زُبْيَةً فَاصْطِيدَا
قلنا: لو جاز أن يستدل بهذه اللغة على أن الأصل فيها السكون لجاز لآخر أن يستدل على أن الأصل فيها الحركة باللغات الأخر؛ فإن فيها أَرْبَعَ لُغَاتٍ: إحداها "الذي" بياء ساكنة وهي أفصح اللغات، والثانية "الذي" بياء مشددة كما قال الشاعر:
[٤٢٦]
وليس المال فاعلمه بمالٍ من الأقوام، إلا للَّذِيِّ
يريد به العلاءَ ويَمْتَهِنْهُ لأقرب أَقْرَبِيهِ وللقَصِيِّ
_________________
(١) هذان البيتان أنشدهما ابن منظور "ل ذ ي" من غير عزو، وهما من شواهد رضي الدين في باب الموصول من شرح الكافية، وقد شرحهما البغدادي في الخزانة "٢/ ٤٩٧" وقد رواهما ابن الشَّجَرِي في المجلس الرابع والسبعين من أماليه، ويروى "ينال به العلاء" ويروى "ويصطفيه" ومعناه يختاره، ويمتهنه في رواية المؤلف بمعنى يهينه، وهو مجزوم بلام أمر مقدرة -أي وليمتهنه- للضرورة، وقوله "لأقرب" متعلق بيصطفيه أو بيمتهنه، والقصيّ: البعيد، يقول: ليس المال على وجه الحقيقة بمملوك لأحد من الناس إلا لرجل يريد به أن يبلغ أعلى درجات الرفعة وعلو القدر ويختاره ليعطي منه القريب والبعيد من غير تفرقة. ومحل الاستشهاد من البيتين قوله "للذي" حيث وردت هذه الكلمة بذال مكسورة وياء مشددة مكسورة، وكسر هذه الياء كسرة بناء وليست الكسرة التي تقتضيها اللام في الاسم المعرب، وذلك لأن الموصولات كلها مبنية لشبهها بالحرف شبهًا افتقاريًّا، وتشديد الياء في "الذي" وفي "التي" لغة من لغات العرب، وقد مضت لغة أخرى في الشواهد ٤٢٢-٤٢٥ وستأتيك لغة أخرى في الشاهد ٤٢٧ فإذا ضممت هذه اللغات إلى اللغة الأصلية -هي ثبوت الياء ساكنة- كانت أربع لغات، والمؤلف بصدد تعدادها.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
والثالثة "اللَّذِ" بكسر الذال من غير ياء، كما قال الشاعر:
[٤٢٧]
اللَّذِ لَوْ شَاءَ لَكَانَتْ بَرَّا أو جَبَلًا أصمَّ مُشْمَخِرًّا
والرابعة "اللذ" بسكون الذال، وبل أولى؛ فإن "اللذ" بسكون الذال أقل في الاستعمال من "الذي" وغيرها من اللغات، فإذا لم يعتبر الأكثر في الاستعمال فأولى أن لا يعتبر الأقل، والله أعلم.
_________________
(١) هذان بيتان من الرجز المشطور، وهما من شواهد رضي الدين في باب الموصول من شرح الكافية، وقد شرحهما البغدادي في الخزانة "٢/ ٤٩٨" ويروى البيتان هكذا. والذ لو شاء لكنت صخرا أو جبلا أشم مشمخرا وقد قال قوم من العلماء: إن الضمير المستتر في "لكانت" في رواية المؤلف عائد على الدنيا، وإن البرّ في هذه الرواية بفتح الباء ضد البحر، والمعنى: هو الذي لو شاء أن تكون الدنيا كلها برًا لكانت برًّا ولو شاء أن تكون كلها جبلا لكانت جبلا، والأصم بالصاد، ويروى "أشم" والأشم: العالي المرتفع، والمشمخر: البالغ في الغاية في الارتفاع، أو الراسخ. ومحل الاستشهاد من هذين البيتين قوله "اللذ" فقد وردت الرواية فيه بكسر الذال مع حذف الياء ووزن البيت لا يستقيم إلا بتحرك الذال، ولم ينقل أنها تحرك بغير الكسر، فدل ذلك على أن من العرب من ينطق بهذه الكلمة على هذا الوجه، ونظير ذلك في "التي" قول الشاعر: شغفت بك اللت تيمتك؛ فمثل ما بك ما بها من لوعة وغرام قال ابن منظور في "ل ذ ي": "الذي" اسم مبهم، وهو مبني معرفة، ولا يتم إلا بصلة، وأصله لذي، فأدخل عليه الألف واللام، ولا يجوز أن ينزعا منه، وقال ابن سيده: الذي من الأسماء الموصولة ليتوصل بها إلى وصف المعارف بالجمل، وفيه لغات: الذي، والذ -بكسر الذال- والذ -بإسكان الذال- والذي -بتشديد الياء- ثم أنشد البيتين رقم ٤٢٦ ا. هـ، وقال كلاما نظير هذا عن التي في "ل ت ي" وقال ابن يعيش: "أما الذي فيقع على كل مذكر من العقلاء وغيرهم، وفيها أربع لغات، قالوا: الذي -بياء ساكنة- وهو الأصل فيها، واللذ -بكسر الذال من غير ياء- كأنهم حذفواالياء تخفيفا إذ كانت الكسرة قبلها تدل عليها، فعلواذلك كما قالوا: يا غلام ويا صاحب -بالكسرة- بالكسرة اجتزاء بها عن الياءِ، الثالثة: الذ -بسكون الذال- ومجازه أنهم لما حذفواالياء اجتزاء بالكسرة منها أسكنواالذال للوقف ثم أجرواالوصل مجرى الوقف، وهو من قبيل الضرورة، وعند الكوفيين قياس لكثرته، الرابعة: الذي -بتشديد الياء، للمبالغة في الصفة، كما قالوا: أحمري، وأصفري، وكما قال: والدهر بالإنسان دواري وليس منسوبا" ا. هـ، وإذا ثبت بالنقل الصحيح أن في هذه الكلمة عدة لغات وأن العرب قد تكلموابها كلها لم تكن إحدى هذه اللغات بأن تكون أصلًا وغيرها فرعًا عنها بأولى مما عداها.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
٩٦- مسألة: [الحروف التي وضع عليها الاسم في "هو" و"هي"] ١
ذهب الكوفيون إلى أن الاسم من "هو، وهي" الهاء وحدها.
وذهب البصريون إلى أن الهاء والواو من "هو" والهاء والياء من "هي" هما الاسم بمجموعهما.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن الاسم هو الهاء وحدها دون الواو والياء أن الواو والياء تحذفان في التثنية، نحو "هما" ولو كانتا أصلًا لما حذفتا.
والذي يدل على ذلك أنهما تحذفان في حالة الإفراد أيضا وتبقى الهاء وحدها، قال الشاعر، وهو العُجَير السَّلُولِي جاهلي:
[٣٣٣]
فَبَيْنَاهُ يَشْرِي رَحْلَهُ قال قائل: لمن جَمَلٌ رِخْوُ المِلَاطِ نَجِيبُ
أراد "بَيْنَا هو" وقال الآخر:
[٤٢٨]
بَيْنَاهُ في دار صدق قد أقام بها حينًا يُعَلّلُنَا وما نُعَلِّلُهُ
أراد "بَيْنَا هو" وقال الآخر:
[٤٢٩]
إِذَاهُ سِيمَ الخَسْفَ آلَى بِقَسَمْ بالله لا يأخذ إلا ما احْتَكَمْ
_________________
(١) هذا البيت من شواهد سيبويه "١/ ١٢" ولم يعزه، ولا عزاه الأعلم، وقد رويناه لك في شرح الشاهد ٣٣٣ السابق في المسألة "رقم ٧٠" وبينا علته عند سيبويه ومن نحا منحاه، وهو ههنا مرويّ على لسان الكوفيين، يستدلون به على أن أصل "هو" الهاء وحدها، بدليل سقوطها هذا في هذا الشاهد وأمثاله، فإن المعروف أن سقوط الحرف من الكلمة دليل على أنه زائد، وهو كلام غير مستقيم، لأن "هو" ضمير منفصل مستقل بنفسه يجري مجرى الظاهر، فلا يكون على حرف واحد، ولأن لزوم الحرف وسقوطه إنما يستدل به في تصريف الكلمات، وقد عرف أن التصريف لا يدخل الضمائر ونحوها من الأسماء غير المتمكنة.
(٢) هذان بيتان من مشطور الرجز، وقد أنشدهما ابن منظور عن الكسائي "٢٠/ ٣٦٦" ولم = ١ انظر في هذه المسألة: شرح ابن يعيش على المفصل "ص٤١٦" وشرح الرضي على الكافية "٢/ ٩" وشرح الأشموني بحاشية الصبان "١/ ١١٨".
[ ٢ / ٥٥٧ ]
أراد "إذا هو" وقال الآخر:
[٤٣٠]
دارٌ لِسُعْدَى إذْهِ مِنْ هَوَاكَا
_________________
(١) = يعزهما إلى قائل معيّن، والرواية عنده في صدر الأول "إذاه سام الخسف" وتقول: سام فلان فلانا الخسف، إذا أراد إذلاله وظلمه، وقال الأعشى. إذ سامه خطتي خسف فقال له: أعرض على كذا أسمعهما حار وآلى: حلف، والقسم: اليمين، ومحل الاستشهاد بالبيت قوله "إذاه" فإنه أراد أن يقول "إذا هو" فلما لم يتيسر له ذلك حذف الواو، والكوفيون يستدلون بهذا البيت ونحوه على أن أصل "هو" و"هي" الهاء وحدها، وأما الواو في "هو" والياء في "هي" فحرفان زائدان قصد بهما دعم الهاء، والبصريون يقولون: إن الواو والياء حرفان وضع كل واحد منهما مع الهاء ليكون كل من "هو" و"هي" ضميرًا منفصلًا، وإن حذف الواو من "هو" وحذف الياء من "هي" لا يدل على زيادتها، لأن أقصى ما يدل عليه الحذف أن يكون لغة من لغات العرب يلجأ إليها من لا يستطيع أن يأتي بالكلمة على أصلها الذي وضعت عليه عند جمهور العرب، وقد يكون ذلك الذي فعله الشاعر في هذا البيت ضرورة من ضرورات الشعر، والضرورات لا يستدل بها على أحكام العربية ولا تبنى عليها قواعد تجعل أسسًا للكلام المتلئب، قال ابن منظور "قال الكسائي: هو: أصله أن يكون على ثلاثة أحرف مثل أنت، فيقال: هو فعل كذا -أي بتشديد الواو مفتوحة- وقد ورد في قول الشاعر: وإن لساني شهدة يشتفي بها وهو على من صبه الله علقم ومن شواهد تشديد الياء من "هي" قول الشاعر: والنفس ما أمرت بالعنف آبية وهي إن أمرت باللطف تأتمر قال: ومن العرب من يخففه فيقول: هو فعل كذا، أي بإسكان الواو -قال اللحياني: وحكى الكسائي عن بني أسد وتميم وقيس: هو فعل ذلك، بإسكان الواو، وأنشد لعبيد: وركضك لولا هو لقيت الذي لقوا فأصبحت قد جاوزت قومًا أعاديا قال الكسائي: وبعضهم يلقي الواو من هو إذا كان قبلها ألف ساكنة، فيقول: حتاه فعل ذلك، وإنماه فعل ذلك، وأنشد أبو خالد الأسدي: إذاه لم يؤذن له لم ينبس قال: وأنشدني خشاف: إذاه سيم الخسف البيتين ثم أنشد الشاهد ٣٣٣ ثم قال: وقال ابن جني: إنما ذلك لضرورة الشعر، ولتشبيه الضمير المنفصل بالضمير المتصل في عصاه وفتاه" ا. هـ.
(٢) هذا بيت من مشطور الرجز، وقبله: هل تعرف الدار على تبراكا وهو من شواهد سيبويه "١/ ٩" ورضي الدين في باب المصدر وباب الموصول من شرح الكافية، وقد شرحه البغدادي في الخزانة "١/ ٢٧٧ و٢/ ٣٩٩" وابن يعيش في شرح المفصل "ص٤١٧" وابن جني في الخصائص "١/ ٨٩" وتبراك -بكسر التاء وسكون الباء =
[ ٢ / ٥٥٨ ]
أراد "إذ هي" فحذف الياء؛ فدل على أن الاسم هو الهاء وحدها، وإنما زادواالواو والياء تكثيرًا للاسم، كراهية أن يبقى الاسم على حرف واحد، كما زادواالواو في قولهم: "ضربتهُو، وأكرمتهُو" وإن كانت الهاء وحدها هي الاسم، فكذلك ههنا.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن الواو والياء أصل أنه ضمير منفصل، والضمير المنفصل لا يجوز أن يبنى على حرف واحد؛ لأنه لا بد من الابتداء بحرف والوقف على حرف؛ فلو كان الاسم هو الهاء وحدها لكان يؤدِّي إلى أن يكون الحرف الواحد ساكنًا متحركًا، وذلك محال؛ فوجب أن لا تكون الهاء وحدها١ هي الاسم.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم: "إن الواو والياء تحذفان في التثنية نحوهما" قلنا: إن "هما" ليس بتثنية على حدّ قولك في زيدٍ زيدان وعمرو عمران، وإنما هما صيغة مرتجلة للتثنية كأنتما، ألا ترى أنه لو كان تثنية على حدّ قولهم "زيدان، وعمران" لقالوافي تثنية هو "هُوانِ" وفي تثنية أنت "أنتان" ولكان يجوز أن يدخل عليهما الألف واللام فيقال "الهُوَان، والأَنْتَانِ" كما يقال:
_________________
(١) = الموحدة –اسم موضع بعينه. ومحل الاستشهاد قوله "إذه" فقد ادعى الكوفيون أن مجيء الهاء وحدها مرادًا بها "هي" يدل على أن الياء في "هي" زائدة، وأن أصل الكلمة الهاء وحدها، والبصريون يردون ذلك ويأبونه، وهم في الرد عليهم ينهجون أحد منهجين، الأول أن يقولوا: إن مجيء الهاء وحدها في مكان "هي" و"هو" ضرورة من الضرورات التي تباح للشاعر إذا ألجأه قصد إقامة الوزن أو الرويّ، أما في حال السعة والاختيار فلا يجوز ذلك، وهذا المنحى هو الذي انتحاه شيخ البصريين سيبويه ﵀، ومنهم من حكى في "هو" و"هي" لغات يتكلم بكل واحدة منها قبيلة أو أكثر من قبائل العرب، وهذا هو المنحى الذي انتحاه الكسائي فيما نقلناه عن ابن منظور عنه في شرح الشاهد السابق؛ وقد ذهب إلى مثل كلامه ابن يعيش في شرح المفصل "٤١٧" قال: وذهب الكوفيون إلى أن الاسم الهاء وحدها؛ واحتجوالذلك بحذف الياء في نحو قوله. دار لسعدى إذه من هواكا وليس في ذلك حجة؛ لأن ذلك من ضرورات الشعر، وفيها ثلاث لغات: هي بتخفيف الياء وفتحها؛ وهي بتشديد الياء مبالغة في تقوية الاسم ولتصير على أبنية الظاهر؛ وهي بالإسكان تخفيفًا؛ وينبغي أن يكون الحذف في قوله: إذه من هواكا على لغة من أسكن لضعفها؛ إذ المفتوحة قد قويت بالحركة" ا. هـ. ١ في ر "فوجب أن تكون الهاء وحدها هي الاسم" وهو ظاهر الفساد.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
الزيدان، والعمران، فلما لم يقولواذلك دلّ على أنها صيغة مرتجلة للتثنية، وعلى أنه لو كان الأمر كما زعمتم فليس لكم فيه حجة؛ لأن الحرف الأصلي قد يحذف لعلة عارضة، ألا ترى أن الياء تحذف في الجمع في نحو قولهم: "قاضُون، ورامُون" والأصل قاضِيُون، ورامِيُون، فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت الضمة عنها؛ فبقيت الياء ساكنة وواو الجمع ساكنة، فاجتمع ساكنان، وساكنان لا يجتمعان؛ فحذفت الياء لالتقاء الساكنين وإن كانت أصلية لعلة عارضة، فكذلك ههنا، والعلة ههنا في إسقاطهما أن الواو التي قبل الميم في التثنية والجمع يجب أن تكون مضمومة، والضمة في الواو مستثقلة؛ فلذلك سقطت، وإنما وجب أن تكون مضمومة لأنها لو كسرت لكان ذلك مستثقلًا من وجهين.
أحدهما: لأنه خروج من ضم إلى كسر، وذلك مستثقل، ولهذا ليس في الأسماء ما هو على وزن فُعِل إلا "دُئِل" اسم دُوَيْبَّة و"رُئِم" اسم للسَّهِ، وهما في الأصل فعلان نقلا إلى الاسمية، وحكى بعضهم "وُعِلٌ" في الوَعِل.
والثاني: أن الكسرة تستثقل على الواو أكثر من استثقال الضمة عليها؛ ولهذا تضم لالتقاء الساكنين في نحو قوله: ﴿اشْتَرَواالضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦] ولا تكسر إلا على وجه بعيد، ولو بقيت الواو من "هو" كما كانت مفتوحة وقد زيد عليها الميم والألف لَتُوُهِّمَ أنها حرفان منفصلان؛ فوجب أن تغير الحركة التي كانت مستعملة في الواحد إلى الضم كما غيرت في "أنتما" ووجب أيضا ذلك في "أنتما" لأنها لو فتحت وكسرت لجاز أن يتوهم أنها كلمتان منفصلتان، فاجتلبواحركة لم تكن في الواحد لتدل على أنها كلمة واحدة، وأَجْرُواجميع المضمر في التثنية والجمع هذا المُجْرَى.
وقيل: إنما ضُمَّتْ التاء في التثنية حملا على الجمع؛ لأنها في التقدير كأنها وليت الواو في "أنتمو" وإنما حملت التثنية على الجمع ليشتركا في ذلك كما اشتركا في الضمير في "نحن" وزيدت الميم في التثنية لوجهين:
أحدهما: أن التثنية أكثر من الواحد، وفي المضمرات ما هو على حرف واحد، فكثر اللفظ كما كثر العدد؛ فلذلك زيد في التثنية حرف، وحمل جميع المضمرات عليه.
والثاني: أن القافية فيه إذا كانت مطلقة وحرف الرويّ مفتوح وُصِلَ بالألف، ولهذا يسمى ألف الوصل والصِّلَة، قال الشاعر:
[٢٠٤]
يا مُرَّ يا بن واقعٍ يا أَنْتَا أنت الذي طَلّقْتَ عَامَ جُعْتَا
[ ٢ / ٥٦٠ ]
وقال الآخر:
[٤٣١]
أخوك أخو مُكَاشَرَةٍ وضِحْكٍ حَيَّاكَ الإلهُ وكيف أَنْتَا
فلو لم يزيدواالميم لالتبس الواحد بالتثنية؛ فزادواالميم كراهية الالتباس؛ فكانت الميم أولى بالزيادة لأنها من زوائد الأسماء، فلذلك كانت أولى بالزيادات.
وأما ما أنشدوه من قول الشاعر:
[٣٣٣]
فبيناه يشري رحله
[٤٢٨]
وبيناه في دار صدق
[٤٢٩]
وإذاه سيم الخسف
[٤٣٠]
ودار لسعدى إذه من هَوَاكَا
فإنما حذفت الواو والياء لضرورة الشعر، كقول الشاعر:
[٤٣٢]
فَلَسْتَ بِآتِيهِ ولا أستطيعه ولك اسقِنِي إن كان ماؤك ذا فَضْلِ
_________________
(١) المكاشرة: الضحك حتى تبدو الأسنان، تقول: كشر الرجل يكشر -مثل جلس يجلس- كشرا، وانكل، وافتر -بتضعيف لامهما- أي تبسم، وقال الشاعر: وإنّ من الإخوان إخوان كشرة وإخوان كيف الحال والبال كله الكشرة -بوزن العشرة والهجرة- مثل المكاشرة، نظير الهجرة والمهاجرة والعشرة والمعاشرة. والضحك في بيت الشاهد -بكسر الضاد وسكون الحاء، وقوله "وحياك الإله" يريد لفظ الجملة، يعني أن أخاك رجل حسن الصحبة رفيق في معاملة إخوانه يقبل عليهم بوجه طلق وسن ضاحك يحييهم، وقوله "فكيف أنتا" يريد هل أنت على غرار أخيك؟ وما حالك مع إخوانك؟ ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "كيف أنتا" حيث ألحق الألف للضمير المنفصل الذي لخطاب الواحد المذكر عند الوقف عليه، فلو لم نزد الميم قبل الألف في الضمير المنفصل الذي لخطاب الاثنين واكتفينا بزيادة الألف فقلنا "أنتا" لكان يلتبس خطاب الواحد بخطاب الاثنين، فلما قلنا في خطاب المثنى "أنتما" بزيادة الميم قبل الألف ارتفع اللبس.
(٢) هذا البيت من كلمة في وصف ذئب، للنجاشي الحارثي، واسمه قيس بن عمرو بن مالك، وقد اختار هذه الكلمة الشريف المرتضى في أماليه "٢/ ٢١١" والشريف ابن الشجري في حماسته "ص٢٠٧ ط الهند" والبيت من شواهد سيبويه "١/ ٩" وابن جني في الخصائص "١/ ٣١٠" وابن هشام في مغني اللبيب "رقم ٤٨٥" وفي أوضح المسالك "رقم ١٠٠" والأشموني "رقم ٢٥٧" والرضي في باب الحروف المشبهة بالفعل، وشرحه البغدادي "٤/ ٣٦٧" وقبل البيت المستشهد به قوله: وماء كلون الغسل قد عاد آجنا قليل به الأصوات في بلد محل وجدت عليه الذئب يعوي كأنه خليع خلا من كل مال ومن أهل =
[ ٢ / ٥٦١ ]
أراد "ولكِنِ اسقني" فحذف النون لضرورة الشعر، وكقول الآخر:
[٤٣٣]
أَصَاحٍ تَرَى برقًا أُرِيكَ وَمِيضَهُ كَلَمْعِ اليَدَيْنِ في حَبِيِّ مُكَلَّلِ
_________________
(١) = فقلت له: يا ذئب، هل لك في فتى يواسي بلا من عليك ولا بخل؟ فقال: هداك الله للرشد! إنما دعوت لما لم يأته سبع مثلي ومحل الاستشهاد في البيت قوله "ولاك اسقني" وأصل العبارة "ولكن اسقني" فالتقى فيها ساكنان: نون لكن، وسين اسقني، وكان الأصل في التخلص من هذين الساكنين أن يكسر نون لكن، ولكن الشاعر حذفها هنا للتخلص من التقاء الساكنين حين اضطر لإقامة الوزن؛ قال الأعلم "حذف النون من لكن لاجتماع الساكنين ضرورة لإقامة الوزن وكان وجه الكلام أن يكسر لالتقاء الساكنين، شبهها في الحذف بحروف المد واللين إذا سكنت وسكن ما بعدها، وذلك نحو يغز العدو، ويقض الحق، ويخش الله، ولما استعمل محذوفًا نحو لم يك ولا أدر" ا. هـ.
(٢) هذا البيت هو البيت السبعون من معلقة امرئ القيس بن حجر الكندي "انظر شرح التبريزي ص٦٩" والبيت من شواهد سيبويه "١/ ٣٣٥" ولكنه روى صدره "أحار ترى برقا" وابن جني في الخصائص "١/ ٩٦" ولكنه روى صدره "أعني على برق أريك وميضه" و"حار" في رواية سيبويه يريد به "حارث" فحذف الثاء، و"صاح" في رواية المؤلف يريد به "صاحبي" فحذف ياء المتكلم وحذف آخر المضاف أيضا، وترى: يريد أترى -بهمزة الاستفهام- إلا أنه لما كان حرف الاستفهام في صورة حرف النداء الذي استعمله وهو الهمزة، وكان حرف النداء يؤدّي من التنبيه وتحريك المخاطب مثل ما يؤديه حرف الاستفهام اكتفى بحرف النداء والوميض -بفتح الواو- اللمع، والحبي -بفتح الحاء وتشديد الياء- وهو السحاب المعترض بالأفق، والمكلل: المتراكب بعضه فوق بعض، وقوله: "في حبي" متعلق بوميضه. ومحل الاستشهاد في رواية المؤلف قوله "أصاح" فإن هذه الكلمة مؤلفة من حرف النداء وهو الهمزة ومنادى مضاف لياء المتكلم وقد رخّمه الشاعر بحذف ياء المتكلم، وحذف حرف من أصل الكلمة، وأصله صاحبي، ونظيره في ذلك قول الشاعر: صاح هل ريت أو سمعت براع رد في الضرع ما قرى في العلاب وقول الآخر: صاح شمر، ولا تزال ذاكر المو ت؛ فنسيانه ضلال مبين وجاء على هذا الغرار قول أبي العلاء المعرى: صاح هذي قبورنا تملا الرحـ ـب فأين القبور من عهد عاد؟ يريد هؤلاء الشعراء "يا صاحبي" فحذفواياء المتكلم، ثم استتبعواذلك الحذف حذف الياء التي هي آخر حروف الكلمة الأصلية، وقد حذفوامع ذلك حرف النداء وهذا الترخيم شاذ، ولا يكون مثله عند البصريين إلا في ضرورة الشعر، لما علمت "في المسألة ٤٨" من أنهم لا يجيزون ترخيم الاسم المضاف، فارجع إلى المسألة التي أحلناك عليها لتعلم حقيقة الأمر.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
أراد "صاحبي" فحذف الباء والياء؛ فكذلك ههنا، وبل أولى، وذلك من وجهين:
أحدهما: أن الواو والياء حرفا علة، والنون من "لكن" والباء من "صاحب" حرف صحيح، والمعتل أضعف من الصحيح؛ فإذا جاز حذف الأقوى لضرورة الشعر فحذف الأضعف أولى.
والثاني: أنه قد حذف حرفين للضرورة -وهما الباء والياء من صاحبي- وإذا جاز حذف حرفين للضرورة فحذف حرف واحد أولى.
وأما قولهم: "إنهم زادواالواو والياء تكثيرًا للاسم، كما زادواالواو في ضَرَبْتُهُو" قلنا: هذا فاسد؛ لأن "هو" ضمير المرفوع المنفصل، والهاء في "ضربتهو" ضمير المنصوب المتصل، وقد بينَّا أن ضمير المرفوع المنفصل لا يجوز أن يكون على حرف واحد، بخلاف ضمير المنصوب المتصل؛ لأن ضمير المرفوع المنفصل يقوم بنفسه؛ فلا بد من حرف يبتدأ به وحرفٍ يوقف عليه، بخلاف ضمير المنصوب المتصل؛ لأنه لا يقوم بنفسه، ولا يجب فيه ما وجب في ضمير المرفوع المنفصل.
والذي يدل على أنها ليست كالواو في "أكْرَمْتُهُو" أنه لا يلزم تسكنيها كما يلزم تسكينها في "أكرمتهو" ولا يجوز تحريك الواو في "أكرمتهو" كما يجوز في "هو قائم" ولو كانا بمنزلة [واحدة] لوجب أن يُسَوَّى بينهما في الحكم، والله أعلم.
_________________
(١) = وأما في رواية سيبويه فالاستشهاد به في قوله "أحار" حيث أراد "يا حارث" فرخم بحذف الثاء، وهو عند سيبويه قليل بالنسبة لترك الترخيم، قال "واعلم أن الأسماء التي ليس في أواخرها هاء ألا يحذف منها أكثر؛ لأنهم كرهواأن يخلوابها فيحملواعليها حذف التنوين وحذف حرف لازم للاسم لا يتغير في الوصل ولا يزول، وإن حذفت فحسن، وليس الحذف لشيء من هذه الأسماء ألزم منه لحارث ومالك وعامر، وذلك لأنهم استعملوها كثيرًا في الشعر وأكثرواالتسمية بها للرجال" ا. هـ. ومن ترخيم حارث -غير بيت الشاهد- قول مهلهل بن ربيعة: يا حار لا تجهل على أشياخنا إنا ذوو الثورات والأحلام وقول الآخر: يا حار لا أرمين منكم بداهية لم يلقها سوقة قبلي ولا ملك
[ ٢ / ٥٦٣ ]
٩٧- مسألة: [القول في هل يقال "لَوْلَايَ" و"لَوْلَاكَ"؟ وموضع الضمائر] ١
ذهب الكوفيون إلى أن الياء والكاف في "لولاي، ولولاك٢" في موضع رفع، وإليه ذهب أبو الحسن الأخفش من البصريين. وذهب البصريون إلى أن الياء والكاف في موضع جرٍّ بلولا. وذهب أبو العباس المُبَرِّد إلى أنه لا يجوز أن يقال "لولاي، ولولاك" ويجب أن يقال "لولا أنا، ولولا أنت" فيؤتى٣ بالضمير المنفصل كما جاء به التنزيل في قوله: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١] ولهذا لم يأتِ في التنزيل إلا منفصلًا.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن الياء والكاف في موضع رفع لأن الظاهر الذي قام الياء والكاف مقامه رَفْعٌ بها على مذهبنا، وبالابتداء على مذهبكم؛ فكذلك ما قام مقامه.
قالوا: ولا يجوز أن يقال "هذا يبطل بعسى؛ فإن عسى تعمل في المظهر الرفع وفي المكنيِّ النصب" لأنا نقول: الجواب على هذا من ثلاثة أوجه؛ أحدها: أنا لا نسلم أنها تنصب المكني، وإنما هو في موضع رفع بعسى، فاستعير للرفع لفظ النصب في عسى، كما استعير لفظ الجر في "لولاي، ولولاك" وإليه ذهب الأخفش من أصحابكم. والوجه الثاني: أن الكاف في موضع نصب بعسى، وأن اسمها مضمر فيها، وإليه ذهب أبو العباس المُبَرِّد من أصحابكم. والوجه الثالث: أنا نسلم٤ أنه في موضع نصب، ولكن لأنها حملت على "لعلَّ" فجعل لها اسم منصوب وخبر مرفوع، وهو ههنا مقدر، وإنما حملت على "لعلَّ" لأنها في
_________________
(١) ١ انظر في هذه المسألة: شرح ابن يعيش على المفصل "ص٤٣٧" وشرح الكافية للرضي "٢/ ١٨" وشرحنا المطول على شرح الأشموني "٣/ ١٩٢-١٩٩" وشرح الأشموني بحاشية الصبان "٢/ ١٨١". ٢ ومثل الكاف التي للمخاطب والياء التي للمتكلم الهاء التي للغائب في نحو "لولاه". ٣ في ر "فيأتي". ٤ في مطبوعة أوروبا "والوجه الثالث أنا لا نسلم إلخ" وزيادة لا واضحة.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
معناها، ألا ترى أن "عسى" فيها معنى الطمع، كما أن لعل فيها معنى الطمع، فأمَّا "لولا" فليس في حروف الخفض ما هو بمعناه فيحمل عليه، فبان الفرق بينهما، ولأنه لو كان المكني في موضع خفض لكنا نجد اسمًا ظاهرًا مخفوضًا بلولا؛ لأنه ليس في كلام العرب حرف يعمل الخفض في المكني دون الظاهر؛ فلو كانت مما يخفض لما كان يخلو أن يجيء ذلك في بعض المواضع أو في الشعر الذي يأتي بالمستجاز، وفي عدم ذلك دليل على أنه لا يجوز أن تخفض اسمًا ظاهرًا ولا مضمرًا؛ فدل على أن الضمير بعد "لولاك" في موضع رفع.
يدل عليه أن المكنيّ كما يستوي لفظه في النصب والخفض نحو "أكرمتك، ومررت بك" فقد يستوي لفظه أيضا في الرفع والخفض نحو "قمنا، ومر بنا" فيكون لفظ المكنيّ في الرفع والخفض واحدًا، وإذا كان كذلك جاز أن تكون الكاف في موضع "أنت" رفعًا.
قالوا: ولا يجوز أن يقال "لو كان الرفع محمولًا على الجر في لولاك لوجب أن يُفْصَلَ بين المكنيّ المرفوع والمجرور في المتكلم كما فصل بين لفظ المكني المنصوب والمجرور في المتكلم نحو: أكرمني، ومرّ بي: لأنّا نقول: النون في المنصوب لم تدخل لتفصل بين المكني المنصوب والمكني المخفوض، وإنما دخلت النون في المكني المنصوب لاتصاله بالفعل؛ فلو لم يأتوابهذه النون لأدّى ذلك إلى أن يكسر الفعل لمكان الياء؛ لأن ياء المتكلم لا يكون ما قبلها إلا مكسورا؛ والفعل لا يدخله الكسر؛ لأنه إذا لم يدخله الجر -وهو غير لازم؛ استثقالًا له- فلأن لا يدخله الكسر الذي هو لازم استثقالًا له كان ذلك من طريق الأولى. وأما المكني المخفوض فلم تدخله هذه النون لأنه يتصل بالحرف، والحرف لا يلزم أن تدخل عليه هذه النون، و"لولا" حرف؛ فلهذا المعنى لم تدخل عليه هذه النون.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن المكني في "لولاي، ولولاك" في موضع جر لأن الياء والكاف لا تكونان علامة مرفوع، والمصير إلى ما لا نظير له في كلامهم محال؛ ولا يجوز أن يتوهم أنهما في موضع نصب؛ لأن "لولا" حرف، وليس بفعل له فاعل مرفوع فيكون الضمير في موضع نصب، وإذا لم يكن في موضع رفع ولا نصب وجب أن يكون في موضع جر.
قالوا: فلا يجوز أن يقال: "إذا زعمتم أن لولا تخفض الياء والكاف فحروف الخفض لا بد أن تتعلق بفعل فبأي فعل تتعلق؟ " لأنا نقول: قد تكون الحروف في موضع مبتدأ لا تتعلق بشيء كقولك "بحسبك زيد" ومعناه حسبك، قال الشاعر:
[١٠٠]
بحسبك في القوم أن يعلموا بأنك فيهم غني مضرّ
[ ٢ / ٥٦٥ ]
وكقولهم: "هل من أحد عندك" أي هل أحد عندك؟ قال الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] أي ما لكم إله غيره، ولهذا كان ﴿غَيْرُهُ﴾ مرفوعًا في قراءة من قرأ بالرفع؛ فموضعها رفع بالابتداء وإن كانت قد عملت الجر، وكذلك "لولا" إذا عملت الجر صارت بمنزلة الباء في "بحسبك" ومن في "هل من أحد عندك" ولا فرق بينهما.
والصحيح ما ذهب إليه الكوفيون.
وأما الجواب عن كلمات البصريين: أما قولهم: "إن الياء والكاف لا يكونان علامة مرفوع" قلنا: لا نسلم؛ فإنه قد يجوز أن تدخل علامة الرفع على الخفض، ألا ترى أنه يجوز أن يقال "ما أنا كأنت" وأنت: من علامات المرفوع، وهو ههنا في موضع مخفوض، فكذلك ههنا؛ الياء والكاف من علامات المخفوض، وهما في "لولاي، ولولاك" من علامات المرفوع.
والذي يدل على أن "لولا" ليس بحرف خفض أنه لو كان حرف خفض لكان يجب أن يتعلق بفعل أو معنى فعل، وليس له ههنا ما يتعلق به.
قولهم: "قد يكون الحرف في موضع مبتدأ لا يتعلق بشيء" قلنا: الأصل في حروف الخفض أن لا يجوز الابتداء بها، وأن لا تقع في موضع مبتدأ، وإنما جاز ذلك نادرًا في حرف زائد دخوله كخروجه كقولهم: "بحسبك زيد، وما جاءني من أحد" لأن الحرف في نية الاطِّراح؛ إذ لا فائدة له، ألا ترى أن قولك "بحسبك زيد، وحسبك زيد" في معنى واحد، وكذلك قولك "ما جاءني من أحد، وما جاءني أحد" في المعنى واحد، فأما الحرف إذا جاء لمعنى ولم يكن زائدًا فلا بد أن يتعلق بفعل أو معنى فعل، ولولا: حرف جاء لمعنى، وليس بزائد؛ لأنه ليس دخوله كخروجه، ألا ترى أنك لو حذفتها لبطل ذلك المعنى الذي دخلت من أجله، بخلاف الباء في "بحسبك زيد" ومن في قولك "ما جاءني من أحد" فبان الفرق بينهما.
ثم لو سلمنا أن الحرف مطلقا إذا وقع في موضع ابتداء لا يتعلق بشيء فلا نسلم ههنا أن الحرف في موضع ابتداء، وقد بيّنّا فساد ذلك فيما قبل.
وأما إنكار أبي العباس المبرد جوازه فلا وَجْهَ له؛ لأنه قد جاء ذلك كثيرا في كلامهم، وأشعارهم، قال الشاعر:
[٤٣٤]
وأنت امرؤ لولاي طِحْتُ كما هَوَى بِأَجْرَامِهِ من قُلَّةِ النِّيقِ مُنْهَوِي
_________________
(١) هذا البيت ليزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفي صاحب الشاهد رقم ١١١ السابق في =
[ ٢ / ٥٦٦ ]
_________________
(١) = المسألة٢٢ من نفس القصيد التي منها الشاهد المذكور، وهذا البيت من شواهد سيبويه "١/ ٣٨٨" وابن يعيش في شرح المفصل "ص٤٣٧" ورضي الدين في باب الضمير من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "٢/ ٤٣٠" والمبرد في الكامل "٢/ ٢٠٩" وابن جني في الخصائص "٢/ ٢٥٩" والأشموني "رقم ٥٢٥" وابن عقيل "رقم ٢٠٠" وشرحه العيني "٣/ ٢٦٢ بها مش الخزانة" وطحت: سقطت وهلكت، ويجوز في الطاء الضم والكسر؛ لأن عين هذا الفعل جاء بالواو وبالياء وإن كانت الياء أكثر، تقول: طاح يطوح كقال يقول، وطاح يطيح كباع يبيع، وهوى: سقط من أعلى إلى أسفل، وهو على وِزَان رمى يرمي، فأما هوي يهوى بمعنى عشق يعشق فوزانه رضي يرضى، والأجرام: جمع جرم، وجرم كل شيء جثته، والقلة ومثلا القنة -بضم القاف وتشديد ما بعدها- أعلى الجبل، والنيق -بكسر النون- أرفع موضع في الجبل، والمنهوي: الساقط. ومحل الاستشهاد من هذا البيت هنا قوله "لولاي" حيث وقع الضمير المتصل الذي أصله أن يكون في محل جر أو محل نصب بعد لولا، ولولا عند جمهرة النحاة حرف من حروف الابتداء تطلب اسمًا ظاهرًا مرفوعًا كما في قول الراجز، وهو عامر بن الأكوع ﵁: والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا أو ضميرًا منفصلًا كما في قوله تعالى: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١] وقد اختلف النحاة في مثل "لولاي" أهو جائز أم لا؟ فقال أبو العباس المبرد: هو تعبير غير جائز عربية، فإن وقع في كلما فهو خطأ، وقال غيره من العلماء: هو جائز لوروده في كلام العرب المحتجّ بكلامهم، غير أنه ليس بالمنهج المطرد ولا المهيع المستمر، قال أبوسعيد السيرافي: "ما كان لأبي العباس المبرد أن يسقط الاستشهاد بشعر رجل من العرب قد روى قصيدته النحويون وغيرهم، ولا أن ينكر ما أجمع الجماعة على روايته عن العرب" هـ، ويقول أبو رجاء: وما كان لأبي العباس المبرّد أن ينكر ورود مثل هذا التعبير عن العرب، وهو يروي هذا البيت في الكامل "٢/ ٢٠٩ الخيرية" ويروي قبله بيتًا فيه هذا التعبير، وهو قول رجل من الخوارج لم يعينه، وهو أعشى همدان: ويوم نجي تلافيته ولولاي لاصطلم العسكر وقد ورد في رجز لرؤبة، وهو قوله: لولا كما قد خرجت نفساهما ورؤبة عنده أفصح العرب، وهو ممن لا تنكر فصاحته. ثم اختلف القائلون بصحة هذا التعبير، ولهم فيه ثلاث مذاهب: فذهب سيبويه رحمه الله تعالى إلى أن هذه الياء في "لولاي" والكاف في "لولاك" والهاء في "لولاه" في محل جر بلولا، ولولا حينئذ حرف جر، لا حرف ابتداء، ولا تتعلق بشيء وعنده أن لولا على وجهين: الوجه الأول تكون فيه حرف ابتداء وذلك إذا وقع بعدا الاسم الظاهر كما في رجز عامر بن الأكوع، أو وقع بعدها ضمير رفع منفصل كما في الآية الكريمة التي ترونا، والوجه الثاني أن تكون حرف جر لا يتعلق بشيء كما في هذا البيت، قال: "هذا باب ما يكون مضمرا فيه الاسم متحولا عن حاله إذا أظهر بعده الاسم. وذلك =
[ ٢ / ٥٦٧ ]
وقال الآخر:
[٤٣٥]
أَتُطْمِعُ فِينَا مَنْ أَرَاقَ دِمَاءَنَا ولولاك لم يَعْرِضْ لأحْسَابِنَا حَسَنْ
_________________
(١) = لولاك ولولاي، إذا أضمرت فيه الاسم جر، وإذا أظهرت رفع، ولو جاءت علامة الإضمار على القياس لقلت: لولا أنت، كما قال سبحانه ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١] ولكنهم جعلوه مضمرا مجرورا، والدليل على ذلك أن الياء والكاف لا تكونان علامة مضمر مرفوع، قال الشاعر: وكم موطن لولاي.. البيت وهذا قول الخليل ويونس" ا. هـ كلامه. والمذهب الثاني: مذهب الأَخْفَش والفَرَّاء، وحاصله أن الياء والكاف والهاء في محل رفع بالابتداء، ولولا حرف ابتداء على حالها، وليس لها إلا حال واحدة، ولكن العرب وضعت ضمير الجر في موضع ضمير الرفع، كما عكسوا فوضعوا ضمير الرفع، في موضع ضمير الجر فقالوا: ما أنا كأنت ولا أنت كأنا. والمذهب الثالث: مذهب الكسائي، وتلخيصه أن الاسم المرتفع بعد "لولا" فاعل بفعل محذوف يدل عليه المقام، وتقدير الكلام: لو لم يكن فعلي، وذلك لأن "لولا" عنده تختص بالفعل، ولم أجد نصًّا صريحًا عنه يمنع وقوع الضمير المتصل بعد لولا أو يجيزه، إلا ما ذكره ابن يعيش استنباطًا في شرح مذهبه حيث يقول "وأما الكسائي فكان يرى ارتفاع الاسم بعد لولا بفعل مضمر، معناه لو لم يكن فعلي، فعلى هذا ينبغي إذا كنى عنه أن تقول: لولا أنا، ولولا أنت، لأن الفعل لم يظهر فتتصل به كنايته، فوجب أن يكون الضمير منفصلا" ا. هـ كلامه بحروفه، وقوله: "فعلى هذا إلخ" استنباط من عنده بحسب الأصول والقواعد، ولعل الكسائي يجيز وضع الضمير المتصل في مكان المنفصل المرفوع كالأخفش والفراء، والفرق بينهما هو في العامل في الضمير؛ فالأخفش والفراء يريان أن العامل في الضمير هو الابتداء لأن لولا عندهما لا تكون إلا حرف ابتداء، والكسائي يرى أن العامل في الضمير الفعل المقدر؛ لأن لولا حرف يختص بالفعل فلا يقع بعده إلا الفعل لفظًا أو تقديرًا، وارجع إلى المسألة العاشرة.
(٢) ينسب هذا البيت إلى عمرو بن العاص يقوله لمعاوية ابن أبي سفيان في شأن الحسن بن علي، ﵃ أجمعين، وقبل البيت قوله: معاوي إني لم أبايعك فلتة وما زال ما أسررت مني كما علن والبيت من شواهد ابن يعيش في شرح المفصل "ص٤٣٨" والأشموني "رقم ٥٢٤" وابن عقيل "رقم ١٩٩" وشرحه العيني "٣/ ٢٦٠ بهامش الخزانة" ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "ولولاك" حيث وقع الضمير المتصل الذي حقه أن يكون في موضع الجر أو موضع النصب بعد لولا؛ ومجيء هذا الاستعمال في كلام العرب المحتج بكلامهم يرد أولا على أبي العبا س المبرد الذي أنكر مثل هذا الاستعمال، وللذين يجيزون هذا الاستعمال ثلاثة تخريجات ذكرناها مفصلة في شرح الشاهد السابق، فارجع إليها إن شئت.
[ ٢ / ٥٦٨ ]
وقال بعض العرب:
[٤٣٦]
أَوْمَتْ بعينيها من الهَوْدَج لولاك هذا العام لم أَحْجُج
وأما مجيء الضمير المنفصل بعده نحو "لولا أنا ولولا أنت" كما قال تعالى: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١] فلا خلاف أنه أكثر في كلامهم وأفصح، وعدم مجيء الضمير المتصل في التنزيل لا يدل على عدم جوازه، ألا ترى أنه لم يأتِ في التنزيل ترك عمل "ما" في المبتدأ والخبر نحو "ما زيد قائم، وما عمرو منطلق" وإن كانت لغة جائزة فصيحة، وهي لغة بني تميم، قال الشاعر:
[٤٣٧]
رِكَابُ حُسَيْلٍ أَشْهُرَ الصَّيْفِ بُدَّنٌ ونَاقَةُ عمرو ما يُحَلَّ لها رَحْلُ
ثم لم يدل عدم مجيئها في التنزيل على أنها غير جائزة ولا فصيحة؛ فكذلك ههنا، والله أعلم.
_________________
(١) هذا البيت من شواهد الزمخشري في المفصل وابن يعيش في شرحه "ص٤٣٨" ونسبه إلى عمر بن أبي ربيعة، ولا يوجد البيت في أصل ديوانه، ولكنه موجود في زيادات الديوان أول بيتين "انظر الديوان ٤٨٧ بتحقيقنا" ومن شواهد رضي الدين في شرح الكافية في باب الضمير: وشرحه البغدادي في الخزانة "٢/ ٤٢٩" ونسب قوم بيت الشاهد للعرجي -واسمه عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان- وهو مثل عمر بن أبي ربيعة أحد شعراء قريش الغزليين، وأومت: معناه أشارت، وأصله أومأت، فسهل الهمزة بقلبها ألفا من جنس حركة ما قبلها، ثم حذف هذه الألف للتخلص من التقاء الساكنين معاملة لها معاملة الألف الأصلية في نحو سعت ونهت وسقت وشفت وأبقت وأفنت وتغاضت وتراضت، وما أشبه ذلك، والهودج: مركب من مراكب النساء ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله: "لولاك" حيث وقع الضمير المتصل الذي يكون في محل الجر أو النصب بعد لولا، والقول فيه كالقول في الشاهدين السابقين فلا نطيل الحديث بعد أن فصلنا لك ذلك فيما سبق.
(٢) الركاب: الإبل، ولا واحد لها من لفظها، وإنما واحدها راحلة، وأشهر الصيف: مركب إضافي صدره منصوب على الظرفية، والبدن: جمع بادن، وهو الكثير اللحم العظيم البدن، ويقال بادن للمذكر والمؤنث، وربما قيل للمؤنث: بادنة، وكنى بكون ركابه بدنا عن أنها لا تعمل ولا يؤخذ منها شيء من دم أو لبن، وقابله بقوله "ما يحل لها رحل" أي أنها على سفر دائمًا، وحسل: اسم رجل وأصله ولد الثعلب، وحسيل: تصغيره. ومحل الاستشهاد من البيتين قوله: "وما أنت فرع ولا أصل" حيث أهمل "ما" النافية فلم يرفع بها الاسم وينصب الخبر، وإهمالها لغة تميم، وإعمالها لغة أهل الحجاز وهي التي وردت في القرآن الكريم في قوله سبحانه: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١] وقوله: جلت كلمته ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] وقد علمنا أن القرآن الكريم نزل على الرسول الكريم بلغة قومه وهم أهل الحجاز، فعدم وجود لغة أخرى فيه لا يدل على ضعف هذه اللغة المتروكة، ولا على أنه لا يجوز التكلم بها، نعم الأفصح في الاستعمال هو ما جاء في الكتاب العزيز.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
٩٨- مسألة: [الضمير في "إياك" وأخواتها] ١
ذهب الكوفيون إلى أن الكاف والهاء والياء من "إيَّاك، وإيَّاه، وإياي" هي الضمائر المنصوبة، وأن "إيا" عماد، وإليه ذهب أبو الحسن بن كَيْسَانَ، وذهب بعضهم إلى أن "إياك" بكماله هو الضمير. وذهب البصريون إلى أن "إيا" هي الضمير والكاف والهاء والياء حروف لا موضع لها من الإعراب. وذهب الخليل بن أحمد إلى أن "إيا" اسم مضمر أضيف إلى الكاف والهاء والياء؛ لأنه لا يفيد معنى بانفراده، ولا يقع معرفة، بخلاف غيره من المضمرات؛ فخص بالإضافة عوضًا عما مُنِعَه، ولا يعلم اسم مضمر أضيف غيره. وذهب أبو العباس محمد بن يزيد المبرد إلى أنه اسم مبهم أضيف للتخصيص، ولا يعلم اسم مبهم أضيف غيره. وذهب أبو إسحاق الزجاج إلى أنه اسم مظهر خُصَّ بالإضافة إلى سائر المضمرات، وأنها في موضع جر بالإضافة.
وحكي أيضًا عن الخليل بن أحمد -﵀- أنه مظهر ناب مناب المضمر. وحكي عن العرب إضافته إلى المظهر في قولهم في المثل "إذا بلغ الرجل الستين فإيَّاه وإيَّا الشَّوَابُ". والذي عليه الأكثرون من الفريقين ما حكيناه عنهما أولًا.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن هذه الكاف والهاء والياء هي الكاف والهاء والياء التي تكون في حال الاتصال؛ لأنه لا فرق بينهما بوجه ما، إلا أنها لما كانت على حرف واحد وانفصلت عن العامل لم تقم بنفسها فأتى بإيّا لتعتمد الكاف٢ والهاء والياء عليها؛ إذ لا تقوم بنفسها، فصارت بمنزلة حرف زائد لا يحول بين العامل والمعمول فيه.
والذي يدل على ذلك لحاق التثنية والجمع لما بعد "إيا" ولزومها لفظًا واحدًا.
_________________
(١) ١ انظر في هذه المسألة: تصريح الشيخ خالد الأزهري "١/ ١٢٢" وشرح الأشموني بحاشية الصبان "١/ ١١٩" وشرح ابن يعيش على المفصل "ص٤١٨ وما بعدها" وشرح الرضي على الكافية "٢/ ١٢". ٢ في ر "لتعتمد الكاف إلخ".
[ ٢ / ٥٧٠ ]
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن "إيا" هي الضمير دون الكاف والهاء والياء، وذلك لأنا أجمعنا على أن أحدهما ضمير منفصل، والضمائر المنفصلة لا يجوز أن تكون على حرف واحد؛ لأنه لا نظير له في كلامهم؛ فوجب أن تكون "إيا" هي الضمير؛ لأن لها نظيرا في كلامهم؛ والمصير إلى ما له نظير أولى من المصير إلى ما ليس له نظير؛ ولهذا المعنى قلنا "إن الكاف والهاء والياء حروف لا موضع لها من الإعراب"؛ لأنها لو كانت معربة لكان إعرابها الجر بالإضافة؛ ولا سبيل إلى الإضافة ههنا؛ لأن الأسماء المضمرة لا تضاف إلى ما بعدها؛ لأن الإضافة تُرادُ للتعريف١، والمضمر في أعلى مراتب التعريف؛ فلا يجوز إضافته إلى غيره؛ فوجب أن لا يكون لها موضع من الإعراب.
وأما قول من ذهب من البصريين إلى أنه مضمر أضيف لأنه لا يفيد معنى بانفراده، ولم يقع معرفة فجاز أن يخص بالإضافة -فباطل؛ لأن هذا الضمير ما وقع إلا معرفة، ولم يقع قَطٌّ نكرة.
والذي يدل على ذلك أن علامات التنكير لا يحسن دخولها عليه، بل فيها إبهام تبينه هذه الحروف كالتاء في "أنت" فإن الضمير هو "أن" وهو مبهم، والتاء تبيّنه؛ فإن كانت مفتوحة دلّت على أنه ضمير المذكر، وإن كانت مكسورة دلّت على أنه ضمير المؤنث، فكذلك ههنا: جُعِلَتْ هذه الأحرف مبينة لذلك الإبهام مع كونه معرفة لا نكرة، وكما لا يجوز أن يقال إن "إيا" مضاف إلى التاء؛ فكذلك لا يجوز أن يقال إنَّ "إيا" مضاف إلى الكاف والهاء والياء وإذا حصلت الفائدة بهذه الأحرف لا على جهة الإضافة -ولها نظير في كلامهم- كان أولى من جعل الضمير مضافًا إليها ولا نظيرَ له في كلامهم.
وهذا هو الجواب عن مذهب من ذهب إلى أنه اسم مبهم مضاف؛ لأن المبهم معرفة، والمعرفة لا تضاف؛ لأنه استغنى بتعريفه في نفسه عن تعريف غيره؛ لأن الكَحَلَ يغني عن الكُحْلِ.
وأما مَنْ ذهب إلى أنه اسم مظهر فباطل؛ لأنه لو كان الأمر على ما زعم لما كان يقتصر فيه على ضرب واحد من الإعراب وهو النصب، فلما اقتصر فيه على ضرب واحد من الإعراب وهو النصب دلَّ على أنه اسم مضمر، كما أنه لما اقتصر بأَنَا وأَنْتَ وهُوَ وما أشبهها على ضرب واحد من الإعراب وهو الرفع دلَّ على أنها أسماء مضمرة؛ إذ لا يعلم اسم مظهر اقتصر فيه على ضرب واحد من الإعراب،
_________________
(١) ١ في ر "تزاد للتعريف".
[ ٢ / ٥٧١ ]
إلا ما اقتصر به من الأسماء على الظرفية نحو "ذاتَ مرة، وبُعَيْدَاتٍ بين" ونوعًا من المصادر نحو "سُبْحَان، ومَعَاذَ". وليس "إيا" ظرفًا ولا مصدرًا فيلحق بهذه الأسماء.
وأما ما حكي عن الخليل من قولهم: "إذا بَلَغَ الرجل الستِّين فإياه وإيّا الشَّوَابّ" فالذي ذكره سيبويه في كتابه أنه لم يسمع ذلك من الخليل، وإنما قال: وحدثني مَنْ لا أتهم عن الخليل أنه سمع أعرابيًّا يقول: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وأيّا الشّواب، وهي رواية شاذة لا يعتد بها، وكأنه لما رأى آخره يتغير كتغير المضاف والمضاف إليه أجراه مجراه.
ثم هذه الرواية حجّة على من يزعم أنه اسم مظهر خُصّ بالإضافة إلى المضمرات؛ لأنه أضاف "إيّا" إلى "الشواب" وهو اسم مظهر.
والذي يدلّ على أنه ليس باسم مُظْهَر أنه لو كان الأمر كذلك لوجب أن يجوز أن يقال: ضربت إياك، كما يقال: ضربت زيدًا؛ فلما لم يجز ذلك دلّ على أنه ليس باسم مظهر.
فأما قول الشاعر:
[٤٣٨]
بالباعث الوارث الأموات قد ضَمِنَتْ إيّاهُمُ الأرض في دَهْرِ الدَّهَارِيرِ
_________________
(١) هذا البيت للفرزدق همام بن غالب، من قصيدة له يمدح فيها يزيد بن عبد الملك بن مروان "الديوان ص٢٦٢-٢٦٧" وليس لأمية بن أبي الصلت كما قال ابن جني، وقبل البيت المستشهد به قوله: يا خير حيّ وقت نعل له قدما وميت بعد رسل الله مقبور إني حلفت، ولم أحلف على فند، فناء بيت من الساعين معمور في أكبر الحج حاف غير منتعل من حالف محرم بالحج مصبور والبيت من شواهد الأشموني "رقم ٤٧" وابن عقيل "رقم ١٥" وأوضح المسالك "رقم ٢٣" وابن جني في الخصائص "١/ ٣٠٧ و٢/ ١٩٥" ورضي الدين في باب الضمير من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "٢/ ٤٠٩" وابن الناظم في باب الضمير من شرح الألفية، وشرحه العيني "١/ ٢٧٤ بهامش الخزانة" ومحل الاستشهاد من البيت قوله: "ضمنت إياهم الأرض" حيث جاء بالضمير منفصلا مع أنه في موضع يمكن الإتيان به متصلا فيقال: "ضمنتهم الأرض" والذي صنعه الشاعر في بيت الشاهد مما لا يجوز إلا في ضرورة الشعر، ومثل هذا البيت قول الشاعر، وينسبونه إلى طرفة بن العبد البكري، ولكنه غير موجود في ديوانه: أصرمت حبل الوصل؟ بل صرموا يا صا ح، بل قطع الوصال هم وبين هذا البيت والبيت المستشهد به فرق من جهتين: الجهة الأولى أن الضمير في هذا =
[ ٢ / ٥٧٢ ]
وقول الآخر:
[٤٣٩]
إليك حتى بلغت إيَّاكَا
وقول الآخر:
[٤٤٠]
كأنَّا يوم قُرَّى إنما نَقْتُلُ إِيَّانَا
_________________
(١) = البيت ضمير رفع منفصل وفي البيت المستشهد به ضمير نصب منفصل، والجهة الثانية أنه قد فصل بين الضمير وعامله في البيت المنسوب إلى طرفة واتصل الضمير بعامله من البيت المستشهد به، وهذا مما يزيد في قبح الضرورة، فاعرف ذلك.
(٢) هذا بيت من الرجز المشطور، وقبله قوله: أتتك عنس تقطع الأراكا والبيت من شواهد سيبويه "١/ ٣٨٣" ونسبه الأعلم إلى حميد الأرقط، ومن شواهد ابن يعيش في شرح المفصل "ص٤٢٤" وتعرض البغدادي لشرحه أثناء شرح الشاهد ٣٨٥ من شواهد الكافية، وهو الشاهد الآتي، وممن استشهد به ابن جني في الخصائص "١/ ٣٠٧ و٢/ ١٩٤" والعنس -بفتح فسكون- الناقة الشديدة القوية على السير، وقوله: "تقطع الأراك" أراد تقطع الأرضين التي هي منابت الأراك، والأراك -بوزن السحاب- العود الذي يساك به. ومحل الاستشهاد بالبيت قوله: "بلغت إياك" حيث جاء بالضمير المنفصل في المكان الذي يكون فيه الضمير المتصل، وكان من حق العربية عليه أن يقول "حتى بلغتك" وكان الزجاج يذهب إلى أن "إياك" في هذا البيت ليس مفعولا لبلغت، ولكنه توكيد لضمير متصل محذوف يقع مفعولا لبلغت، وأصل الكلام على هذه "بلغتك إياك" وهو تخلص من ضرورة بالوقوع في ضرورة أخرى؛ لأن حذف المؤكد وبقاء التوكيد مما لا يجوز؛ لأنه يفوت الغرض الذي سيق إليه الكلام.
(٣) قد اختلف العلماء في نسبة هذا البيت، فنسبه سيبويه "١/ ٣٨٣" إلى بعض اللصوص ولم يعين اسمه، ورواه في "١/ ٢٧١" وقال قبل إنشاده "وحدثني أبو الخطاب أنه سمع من يوثق بعربيته من العرب ينشد هذا البيت" ونسبه ابن جني في الخصائص "٢/ ١٩٤" لأبي بجيلة، ونسبه ابن الشجري في أماليه "١/ ٣٢ ط مصر" إلى ذي الإصبع العدواني، والبيت بعد ذلك من شواهد رضي الدين في باب الضمير من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في خزانة الأدب "٢/ ٤٠٦" والزمخشري في المفصل ونسبه -كما في كتاب سيبويه- إلى بعض اللصوص، وابن يعيش في شرحه "ص٤٢٣" ونسبه إلى ذي الإصبع العدواني، وقرّى -بضم القاف وتشديد الراء مفتوحة- موضع في بلاد بني الحارث بن كعب، وقوله: "نقتل إيانا" شبه فيه أعداءهم الذين أوقعوا فيهم القتل بأنفسهم في السيادة والحسن، يدلك على هذا قوله بعد بيت الشاهد: قتلنا منهم كل فتى أبيض حسانا يرى يرفل في برديـ ـن من أبراد نجرانا ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله: "نقتل إيانا" وقد أراد المؤلف بإيراد هذا الشاهد هنا أن يقول: إنه وضع الضمير المنفصل المنصوب في موضع الضمير المتصل المنصوب، =
[ ٢ / ٥٧٣ ]
فهو من ضرورة الشعر التي لا يجوز استعمالها في اختيار الكلام.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم: "إن الكاف والهاء والياء ههنا هي التي تكون في حالة الاتصال" قلنا: لا نسلم؛ فإنها وإن كانت مثلها في اللفظ إلا أنها تخالفها؛ لأن الكاف والهاء والياء ههنا حروف وهناك أسماء، وصار هذا كالتاء في "أنت" فإنها في اللفظ مثل التاء في "قمت" وإن كانت التاء في "أنت" حرفا والتاء في "قمت" اسما، وكما لا يجوز أن يقال إن التاء في "أنت" اسم؛ لأنها مثل التاء في "قمت" فكذلك ههنا [و] كما أن الاسم المضمر في "أنت" أنْ وحدها والتاء لمجرد الخطاب وليست عمادًا للتاء؛ فكذلك "إيّا" هي الاسم المضمر وحدها، وليست عمادًا للكاف والهاء والياء.
ثم لو كان الأمر كما زعموا لكان ذلك يؤدي إلى أن يعمد الشيء بما هو أكثر منه، وأن يكون الأكثر عمادا للأقل وتبعا له، وهذا لا نظير له في كلامهم.
والذي يدل على أن هذه الكاف والهاء والياء ليست هي التي تكون في حالة الاتصال أن هذه الأحرف ههنا ضمائر منفصله، وتلك ضمائر متصلة، والضمائر المنفصلة ينبغي أن يكون لفظها مخالفا للفظ الضمائر المتصلة، كما أن لفظ المضمرات المرفوعة المنفصلة مخالف للفظ الضمائر المرفوعة المتصلة، وليس شيء منها معمودًا، فكذلك ههنا.
_________________
(١) = وكان عليه على هذا -أن يقول "إنما نقتلنا" ولكنه لو قال "إنما نقتلنا" لكان خطأ؛ لأنه لا يجوز أن يكون فاعل الفعل ومفعوله ضميرين لشيء واحد، لا تقول "ضربتني" ولا "ضربتك" بتاء المخاطب، ولا "زيد ضربه" على أن يكون في ضرب ضمير مستتر يعود إلى زيد، وتكون الهاء أيضا عائدة إلى زيد، وإذا أريد هذا المعنى جيء بلفظ النفس فجعل مفعولًا به، فيقال "ضربت نفسي" و"أكرمت نفسي" و"ضربت نفسك" و"أكرمت نفسك" و"زيد أكرم نفسه" ويستثنى من هذه القاعدة أفعال القلوب وفعلان آخران -وهما عدم وفقد- تقول "ظننتني، وخلتني، وعدمتني، وفقدتني"، فلو أراد الشاعر أن يأتي بالكلام على الطريق المستعمل في كلام العرب كان يقول: "إنما نقتل أنفسنا" قال الأعلم "وفصل الضمير من الفعل ضرورة، وكان الوجه نقتلنا، والأصل في هذا أن يستغنى فيه بالنفس فيقال: نقتل أنفسنا، فوضع إيّانا، موضع ذلك" ا. هـ. وأحسن مما قال الأعلم قول ابن يعيش "الشاهد فيه وضع إيانا موضع الضمير المتصل، إلا أنه أسهل من قول حميد الأرقط: حتى بلغت إياك وذلك لأنه لا يمكنه أن يأتي بالمتصل فيقول نقتلنا لأنه يتعدى فعله إلى ضميره المتصل، فكان حقه أن يقول: نقتل أنفسنا، لأن المنفصل والنفس يشتركان في الانفصال ويقعان بمعنى، فلما كان المتصل لا يمكن وقوعه هنا لما ذكرناه، وكان النفس والمنفصل مترادفين استعمل أحدهما في موضع الآخر" ا. هـ.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
وأما استدلالهم على أن "إيا" عماد بلحاق التثنية والجمع لما بعدها فيبطل بأنت؛ فإنا أجمعنا على أن الضمير منه "أن" والتثنية والجمع يلحقان ما بعده وهو التاء، ولا خلاف أن "أن" ليست عمادا للتاء، وأن التاء ليست هي الضمير، فكذلك ههنا؛ وهذا لأن الحروف إذا زيدت للدلالة على الأشخاص جاز أن تلحقها علامة التثنية والجمع؛ لأنها لما كانت دلالة على المخاطب والغائب والمتكلم لم يكن بُدٌّ من لحاق علامة التثنية والجمع بها.
على أنا نقول: إن "إياكما، وإياكم" ليس بتثنية لمفرد ولا جمع على حد التثنية والجمع، وإنما "إياكما" صيغة مرتجلة للتثنية، و"إياكم" صيغة مرتجلة للجمع، وكذلك "أنتما، وأنتم" ليس بتثنية ولا جمع على حد التثنية والجمع، وإنما "أنتما" صيغة مرتجلة للتثنية، و"أنتم" صيغة مرتجلة للجمع، وكذلك حكم كل اسم مضمر واسم إشارة واسم صِلَةٍ. وسنبين هذا في اسم الصلة مستقصى إن شاء الله تعالى.
وأما مَنْ ذَهَبَ إلى أنه بكماله المضمر فليس بصحيح، وذلك لأن الكاف في "إياك" بمنزلة التاء في "أنت".
والذي يدل على ذلك أن الكاف في إياك" تفيد الخطاب، كما أن التاء في "أنت" تفيد الخطاب، وأن فتحة الكاف تفيد المذكر، كما أن فتحة التاء في "أنت" تفيد خطاب المذكر، وأن كسرة الكاف تفيد خطاب المؤنث، كما أن كسرة التاء تفيد خطاب المؤنث، فكما أن التاء ليست من المضمر الذي هو "أن" في "أنت" وإنما هي لمجرد الخطاب، ولا موضع لها من الإعراب؛ فكذلك الكاف ليست من المضمر الذي هو "إيا" في "إياك" وإنما هي لمجرد الخطاب، ولا موضع لها من الإعراب، وإذا لم تكن الكاف في "إياك" من المضمر كما لم تكن التاء في "أنت" من المضمر، واستحال أن يقال إنَّ "أنت" بكماله هو المضمر؛ فكذلك يستحيل أن يقال إن "إياك" بكماله هو المضمر، والله أعلم.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
٩٩- مسألة: [المسألة الزنبورية] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز أن يقال "كنت أظن أن العقرب أشد لَسْعَةً من الزُّنْبُورِ فإذا هو إياها". وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز أن يقال: "فإذا هو إياها". ويجب أن يقال: "فإذا هو هي".
أما الكوفيون فاحتجوا بالحكاية المشهورة بين الكسائي وسيبويه، وذلك أنه لما قدم سيبويه على البرامكة، فطلب أن يجمع بينه وبين الكسائي للمناظرة؛ حضر سيبويه في مجلس يحيى بن خالد وعنده وَلَدَاهُ جعفر والفضل ومن حضر بحضورهم من الأكابر، فأقبل خلف الأحمر على سيبويه قبل حضور الكسائي، فسأله عن مسألة، فأجابه سيبويه، فقال له الأحمر: أخطأت، ثم سأله عن ثانية فأجابه فيها، فقال له: أخطأت، ثم سأله عن ثالثة، فأجابه فيها، فقال له: أخطأت، فقال له سيبويه: هذا سُوءُ أدب، قال الفراء: فأقبلت عليه وقلت: إن في هذا الرجل عجلة وحدّة، ولكن ما تقول في من قال "هؤلاء أبُونَ، ومررت بَأبينَ" كيف تقول على مثال ذلك من "وأيت" و"أويت" فقدَّر فأخطأ، فقلت: أعِدِ النظر، فقدّر فأخطأ، فقلت: أعِدِ النظر، فقدّر فأخطأ، ثلا ث مرات يجيب ولا يصيب. فلما كثر ذلك عليه قال: لا أكلمكما أو يحضر صاحبكما حتى أناظره، قال: فحضر الكسائي فأقبل على سيبويه فقال: تسألني أو أسألك؟ فقال: بل تسألني أنت، فأقبل عليه الكسائي فقال: كيف تقول: كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي، أو فإذا هو إيَّاهَا؛ فقال سيبويه: فإذا هو هي، ولا يجوز النصب؟ فقال له الكسائي: لحنت، ثم سأله عن مسألة من هذا النحو نحو "خرجت فإذا عبد الله القائم، والقائم" فقال سيبويه في ذلك بالرفع دون النصب، فقال الكسائي: ليس هذا من كلام العرب، والعرب ترفع ذلك كله وتنصبه، فدفع
_________________
(١) ١ انظر في هذه المسألة: مغني اللبيب لابن هشام "ص٨٨-٩٢" فقد فصل المسألة وخرج المثال موضع الخلاف تخريجا دقيقا.
[ ٢ / ٥٧٦ ]
ذلك سيبويه، ولم يجز فيه النصب، فقال له يحيى بن خالد: قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما فمن ذا يحكم بينكما؟ فقال له الكسائي: هذه العرب ببابك قد اجتمعت من كل أوب؛ ووفدت عليك من كل صُقْع، وهم فصحاء الناس، وقد قنع بهم أهل المِصْرضين، وسمع أهل الكوفة والبصرة منهم؛ فيحضرون ويسألون، فقال له يحيى وجعفر: قد أنصفت، وأمر بإحضارهم، فدخلوا وفيهم أبو فَقْعَس وأبو زياد وأبو الجراح وأبو ثَرْوَان، فسئلوا عن المسائل التي جرت بين الكسائي وسيبويه، فوافقوا الكسائي، وقالوا بقوله، فأقبل يحيى على سيبويه فقال: قد تسمع، وأقبل الكسائي على يحيى: وقال أصلح الله الوزير! إنه وَفَدَ عليك من بلده مؤملًا، فإن رأيت أن لا ترده خائبًا، فأمل له بعشرة آلاف درهم، فخرج وتوجه نحو فارس، وأقام هناك، ولم يعد إلى البصرة.
فوجه الدليل من هذه الحكاية أن العرب وافقت الكسائي، وتكلمت بمذهبنا، وقد حكى أبو زيد الأنصارى عن العرب "قد كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو إياها" مثل مذهبنا؛ فدل على صحة ما ذهبنا إليه.
وأما من جهة القياس فقالوا: إنما قلنا ذلك لأن "إذا" إذا كانت للمفاجأة كانت ظرف مكان، والظرف يرفع ما بعده، وتعمل في الخبر عمل وَجَدْتُ؛ لأنها بمعنى وجدت.
وقد قال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب: إن "هو" في قولهم "فإذا هو إياها" عماد، ونصبت "إذا لأنها بمعنى وَجَدْتُ على ما قدمناه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز إلا الرفع لأن "هو" مرفوع بالابتداء، ولا بد للمبتدأ من خبر، وليس ههنا ما يصلح أن يكون خبرا عنه، إلا ما وقع الخلاف فيه، فوجب أن يكون مرفوعا، ولا يجوز أن يكون منصوبا بوجه ما؛ فوجب أن يقال "فإذا هو هي" فهو: راجع إلى الزنبور لأنه مذكر، وهي: راجع إلى العقرب لأنه مؤنث.
أما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما ما رووه عن العرب من قولهم: "فإذا هو إياها" فمن الشاذ الذي لا يُعْبَأ به كالجزم بلن والنصب بلم وما أشبه ذلك من الشواذ التي تخرج عن القياس، على أنه قد روي أنهم أُعْطُوا على متابعة الكسائي جُعْلًا؛ فلا يكون في قولهم حجة لتطرق التهمة في الموافقة.
وأما قولهم: "إن إذا إذا كانت للمفاجأة كانت بمنزلة وَجَدْتُ" فباطل؛ لأنها إن كانت بمنزلة وجدت في العمل فوجب أن يرفع بها فاعل وينصب بها مفعولان كقولهم "وجدت زيدًا قائمًا" فترفع الفاعل وتنصب المفعولين، وإن قالوا إنها بمعنى
[ ٢ / ٥٧٧ ]
وجدت، ولا تعمل عملها كما أن قولهم: "حَسْبُكَ زيدٌ" بمعنى الأمر وهو اسم وليس بفعل، وكقولهم: "أحسن بزيد" لفظه لفظ الأمر وهو بمعنى التعجب، وكقولهم: "رحم الله فلانا" لفظه لفظ الخبر وهو في المعنى دعاء، وكقوله تعالى في قراءة من قرأ بالرفع: ﴿لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] لفظه لفظ الخبر والمراد به النهي، وكقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] أي: انْتَهُوا، لفظه لفظ الاستفهام والمراد به الأمر، وكقوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] لفظه لفظ الأمر والمراد به الخبر، وكقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أي: ليرضعن، لفظه لفظ الخبر والمراد به الأمر، إلى غير ذلك من الأماكن التي لا تحصى كثرة، فكذلك نقول نحن ههنا: "إذا" بمعنى وجدت وهي في اللفظ ظرف مكان، وظرف المكان يجب رفع المعرفتين بعده، فوجب أن يقال "فإذا هو هي".
وإن قالوا "إنها تعمل عمل الظرف وعَمَلَ وجدت؛ فترفع الأول لأنها ظرف وتنصب الثاني على أنها فعل ينصب مفعولين" فباطل؛ لأنهم إن أعملوها عمل الظرف بقي المنصوب بلا ناصب، وإن أعملوها عمل الفعل لزمهم وجود فاعل ومفعولين، وليس لهم إلى إيجاد ذلك سبيل.
وأما قول أبي العباس ثعلب "إن هو في قولهم فإذا هو إياها عماد" فباطل عند الكوفيين والبصريين؛ لأن العماد عند الكوفيين -الذي يسميه البصريون الفَصْلَ- يجوز حذفه من الكلام، ولا يختلّ معنى الكلام بحذفه، ألا ترى أنك لو حذفت العماد الذي هو الفصل من قولك "كان زيد هو القائم" فقلت "كان زيد القائم" لم يختل معنى الكلام بحذفه؛ وكان الكلام صحيحًا، وكذلك سائر الأماكن التي يقع فيها العماد الذي هو الفصل يجوز إثباته وحذفه، ولو حذفته ههنا من قولهم: "فإذا هو إياها" لاختلَّ معنى الكلام وبطلت فائدته؛ لأنه يصير "فإذا إياها" وهذا لا معنى له ولا فائدة فيه؛ فبطل ما ذهبوا إليه. والله أعلم.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
١٠٠- مسألة: [ضمير الفصل] ١
ذهب الكوفيون إلى أن ما يُفْصَلُ به بين النعت والخبر يسمى عمادًا، وله موضع من الإعراب، وذهب بعضهم إلى أن حكمه حكم ما قبله، وذهب بعضهم إلى أن حكمه حكم ما بعده. وذهب البصريون إلى أنه يسمى فصلًا لأنه يَفْصِلُ بين النعت والخبر إذا كان الخبر مضارعًا لنعت الاسم ليخرج من معنى النعت كقولك: "زيد هو العاقل" ولا موضع له من الإعراب.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن حكمه حكم ما قبله لأنه توكيد لما قبله، فتنزل منزلة النفس إذا كان توكيدا، وكما أنك إذا قلت: "جاءني زيد نفسه" كان نفسه تابعًا لزيد في إعرابه، فكذلك العماد، إذا قلت: "زيد هو العاقل" يجب أن يكون تابعًا في إعرابه.
وأما من ذهب إلى أن حكمه حكم ما بعده قال: لأنه مع ما بعده كالشيء الواحد؛ فوجب أن يكون حكمه بمثل حكمه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنه لا موضع له من الإعراب؛ لأنه إنما دخل لمعنى وهو الفصل بين النعت والخبر، ولهذا سمّي فَصْلًا، كما تدخل الكاف للخطاب في "ذلك، وتلك" وتثنّى وتجمع ولا حَظَّ لها في الإعراب و"ما" التي للتوكيد ولا حظّ لها في الإعراب؛ فكذلك ههنا.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم: "إنه توكيد لما قبله فتنزل منزلة النفس في قولهم جاءني زيد نفسه" قلنا: هذا باطل؛ لأن المكنيَّ لا يكون
_________________
(١) ١ انظر في هذه المسألة: شرح ابن يعيش على المفصل "ص٤٣٠" وشرح الرضي على الكافية "٢/ ٢٢" وتصريح الشيخ خالد "١/ ٢٧٠ وما بعدها" وحاشية الصبان على الأشموني "١/ ٢٦٢ بولا ق".
[ ٢ / ٥٧٩ ]
تأكيد للمظهر في شيء من كلامهم، والمصير إلى ما ليس له نظير في كلامهم لا يجوز أن يُصَار إليه.
وأما قولهم: "إنه مع ما بعده كالشيء الواحد" قلنا: هذا باطل أيضا؛ لأنه لا تعلُّق له بما بعده؛ لأنه كناية عما قبله، فكيف يكون مع ما بعده كالشيء الواحد؟ والله أعلم.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
١٠١- مسألة: [مراتب المعارف] ١
ذهب الكوفيون إلى أن الاسم المبهم٢ -نحو "هذا، وذاك"- أَعْرَفُ من الاسم العلم -نحو زيد، وعمرو"- وذهب البصريون إلى أن الاسم العلم أعرف من الاسم المبهم، واختلفوا في مراتب المعارف؛ فذهب سيبويه إلى أن أعرف المعارف الاسم المضمر؛ لأنه لا يُضْمَرُ إلا وقد عرف؛ ولهذا لا يفتقر إلى أن يوصف كغيره من المعارف، ثم الاسم العلم؛ لأن الأصل فيه أن يوضع على شيء لا يقع على غيره من أُمَّتِهِ٣، ثم الاسم المبهم؛ لأنه يعرف بالعين وبالقلب، ثم ما عرف بالألف واللام؛ لأنه يعرف بالقلب فقط، ثم ما أضيف إلى أحد هذه المعارف؛ لأن تعريفه من غيره، وتعريفه على قدر ما يضاف إليه.
وذهب أبو بكر بن السراج إلى أن أعرف المعارف: الاسم المبهم، ثم المضمر، ثم العلم، ثم ما فيه الألف واللام، ثم ما أضيف إلى أحد هذه المعارف، وذهب أبو سعيد السيرافي إلى أن أعرف المعارف: الاسم العلم، ثم المضمر، ثم المبهم، ثم ما عُرِّف بالألف واللام، ثم ما أضيف إلى أحد هذه المعارف.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن الاسم المبهم أعرف من الاسم العلم، وذلك لأن الاسم المبهم يعرف بشيئين: بالعين وبالقلب، وأما الاسم العلم فلا يعرف إلا بالقلب وحده، وما يعرف بشيئين ينبغي أن يكون أعرف مما يعرف بشيء واحد.
قالوا: والذي يدل على صحة ذلك أن الاسم العلم يقبل التنكير، ألا ترى
_________________
(١) ١ انظر في هذه المسألة: شرح الأشموني بحاشية الصبان "١/ ١١٠ بولاق" وتصريح الشيخ خالد الأزهرى "١/ ١١٢ بولا ق". ٢ المراد بالاسم المبهَم ههنا: اسم الإشارة. ٣ أمته: المراد به نوعه.
[ ٢ / ٥٨١ ]
أنك تقول: "مررت بزيد الظريف وزيد آخَرَ، ومررت بعمرو العاقل وعمرو آخر" وكذلك إذا ثنَّيت الاسم العلم أو جمعته نكَّرته نحو "زيدان والزيدان، وعمران والعمران، وزيدون، والزيدون، وعمرون، والعمرون" فتدخل عليه الألف واللام في التثنية والجمع، ولا تدخلان إلا على النكرة؛ فدلَّ على أنه يقبل التنكير، بخلاف الاسم المبهم؛ فإنه لا يقبل التنكير؛ لأنك لا تصفه بنكرة في حال من الأحوال، ولا تنكره في التثنية والجمع فتدخل عليه الألف واللام فتقول: الهَاذَانِ؛ فدلّ على أنه لا يقبل التنكير، وما لا يقبل التنكير أعرف مما يقبل التنكير، فتنزل منزلة المضمر، وكما أن المضمر أعرف من الاسم العلم فكذلك المبهم.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن الاسم العلم أعرف من المبهم لأن الأصل في الاسم العَلَم أن يوضع لشيء بعينه لا يقع على غيره من أمته، وإذا كان الأصل فيه أن لا يكون له مشارك أشبه ضمير المتكلم، وكما أن ضمير المتكلم أعرف من المبهم فكذلك ما أشبهه.
والذي أذهب إليه ما ذهب إليه الكوفيون.
وأما الجواب عن كلمات البصريين: أما قولهم: "إن الأصل في الاسم العلم أن يوضع لشيء بعينه لا يقع على غيره" قلنا: وكذلك الأصل في جميع المعارف، ولهذا يقال: حدّ المعرفة ما خص الواحد من الجنس، وهذا يشتمل على جميع المعارف، لا على الاسم العلم دون غيره، على أنَّا نسلم أن الأصل في الاسم العلم ما ذكرتموه، إلا أنه قد حصل فيه الاشتراك، وزال عن أصله وَضْعِهِ، ولهذا افتقر إلى الوصف، ولو كان باقيا على الأصل لما افتقر إلى الوصف؛ لأن الأصل في المعارف أن لا توصف؛ لأن الأصل فيها أن يقع لشيء بعينه، فلما جاز فيه الوصف دلّ على زوال الأصل، فلا يجوز أن يحمل على المضمر الذي لا يزول عن الأصل ولا يفتقر إلى الوصف في أنه أعرف من المبهم، والله أعلم.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
مسألة "أي" الموصولة معربة دائما أو مبنية أحيانا؟
١٠٢- مسألة: ["أي" الموصولة معربة دائما ومبنيّة أحينا؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن "أيهم" إذا كان بمعنى الذي وحذف العائد من الصلة معرب، نحو قولهم: "لأضربن أيُّهم أفضل"، وذهب البصريون إلى أنه مبنيّ على الضم، وأجمعوا على أنه إذا ذكر العائد أنه معرب، نحو قولهم: "لأضربنّ أيهم هو أفضل"، وذهب الخليل بن أحمد إلى أن "أيهم" مرفوع بالابتداء، و"أفضل" خبره، ويجعل "أيهم" استفهامًا، ويحمله على الحكاية بعد قول مقدر، والتقدير عنده: لأضربن الذي يقال له أيُّهُم أفضل، قال الشاعر:
[٤٤١]
ولقد أَبِيتُ من الفَتَاةِ بمنزل فأَبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومُ
_________________
(١) هذا البيت للأخطل التغلبي، وهو من شواهد سيبويه "١/ ٢٥٩ و٣٩٨" وابن يعيش في شرح المفصل "ص٤٦٣" ورضي الدين في باب الموصول من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "٢/ ٥٣٣" والحرج -بفتح الحاء وكسر الراء المهملتين- المضيق عليه، والمحروم: الممنوع مما يريده. ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "لا حرج ولا محروم" فإن سيبويه ﵀ خرج هذه العبارة نقلًا عن شيخه الخليل بن أحمد على أن قوله "لا حرج" خبر مبتدأ محذوف ليس ضمير المتكلم وجملة المبتدأ المحذوف وخبره في محل نصب على الحكاية بقول محذوف أيضًا، وتقدير الكلام على هذا: فأبيت مقولًا في شأني: هو لا حرج ولا محروم، قال سيبويه "١/ ٢٥٩" "وأما قول الأخطل: ولقد أبيت من الفتاة البيت فزعم الخليل أن هذا ليس على إضمار أنا، ولو جاز هذا على إضمار أنا لجاز "كان عبد الله لا سلم ولا صلح" على إضمار هو، ولكنه -فيما زعم الخليل- فأبيت بمنزلة الذي يقال له: لا حرج ولا محروم، ويقويه في ذلك قوله: ١ انظر في هذه المسألة: شرح الأشموني بحاشية الصبان "١/ ١٦١ بولا ق" وتصريح الشيخ خالد "١/ ١٦٢" وشرح ابن يعيش على مفصل الزمخشري "ص٤٦٢ وما بعدها" وشرح الرضي على الكافية "٢/ ٥٣ وما بعدها" ومغني اللبيب لابن هشام "ص٧٧ بتحقيقنا".
[ ٢ / ٥٨٣ ]
أي: فأَبِيتُ لا يقال لي هذا حَرِجٌ ولا محروم، وحَذْف القول في كتاب الله تعالى وكلام العرب أكثر من أن يحصى، وذهب يونس بن حبيب البصري إلى أن "أيهم" مرفوع بالابتداء، و"أفضل" خبره، ويجعل "أيهم" استفهامًا، ويعلق "لأضربن" عن العمل في "أيهم" فينزل الفعل المؤثر منزلة أفعال القلوب نحو "علمت أيهم في الدار".
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه معرب منصوب بالفعل الذي قبله أنه قد جاء ذلك في كتاب الله تعالى وكلام العرب، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩] بالنصب، وهي قراءة هارون القارئ ومعاذ الهراء، ورواية عن يعقوب.
قالوا: ولا يجوز أن يقال "إن القراءة المشهورة بالضم هي حجة عليكم" لأنا نقول: هذه القراءة لا حجة لكم فيها، لأن الضمة فيها ضمة إعراب، لا ضمة بناء، فإن "أيهم" مرفوع لأنه مبتدأ وذلك من وجهين:
_________________
(١) = فإنما أراد: كانت كلا ب التي يقال لها: خا مري أم عا مر، وقد زعم بعضهم أن رفعه على النفي، كأنه قال: فأبيت لا حرج ولا محروم بالمكان الذي أنا به، وقول الخليل حكا ية لا كان يتكلم به قبل ذل ك، فكأنه حكى ذلك اللفظ، كما قال: كذبتم وبيت الله لا تنكحونها بني شا ب قرنا ها تصر وتحلب أي بني من يقال له ذلك. والتفسير الآخر الذي على النفي كأنه أسهل" ا. هـ كلامه. وقال الأعلم "الشا هد ف يرفع حرج ومحروم، وكان وجه الكلام نصبهما على الحال، ووجه رفعهما عند الخليل الحمل على الحكاية، والمعنى فأبيت كالذي يقال: لا حرج ولا محروم، ولا ي جوز رفعه حملا على مبتدأ مضمر كما لا يجوز كان زيد لا قا ئم ولا قا عد على تقدير لا هو قائم ولا قعد، لأنه ليس موضع تبعيض وقطع، فلذلك حمله على الحكا ية، كما قال بني شا ب قرنا ها، ويجوز رفعه على الابتداء وإضما ر الخبر، على معنى فأبيت لا حرج ولا محروم في المكان الذي أبيت فيه، ثم حذف هذا لعلم السا مع، وإذا نفي أن يكون مبيته حرج أو محروم فهو غير حرج وغير محروم، لأنه في ذلك المكان" ا. هـ كلام بحروفه، وقوله "ولا يجوز رفعه حملا على مبتدأ مضمر" ليس على إطلا قه، بل المرا د أنه لا يجوز رفعه على إضما ر مبتدأ تقديره: لا أنا حرج ولا محروم، من غير تقدير حكا ية كما هو في مطلع كلام سيبويه عن الخليل، وكيف لا يكون على تقدير مبتدأ أصلا والحكا ية إنما تقع في الجمل لا في المفردا ت؟ ولو سلمنا أن الحكا ية بالقول تكن في المفردا ت فما يكون إعراب لا حرج المرفوع؟ وكيف كان يقول من يحكي كلامه؟ وقال الصيرافي عن التخريج الثاني الذي ذكره سيبويه وذكره الأعلم أيضا، وذكر سيبويه أنه أسهل "وهذا التفسير أسهل؛ لأن المحذوف خبر حرج، وهو ظرف، وحذف الخبر في النفي كثير، كقولنا: لا حول ولا قو ة إلا بالله، أي لنا" ا. هـ.
[ ٢ / ٥٨٤ ]
أحدهما: أن قوله: ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾ عمل في: ﴿مِنْ﴾ وما بعدها، واكتفى الفعل بما ذكر معه، كما تقول "قتلت من كل قبيل، وأكلت من كل طعام" فيكتفي الفعل بما ذكر معه، فكذلك ههنا: عمل الفعل في الجار والمجرور واكتفى بذلك، ثم ابتدأ فقال: "أيهم أشد" فرفع "أيهم" بأشد كما رفع "أشد" بأيهم، على ما عرف من مذهبنا.
والوجه الثاني: أن الشيعة معناها الأعوان، وتقدير الآية: لننزعن من كل قوم شَايَعُوا فتنظروا أيهم أشد على الرحمن عتيًا، والنظر من دلائل الاستفهام، وهو مُقَدَّر معه، وأنت لو قلت "لأَنْظرنَّ أيهم أشد" لكان النظر معلقًا، لأن النظر والمعرفة والعِلْمَ ونحوهن من أفعال القلوب، وأفعال القلوب يسقط عملهن إذا كان بعدهن استفهام، فدل على أنه مرفوع لأنه مبتدأ.
والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه ما حكاه أبو عُمَرَ الجَرْمِي أنه قال: خرجت من الخندق -يعني خندق البصرة- حتى صرت إلى مكة، لم أسمع أحدا يقول "اضرب أيهم أفضل" أي: كلهم ينصبون، وكذلك لم يُرْوَ عن أحد من العرب "اضرب أيهم أفضل" بالضم، فدلَّ على صحة ما ذهبنا إليه.
والذي يدل على فساد قول مَنْ ذهب إلى أنه مبني على الضم أن المفرد من المبنيات إذا أضيف أعرب، نحو قبل وبعد، فصارت الإضافة توجب إعراب الاسم، وأيّ إذا أفردت أعربت، فلو قلنا "إنها إذ أضيفت بنيت" لكان هذا نقضًا للأصول، وذلك محال..
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنها مبنية ههنا على الضم، وذلك لأن القياس يقتضي أن تكون مبنية في كل حال، لوقوعها موقع حرف الجزاء والاستفهام والاسم الموصول كما بنيت "مَنْ، وما" لذلك في كل حالٍ، إلا أنهم أعربوها حملًا على نظيرها، وهو "بَعْض" وعلى نقيضها وهو "كل"، وذلك على خلاف القياس، فلما دخلها نقص بحذف العائد ضعفت فردّتْ إلى أصلها من البناء على مقتضى القياس، كما أن "ما" في لغة أهل الحجاز لما كان القياس يقتضي أن لا تعمل، إذا تقدم خبرها على اسمها أو دخل حرف الاستثناء بين الاسم والخبر ردّ على ما يقتضيه القياس من بطلان عملها، فكذلك ههنا: لما كان القياس يقتضي أن تكون مبنية، لما حذف منها العائد ردّت إلى ما يقتضيه القياس من البناء، يدل عليه أن "أيهم" استعملت استعمالا لم تستعمل عليه أخواتها من حذف المبتدأ معها، تقول: "اضرب أيهم أفضل" تريد أيهم هو أفضل، ولو قلت: "اضرب من أفضل، وكل ما أطيب" تريد من هو أفضل وما هو أطيب لم يجز، فلما
[ ٢ / ٥٨٥ ]
خالفت "أي" أخواتها فيما ذكرناه زال تمكنها؛ لأن كل شيء خرج عن بابه زال تمكنه، فوجب أن تبنى إذا استعملت على خلاف ما استعمل عليه أخواتها، كما أن "يا ألله" لما خالفت سائر ما فيه الألف واللام لم يحذفوا ألفه، وكذلك "ليس" لما لم تتصرف تصرف الفعل تركت على هذه الحال، ألا ترى أن أصل "ليس" لَيِس، مثل صَيِدَ البعير، وصَيِدَ البعير يجوز فيه التخفيف فيقال "صَيْدَ البعير" ويجب في ليس التخفيف، ولا يجوز أن يؤتى به على الأصل كما جاز أن يؤتى بصيد على الأصل؛ لأن ليس لم تتصرف تصرف الفعل، بخلاف صيد، ويدل عليه أيضا أنك لو قلت "صَيِدْتَ يا بعيرُ" لوجب أن ترد الفعل إلى أصله من الكسر، ولو قلت "لَيِسْتُ" لم يجز ردّه إلى الأصل، كل ذلك لمخالفته الفعل في التصرف وخروجه عن مشابهة نظائره، فكذلك ههنا: لما خالفت [أيّ] سائر أخواتها وخرجت عن مشابهة نظائرها وجب بناؤها، وإنما وجب بناؤها على الضم لأنهم لما حذفوا المبتدأ من صلتها بَنَوْهَا على الضم، لأنه أقوى الحركات.
والذي يدل على صحة هذا التعليل وأنهم إنما بنوها لخلاف١ المبتدأ أنا أجمعنا على أنهم إذا لم يحذفوا المبتدأ أعربوها ولم يبنوها فقالوا: "ضربت أيَّهُم هو في الدار" بالنصب، وإنما حسن حذف المبتدأ من صلة "أيّ" ولم يحسن حذفه مع غيرها من أخواتها لأن "أي" لا تنفك عن الإضافة، فيصير المضاف إليه عوضًا عن حذف المبتدأ، بخلاف غيرها من أخواتها؛ فلهذا حَسُنَ الحذف مع "أي" دون سائر أخواتها.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقراءة من قرأ ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ [مريم: ٦٩] بالنصب -فهي قراءة شاذة جاءت على لغة شاذة لبعض العرب، ولم يقع الخلاف في هذه اللغة، ولا في هذه القراءة؛ وإنما وقع الخلاف في اللغة الفصيحة المشهورة، والقراءة المشهورة التي عليها قَرَأَة الأمصار "أيهم" بالضم، وهي حجة عليهم.
قولهم: "إن الضمة فيها ضمة إعراب لا الضمة بناء، وإنه مرفوع لأنه مبتدأ لأن قوله: "لننزعن" عمل في من وما بعدها، واكتفى الفعل بما ذكر معه كقولهم: قتلت من كل قبيل" قلنا: هذا خلاف الظاهر؛ لأن قوله: "لننزعن" فعل معتدّ؛ فلا بد أن يكون له مفعول إما مظهر أو مقدر، و"أيّهم" يصلح أن يكون مفعولًا، وهو ملفوظ به مُظْهَر، فكان أولى من تقدير مفعول مقدر.
_________________
(١) ١ كذا، وأظن أصل العبارة "لحذف المبتدأ".
[ ٢ / ٥٨٦ ]
وأما قولهم: "إن تقدير الآية فتنظروا أيهم أشد" قلنا: وهذا أيضا خلاف الظاهر؛ لأنه ليس في اللفظ ما يدل على تقدير هذا الفعل، وقوله: "لننزعن" فعل يصلح أن يكون "أيهم" مفعولًا له، فكان أولى من تقدير فعل لا دليل يدل عليه ولا حاجة إليه.
وأما ما حكي عن أبي عمر الجرمي أنه قال: خرجت من الخندق فلم أسمع أحدا يقول ضَرَبْتُ أيُّهم أفضل، قلنا: هذا يدل على أنه ما سمع "أيهم" بالضم، وقد سمعه غيره.
والذي يدل على صحة هذه اللغة ما حكاه أبو عمرو الشيباني عن غسَّان -وهو أحد من تؤخذ عنه اللغة من العرب -أنه أنشد:
[٤٤٢]
إذا ما أتيت بني مالك فسلّم على أيُّهم أفضل
برفع "أيهم" فدل على أنها لغة منقولة صحيحة لا وجه لإنكارها.
وأما قولهم: "إن المفرد من المبنيّات إذا أضيف أعرب، وأيُّ إذا أفردت
_________________
(١) هذا البيت من شواهد ابن يعيش في شرح المفصل "ص٤٦٣ و٤٩٠" ورضي الدين في باب الموصول من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "٢/ ٥٢٢" وابن هشام في مغني اللبيب "رقم ١١٩" وفي أوضح المسالك "رقم ٥٠" والأشموني "رقم ١١٠" وابن عقيل "رقم ٣٣" وشرحه العيني "١/ ٣٤٦ بهامش الخزانة" والبيت لغسان بن علة بن مرة بن عباد، ويروى "إذا ما لقيت بني مالك" ومحل الاستشهاد به قوله "على أيهم أفضل" فإن الرواية في هذه الكلمة بضم "أيهم" على ما حكاه أبو عمرو الشيباني، ويلزم أن تكون "أي" في هذه العبارة موصولة بمعنى الذي، ويكون "أفضل" خبرا لمبتدأ محذوف، وتقدير الكلام فسلم على الذي هو أفضل؛ ولا يجوز أن تكون "أي" استفهامية مع الضم، لأنه يلزم على هذا محظوران: أحدهما أن يعلق حرف الجر عن العمل في لفظ المجرور لأن أي الاستفهامية غير مبنية، وهذا مما لا يقوله أحد، والثاني أن يخرج اسم الاستفهام عن الصدارة، كما لا يجوز أن تكون أي شرطية، لأن الشرطية لا تبنى على الضم، وهي تستدعي فعل شرط وجوابه، وليس هنا شيء من ذلك، وإذا لم تصلح "أي" أن تكون استفهامية ولا شرطية تعين أن تكون موصولة، ولذلك قال ابن يعيش بعد أن أنشد البيت "وهذا نص في محل النزاع" ا. هـ. وقد تمحل قوم فقالوا: يجوز أن تكون "أي" في هذا البيت استفهامية مبتدأ مرفوعا بالضمة الظاهرة، و"أفضل" خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ وخبره في محل نصب مقول لقول محذوف يقع نعتا لمنعوت محذوف، وهذا المنعوت المحذوف هو المجرور بعلى وتقدير الكلام على هذا الوجه: فسلم على شخص مقول فيه: أيهم أفضل، وهذا كلام لا يقضى العجب منه، وهذه المقدرات الكثيرة ما الدليل على حذفها؟ ولو أن ثبوت قواعد اللغة ارتكب في الوصول إليه مثل هذه التمحلات لما ثبتت قاعدة أصلًا.
[ ٢ / ٥٨٧ ]
أعربت، فلو قلنا إنها إذا أضيفت بنيت لكان هذا نقضًا للأصول" قلنا: هذا باطل؛ لأن الإضافة إنما تردّ الاسم إلى حال الإعراب إذا استحق البناء في حال الإفراد، فأما إذا كان الموجب للبناء في حال الإضافة لم تُردَّ الإضافة ذلك الاسم إلى الإعراب، ألا ترى أن "لَدُنْ" في جميع لغاتها لما استحقت البناء في حال الإضافة لم تردّها الإضافة إلى الإعراب؛ فكذلك ههنا، وفي "لدن" ثماني لغات، وهي: "لَدُنْ، ولَدَنْ، ولَدَا، ولَدُ، ولَدْنَ، ولَدْنِ، ولَدْ، ولُدْ" وكلها مبنيّة على ما بيّنّا.
وأما ما ذهب إليه الخليل من الحكاية فبعيد في اختيار الكلام، وإنما يجوز مثله في الشعر، ألا ترى أنه لو جاز أن يقال "اضرب الفاسقُ الخبيثُ" بالرفع -أي: اضرب الذي يقال له الفاسق الخبيث، ولا خلاف أن هذا لا يقال بالإجماع.
وأما قول يونس فضعيف؛ لأن تعليق "اضرب" ونحوه من الأفعال لا يجوز لأنه فعل مؤثر؛ فلا يجوز إلغاؤه، وإنما يجوز أن تعلق أفعال القلوب عن الاستفهام، وهذا ليس بفعل من أفعال القلوب؛ فكان هذا القول ضعيفًا جدًّا، والله أعلم.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
١٠٣- مسألة: [هل تأتي ألفاظ الإشارة أسماء موصولة؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن "هذا" وما أشبهه من أسماء الإشارة يكون بمعنى الذي والأسماء الموصولة، نحو "هذا قال ذاك زيد" أي: الذي قال ذاك زيد. وذهب البصريون إلى أنه لا يكون بمعنى الذي، وكذلك سائر أسماء الإشارة لا تكون بمعنى الأسماء الموصولة.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأنه قد جاء ذلك في كتاب الله تعالى وكلام العرب، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] والتقدير فيه: ثم أنتم الذين تقتلون أنفسكم، فأنتم: مبتدأ، وهؤلاء: خبره وتقتلون: صلة هؤلاء، وقال تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ١٠٩] والتقدير فيه: ها أنتم الذين جادلتم عنهم، فأنتم: مبتدأ، وهؤلاء: خبره، وجادلتم: صلة هؤلاء، وقال تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ١٧] والتقدير فيه: ما التي بيمينك، فما: مبتدأ، وتلك: خبرة، وبيمينك: صلة تلك، ثم قال ابن مُفَرِّغ:
[٤٤٣]
عَدَسْ ما لِعَبَّادٍ عليك إمَارَةٌ أَمِنْتِ، وهذا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ
_________________
(١) هذا البيت ليزيد بن مفرغ الحميري، وهو من شواهد ابن يعيش في شرح المفصل "ص٤٩٢" ورضي الدين في باب الموصول من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "٢/ ٥١٤" وابن هشام في مغني اللبيب "رقم ٧١٥" وفي أوضح المسالك "رقم ٥٥ في باب الموصول، وفي باب الحال" وفي شرح شذور الذهب "رقم ٦٩" وفي شرح قطر الندى "رقم ٣٣" والأشموني "رقم ١٠٤" وابن الناظم في باب الموصول من شرح الألفية، وشرحه العيني "١/ ٤٤٢" وعدس: اسم زجر للبغل ليسرع، قاله الجوهري = ١ انظر في هذه المسألة: شرحنا المطول على الأشموني "١/ ١٨٢ – ١٨٥" وشرح الأشموني بحاشية الصبان "١/ ١٥٦ بولاق" وتصريح الشيخ خالد الأزهري "١/ ١٦٥، ١٦٦" وشرح ابن يعيش على المفصل "ص٤٩٣" وشرح الرضي على الكافية "٢/ ٥٥".
[ ٢ / ٥٨٩ ]
يريد: والذي تحملين طَلِيق؛ فدلَّ على أن أسماء الإشارة تكون بمعنى الأسماء الموصولة.
عَدَسْ: زَجْر البغل، وهو ههنا اسم لبغلة ابن مُفَرِّغ، وعَبَّاد: اسم وَالي سجستان حينئذ، وكان قد حبسه ثم أطلقه، فركب البغلة وجلس ينشد هذا البيت. وكان الخليل يزعم أن "عدسا" كان رجلا عنيفًا بالبغال في أيام سليمان بن داود، فإذا قيل لها "عدس" انْزَعَجَتْ، وهذا ما لا يعرف في اللغة.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن الأصل في "هذا" وما
_________________
(١) = وغيره، ومنه قول بيهس بن صريم الجرمي: ألا ليت شعري هل أقولن لبغلتي: عدس، بعد ما طال السفار وكلت وهو مبني على السكون، وربما أعربه الشاعر إذا اضطر، وكما قال بشر بن سفيان الراسبي: فالله بيني وبين كل أخ يقول: أجذم، وقائل: عدسا وربما سموا البغل نفسه عدس، ومنه قول الراجز: إذا حملت بزتي على عدس على التي بين الحمار والفرس فلا أبالي من غزا ومن جلس وقوله في بيت الشاهد: "ما لعباد" أراد به عباد بن زياد والي سجستان في عهد معاوية بن أبي سفيان، وكان يزيد قد هجا عبادًا، ثم أخذه عبيد الله بن زياد أخو عباد فحبسه وعذبه وردّه إلى أخيه عباد، فلما بلغ معاوية ذلك أمر بإخلاء سبيله "إمارة" أي حكم وسلطان "طليق" حر لا يد لأحد عليه؛ لأنه قد أطلق سراحه. ومحل الاستشهاد من البيت قوله "وهذا تحملين طليق" فإن الكوفيين والفراء ينشدون هذا البيت للاستدلال به على أن "هذا" اسم موصول بمعنى الذي، وهو مبتدأ، وجملة "تحملين" لا محل لها من الإعراب صلة الموصول؛ وطليق: خبر المبتدأ، وكأنه قد قال: والذي تحملينه طليق، قال الفراء: "العرب قد تذهب بذا وهذا إلى معنى الذي؛ فيقولون: من ذا يقول ذلك، في معنى: من الذي يقول، وقال يزيد بن مفرغ: عدس ما لعباد البيت كأنه قال: والذي تحملين طليق" ا. هـ كلامه، ولم يمنعهم من اعتبار ذا موصولة اقتران ها التنبيه بها ولا عدم تقدم ما أو من الاستفهاميتين عليها، مع أن المثال الذي ذكر الفراء أن العرب تقوله قد تقدم فيه على ذا من الاستفهامية ولم يقترن بها فيه حرف التنبيه؛ وأنكر البصريون صحة الاستدلال بهذا البيت على ما ذهب إليه الفراء والكوفيون، ولهم في تخريج البيت ثلاثة تخريجات؛ الأول أن يكون هذا اسم إشارة مبتدأ، وخبره قوله طليق، وجملة تحملين في محل نصب حال من الضمير المستتر في طليق، وكأنه قد قال: وهذا طليق حال كونه محمولا عليك، والثاني: أن يكون هذا اسم إشارة مبتدأ خبره محذوف وجملة تحملين في محل رفع صفة لذلك الخبر المحذوف، وطليق خبر ثان، وكأنه قد قال: وهذا رجل تحملينه طليق، والثالث: أن يكون هذا اسم إشارة مبتدأ، وله نعت هو اسم موصول محذوف وجملة تحملين لا محل لها صلة، وطليق خبر المبتدأ، وكأنه قد قال: وهذا الذي تحملينه طليق.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
أشبهه من أسماء الإشارة أن تكون دالًّا على الإشارة، و"الذي" وسائر الأسماء الموصولة ليست في معناها؛ فينبغي أن لا يحمل عليها، وهذا تمسك بالأصل واستصحاب الحال، وهو من جمل الأدلة المذكورة، فمن ادَّعى أمرًا وراء ذلك بقي مُرْتَهَنًا بإقامة الدليل، ولا دليل لهم يدل على ما ادَّعوْهُ.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] فلا حجة لكم فيه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون "هؤلاء" باقيًا على أصله من كونه اسم إشارة، وليس بمعنى الذي كما زعتم، ويكون في موضع نصب على الاختصاص، والتقدير فيه "أعني هؤلاء" كما قال ﵇ "سلمان منا أهل البيت" فنصب "أهل" على الاختصاص، والتقدير فيه "أعني أهل البيت" وخبر أنتم: هؤلاء تقتلون١.
والوجه الثاني: أن يكون "هؤلاء" تأكيدا لأنتم، والخبر "تقتلون"، ثم هذا لا يستقيم على أصلكم، فإن "تقتلون" عندكم في موضع نصب؛ لأنه خبر التقريب، وخبر التقريب عندكم منصوب، كقولهم: "هذا زيد القائم" بالنصب، و"هذا زيد قائما" ولو كان صلة لما كان له موضع من الإعراب، وعندنا أنه يحتمل أن يكون في موضع نصب على الحال.
والوجه الثالث: أن يكون "هؤلاء" منادى مفردا، والتقدير فيه "ثم أنتم يا هؤلاء تقتلون" و"تقتلون" هو الخبر، ثم حذف حرف النداء كما قال تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩] وكما قال تعالى: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ [يوسف: ٤٦] وحذف حرف النداء كثير في كلامهم.
وهذا الذي ذكرناه هو الجواب عن احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ١٠٩] .
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ١٧] فلا حجة لهم فيه؛ لأن "تلك" معناها الإشارة وليست بمعنى التي، والتقدير فيه: أي شيء هذه بيمينك و"تلك" بمعنى هذه كما يكون "ذلك" بمعنى هذا، قال الله تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١، ٢] أي: هذا [٣٠٤] الكتاب، ثم قال الشاعر وهو خُفَافُ بن نَدْبَةَ:
[٤٤٤]
أقول له والرُّمْحُ يأَطِرُ مَتْنَهُ: تأمَّل خُفافًا؛ إنني أنا ذَلِكَا
_________________
(١) هذا البيت من كلام خفاف بن ندبة السلمي، وخفاف: بزنة غراب، وندبة: بفتح النون أو = ١ كذا، وأعتقد أن صواب العبارة "وخبر أنتم هو تقتلون" فتنبه.
[ ٢ / ٥٩١ ]
أي: هذا والجار والمجرور في قوله تعالى: ﴿بِيَمِينِكَ﴾ في موضع نصب على الحال كأنه قال: أي شيء هذه كائنة بيمينك.
وأما قول الشاعر:
[٤٤٣]
.. وهذا تحملين طليق
فلا حجة لهم فيه لأن "تحملين" في موضع الحال، كأنه قال: وهذا محمولًا طليق، ويحتمل أيضا أن يكون قد حذف الاسم الموصول للضرورة، ويكون التقدير: وهذا الذي تحملين طليق، وحذف الاسم الموصول يجوز في الضرورة، قال الشاعر:
٤٤٥-
لكم مَسٍْجِدَا اللهِ المَزُورَان والحَصَى لكم قِبْصُهُ من بين أَثْرَى وأقتَرَا
_________________
(١) = ضمها، وهي أمه، وأبوه عمير بن الحارث بن الشريد السلمي، وخفاف ابن عم الخنساء تماضر بنت عمرو بن الشريد، وهو يقول هذا البيت وقد قتل مالك بن حمار سيد بني شمخ بن فزارة، وقبله قوله: فإن تك خيلي قد أصيب عميدها فعمدا على عيني تيممت مالكا والبيت من شواهد رضي الدين في باب اسم الإشارة من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "٢/ ٤٧٠" وقد أنشده ابن دريد في الاشتقاق "ص٣٠٩ مصر" وأبو العباس المبرد في الكامل "٢/ ٢٨٥ الخيرية" وابن قتيبة في الشعراء "ص١٩٦ أوروبة" وأراد بالعميد الذي أصيب معاوية بن عمرو بن الشريد أخا الخنساء، وتيممت: قصدت، ومالك: هو مالك بن حمار سيد بني شمخ، ومحل الاستشهاد بهذا البيت قوله "أنا ذلكا" أي هذا، والإشارة فيه قد قصد بها تعظيم المشار إليه، أي أنا ذلك الفارس الذي ملأ سمعك ذكره، نزل بعد درجته ورفعة محله وعظيم منزلته منزلة بعد المسافة، ولهذا استعمل مع اسم الإشارة اللام التي للبعد، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ .
(٢) هذا البيت للكميت بن زيد، وقد أنشده ابن منظور "ق ب ص" ومسجدا الله: أراد بهما مسجد مكة ومسجد المدينة، زادهما الله تعالى شرفًا، وأراد بالحصى العدد العديد من البشر، كما ورد في قول الأعشى: ولست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثر والسر في ذلك أنهم كانوا يعدون بالحصى، والقبص -بكسر القاف وسكون الباء وآخره صاد مهملة- أصله مجتمع النمل الكبير الكثير، ثم أطلق على العدد الكثير من الناس. ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "من بين أثرى وأقترا" فإن هذا الكلام على تقدير اسم موصول قبل أثرى واسم موصول آخر قبل أقتر، وأصل الكلام من بين من أثرى ومن أقتر، فحذف الموصولين وأبقى صلتيهما، ولا يكون الكلام على تقدير موصول واحد، لأنه يلزم عليه أن يكون الذي أثرى هو نفس الذي أقتر أي افتقر وهو لا يريد ذلك، إنما يريد من بين جميع الناس مثريهم وفقيرهم، ونظير هذا البيت في حذف الموصول وبقاء صلته قول =
[ ٢ / ٥٩٢ ]
أراد مَنْ أثرى ومن أقتر، فحذف للضرورة، فكذلك ههنا.
على أنه يجوز عندكم حذف الاسم الموصول في غير ضرورة الشعر؛ ولهذا ذهبتم إلى أن التقدير في قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ﴾ [النساء: ٤٦] من يحرفون، فحذف "من" وهو الاسم الموصول، وكذلك ذهبتم إلى أن التقدير في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] أي: الذي يحمل أسفارا، وإذا جاز هذا عندكم في القرآن ففي ضرورة الشعر أولى؛ فلا يكون لهم فيه حجة، والله أعلم.
_________________
(١) = حسان بن ثابت الأنصاري ﵁: أمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء؟ التقدير: أمن يهجو رسول الله ومن يمدحه وينصره سواء؟ ولا يجوز أن تجعل جملة يمدحه وجملة ينصره معطوفتين على جملة يهجو رسول الله؛ لأنه يلزم عليه أن يكون الذي يهجوه والذي يمدحه واحدا، وهذا غير صحيح، ونظير ذلك قول الآخر: ما الذي دأبه احتياط وحزم وهواه أطاع يستويان التقدير: ما الذي دأبه احتياط وحزم والذي أطاع هواه، والقول في لزوم هذا التقدير كالقول الذي ذكرناه في بيت حسان. واعلم أن حذف الموصول وإبقاء صلته قد أجازه الكوفيون والأخفش، واتبعهم ابن مالك في بعض كتبه، واشترط في بعض كتبه لجواز هذا الحذف أن يكون لموصول المحذوف معطوفًا على موصول آخر، وسائر البصريين لا يقرّون ذلك، ويجعلون الحذف من ضرورات الشعر.
[ ٢ / ٥٩٣ ]
١٠٤- مسألة: [هل يكون للاسم المحلّى بأل صلة كصلة الموصول؟] ١
ذهب الكوفيين إلى أن الاسم الظاهر إذا كانت فيه الألف واللام وُصِلَ كما يوصل الذي. وذهب البصريون إلى أنه لا يوصل.
وأما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأنه قد جاء ذلك في كلامهم واستعمالهم، قال الشاعر:
[٤٤٦]
لعَمْرِي لأنت البيتُ أُكْرِمُ أَهْلَهُ وأَقْعُدُ في أَفْيَائِهِ بالأَصَائل
_________________
(١) هذا البيت من قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي أولها قوله: أساءلت رسم الدار أم لم تسائل عن السكن، أم عن عهده بالأوائل؟ "انظر ديوان الهذليين ١/ ١٣٩-١٤٥" والبيت من شواهد رضي الدين في باب الموصول من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "٢/ ٤٨٩" وأنشده المبرد في الكامل "٢/ ٥٧ الخيرية" وأكرم: مضارع أكرم، والأفياء: جمع فيء -بفتح فسكون- وهو الظل، وقوله "بالأصائل" الأصائل: جمع أصيل، وهو الوقت الذي قبل غروب الشمس. ومحل الاستشهاد من البيت قوله "لأنت البيت أكرم أهله" فإن الكوفيين يزعمون أن جملة "أكرم أهله" لا محل لها من الإعراب صلة للبيت، وعندهم أن الاسم الجامد المحلّى بأل مثل البيت والدار والفرس مثل الأسماء الموصولة كالتي والذي وفروعهما في الحاجة إلى الصلة. ويقول أبو رجاء عفا الله تعالى عنه: كأنهم أرادوا أن يجعلوا الجمل الواقعة بعد الاسم المحلّى بأل صفة لذلك الاسم، فمنعهم من ذلك أن الجمل نكرات والمحلّى بأل معرفة، فامتنعوا من جعل الجملة صفة لذلك، ورأوا أن هذه الجملة من تمام الاسم المحلّى بأل كما أن الجملة التي تقع صلة من تمام الاسم الموصول، فقالوا: إن هذه الجملة صلة، يريدون أنها من تمام الاسم المتقدم عليها. أما البصريون فينكرون ذلك ولا يرتضونه لعدة وجوه: = ١ انظر في هذه المسألة: شرح الرضي على الكافية "٢/ ٣٥، ٣٦".
[ ٢ / ٥٩٤ ]
فقوله: "لأنت" مبتدأ، و"البيت" خبرهُ و"أكرم" صلة الخبر الذي هو البيت، وهذا كثير في استعمالهم.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز ذلك لأن الاسم الظاهر يدل على معنى مخصوص في نفسه، وليس كالذي؛ لأنه لا يدل على معنى مخصوص إلا بصلة توضِّحُهُ؛ لأنه مبهم، وإذا لم يكن في معناه١ فلا يجوز أن يقام مُقَامه.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقوله:
[٤٤٦]
لعمري لأنت البيت أُكْرِمُ أَهْلَهُ
فلا حجة لهم فيه من وجهين:
أحدهما: أن يكون "البيت" خير المبتدأ الذي هو "أنت" و"أكرم" خبرا آخر، كما تقول: هذا حلو حامض، فحلو: خبر المبتدأ الذي هو هذا وحامض: خبر
_________________
(١) = الأول: أن الاسم المحلّى بأل يدل على معنى خاص في نفسه والاسم الموصول لا يدل على معنى خاص في نفسه، وإنما يدل على معنى مبهم، وهذا المعنى المبهم الذي يدل عليه الاسم الموصول يتضح وتظهر حقيقته بواسطة الصلة، وإذا كان الأمر كذلك لم يكن الاسم المحلّى بأل محتاجا إلى الصلة كحاجة الموصول إليها. والثاني: أن هذا المعنى الذي أرادوه من العبارة المذكورة لا ينحصر الطريق إليه في جعل الجملة صلة، بل يمكن الوصول إليه من غير الطريق الذي سلكوه، وقد ذكر العلماء لذلك طريقين: أحدهما أن تجعل "أنت" مبتدأ، و"البيت" خبرا أول، وجملة "أكرم أهله" في محل رفع خبر ثان، وعلى هذا تكون "ال" الداخلة على البيت لاستغراق الصفات، كالتي في قولهم: أنت الرجل، يريدون أنت الجامع لكل صفات الكمال التي في الرجال، وكأن الشاعر قد قال: أنت البيت الجامع لكل الصفات المحببة في البيوت، ثم أخبر عنه مرة أخرى بقوله "أكرم أهله" والطريق الثاني: أن يكون قوله البيت خبرا لأنت، وجملة "أكرم أهله" صفة للبيت، وعلي هذا تكون أل الداخلة على البيت جنسية، وقد علم أن الاسم المحلى بأل الجنسية قريب من النكرة، فيجوز أن تكون الجملة بعده صفات له، وذلك نظير ما قالوه في قول الشاعر: ولقد أمر على اللئيم يسبني فأمر ثم أقول لا يعنيني والوجه الثالث: سلمنا أن الطريق إلى المعنى الذي أرادوه منحصر في جعل جملة "أكرم أهله" صلة، لكن لا نسلم أن هذه الجملة صلة للبيت، ولم لا تكون صلة لموصول محذوف يقع صفة للبيت، وأنتم معشر الكوفيين تجيزون حذف الموصول وبقاء صلته، وكأن الشاعر قد قال: لأنت البيت الذي أكرم أهله إلخ. وفي هذا القدر كفاية. ١ يريد وإذ لم يكن الاسم المحلى بأل في معنى الموصول.
[ ٢ / ٥٩٥ ]
آخر، والمعنى أنه قد جمع الطَّعْمين، ونحوه قول الشاعر:
[٤٤٧]
من يَكُ ذا بتٍّ فهذا بتِّي مُصَيِّفٌ مُقَيِّظٌ مُشَتِّي
تَخِذْتُهُ من نَعَجَاتٍ سِتِّ سُودٍ جِعَادٍ من نِعَاجِ الدّشْتِ
فَبَتِّي: خبر المبتدأ الذي هو هذا، ومصيف: خبر ثان، ومقيظ: خبر ثالث، ومشتي: خبر رابع، وإذا جاز أن يكون له أَرْبَعَةُ أخبار جاز أن يكون له خَبَران.
والوجه الثاني: أن يكون "البيت" مبهمًا لا يدل على معهود، و"أكرم" وصفٌ له؛ فكأنه قال: لأنت بيتٌ أكرم أهله، كما يقال: إني لآمر بالرجل غيرك، ومثلك، وخير منك، فيكون "غيرك، ومثلك، وخير منك" -وهي نكرات- أوصافًا للرجل؛ لأنه لما كان مبهما لا يدل على معهود فكأنه قال "إني لآمر برجل غيرك، ومثلك، وخيرٍ منك" كما قال الشاعر:
[٢٠١]
ولقد جنيتك أَكْمُؤا وعَسَاقِلَا ولقد نهيتك عن بنات الأَوْبَرِ
_________________
(١) هذه أربعة أبيات من الرجز المشطور، وأولها وثانيها من شواهد سيبويه "١/ ٢٥٨" ولم يعزهما ولا عزاهما الأعلم إلى قائل معين، وأربعتها من شواهد ابن يعيش في شرح المفصل "ص١٢١" واستشهد بأولها وثانيها أيضا الأشموني "رقم ١٦٤" وابن عقيل "رقم ٥٨" وشرحه العيني "١/ ٥٦١ بهامش الخزانة" وتنسب أربعة الأبيات لرؤبة بن العجاج، ولكني لم أجدها في ديوان رجزه، ووجدتها في الزيادات المحلقة به والأول والثاني والثالث في اللسان "ب ت ت" من غير عزو، والثالث والرابع فيه "د ش ت" من غير عزو أيضا. والبت -بفتح الباء وتشديد التاء- هو هنا كساء من صوف، ويقال على ضرب من الطيالسة يسمى الساج يكون مربعًا غليظًا أخضر، وقوله "مقيظ مصيف مشتي" يريد أنه يكفيه في الأزمنة الثلاثة، والدشت -بفتح الدال وسكون الشين- الصحراء. ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "هذا بتي مقيظ مصيف مشتي" حيث أخبر عن المبتدأ الواحد -وهو اسم الإشارة- بأربعة أخبار، وجعل هذه الأربعة أخبارا لهذا المبتدأ المذكور في الكلام هو مذهب سيبويه، وكان شيخه الخليل لا يرى ذلك، بل كان يرى أنه إذا ورد ما ظاهره تعدد الخبر للمبتدأ الواحد نظر، فإن كانت هذه الأخبار مجتمعة تؤدي ما تؤديه الصفة الواحدة، ولا يجوز حذف بعضها وإبقاء بعضها الآخر نحو أن تقول: فلان أعسر أيسر، وأن تقول: الرمان حلو حامض، كان الاثنان أو الأكثر خبرين أو أخبارًا عن المبتدأ الواحد، وإلا يكن الأمر كذلك كان أحدها خبرا عن المبتدأ المذكور، وقدرت لكل واحد مما عداه مبتدأ آخر، فتقول: هذا بتي، هو مقيظ، هو مصيف، هو مشتي، ومن العلماء من أجاز تعدد الخبر للمبتدأ الواحد بشرط أن تكون الأخبار كلها متحدة في الإفراط أو الجملية، فاعرف هذا، وكن منه على ثبت.
[ ٢ / ٥٩٦ ]
أراد "بنات أوبر" وهي ضَرْبٌ من الكمأة، وقد جاء هذا النحو في كلامهم وأشعارهم.
ويحتمل أيضا أن يكون التقدير فيه: لأنت البيت الذي أكرم أهله، فحذف الاسم الموصول للضرورة، على ما بينا قبلُ.
وإذا كان يحتمل هذه الوجوه من الاحتمالات بطل الاحتجاج به؛ فلا يكون فيه حجة، والله أعلم.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
١٠٥- مسألة: [همزة بَيْنَ بَيْنَ متحركة أو ساكنة؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن همزة بَيْنَ بَيْنَ ساكنة. وذهب البصريون إلى أنها متحركة.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنها ساكنة أن همزة بَيْنَ بَيْنَ لا يجوز أن تقع مبتدأة، ولو كانت متحركة لجاز أن تقع مبتدأة، فلما امتنع الابتداء بها دلّ على أنها ساكنة؛ لأن الساكن لا يُبْتَدَأ به.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنها متحركة أنها تقع مخففة بَيْنَ بَيْنَ في الشعر وبعدها ساكن في الموضع الذي لو اجتمع فيه ساكنان لانكسر البيت كقول الأعشى:
[٤٤٨]
أَأَنْ رَأَتْ رجلا أعشى أَضَرَّ بِهِ رَيْبُ الزَّمَانِ ودَهْرٌ مُفْسِدٌ خَبِلُ
_________________
(١) هذا البيت هو البيت العشرون في رواية التبريزي والعاشر في رواية أبي العباس ثعلب من قصيدة الأعشى ميمون التي يعدها بعض العلماء من المعلقات "انظر شرح التبريزي ص٢٧٨ ط السلفية، وديوان الأعشى ص٤٢ ط فينا" والبيت من شواهد سيبويه "١/ ٤٧٦ و٢/ ١٦٧" وشواهد الرضي في باب الوقف من شرح الشافية، وشرحه البغدادي "ص٣٣٢" والأعشى: الذي لا يبصر بالليل، ويقابله الأجهر، وهو الذي لا يبصر بالنهار، والمنون: المنية أي الموت، وسميت منونا لأنها مقدرة على كل أحد، تقول: منى الله الشيء يمنيه -بوزن رمى يرمي- إذا قدره وهيأ أسبابه؛ وقيل: سميت منونا لأنها تنقص الأشياء: من منى الشيء يمنيه؛ إذا نقصه؛ وفيه لغة منه -بتشديد النون- ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم: ٣] أي غير منقوص، وعلى الأول هي فعول بمعنى مفعول، وعلى الثاني هي فعول بمعنى فاعل، والخبل -بفتح الخاء وكسر الباء- مأخوذ من الخبال وهو الفساد. ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "أأن" فقد = ١ انظر في هذه المسألة: شرح ابن يعيش على المفصل "ص١٣٠٨" وشرح الأشموني بحاشية الصبان "٤/ ٢٤٩-٢٥٣" وتصريح الشيخ خالد الأزهري "٢/ ٤٦٥-٤٦٨" وكتاب سيبويه "٢/ ١٦٣-١٧١".
[ ٢ / ٥٩٨ ]
فالنون ساكنة وقبلها همزة مخففة بَيْنَ بَيْنَ، فعلم أنها متحركة؛ لاستحالة التقاء الساكنين في هذا الموضع، وهذا لأن الهمزة إنما جعلت بَيْنَ بَيْنَ كراهية لاجتماع الهمزتين؛ لأنهم يستثقلون ذلك، ولم يأتِ اجتماع الهمزتين في شيء
_________________
(١) = التقى في هذه الكلمة همزتان أولاهما همزة الاستفهام والثانية همزة أن المصدرية؛ ولك أن تحقق الهمزتين فتأتي بهما على أصلهما فتقول "أأن" ولك أن تخفف الهمزة الثانية، وقد ذهب البصريون إلى أنك إذا خففت الثانية جئت بها متحركة وجعلتها حرفا بين الهمزة وحرف العلة؛ وقال الكوفيون: همزة بَيْنَ بَيْنَ ساكنة، ويرد عليهم مثل هذا البيت، ووجه الرد إلى أن النون بعد الهمزة الثانية ساكنة؛ فلو كانت الهمزة ساكنة أيضا لالتقى ساكنان على غير الحد الجائز، وذلك مما لا يجوز، وقد روي أن ورشًا قرأ في قوله تعالى: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ بقلب الهمزة الثانية ألفًا، وقد أنكر هذه القراءة الزمخشري وزعم أن ذلك لحن وخروج عن كلام العرب من وجهين: أحدهما أنه يلزم على هذه القراءة الجمع بين ساكنين على غير الحد الذي يجوز فيه التقاء الساكنين؛ والثاني أن طريق تخفيف همزة بَيْنَ بَيْنَ هو بالتسهيل لا بالقلب ألفًا؛ لأن القلب ألفًا هو طريق تخفيف الهمزة الساكنة، لكن هذا الكلام فيه إلزام الكوفيين بما لم يلتزموه؛ لأن هذا الذي قاله الزمخشري في رد قراءة ورش هو قواعد البصريين التي أصلوها وجعلوها معيارًا لأنفسهم؛ وقد قلنا مرارًا: إنه لا يجوز الردّ على قوم بمذهب غير مذهبهم؛ كما قلنا مرة أخرى: إن القراءة سنة متبعة؛ فليست خاضعة لما يراه فريق من النحاة؛ والكوفيون يجيزون التقاء الساكنين في مثل هذا الموضع، ولعلهم يلتزمون تحقيق الهمزتين في مثل هذا البيت. ونظيره قول الشاعر؛ وهو من شواهد ابن يعيش: أأن زم إجمال وفارق جيرة وصاح غراب البيت أنت حزين؟ ونظيره أيضا قول ذي الرمة غيلان: أأن ترسمت من خرقاء منزلة ماء الصبابة من عينيك مسجوم؟ ونظيره أيضا قول ابن هرمة: أأن تعنت على ساق مطوقة ورقاء تدعو هديلًا فوق أعواد؟ ونظيره قول مجنون بني عامر: أقول لظبي يرتعي وسط روضة: أأنت أخو ليلى؟ فقال: يقال ونظيره قول ذي الرمة "كامل المبرد ٢/ ١٦٨": أيا ظبية الوعساء بين جلاجل وبين النقا أأنت أم أم سالم؟ ونظيره قول الشاعر: أألخير الذي أنا أبتغيه أم الشر الذي لا يأتليني؟ ونظيره قول عمر بن أبي ربيعة: أألحق إن دار الرباب تباعدت أو انبت حبل أن قلبك طائر؟ ونظيره قول تميم بن أبي بن مقبل: أأم تميم إن تريني عدوكم وبيتي فقد أغنى الحبيب المصافيا
[ ٢ / ٥٩٩ ]
من كلامهم إلا في بيت واحد أنشده قُطْرُب:
[٤٤٩]
فإنك لا تدري متى الموت جائِيءٌ ولكنَّ أقصى مُدَّةِ الموتِ عاجلُ
_________________
(١) هذا البيت من شواهد الأشموني "رقم ٣٨" وروى صدره "لعمرك ما تدري متى الموت جائي" وحفظي في عجزه "أقصى مدة العمر" و"لعمرك" -بفتح العين هنا وسكون الميم- اللام فيه لتوكيد الابتداء، والخبر محذوف وجوبًا، أي لعمرك قسمي، أو لعمرك ما أقسم به، وإذا لم تدخل عليه اللام نصبته نصب المصادر، كما قال عمر بن أبي ربيعة: أيها المنكح الثريا سهيلًا عمرك الله كيف يلتقيان؟ و"تدري" أي تعلم، و"عاجل" قريب. ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "جائئ" واعلم أولا أن هذه الكلمة تروى بهمزتين وتروى بهمزة فياء متحركة بحركة الإعراب وهي الضمة، واعلم ثانيًا أن الأصل الأصيل في هذه الكلمة "جايئ" بياء ثم همزة، لأنه اسم الفاعل من جاء يجيء مثل باع يبيع، فانقلبت ياؤه همزة لوقوعها عين اسم فاعل فعل أعلت فيه، أو لكونها بعد ألف زائدة، فصار "جائئ" بهمزتين والقياس في مثل ذلك أن تقلب الهمزة المتطرفة ياء لكونها ثانية همزتين في موقع اللام من الكلمة فيقال "جائي" والنحاة يروونه على هذه الصورة ويحرّكون الياء بالضمة، ويقولون: إن الشاعر عامل حرف العلة معاملة الحرف الصحيح، وبعبارة أخرى: إن الشاعر عاود الأصل المهجور، ورجع إليه، وترك الفرع الذي صار إليه العمل -وهو تقدير الضمة والكسرة على الياء أو الواو لثقل كل من الضمة والكسرة على كل من الواو والياء- وهذا الرجوع ضرورة من ضرورات الشعر، ونظيره قول جرير بن عطية يهجو الفرزدق: وعرق الفرزدق شر العروق خبيث الثرى كأبي الأزند فقد جاء بقوله "كأبي" مرفوعًا، وعامل الياء معاملة الحرف الصحيح فلم يقدر عليها الضمة، ونظيره قول الآخر: تراه -وقد بد الرماة- كأنه أمام الكلاب عنهم مصغي الخد الرواية برفع "مصغي" بضمة ظاهرة على الياء على أنه خبر "كأن". ونظيره قول القطامي: ما للعذارى؟ ودعن الحياة كما ودعنني، واتخذن الشيب ميعادي محل الاستشهاد قوله "ما للعذارى" فقد جاء بكسر الياء، والكسرة أخت الضمة كما قلنا، ونظير ذلك في الفعل قول الشاعر: إذا قلت علّ القلب يسلو قيضت هواجس لا تنفك تغريه بالوجد الشاهد فيه قوله "يسلو" فقد جاء الشاعر بهذا الفعل مرفوعا بضمة ظاهرة على الواو، ومثله قول الآخر: فقمت إلى عنز بقية أعنز فأذبحها، فعل امرئ غير نادم فعوضني منها غناي ولم تكن تساوي عندي غير خمس دراهم الشاهد في قوله "تساوي" حيث جاء الشاعر بهذا الفعل مرفوعا بالضمة الظاهرة ولم يبالِ بأن الضمة ثقيلة على الياء، من قبل أن الأصل الأصيل هو أن تظهر حركات الإعراب على الحروف متى أمكن أن تظهر عليها. =
[ ٢ / ٦٠٠ ]
ولهذا لم يأتِ في كلامهم ما عينُهُ همزة ولامُهُ همزةٌ كما جاء ذلك في الياء والواو نحو "حيَّة، وقوَّة" وكذلك الحروف الصحيحة نحو "طَلَل، وشَرَر" وما أشبه ذلك؛ فلما كانوا يستثقلون اجتماع الهمزتين قربوا هذه الهمزة من حرف العلة، وذلك لا يوجب خروجَهَا عن أصلها من كل وجه، ولا سَلْبَ حركتها عنها بالكلية.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم: "إنه لا يجوز أن تقع مبتدأة" قلنا: إنما لم يجز أن تقع مبتدأة لأنها إذا جعلت بَيْنَ بَيْنَ اخْتُلِسَتْ حركتها وقربت من الساكن، والابتداء إنما يكون بما تمكنت فيه حركته، وإذا جعلت بَيْنَ بَيْنَ فقد زال ذلك التمكن وقربت من الساكن، وكما لا يجوز الابتداء بالساكن فكذلك لا يجوز الابتداء بما قرب منه.
ألا ترى أنهم لم يخرموا مُتَفَاعلن من الكامل -وهو حذف الحرف الأول- كما خرموا فَعُولُن؛ لأجل أن متفاعلن يسكن ثانيه إذا أضمر، والإضمار إسكان الثاني، فكان يبقى متفاعلن فينقل إلى مستفعلن، فلو خرموه في أول البيت لأدّى ذلك إلى الابتداء بالساكن في حال؛ فجرى خَرْمه مجرى خَرْم مستفعلن؛ فلما كان يفضي إلى الابتداء بالساكن رفضوه، فكذلك ههنا: لما قربت من الساكن بجعلها بَيْنَ بَيْنَ رفضوا الابتداء بها.
وحكي عن أبي علي الفارسيّ أنه سئل عن الخرم في متفاعلن في حال شبابه، ولم يكن عنده حينئذ مذهب أهل العروض، فأجاب بهذا الجواب، وقال: لايجوز؛ لأنه يؤدّي إلى الابتداء بالساكن من الوجه الذي بيّنّاه، والله أعلم.
_________________
(١) = نقول: إن كل النحاة يرون في بيت الشاهد" متى الموت جائي" بالياء مرفوعة بالضمة الظاهرة -على أن الشاعر ارتكب الضرورة، والضرورة هي معاودة الأصول المهجورة رغبة في إقامة وزن أو نحوه، ولكن قطرب بن المستنير روى هذه الكلمة "متى الموت جائئ" بهمزتين؛ ليفرّ من هذه الضرورة، وفاته أنه وقع في ضرورة أخرى وذلك لأن الهمزتين المتطرفتين إذا تحركتا وانكسرت أولاهما وجب قلب الثانية ياء، وذلك لأن آخر الكلمة يعرض التسكين للوقف، فتكون الثانية كأنها متطرفة ساكنة إثر أخرى مكسورة، فبقاء الهمزتين ليس هو المستعمل في العربية، فيكون ضرورة، فيصدق عليه المثل "هرب من المطر فوقف تحت ميزاب".
[ ٢ / ٦٠١ ]
١٠٦- مسألة: [هل يُوقَفُ بنقل الحركة على المنصوب المحلَّى بأل الساكن ما قبل آخره؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز أن يقال في الوقف "رأيت البَكَرْ" بفتح الكاف في حال النصب.
وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز.
وأجمعوا على أنه يجوز أن يقال في حالة الرفع والجر بالضم والكسر؛ فيقال في الرفع "هذا البكُرْ" بالضم، وفي الجر "مرت بالبكِرْ" بالكسر.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: أجمعنا على أنه إنما جاز هذا في المرفوع والمخفوض نحو "هذا البكر، ومررت بالبكر" ليزول اجتماع الساكنين في حال الوقف، وأنهم اختاروا الضمة في المرفوع والكسرة في المخفوض لأنها الحركة التي كانت للكلمة في حالة الوصل؛ فكانت أولى من غيرها، كما قال الشاعر:
[٤٥٠]
أنا ابْنُ مَاوِيَّةَ إذ جَدَّ الَّنقُزْ
_________________
(١) هذا بيت من الرجز المشطور، وبعده: وجاءت الخيل أثافي زمر وهو من شواهد سيبويه "٢/ ٢٨٤" ونسبه لبعض السعديين من غير تعيين. ولم يزد الأعلم في نسبته إلى قائله على ما ذكره سيبويه، وجزم الجوهري بأنه لعبد الله بن ماوية الطائي، وذكر ذلك ابن السيد على سبيل الظن، ونسبه الصاغاني إلى فدكي بن عبد الله المنقري "انظر لسان العرب ن ق ر" وقد استشهد به ابن هشام في أوضح المسالك "رقم ٥٥٥". والنقر: أصله -بفتح النون وسكون القاف- قال ابن سيده ومعناه أن تلزق طرف لسانك بحنكك وتفتح ثم تصوت، وقيل: هو اضطراب اللسان في الفم إلى فوق وإلى أسفل، وقد نقر بالدابة نقرًا، إذا صوّت، وقال الأعلم: "النقر صويت يسكن به الفرس عند احتمائه وشدة حركته. يقول: أنا الشجاع البطل إذا = ١ انظر في هذه المسألة: تصريح الشيخ خالد الأزهري "٢/ ٤٢٧" وشرح الأشموني بحاشية الصبان "٤/ ١٧٧ وما بعدها" وشرح المفصل لابن يعيش "ص١٢٧٢ وما بعدها".
[ ٢ / ٦٠٢ ]
وكما قال الآخر:
[٤٥١]
أنا جريرٌ كُنْيَتِي أَبُو عَمِرْ أَضْرِبُ بالسَّيْفِ وسَعْدٌ في القَصِرْ
أجُبُنًا وغَيرَة خَلْفَ السِّتِرْ
وقال الآخر:
[٤٥٢]
أَرَتْنِي حِجْلًا على سَاقِهَا فَهَشَّ الفُؤَادُ لِذَاكَ الحِجِلْ
فقلت ولم أُخْفِ عن صَاحِبِي: ألا بِأبِي أَصْلُ تلك الرِّجِل
_________________
(١) = احتمت الخيل عند اشتداد الحرب" ا. هـ ومحل الاستشهاد بالبيت قوله "النقر" فإن أصله ساكن القاف متحرك الراء بحركة الإعراب -وهي الضمة هنا- ولكن الشاعر حين أراد الوقف نقل الضمة من الراء إلى القاف الساكنة قبلها، قال الأعلم "الشاهد فيه إلقاء حركة الراء على القاف للوقف" ا. هـ. تحفزها الأوتار والأيدي الشعر والنبل ستون كأنها الجمر الشاهد في قوله "الشعر" وقوله "الجمر" فإن أصل الكلمة الأولى -بضم الشين وسكون العين وضم الراء- فلما أراد الوقف نقل ضمة الراء إلى العين الساكنة قبلها، وأصل الثانية -بفتح الجيم وسكون الميم وضم الراء- فنقل الشاعر عند الوقف ضمة الراء الإعرابية إلى الميم الساكنة قبلها.
(٢) محل الاستشهاد من هذه الأبيات قوله "عمر" وقوله "القصر" وقوله "الستر" فإن أصل الكلمة الأولى بفتح العين وسكون الميم وكسر الراء، فنقل حركة الراء الإعرابية إلى الميم الساكنة قبلها للوقف، وأصل الثانية بفتح القاف وبسكون الصاد وهاتان حركة وسكون البنية، وبكسر الراء وهذه حركة إعراب، فلما أراد الراجز الوقف نقل حركة الراء إلى الصاد الساكنة قبلها، فصار هذا وما قبله كالكتف ونحوه، وأما الكلمة الثالثة فأصلها بكسر السين وسكون التاء، وهاتان حركة وسكون البنية، وبكسر الراء وهذه حركة الإعراب، فلما أراد الوقف نقل كسرة الراء إلى التاء الساكنة فصار بزنة الإبل والبلز ونحوهما.
(٣) هذان بيتان من المتقارب، وهما من شواهد ابن يعيش في شرح المفصل "ص١٢٧٢" وابن منظور "ر ج ل"، والحجل -بكسر الحاء وسكون الجيم، وحكى قوم فتح الحاء مع سكون الجيم أيضًا- هو الخلخال، وهو حلية تلبسها المرأة في رجليها وقالوا لحلقتي القيد حجلًا، وقالوا: هذا فرس محجل، إذا كان في قوائمه بياض، على التشبيه. ومحل الاستشهاد من البيتين قوله: "الحجل" في البيت الأول، وقوله: "الرجل" في البيت الثاني، فإن أصل الكلمة الأولى بكسر الحاء وسكون الجيم كما قلنا، وهاتان حركة وسكون البنية، وبكسر اللام وهذه حركة الإعراب التي يقتضيها العامل، فلما أراد الشاعر الوقف نقل كسرة اللام إلى الجيم الساكنة قبلها فصارت بزنة الإبل والإبد والبلز ونحوهن، وكذلك الكلمة الثانية، قال ابن منظور "أراد الرجل والحجل فألقى حركة اللام على الجيم، وليس هذا وضعًا؛ لأن فعلًا لم يأت إلا في قولهم إبل وإطل" ا. هـ، يريد أن كسرة الجيم ليست من أصل البنية التي وضعت الكلمتان عليها؛ لأن فعلًا بسكر الفاء والعين جميعًا لم يرد إلا في كلمات قليلة محفوظة، وليس هاتان الكلمتان من بين ما حفظه العلماء منها.
[ ٢ / ٦٠٣ ]
وقال الآخر:
[٤٥٣]
عَلَّمَنَا إِخْوَانُنَا بَنُو عِجِلْ شُرْبَ النبيذ واصْطِفَافًا بالرِّجِلْ
وإذا ثبت هذا في المرفوع والمخفوض، فكذلك أيضا في المنصوب؛ لأن الكاف في قولك "رأيت البكر" في حالة النصب ساكنة كما هي ساكنة في قولك: "هذا البكر، ومررت بالبكر" في حالة الرفع والخفض، فكما حركت الكاف في المرفوع والمخفوض ليزول اجتماع الساكنين، فكذلك ينبغي أيضا في المنصوب ليزول اجتماع الساكنين، وكما أنهم اختاروا الضمة في المرفوع والكسرة في المخفوض لأنها الحركة التي كانت للكلمة في حالة الوصل، فكذلك يجب أيضا أن يختاروا الفتحة في المنصوب؛ لأنها
_________________
(١) هذان بيتان من الرجز المشطور، وقد أنشدهما ابن منظور "ع ج ل" وأبو زيد في النوادر "ص٣٠" من غير عزو، وعجل: قبيلة من ربيعة، وهم بنو عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، وهو في الأصل بكسر العين وسكون الجيم. ومحل الاستشهاد قوله: "عجل" وقوله: "بالرجل" فإن أصل الكلمة الأولى -كما ذكرنا لك- بكسر العين وسكون الجيم، وهاتان حركة وسكون البنية التي وضعت الكلمة عليها، وبكسر اللام، وهذه حركة الإعراب التي يقتضيها العامل. إلا أن الراجز حين أراد الوقف نقل حركة اللام إلى الجيم الساكنة قبلها، وكذلك فعل بالكلمة الثانية، قال ابن منظور "إنما حرك الجيم فيهما ضرورة، لأنه يجوز تحريك الساكن في القافية بحركة ما قبلها، كما قال عبد مناف بن ربيع الهذلي: إذا تجاوب نوح قامتا معه ضربا أليما بسبت يلعج الجلدا ا. هـ كلامه بحروفه. قال أبو رجاء، عفا الله عنه: وفي قول ابن منظور الذي سمعته مأخذان ما كان يصح أن يقع فيهما على جلالة قدره، الأول: أنه جعل تحريك الجيم ههنا ضرورة، وكلام النحاة صريح في أن الوقف بنقل حركة الإعراب إلى الساكن قبله مما يقولونه في الكلام عند الوقف، إلا أن تكون حركة الإعراب الفتحة فهذه موضع الخلاف بين البصريين والكوفيين، قال سيبويه "هذا باب الساكن الذي يكون قبل آخر الحروف فيحرك لكراهيتهم التقاء الساكنين، وذلك قول بعض العرب: هذا بكر، ومن بكر، ولم يقولوا رأيت البكر، لأنه في موضع التنوين، وقد يلحق ما يبين حركته، والمجرور والمرفوع لا يلحقهما ذلك في كلامهم، ومن ثم قال الراجز: أنا ابن ماوية إذا جد النقر ا. هـ كلامه. والثاني أنه جعل بيت عبد مناف بن ربع الهذلي نظير بيت الشاهد وهما متغايران، كل واحد منهما عكس صاحبه، ألا ترى أن بيت الشاهد فيه نقل حركة الحرف الآخر إلى الذي قبله، وبيت الهذلي في تحريك الحرف الذي قبل آخر حروف الكلمة حركة إتباع للحرف الذي قبله، ولم تنقل فيه حركة من حرف إلى حرف؟ وقد أنشد أبو زيد بيت عبد مناف المذكور في نوادره "ص٣٠" ثم قال بعد إنشاده "يريد الجلد أي بكسر الجيم وسكون اللام فأتبع الكسرة الكسرة" ا. هـ، وهو كلام دقيق، فتنبه لذلك، والله المسؤول أن يعصمك ويسددك.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
الحركة التي كانت للكلمة في حالة الوصل، ولا فرق بينهما.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز ذلك؛ لأن أول أحوال الكلمة التنكير، ويجب فيها في حال النصب أن يقال "بَكْرَا" فلا يجوز أن تحرك العين؛ إذ لا يلتقي فيه ساكنان كما يلتقي في حال الرفع والجر، نحو "هذا بَكْرْ، ومررت ببَكْرْ" فلما امتنع في حال النصب تحريك العين في حال التنكير دون حالة الجر والرفع تبعه حال التعريف؛ لأن اللام١ لا تلزم الكلمة في جميع أحوالها؛ فلذلك روعي الحكم الواجب في حال التنكير.
والذي أذهب إليه في هذه المسألة ما ذهب إليه الكوفيون.
وأما الجواب عن كلمات البصريين: أما قولهم "إن أول أحوال الكلمة التنكير، فلما امتنع معه في حال النصب تحريك العين تبعه حال التعريف بلام التعريف لأنها لا تلزم الكلمة" قلنا: هذا فاسد؛ لأن حمل الاسم في حالة التعريف بلام التعريف على حالة التنكير لا يستقيم؛ لأنه في حال التنكير في النصب يجب تحريك الراء فيه، فلا يجوز تحريك العين لعدم التقاء الساكنين، بخلاف ما إذا كانت فيه لام التعريف؛ فإنه لا يجب تحريك الراء فيه، بل تكون ساكنة فيه كما هي ساكنة في حال الرفع والجر، فكما تحرك الكاف في حالة الرفع بالضم وفي حالة الجر بالكسر؛ فكذلك يجب أن تحرك في حالة النصب بالفتح.
وإنما يستقيم ما ذكره البصريون أن لو كان الوقف يوجب فيما دخله لام التعريف أن يكون الوقف عليه بالألف فيقال "رأيت البكرا" كما يقال: "أريت بكرا" فلما لم يقل ذلك لدخول لام التعريف دلَّ على أن الفرق بينهما ظاهر؛ فلا يجوز أن يحمل أحدهما على الآخر. على أن من العرب من يقف عليه مع التنكير في حال النصب بالسكون فيقول: "ضربت بكر، وأكرمت عمرو٢" وإن كانت اللغة العالية الفصيحة أن يُوقَفَ عليه بالألف٣، غير أن العرب وإن اختلفوا في الجملة في حال التنكير هل يوقف فيه بالألف أو السكون فما اختلفوا البتة في حال التعريف باللام أنه لا يجوز الوقف عليه بالألف.
والذي يدل على ذلك أن الألف لا تكاد تقع في هذا النحو في القوافي وصلًا إلا قليلًا؛ فدل على ما بيناه، والله أعلم.
_________________
(١) ١ المراد باللام حرف التعريف. ٢ هذه لغة ربيعة، يقفون على المنصوب المنون بالسكون كما يقف عامة العرب على المرفوع والمخفوض المنونين، وكما يقفون هم وغيرهم على ذي الألف واللام. ٣ في ر "أن يقف عليه بالألف".
[ ٢ / ٦٠٥ ]
١٠٧- مسألة: [القول في أصل حركة همزة الوصل] ١
ذهب الكوفيون إلى أن الأصل في حركة همزة الوصل أن تتبع حركة عين الفعل؛ فتكسر في "اضْرِبْ" إتباعًا لكسرة العين، وتضم في "ادْخُلْ" إتباعًا لضمة العين، وذهب بعضهم إلى أن الأصل في همزة الوصل أن تكون ساكنةً، وإنما تحرك لالتقاء الساكنين. وذهب البصريون إلى أن الأصل في همزة الوصل أن تكون متحركة مكسورة، وإنما تضم في "ادخل" ونحوه لئلا يُخْرَج من كسر إلى ضم؛ لأن ذلك مستثقل، ولهذا ليس في كلامهم شيء على وزن فِعُلٍ بكسر الفاء وضم العين.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأنه لما وجب أن يزيدوا حرفًا لئلا يبتدأ بالساكن ووجب أن يكون الحرف الزائد متحركًا وجب أن تكون حركته تابعة لعين الفعل طلبًا للمجانسة؛ لأنهم يتوخَّون ذلك في كلامهم، ألا ترى أنهم قالوا "مُنْتُن" فضموا التاء إتباعا لضمة الميم، وإن كان الأصل في التاء أن تكون مكسورة؛ لأنه من أَنْتَنَ فهو مُنْتِنٌ، كما تقول: أجمل فهو مجمل، وأحسن فهو محسن، إلا أنهم ضموها للإتباع، وكذلك قالوا فيها أيضا "منتن" فكسروا الميم إتباعا لكسرة التاء، وكذلك قالوا "المغيرة" فكسروا الميم إتباعا لكسرة الغين، وإن كان الأصل أن تكون مضمومة؛ لأنه من أغار على العدو إغارة، وكذلك قالوا "يُسْرُوع" فضموا الياء إتباعا لضمة الراء، واليسروع: دابة حمراء تكون في الرمل، وكذلك قالوا "الأسود بن يُعْفُر" فضموا الياء إتباعا لضمة الفاء، وإن كان الأصل هو الفتح؛ لأنه ليس في الكلام على وزن يُفْعُول بالضم، وكذلك قالوا "هو أخوك لإمك" بكسر الهمزة إتباعا لكسرة اللام، قال
_________________
(١) ١ انظر في هذه المسألة: شرح المفصل لابن يعيش "ص١٣٣٢" وشرح الأشموني بحاشية الصبان "٤/ ٢٣٣ وما بعدها" وتصريح الشيخ خالد "٢/ ٤٥٦ وما بعدها".
[ ٢ / ٦٠٦ ]
الله تعالى: ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] في قراءة من قرأ بكسر الهمزة، وهما حمزة الزيات والكسائي، وهما من سادات القَرَأَة السبعة، وعلى ذلك قراءة الحسن: "الْحَمْدِ لِلَّه" [الفاتحة: ٢] بكسر الدال، وقراءة ابن أبي عَبْلة: "الْحَمْدُ لِلَّه" [الفاتحة: ٢] بضم اللام، وإذا كانوا كسروا ما يجب بالقياس ضمه وضموا ما يجب بالقياس كسره للإتباع طلبًا للمجانسة فلأن يضموا هذه الهمزة أو يكسروها للإتباع ولم يجب لها حركة مخصوصة كان ذلك من طريق الأولى.
وأما من ذهب إلى أن الأصل فيها أن تكون ساكنة فقال: أجمعنا على أن همزة الوصل زيادة على بناء الكلمة، وإذا كانت زيادة كان تقديرها ساكنة أولى من تقديرها متحركة، وذلك لأنا إذا قدرناها ساكنة كان زيادة حرف واحد مجرد عن شيء آخر، والزيادة كما كانت أقلَّ كانت أولى، ثم يجب تحريك الهمزة لالتقاء الساكنين؛ فلا يؤدّي إلى الابتداء بالساكن.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن الأصل فيها الحركة وهو الكسر، وذلك لأن المقصود بزيادة الهمزة أن نلفظ بفاء الفعل ساكنة في حال الابتداء؛ لأنه لو لم نزد الهمزة لتحركت فاء الفعل الساكنة في حال الابتداء؛ لأن الابتداء بالساكن محال، فإذا كانوا قد زادوا الهمزة لئلا يبتدأ بالساكن، ولهذا لم يزيدوها فيما تحركت فاؤه؛ فينبغي أن تزاد متحركة لا ساكنة؛ لأنه من المحال أن تقصد إلى حرف ساكن وأنت تقصد التخلص من الساكن.
وإنما وجب أن تكون حركتها الكسرة لأنها زيدت على حرف ساكن فكان الكسر أولى بها من غيره؛ لأن مصاحبتها للساكن أكثر من غيره، ألا ترى أنه الأكثر في التقاء الساكنين؟ فحركت بالكسر تشبيها بحركة الساكن إذا لقيه ساكن؛ لأن الهمزة إنما جيء بها توصُّلًا إلى النطق بالساكن، كما أن الساكن إنما حرك توصُّلًا إلى النطق بالساكن الآخر.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إنه لما وجب أن يكون الحرف الزائد متحركًا وجب أن تكون حركته تابعة لحركة العين، طلبًا للمجانسة" قلنا: التحريك للإتباع ليس قياسًا مطردًا، وإنما جاء ذلك في بعض المواضع في ألفاظ معدودة قليلة جدا، وذلك الإتباع على طريق الجواز، لا على طريق الوجوب، ألا ترى أنه يجوز أن يقال في منتن بضم التاء "منتن" بالكسر فيؤتى به على الأصل، وأما قولهم "منتن" بكسر الميم فيحتمل أن يكون من نَتُنَ؛ لأنه يقال "نَتُنَ الشيء، وأنتن" لغتان؛ فلا يكون الكسر للإتباع. وكذلك قولهم: "المِغِيرة"
[ ٢ / ٦٠٧ ]
يجوز أن يؤتى به على الأصل فيقال فيه "المغير" بالضم. ويحتمل أن يكون من "غار أهله يغيرهم غيرًا" إذا مَارَهُم، وكذلك يجوز أن يقال في يُسروع بالضم "يَسروع" بالفتح على الأصل، وقد قالوا إنه أسروع١ أيضا، وكذلك يجوز أن يقال في "يُعْفُر" بالضم "يَعْفُر" بالفتح على الأصل، وكذلك يجوز أن يقال في قولهم هو أخوك لأمك بالكسر "هو أخوك لأمك" بالضم على الأصل، وأما قراءة من قرأ: "الْحَمْدِ لِلَّه" [الفاتحة: ٢] بكسر الداد وقراءة من قرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّه﴾ [الفاتحة: ٢] بضم اللام فهما قراءتان شاذتان في الاستعمال ضعيفتان في القياس: أما شذوذهما في الاستعمال فظاهر، وأما ضعفهما في القياس فظاهر أيضا: أما كسر الدال فإنما كان ضعيفا لأنه يؤدّي إلى إبطال الإعراب، وذلك لا يجوز، وأما ضم اللام فإنما كان ممتنعا لأن الإتباع لما كان في الكلمة الواحدة قليلًا ضعيفًا كان مع الكلمتين ممتنعا البتة؛ لأن المنفصل لا يلزم لزوم المتصل، فإذا كان في المتصل ضعيفا امتنع في المنفصل البتة، لأنه ليس بعد الضعف إلا امتناع الجواز؛ لأن حركة الإعراب لا تلزم؛ فلا يكون لأجلها إتباع، وإذا كان الإتباع في كلامهم بهذه المثابة دلَّ على أنه ليس الأصل في حركة همزة الوصل أن تتبع حركَةَ العين.
والذي يدل على أن حركتها ليست إتباعا لحركة العين في نحو "اضرب، وادخل" أنه لو كان الأمر كذلك لكان ينبغي أن يقال في ذهب يذهب "اذهب" بفتح الهمزة؛ لأن عين الفعل منه مفتوحة، فلما لم يجز ذلك وقيلت بالكسر علم أن أصلها أن تكون متحركة بالكسر، وإنما ضمت في "ادخل" ونحوه لئلا يخرجوا من كسر إلى ضم لأنه مستثقل، ولم يفعلوا ذلك في "اذهب" لأن الخروج من كسر إلى فتح غير مستثقل؛ فجيء بها على الأصل وهو الكسر.
وأما قول من قال "إن الأصل فيها أن تكون ساكنة؛ لأن همزة الوصل زائدة، وإذا كانت زائدة كان تقديرها ساكنة أولى من تقديرها متحركة؛ لأن الزيادة كلما كانت أقل كانت أولى" قلنا: الكلام على هذا من وجهين.
أحدهما: القاصد للفظ بالساكن إذا قدَّر اجتلاب حرف ساكن -مع علمه بأنه لا يلفظ به- كان تقديره محالا، ولو جاز أن يقال ذلك لجاز أن يقال: إن الاسم يوضع أولا على سكون الأول ثم يتحرك؛ لأن الابتداء بالساكن محال، ثم يلزمه على هذا أن لا يثبت حركة في لفظ إلا لضرورة، وأن يسكن كل حرف
_________________
(١) ١ وقد جاء جمعه في قول امرئ القيس: وتعطو برخص غير شئن كأنه أساريع ضبي أو مساويك إسحل
[ ٢ / ٦٠٨ ]
في أول كل كلمة إذا لم يبتدأ به، ولا خلاف أن مثل هذا لا يرتكبه أحد.
والوجه الثاني: أن الهمزة إذا زيدت ساكنة ثم تحركت لالتقاء الساكنين لم تكن جاءت لأجل اللفظ بالساكن؛ فكان حكمها حكم ما يبنى عليه؛ إذ لو زيدت ساكنة لئلا يبتدأ بالساكن لكان تقدير السكون فيها محالًا؛ لما فيه من العَوْد إلى عين ما يُفَر منه، وكان يلزم على مقتضى هذا القول أن لا يجوز حذفها بحالٍ، وأن يقال "يا زيدُ اضرب ويا عمرُو ادخل" بإثبات الهمزة، وذلك لا يجوز، والله أعلم.
[ ٢ / ٦٠٩ ]
١٠٨- مسألة: [هل يجوز نقل حركة همزة الوصل إلى الساكن قبلها؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز نقل حركة همزة الوصل إلى الساكن قبلها.
وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز.
وأجمعوا على أنه يجوز نقل حركة همزة القطع إلى الساكن قبلها كقولهم "مَنْ ابُوكَ، وكم ابِلُكَ".
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على ذلك: النقل، والقياس.
أما النقل فقد قال الله تعالى: ﴿الم، اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١-٢] فنقل فتحة الهمزة: "اللَّهُ" إلى الميم قبلها، وحكى الكسائي قال: قرأ عليَّ بعض العرب سورة ﴿ق﴾ فقال: "مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبًا الذي" [ق: ٢٥] بفتح التنوين؛ لأنه نقل فتحة همزة "الَّذِي" إلى التنوين قبلها، وحكي أيضا عن بعض العرب "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ" [الفاتحة: ١-٢] بفتح الميم؛ لأنه نقل فتحة همزة: "الْحَمْدُ" إلى الميم قبلها، وقرأ أبو جعفر يزيد بن القَعْقَاع المدني وهو من سادات أئمة القراء وهو أحد القَرَأَة العشرة: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ [البقرة: ٣٤] فنقل ضمة همزة "اسْجُدُوا" إلى التاء قبلها؛ فدلّ على جوازه.
وأما القياس فلأنها همزة متحركة؛ فجاز أن تنقل حركتها إلى الساكن قبلها كهمزة القطع في قولهم "من ابُوكَ، وكم ابِلُكَ" وما أشبه ذلك.
والذي يدلّ على صحة ما ذكرناه أنهم يقولون "وَاحِدِ اثنانْ" فيكسرون الدال من "وَاحِد" وأجمعنا وإياكم على أن كسرة الدال إنما كانت لإلقاء حركة همزة "اثنانِ" عليها لالتقاء الساكنين، ولا خلاف أن همزة "اثنانِ" همزة وصل، فدلَّ على صحة ما ذكرناه،
_________________
(١) ١ انظر في هذه المسألة: شرح المفصل لابن يعيش "ص١٣٢٠ – ١٣٢٣".
[ ٢ / ٦١٠ ]
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز ذلك لأن الهمزة إنما يجوز أن تنقل حركتها إذا ثبتت في الوصل نحو: "مَنَ ابوك" في "مَنْ ابوك" و"كَمِ ابِلُكَ" في "كَمْ إِبلكَ" فأما همزة الوصل فتسقط في الوصل؛ فلا يصح أن يقال إن حركتها تنقل إلى ما قبلها؛ لأن نقل حركة معدومة لا يتصور، ولو جاز أن يقال إن حركتها تنقل لكان يجب أن يثبتها في الوصل فيقول: قال ألرّجُل، وذهب ألغلام، حتى يجوز له أن يقدر نقل حركتها، ولو جاز ذلك لجاز أن يقال: "أخذت عن ألرجل" بسكون النون وقطع الهمزة وبفتح النون على نقل الحركة كما يقال: "من أبوكَ، ومن ابوكَ" فلما لم يَقُلْ ذلك بالإجماع دلّ على فساد ما ذهبتم إليه.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿الم، اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١-٢] فلا حجة لهم فيه؛ لأن حركة الميم إنما كانت لالتقاء الساكنين -وهما الميم واللام من "الله" وزعم بعضهم أن الساكنين هما الميم والياء قبلها، وهذا عندي باطل؛ لأنه لو كان التحريك في قوله: ﴿الم، اللَّهُ﴾ لسكونها وسكون الياء قبلها لكان يجب أن تكون متحركة في قوله: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢] فلما كانت ساكنة دلّ على أنها حركت ههنا لسكونها وسكون اللام بعدها؛ لا لسكونها وسكون الياء قبلها، وكانت الحركة فتحة على خلاف الأصل في التقاء الساكنين لأن قبلها ياء قبلها كسرة فلو كسر لأدّى ذلك إلى اجتماع كسرة قبلها ياء قبلها كسرة، والياء تعدُّ بكسرتين؛ فيؤدّي في التقدير إلى اجتماع أربع كسرات متواليات، وذلك ثقيل جدا فعدلوا عنه إلى الفتح لأنه أخفُّ الحركات.
وهذا هو الجواب عن احتجاجهم بقراءة بعض العرب "مُرِيبِنَ الذي" فإن الفتحة في التنوين ليس عن إلقاء حركة همزة "الَّذِي" وإنما حركت لالتقاء الساكنين -وهما التنوين، واللام من "الَّذِي" وكانت الحركة فتحة على خلاف الأصل في التقاء الساكنين لأن ما قبل التنوين كسرة وقبل الكسرة ياء قبلها كسرة، فالياء تعد بكسرتين على ما بينا؛ فعدل في هذه القراءة عن الكسر لئلا يجمع في التقرير بين خمس كسرات متواليات، وعدل عنه إلى الفتح لأنه أخف الحركات، وإذا كانوا قد فتحوا "أين، وكيف" لئلا يجمعوا بين ياء وكسرة مع كثرة الاستعمال، ولا يوجد فيه من الاستثقال ما يوجد ههنا، فلأن يفتحوا ههنا كان ذلك من طريق الأولى، على أنه لا يجوز لأحد أن يقرأ بهذه القراءة لأنه لا إمام لها، وكذلك ما حكاه عن بعض العرب من فتح الميم من: "الرَّحِيمَ الْحَمْدُ لِلَّهِ" لأنها لا إمام لها، على أنه لا وجه للاحتجاج بها؛ لأن فتح الميم فتحة إعراب؛ لأنه لما
[ ٢ / ٦١١ ]
تكرر الوصف عدل به إلى النصب على المدح بتقدير أعني، كما قالت امرأة من العرب١:
[٢٩٥]
لا يَبْعَدَنْ قومي الذين هُمُ سَمُّ العُدَاةِ وآفةُ الجُزْرِ
النازلون بكل مُعْتَرِكٍ والطَّيِّبين مَعَاقِدَ الأَزْرِ
وهذا كثير في كلامهم، وقد بينا ذلك قبل:
وأما قراءة أبي جعفر ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ [البقرة: ٣٤] فضعيفة في القياس جدا والقُرَّاء على خلافها، على أنها لا حجة لهم فيها. وذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الخلاف إنما وقع في نقل حركة همزة الوصل إلى الساكن قبلها، وههنا ليس ما قبلها ساكنا، وإنما هو متحرك؛ لأن التاء من "الْمَلائِكَةِ" متحركة، فهذا احتجاج على غير محل الخلاف.
والثاني: أن هذا لا تقولون به؛ فإنه لا يجوز عندكم نقل حركة همزة الوصل إلى المتحرك قبلها.
الثالث: أنا نقول: إنما ضمت هذه التاء إتباعا لضمة الجيم في "اسْجُدُوا" وذلك من وجهين؛ أحدهما: أن يكون قد نَوَى الوقف فسكنت التاء وضمها تشبيهًا بضمة التاء في قراءة من قرأ: ﴿وَقَالَتُ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ [يوسف: ٣١] بإتباع ضمة التاء ضمة الراء؛ لئلا يخرجوا من كسر إلى ضم كما ضموا الهمزة، ونحو هذا الإتباع قراءة من قرأ أيضا: ﴿جَنَّاتٍ وَعُيُونٌ ادخلوها﴾ [الحجر: ٤٥] بضم التنوين إتباعا لضمة الخاء من: "ادْخُلُوهَا" وهذا كثير في كتاب الله تعالى وكلام العرب. والثاني: أنه أتبع الضم الضم، كما أتبع الكسر في قراءة الحسن البصري: "الْحَمْدِ لِلَّهِ" فكسر الدال إتباعا لكسرة اللام، وكقولهم "منتن" بكسر الميم، والأصل فيه "منتن" بضم الميم، فكسروها إتباعا لكسرة التاء، ومنهم من يقول "منتن" بضم التاء، والأصل فيها الكسر، إتباعا لضم الميم، كقراءة ابن أبي عبلة: "الْحَمْدُ لُلَّهِ" بضم اللام والأصل فيها الكسر إتباعا لضمة الدال.
وعلى كل حال فهذه القراءة ضعيفة في القياس، قليلة في الاستعمال.
وأما قولهم "إنها همزة متحركة فجاز أن تنقل حركتها إلى الساكن قبلها كهمزة القطع" قلنا: قد بينا الفرق بين همزة الوصل وهمزة القطع بما يغني عن الإعادة؛ فلا يجوز أن تحمل إحداهما على الأخرى.
_________________
(١) ١ هي الخرنق أخت طرفة بن العبد لأمه كما تقدم ذكره في شرح هذا الشاهد سابقا.
[ ٢ / ٦١٢ ]
وأما قولهم "أجمعنا على أن كسرة الدال في قولهم واحد اثنان إنما كان لإلقاء حركة همزة اثنان، وهمزة اثنان همزة وصل" قلنا: إنما جاز ذلك ههنا لأن "واحد" في حكم الوقف كنحوه في العدد، و"اثنان" في حكم المستأنف المبتدأ به، وإذا كان في حكم المستأنف المبتدأ به كانت همزته بمنزلة همزة القطع، وإن كانت همزة وصل؛ لأن همزة القطع وهمزة الوصل تستويان في الابتداء؛ ولهذا يقولون "واحد إثنان" فيثبتون فيه الهمزة وإن كانت همزة وصل؛ لأن "واحد" في حكم الوقف، و"إثنان" في حكم المستأنف، ولذلك يقولون "ثلاثة اربعة" فيحذفون الهمزة من "أربعة" ولا يقبلون الهاء من ثلاثة تاء؛ لأن الثلاثة عندهم في حكم الوقف والأربعة في حكم المستأنف، وهم إنما يقلبون الهاء تاء في حالة الوصل، وإذا كانت في تقدير الوقف بقيت هاء، وإن ألقيت عليها حركة ما بعدها، كما تكون هاء إذا لم يكن بعدها شيء والله أعلم.
[ ٢ / ٦١٣ ]
١٠٩- مسألة: [هل يجوز مد المقصور في ضرورة الشعر؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز مَدُّ المقصور في ضرورة الشعر، وإليه ذهب أبو الحسن الأخفش من البصريين، وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز.
وأجمعوا على أنه يجوز قصر الممدود في ضرورة الشعر، إلا أن الفراء من الكوفيين اشترط في مد المقصور وقصر الممدود شروطًا لم يشترطها غيره؛ فذهب إلى أنه لا يجوز أن يمد من المقصور ما لا يجيء في بابه ممدود، نحو فَعْلَى تأنيث فَعْلَان نحو سكرى وعطشى؛ فهذا لا يجوز أن يمد؛ لأن مذكره سكران وعطشان، وفَعْلَى تأنيث فعلان لا تجيء إلا مقصورة، وكذلك حكم كل ما يقتضي القياس أن يكون مقصورًا وكذلك لا يجوز أن يُقْصَرَ من الممدود ما لا يجيء في بابه مقصور، نحو تأنيث أفعل نحو بيضاء وسوداء؛ فهذا لا يجوز أن يقصر؛ لأن مذكره أبيض وأسود، وفعلاء تأنيث أفعل لا يكون إلا ممدودًا، وكذلك حكم كل ما يقتضي القياس أن يكون ممدودًا، فأما ما عدا ما يوجب القياس أن يكون مقصورا أو ممدودا من المقصور والممدود فإنه يجوز أن يمد منه المقصور ويقصر منه الممدود إذ كان له نظير من المقصور أو الممدود؛ فيجوز عنده مَدُّ "رحًى، وهدًى، وحِجًى" لأنها إذا مدت صارت إلى مثل سماء ودعاء ورداء، ويجوز عنده قصر "سماء، ودعاء، ورداء" لأنها إذا قصرت صارت إلى مثال رحى وهدى وحجى، فأما ما لا مثال له من المقصور والممدود إذا مُدَّ وقُصِرَ فلا يخرج عن بابه من المد والقصر؛ فهذا تفصيل المذاهب.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على جواز مد المقصور أنه قد جاء ذلك عن العرب في أشعارهم، قال الشاعر:
[٤٥٤]
قد علمتْ أمُّ أبي السِّعْلاء وعَلِمَتْ ذَاكَ مع الجَرَاء
_________________
(١) هذه خمسة أبيات من الرجز المشطور، وقد أنشدها -إلا الثاني- ابن منظور "ل هـ ا" = ١ انظر في المسألة: شرح الأشموني بحاشية الصبان "٤/ ٩١" وتصريح الشيخ خالد الأزهري "٢/ ٣٦٨".
[ ٢ / ٦١٤ ]
أنْ نِعْمَ مَأكُولًا على الخَواء يا لك من تمر ومن شَيشَاءِ
يَنْشَبُ في المَسْعَل واللهَاءِ
والسعلاءُ والخواءُ واللهاءُ كله مقصور في الأصل، ومده لضرورة الشعر؛ فدل على جوازه، وقال الآخر:
[٤٥٥]
إنما الفقر والغناء من الله؛ فهذا يعطي، وهذا يُحَدُّ
فمدَّ الغناء وهو مقصور، فدل على جوازه، وقال الآخر:
[٤٥٦]
سيغنيني الذي أغناك عنِّي فلا فقر يدوم ولا غناء
_________________
(١) = وأنشد رابعها وخامسها ابن يعيش "ص٨٠١" والأشموني "رقم ١١٥٧" وابن عقيل "رقم ٣٥٣" وقد قال الفراء: إن هذا الرجز لأعرابي من أهل البادية، ولم يسمه، وقال أبو عبيد البكري: هو لأبي المقدام الراجز. والسعلاء -بكسر السين وسكون العين- أصله السعلاة، قيل: هي الغول، وقيل: ساحرة الجن، وتجمع على السعالي، والعرب تشبه المرأة العجوز بالسعلاة، قال الراجز: لقد رأيت عجبا مذ أمسا عجائزًا مثل السعالي خمسا وقال الأعشى: رب رفد هرقته ذلك اليوم وأسرى من معشر أقتال وشيوخ حربي بشطي أريك ونساء كأنهن السعالي والجراء -بفتح الجيم أو كسرها- الفتاء، تقول: هذه جارية بينة الجراء، والجراية والجرائية، والجري، أي بينة الصبا والفتاة، والخواء: الخلاء، تقول: خوي الربع يخوى، إذا خلا من أهله، لكن الأصمعي حكى في مصدر هذا الفعل أنه ممدود في الأصل والشيشاء -بشينين معجمتين أولاهما مكسورة وبينهما ياء- هو الشيص، وهو أردأ التمر، وينشب: يعلق، والمسعل: موضع السعال من الحلق، واللهاء -بفتح اللام، وبالمد، وأصله القصر- جمع لهاة، وهي هنة مطبقة في أقصى سقف الفم. ومحل الاستشهاد من هذه الأبيات قوله "السعلاء" وقوله "اللهاء" فإن أصل هاتين الكلمتين القصر فأصل الأولى السعلاة، وأصل الثانية اللهاة، ولكن الراجز قد مدهما حين اضطر، وقد زعم المؤلف أن "الخواء" أصله القصر، ولكن الراجز مدّه أيضا، ولكن الأصمعي كما حدثناك قد حكى أن أصل "الخواء" ممدود، والخطب في ذلك سهل، فإنه يكفي الاستشهاد بالكلمتين السابقتين.
(٢) يحد -بالبناء للمجهول- أي يمنع ويحرم، والاستشهاد بهذا البيت في قوله "والغناء" فإن هذه الكلمة في الأصل مقصورة، والغنى -بكسر الغين مقصورا- ضد الفقر، وفي الحديث "خير الصدقة ما أبقت غنى" وفي رواية "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" وأصله مصدر "غني يغنى" بوزن رضي يرضى، وقد مدّه الشاعر في هذا البيت حين اضطر لإقامة وزن البيت.
(٣) هذا البيت من شواهد الأشموني "رقم ١١٥٦" وأوضح المسالك "قم ٥٣٧" وشرحه العيني "٤/ ٥١٣ بها مش الخزانة" وأنشده ابن منظور "غ ن ي" ومحل الاستشهاد منه قوله "ولا غناء" فإن أصل هذه الكلمة "ولا غنى" بكسر الغين مقصورا، ولكن الشاعر مدّه حين =
[ ٢ / ٦١٥ ]
وقول الآخر:
[٤٥٧]
لم نرحِّبْ بأن شَخَصْتَ، ولكن مرحبا بالرِّضَاءِ منك وأَهْلَا
فهذه الأبيات كلها تدل على جوازه.
وأما من جهة القياس فإنما قلنا إنه يجوز مد المقصور لأنا أجمعنا على أنه يجوز في ضرورة الشعر إشباع الحركات التي هي الضمة والكسرة والفتحة فينشأ عنها الواو والياء والألف؛ فإشباع الضمة كقوله:
[٨]
كأن في أنيابها القَرَنْفُولُ
_________________
(١) = اضطر لإقامة وزن البيت، وزعم قوم أنه بفتح الغين من قولهم "هذا رجل لا غناء عنده" فيكون ممدودا أصالة، وزعم آخرون أنه بكسر الغين وأنه مصدر "غانيته أغانيه غناء -مثل راميته أراميه رماء" إذا فاخرته وباهيته في الغنى بكسر الغين وبالقصر، قال ابن منظور "وأما قوله: سيغنيني الذي أغناك البيت فإنه يروى بالفتح والكسر، فمن رواه بالكسر أراد مصدر غانيت، ومن رواه بالفتح أراد الغني نفسه، قال أبو إسحاق: إنما وجهه ولا غناء -يعني بفتح الغين- لأن الغناء غير خارج من معنى الغنى، وكذلك أنشده من يوثق بعلمه" ا. هـ. وقال ابن هشام "واختلفوا في جواز مد المقصور للضرورة، فأجازه الكوفيون متمسكين بنحو قوله: فلا فقر يدوم ولا غناء ومنعه البصريون، وقدروا الغناء في البيت مصدرا لغانيت لا مصدرا لغنيت، وهو تعسف" ا. هـ.
(٢) شخص الرجل يشخص -مثل فتح يفتح- شخوصًا، إذا ذهب من بلد إلى بلد، والرضاء: ضد السخط؛ ومحل الاستشهاد في هذا البيت قوله "بالرضاء" فإن أصله الرضا مقصورا، لكن الشاعر لما اضطر لإقامة الوزن مده، وبهذا يستدل الكوفيون على أنه يجوز للشاعر إذا ألجأته الضرورة أن يمد المقصور، كما يجوز له عند الضرورة أن يقصر الممدود، ولكن الأخفش -على ما في اللسان- حكى أن مصدر "رضي" هو الرضا بالقصر، ومنه قول القحيف العقيلي: إذا رضيت على بنو قشير لعمر الله أعجبني رضاها والاسم الرضاء بالمد، فيجوز -إن صح هذا- أن يكون الرضاء في بيت الشاهد اسما لا مصدرا، فيكون ممدودا أصالة، وبهذا يسقط استدلال الكوفيين بهذا البيت وقد أنشد الكوفيون للاستلال على ما ذهبوا إليه قول العجاج: والمرء يبليه بلاء السربال كرّ الليالي وانتقال الأحوال وهذا البيت من شواهد الأشموني في المسألة "رقم ١١٥٥" وإنما يتم الاستدلال لهم بهذا البيت إذا قرئ "بلاء السربال" بكسر الباء، فإنه يقال: بلي الثوب يبلى بلى مثل رضي يرضى رضى -وأما إذا فتحت الباء فإنه ممدود أصالة، قال ابن منظور "بلي الثوب يبلى بلى، وبلاء، وأبلاه صاحبه.. إذا فتحت الباء مددت، وإذا كسرت قصرت، ومثله القرى والقراء، والصلى والصلاء" ا. هـ.
[ ٢ / ٦١٦ ]
أراد "القُرُنْفُلَ" وإشباعُ الكسرة كقوله:
[١٦]
لا عهد لي بِنِيضَالْ
أراد بِنِضالٍ، وإشباع الفتحة كقوله:
[١٠]
أقول إِذْ خرَّت على الكَلْكَال
أراد الكَلْكَلَ، وقد ذكرنا ذلك مستقصى في غير هذه المسألة١، فإذا كان هذا جائزا في ضرورة الشعر بالإجماع جاز أن يشبع الفتحة قبل الألف المقصورة فتنشأ عنها الألف فيلتحق بالممدود.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز مد المقصور لأن المقصور هو الأصل، والذي يدل على أن المقصور هو الأصل أن الألف تكون فيه أصلية وزائدة، والألف لا تكون في الممدود إلا زائدة، والذي يدل على ذلك أيضا أنه لو لم يعلم الاسم هل هو مقصور أو ممدود لوجب أن يلحق بالمقصور دون الممدود؛ فدلّ على أنه الأصل، وإذا ثبت أن المقصور هو الأصل فلو جوّزنا مدّ المقصور لأدّى ذلك إلى أن نردّه إلى غير أصل، وذلك لا يجوز، وعلى هذا يخرج قصر الممدود؛ فإنه إنما جاز لأنه رَدٌّ إلى أصل، بخلاف مد المقصور؛ لأنه ردٌّ إلى غير أصل، وليس من ضرورة أن يجوز الردّ إلى أصل أنه يجوز الردّ إلى غير أصل، وهذا لا إشكال فيه:
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قول الشاعر:
[٤٥٤]
قد علمت أم أبي السَّعْلَاءِ
الأبيات إلى آخرها -فلا حجة فيها؛ لأنها لا تعرف، ولا يعرف قائلها، ولا يجوز الاحتجاج بها، ولو كانت صحيحة لتأولناها٢ على غير الوجه الذي صاروا إليه.
وأما قول الآخر:
[٤٥٥]
إنما الفقر والغناء من الله
وقول الآخر:
[٤٥٦]
فلا فقر يدوم ولا غناء
فلا حجة لهم فيه أيضا، وذلك من وجهين؛ أحدهما: أن الإنشاد بفتح
_________________
(١) ١ انظر المسألة الثانية من مسائل هذا الكتاب. ٢ في ر "لتناولناها" وظاهر أن ذلك تحريف عما أثبتناه.
[ ٢ / ٦١٧ ]
الغين والمدّ، والغناء ممدوح بمعنى الكفاية، قال طرفة:
[٤٥٨]
ولا تجعليني كامرئ ليس هَمُّهُ كهمِّي، ولا يغني غَنَائِي ومَشْهَدِي
والوجه الثاني: أنا نسلم أن الرواية بكسر الغين، ولكن تكون مصدرًا لغانيته:
أي فاخرته بالغني، يقال: غانيته أغانيه غناء، كما يقول: والَيْتهُ أُوَالِيهِ ولاء، وعاديته أعاديه عداء بمعنى واليته؛ قال امرؤ القيس:
[٤٥٩]
فَعادَى عداء بين ثور ونعجة دِرَاكا، ولم يَنْضَخْ بماء فَيُغْسَلِ
_________________
(١) هذا هو البيت الرابع والتسعون من قصيدة طرفة بن العبد البكري المعلقة "انظر شرح التبريزي ص٩٦" وقبله قوله: إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي على الجيب يا ابنة معبد وانعيني: أي اذكري من أفعالي ما أنا خليق به وأهل له، وليس همه كهمي: يريد ليس عزمه مثل عزمي ولا طلبه للمعالي مثل طلبي، ولا يغني غنائي: أي لا ينفع في المواطن التي أنفع فيها ولا يسد كما أسد، يريد أنه لا يكون مثله في المواطن التي تظهر فيها قيم الرجال كمواطن الحرب ومجالس الخصومات والمفاخرات. ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "غنائي" فإنه بفتح الغين، وهو ممدود أصالة، ومعناه النفع والكفاية، والمؤلف يريد بإنشاد هذا البيت أن يقول: إنه يجوز أن يكون "الغناء" في الشاهد رقم ٤٥٥ و"غناء" في الشاهد رقم ٤٥٦ مثل "غنائي" في بيت طرفة هذا بفتح الغين وبمعنى الكفاية والنفع، وعلى هذا يكون ممدودا أصالة، ولا يكون فيه شاهد للكوفيين لأن الشاعر أتى به على أصله، وقد ذكرنا لك هناك أن هذا الكلام لا يصح أن يؤخذ به وذكرنا لك كلام ابن هشام في الردّ على هذا الكلام، وقال في آخره: إن تمحلات البصريين في الردّ على الكوفيين تعسف.
(٢) هذا هو البيت السادس والستون من معلقة امرئ القيس بن حجر الكندي "انظر شرح التبريزي على المعلقات ص٤٦ ط السلفية" وقد أنشده ابن منظور "ع د ي" وعزاه إليه، وعادى: معناه والى بين اثنين في طلق واحد ولم يعرق، تقول: عادى الفارس بين صيدين، وبين رجلين، إذا طعنهما طعنتين متواليتين، والعداء: مصدر هذا الفعل، وهو بكسر العين ممدودًا، ومعناه الموالاة والمتابعة بين الاثنين يصرع أحدهما على إثر الآخر في طلق واحد، ودراكًا: أي مداركة، وهو مصدر في موضع الحال، يصف امرؤ القيس فرسه بالسرعة وأنه يدرك الوحش ويمكن راكبه من صيدها من غير أن يظهر عليه أثر الجهد والتعب حتى إنه لا يعرق مع شدة جريه. ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "عداء" فإنه بكسر العين المهملة مصدر عادى، وهو ممدود قياسي، وغرض المؤلف من إنشاد هذا البيت ههنا أن يقول: إنه يجوز أن يكون "الغناء" في البيتين "رقم ٤٥٥ و٤٥٦" واللذين أنشدهما الكوفيون بكسر الغين كما قالوا، لكن لا على أنهما مصدر غني كرضي، بل على أنهما مصدر "غانى" أي فاخر في الغنى، ولست في حاجة إلى أن نعيد عليك هنا قول ابن هشام "وهو تعسف" وقد وافق الكوفيين في هذه المسألة ابن ولاد وابن خروف، وقد قرأ طلحة بن مصرف في قوله تعالى: "يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار" بمد السّنا وأصله =
[ ٢ / ٦١٨ ]
فكذلك ههنا، وهذا هو الجواب عن قول الآخر:
[٤٥٧]
ولكن مرحبًا بالرِّضَا منك وأَهْلَا
لأن "الرضاء" مصدر راضيته مُرَاضاة ورضاء، فلا يكون فيه حجة.
وأما قولهم: "إنه يجوز إشباع الحركات فتنشأ عنها الحروف -إلى آخر ما ذكروه" فنقول: الفرق بينهما ظاهر، وذلك أن إشباع الحركات هناك يؤدِّي إلى تغيير واحد، وهو زيادة هذه الحروف فقط، وأما ههنا فإنه يؤدي إلى تغييرين: زيادة الألف الأولى، وقلب الثانية همزة؛ وليس من ضرورة أن يجوز ما يؤدي إلى تغيير واحد أن يجوز ما يؤدي إلى تغييرين وأكثر من ذلك.
وأما ما ذهب إليه الفراء -من اشتراطه في قصر الممدود أن يجيء في بابه مقصور- فباطل، لأنه قد جاء القصر فيما لم يجئ في بابه مقصور، قال الشاعر:
[٤٦٠]
والقارح العدَّاء وكل طِمِرَّةٍ ما إن تنال يد الطويل قَذَالَهَا
فقصر "العداء" وهو فَعَّال من العَدْو، وفعَّال لتكثير الفعل، نحو
_________________
(١) = مقصور، فإذا صحت رواية هذه القراءة دل على جواز مد المقصور في سعة الكلام، ولم يقصر الجواز على الضرورة.
(٢) هذا هو البيت السادس والعشرون من قصيدة للأعشى ميمون مطلعها قوله "وانظر ديوانه ص٢٢-٢٧": رحلت سمية غدوة أجمالها غضبي عليك، فما تقول بدالها؟ وقبل البيت المستشهد به قوله: الواهب المائة الهجا وعبدها عوذا تزجي بينها أطفالها وأنشد ابن منظور بيت الشاهد "ع د ا" وعزاه إليه، غير أنه روى عجزه "لا تستطيع يد الطويل قذالها" ورواية الديوان كرواية المؤلف، والعوذ -بضم العين- جمع عائذ، وهي الحديثة النتاج، والقارح: أراد به الفرس الذي اكتمل سنة، والطمرة -بكسر الطاء والميم جميعا مع تشديد الراء- الوثابة، ويقال: هي المشرفة، أي العالية، وهذا هو الذي يتنساب عجز البيت، ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "العداء" فإن أصله "العداء" صيغة مبالغة فعلها عدا يعدو، فأصله ممدود قياسي، ولكن الشاعر قصره حين اضطر لإقامة وزن البيت، قال ابن منظور "أراد العداء، فقصره للضرورة، وأراد لا تستطيع يد الطويل نيل قذالها، فحذف للعلم بذلك" ا. هـ. وأراد المؤلف من الاستشهاد بهذا البيت الردّ على الفرّاء الذي اشترط لجواز قصر الممدود أن يكون قد ورد في بابه مقصور، ووجه الرد من هذا البيت أن الشاعر قد قصر "العداء" وهو صيغة مبالغة كما قلنا فعلها عدا يعدو، ولم يأتِ في صيغ المبالغة مقصور حتى يحمل هذا عليه.
[ ٢ / ٦١٩ ]
"ضرَّاب وقتَّال"١ ولا يجيء في بابه مقصور، وقال الآخر:
[٤٦١]
ولكنَّما أُهْدِي لِقَيْس هَدِيَّةً بِفِيَّ مِنِ اهداها لك الدَّهر إِثْلِبُ
فقصر "إهْدَاهَا" وهو مصدر أَهْدَى يُهْدِي إهداء، ولا يجيء في بابه مقصور، ألا ترى أن نظيره من الصحيح أكرم إكراما وأخرج إخراجا، وما أشبه ذلك، وقال الآخر:
[٢٤٥]
فلو أنَّ الأطِبَّا كان حَوْلِي وكان مع الأطباء الأُسَاةُ
فقصر "الأطباء" وهو جمع طبيب، ولا يجيء في بابه مقصور؛ لأن القياس يوجب مده؛ لأن الأصل في طبيب أن يجمع على طُبَبَاء على مثال فعلاء، كشريف وشرفاء وظريف وظرفاء؛ إلا أنه اجتمع فيه حرفان متحركان من جنس واحد فاستثقلوا اجتماعهما، فنقلوه من فعلاء إلى أفعلاء فصار أَطْبِبَاء، فاستثقلوا أيضا اجتماع حرفين متحركين من جنس واحد، فنقلوه كسرة الباء الأولى إلى الطاء، فرارًا من الاستثقال، وأدغموا الباء في الباء، فصار أطِبَّاء، وكذلك حكم ما جاء على هذا المثال في جمع فَعِيل من المضاعف، كقولهم: حبيب وأحبَّاء، وخليل وأخِلَّاء، وجَلِيل وأجِلَّاء، وما أشبه ذلك، ولا يجوز في القياس أن يقع شيء من هذا الجمع إلا ممدودا، فلما قال "الأَطِبَّاء" فقصر ما يوجب القياس مادة دلّ على فساد ما ذهب إليه، والله أعلم.
_________________
(١) أنشد ابن منظور هذا البيت "ث ل ب" ولم يعزه، وقوله "بفي" أي بفمي، وهو متعلق بقوله أهدي، يريد أنه يهديه كلاما، و"له الدهر إثلب" جملة مستأنفة، يريد: له الدهر إثلب من إهدائي إياها، والإثلب: التراب والحجارة، وقال شمر: الأثلب بلغة أهل الحجاز الحجر، وبلغة تميم التراب، وهمزة الإثلب مكسورة أو مفتوحة، والفتح أكثر. ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "اهداها" فإن أصل هذه الكلمة "إهدائها" لأنه مصدر أهدى إليه هدية يهديها إهداء -مثل أكرمه يكرمه إكراما- فهو ممدود قياسي، ولم يجئ في باب مصدر "أفعل يفعل" مقصور حتى يحمل هذا عليه، فأنت تقول: أعطى يعطي إعطاء. وأبقى يبقي إبقاء، وأرضى يرضي إرضاء، وهلم جرا؛ وهذا رد على الفراء الذي اشترط لجواز قصر الممدود أن يكون قد جاء في بابه مقصور، ووجه الردّ ما ذكرنا مثله في شرح الشاهد السابق. ١ في ر "وقفال".
[ ٢ / ٦٢٠ ]
مسألة هل يحذف آخر المقصور والممدود عند التثنية إذا كثرت حروفهما؟
١١٠- مسألة: [هل يحذف آخر المقصود والممدود عند التثنية إذا كثرت حروفها؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن الاسم المقصور إذا كَثُرَتْ حروفه سقطت ألفه في التثنية؛ فقالوا في تثنية "خَوْزَلَى، وقَهْقَرَى": خَوْزَلَانِ، وقَهْقَرَانِ، وذهبوا أيضا فيما طال من الممدود إلى أنه يحذف الحرفان الآخران، فأجازوا في "قَاصعَاء، وحَاثِيَاء": قاصعان، وحاثيان.
وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز حذف شيء من ذلك في مقصور ولا ممدود.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه يجوز ذلك لأنه لما كثرت حروفهما وطال اللفظ بهما، والتثنية توجب زيادة ألف ونون أو ياء ونون عليهما ازدادا كثرة وطولا؛ فا جتمع فيهما ثقلان: ثقل أصليّ، وثقل طارئ؛ فجاز أن يحذف منها لكثرة حروفهما كما يحذفون لكثرة الاستعمال.
والذي يدل على أن طول الكلمة وكثرة حروفها له أثر في الحذف قولهم "اشْهَابَّ اشْهِبَابًا، واحْمَارَّ احْمِرَارًا"، وأصله اشهيبابًا واحميرارا، فحذفوا الياء لطول الكلمة وكثرة حروفها، وكذلك زعمتم أن "كينونة" أصلها كيَّنونة بالتشديد، ثم أوجبتم الحذف لطول الكلمة طلبا للتخفيف؛ فدل على أن طول الكلمة وكثرة حروفها له أثر في الحذف؛ فكذلك ههنا، وعلى هذا يخرج ما لم يكثر حروفه منهما؛ فإنه لا يجوز أن يحذف منه شيء لقلة حروفه
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنه لا يحذف منهما شيء؛ لأن التثنية إنما وردت على لفظ الواحد؛ فينبغي أن لا يحذف منه شيء، قَلَّتْ حروفُهُ أو كثرت.
_________________
(١) ١ انظر في هذه المسألة: شرح ابن يعيش على المفصل "ص٥٩٨ و٦٠٠" وشرح الأشموني بحاشية الصبان "٤/ ٩٤ بولاق" وتصريح الشيخ خالد "٢/ ٣٧١".
[ ٢ / ٦٢١ ]
والذي يدل على ذلك أن العرب لم تحذف فيما كثرت حروفه، كما حُذِفَ في ما قلت حروفه، فقالوا في تثنية جمادى: "جُمَادَيَيْنِ" من غير حذف، قال الشاعر:
[٤٦٢]
شَهْرَيْ ربيع وجُمَادَيَيْنَهْ
وقال الأخر:
[٤٦٣]
جُمَادَيَيْنِ حُسُومًا
_________________
(١) هذا بيت من الرجز المشطور، وهو من شواهد رضي الدين في باب المثني من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "٣/ ٣٣٨" وذكر أنه لا مرأة من فقعس، وأنشد قبله: يا رب خال لك من عرينه حج على قليص جوينه فسوته لا تنقضي شهرينه والقليص: تصغير القلوص، وهي الناقة الشابة، وجوينة: تصغير جون، والجون من الإبل ومن الخيل أيضا: الأدهم الشديد السواد، وقوله "فسوته إلخ" الفسوة بفتح الفاء وسكون السين- ريح يخرج من البطن من غير صوت، والكلام على حذف مضاف، وكأنه قال: نتن فسوته إلخ، وشهرينه: منصوب على الظرفية والعامل فيه تنقضي، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه مثنى، والهاء في آخره للسكت، وقوله "شهري ربيع" بدل من الشهرين، وجماديينه معطوف على شهري ربيع، والهاء في آخره للسكت أيضا. ومحل الاستشهاد هنا قوله "جماديينه" فإنه مثنى جمادى، والألف فيه خامسة، وقد قلبها الراجز ياء، ولم يحذفها، فيكون ردا على الكوفيين الذين ذهبوا إلى أن الاسم المقصور إذا كثرت حروفه سقطت ألفه في التثنية، ونحب أن ننبهك إلى أن الكوفيين لم يذهبوا إلى أن سقوط الألف في تثنية الاسم الذي كثرت حروفه أمر واجب لا يجوز غيره، بل ذهبوا إلى أنه يجوز أن تسقط ألفه ويجوز أن تذكر وتقلب ياء، فلا يرد عليهم بأن العرب قد أبقت الألف وقلبتها ياء في "جماديينه" وفي ألف كلمة أخرى، وقد قالت العرب في تثنية الخوزلي "الخوزلان" بحذف الألف، ولو أبقوها لقالوا: الخوزليان، وقالوا أيضا: خنفسان، وقرفصان، وعاشوران، في تثنية خنفساء، وقرفصاء، وعاشوراء، فحذفوا في التثنية الهمزة والألف التي قبلها، ولو أبقوا ذلك لقالوا: خنفساوان، وقرفصاوان، وعاشوراوان. وقد استشهد الرضي بالبيت على أن من العرب من يفتح نون المثنى بعد الياء، وبعد الألف كما في قول الراجز: أعرف منها الجيد والعينانا ومنخرين أشبها ظبيانا
(٢) الاستشهاد من هذا الشاهد في قوله "وجماديين" فإنه مثنى جمادى، والألف فيه خامسة، ولم يحذفها الشاعر، بل قلبها ياء على قاعدة أن الألفات إذا كانت رابعة فأكثر قلبت ياء مطلقا، وهذا -فيما زعم المؤلف- يرد على مذهب الكوفيين الذين يقولون: إن المقصور إذا كانت حروفه كثيرة جاز حذف هذه الألف عند التثنية، وإن الممدود إذا كانت همزته بعد حروف كثيرة جاز حذف هذه الهمزة والألف التي قبلها، وقد بينا لك في شرح الشاهد =
[ ٢ / ٦٢٢ ]
وقال الآخر:
[٤٦٤]
جماديين حرام
فثنوا ذلك على تمام الاسم على الأصل من غير حذف، والعدول عن الأصل والقياس والنقل من غير دليل لا وجه له.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إنما قلنا إنه يحذف لكثرة حروفهما وطول ألفاظهما" قلنا: كثرة الحروف لا تكون علة موجبة للحذف، وإنما يوجد ذلك في ألفاظ يسيرة نُقِلَتْ عنهم على خلاف الأصل والقياس، فيجب الاقتصار على تلك المواضع، ولا يقاس عليها غيرها؛ إذ ليس الحذف للكثرة قياسا مطردا؛ فإذا وجب الاقتصار على ما نقل من الحذف للكثرة بَطَلَ أن الحذف ههنا للكثرة؛ لورود النقل بخلافه.
وأما استشهادهم باشهباب وكَيْنُونة والأصل فيهما اشهيباب وكَيَّنونة بالتشديد فمخالف لما وقع الخلاف فيه؛ لأن الثقل فيهما لازم في أصل الكلمة غير عارضٍ،
_________________
(١) = السابق أن هذا الشاهد والكثير من أمثاله لا يرد مذهب الكوفيين من قبل أنهم لا يقولون بوجوب حذف ألف المقصور ولا بوجوب حذف همزة الممدود، وإنما يقولون: يجوز للمتكلم إذا استطال حروف الكلمة أن يحذف الألف أو الهمزة ويجوز له أن يأتي بالكلمة على الأصل ويقلب الألف ياء ويقلب الهمزة واوا أو يبقيها على تفصيل في الممدود معروف لك، وإذا كانوا لا يقولون بوجوب الحذف فمجيء الشواهد العديدة بالإثبات والقلب لا يرد مذهبهم؛ لأن هذه الشواهد جاءت على الوجه الآخر الذي يجوزونه أيضًا.
(٢) والاستشهاد بهذا الشاهد في قوله "جماديين" أيضا، والكلام فيه كالكلام فيما قبله، وقول المؤلف بعد إنشاد هذه الشواهد "والعدول عن الأصل والقياس والنقل من غير دليل لا وجه له" غير مسلم له، فإنهم لم يقولوا ما قالوه من غير دليل، فقد حكوا أن العرب تثني الخوزلي والقهقري على الخوزلين والقهقرين، بحذف الألف، وتثني القاصعاء والحاثياء على القاصعين والحاثيين، بحذف الهمزة والألف التي قبلها؛ وقد نقلنا لك زيادة على هذه الكلمات في شرح الشاهد ٤٦٢ أنهم يثنون الخنفساء والقرفصاء وعاشوراء بحذف الألف والهمزة التي قبلها، فكيف يقال: إنهم عدلوا عن الأصل والنقل والقياس من غير دليل؟ وإذا كان القياس يثبت بعدد الكلمات فإن كلام الكوفيين أحرى بالثبوت، لأن الكلمات التي ذكروا أن العرب حذفت منها ألف المقصور وهمزة الممدود مما عددناه هنا سبع كلمات، بينما لم يأتِ هو لمذهب البصريين إلا بكلمة واحدة، وهي جمادى على تعدد ما أتى به من الشواهد لهذه الكلمة، ومع هذا كله نرى لك أن تأخذ بمذهب البصريين، لا لضعف الحجة التي أتى بها الكوفيون ولكن لأن الأصل أن علامة التثنية تزاد على حروف الكلمة كلها، وأن الحذف من الكلمة قد يوقع في اللبس بين الكلمة المراد تثنيتها وكلمة أخرى تشبهها في الحروف التي أبقيت بعد الحذف، فإن أمن اللبس كان لكلامهم وجه.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
بخلاف ما وقع الخلاف فيه فإنه غير لازم في أصل الكلمة، بل هو عارض، لأن التثنية عارضة وليست لازمة، ثم أيضا استشهادهم بكينونة وأن أصلها كيَّنونة بالتشديد لا يستقيم؛ لأنه شيء لا يقولون به؛ لأن الأصل عندهم في كينونة كونونة، فأبدلوا من الواو ياء، فكيف يستشهدون على صحة مذهبهم بشيء لا يعتقدون صحته؟ فدل ذلك على صحة ما قلناه، والله أعلم
[ ٢ / ٦٢٤ ]
١١١- مسألة: [القول في المؤنث بغير علامة تأنيث مما على زنة اسم الفاعل] ١
ذهب الكوفيون إلى أن علامة التأنيث إنما حُذِفَتْ من نحو "طالق، وطامث، وحائض، وحامل" لاختصاص المؤنث به.
وذهب البصريون إلى أنه إنما حذفت منه علامة التأنيث لأنهم قصدوا به النسب ولم يُجْرُوهُ على الفعل، وذهب بعضهم إلى أنهم إنما حذفوا علامة التأنيث منه لأنهم حملوه على المعنى كأنهم قالوا "شيء حائض".
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن علامة التأنيث إنما دخلت في الأصل للفصل بين المذكر والمؤنث، ولا اشتراك بين المؤنث والمذكر في هذه الأوصاف من الطلاق والطمث والحيض والحمل، وإذا لم يقع الاشتراك لم يفتقر إلى إدخال علامة التأنيث؛ لأن الفصل بين شيئين لا اشتراك بينهما بحال محال.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما حذفت علامة التأنيث من هذا النحو لأن قولهم "طالق، وطامث، وحائص، وحامل" في معنى ذات طلاق وطمث وحيض وحمل، على معنى النسب، أي: قد عرفت بذلك، كما يقال: رجل رامح ونابل، أي ذو رمح ونبل، وليس محمولا على الفعل؛ واسم الفاعل إنما يؤنث على سبيل المتابعة للفعل، نحو ضربت المرأة تضرب فهي ضاربة، فإذا وضع على النسب لم يكن جاريا على الفعل ولا متبعا له، فلم تلحقه علامة التأنيث، وصار بمنزلة قولهم "امرأة مِعْطَار، ومِذْكَار، ومِئْنَاث، ومِئْشِير، ومِعْطِير، وصَبُور، وشكور، وخَوْد، وضَنَاك، وَصَنَاع، وحَصَان، وَرزَان" قال حسان:
[٤٦٥]
حصان رَزَانٌ ما تُزَنٌ بِرِيبَةٍ وتصبح غَرْثَى من لحوم الغَوَافِلِ
_________________
(١) هذا البيت لحسان بن ثابت الأنصاري رضي الله تعالى عنه، يقوله في أم المؤمنين صفية = ١ انظر في هذه المسألة: شرح ابن يعيش على المفصل "ص٦٩٥ و٧٧٣" وشرح رضي الدين على كافي ابن الحاجب "٢/ ١٥٤".
[ ٢ / ٦٢٥ ]
فإن هذه الأوصاف وما أشبهها لما لم تكن جارية على الفعل لم تلحقها علامة التأنيث، فكذلك ههنا.
والذي يدل على صحة ما ذكرناه أنهم لو حملوه على الفعل لدخلته علامة التأنيث؛ فقيل: طَلَقَتْ فهي طالقة، وطمثت فهي طامثة، وحاضت فهي حائضة، وحملت فهي حاملة، وقال الشاعر، وهو الأعشى:
[٤٦٦]
أيا جارتا بِينِي فإنك طالقه كذاك أمور الناس غادٍ وطارقه
وقال:
[٤٦٧]
تَمخَّضَتْ المَنُونُ له بيوم أَنَّى، ولكل حاملة تمام
_________________
(١) = رسول الله عائشة بنت الصديق أبي بكر، رضي الله تعالى عنها وعن أبيها وقد أنشد هذا البيت ابن منظور "غ رث - ح ص ن - ر ز ن - ز ن ن" والحصان -بفتح الحاء- العفيفة، والرزان -بفتح الراء- أي ذات ثبات ووقار وعفاف، وهي مع ذلك رزينة في مجلسها، وما تزن -بالبناء للمجهول- أي ما تتهم، والريبة: التهمة وموضع الشك، وغرثي: وصف المؤنث من الغرث -بالتحريك- وهو الجوع، أو أيسره، أو أشده، والغوافل: جمع غافلة، يعني أنها لا تغتاب أحدا. ومحل الاستشهاد مجيء هذه الصفات -وهي حصان، ورزان- من غير تاء التأنيث، مع أنها جارية على مؤنث، وذلك بسبب كونها غير جارية على فعل.
(٢) هذا البيت مطلع القصيدة الحادية والأربعين من ديوان الأعشى ميمون بن قيس "د١٨٣ ط فينا" وقد أنشده ابن منظور "ط ل ق" وعزاه إليه، وأراد بالجارة زوجه، وبيني: أي فارقيني وابتعدي عني، وأصل معنى البين القطع، ومنه أخذ البين للفراق والبعد، لأنه قطع ما كان موصولا بين الأليفين، وقد علل طلبه منها أن تفارقه وتبتعد منه بقوله "فإنك طالقة" وقوله "كذاك أمور الناس غاد وطارقة" أي أن بعض ما يعرض للناس يعرض لهم في وقت الغدو، وبعضه يعرض لهم في وقت الطروق وهو الليل، ومحل الاستشهاد في هذا البيت قوله "طالقة" حيث أتى بهذا الوصف مؤنثا بتاء التأنيث مع أنه لا يوصف به إلا النساء، والسر في أنه أتى بهذا الوصف بتاء التأنيث هنا أنه حمله على معنى الفعل -وهو الحدوث- ألا ترى أن الشاعر يريد أن يقول لامرأته: ابتعدي عني فإنه قد جرى عليك الطلاق وحدث أو يحدث بعد أن لم يكن؟ قال ابن منظور "وكلهم يقول: امرأة طالق -بغير هاء- وأما قول الأعشى: أيا جارتا بيني فإنك طالقة فإن الليث قال: أراد طالقة غدا، وقال غيره: هي طالقة على الفعل، لأنه يقال لها: قد طلقت -بفتح الطاء واللام بعدها- فبنى النعت على الفعل" ا. هـ كلامه.
(٣) أنشد ابن منظور هذا البيت "ح م ل - أن ا" ونسبه في المرة الأولى إلى عمرو بن حسان، ثم قال: ويروى لخالد بن حق "هكذا" ورواه رابع أربعة أبيات "م خ ض" ونسبها لعمرو بن حسان أحد بني الحارث بن همام بن مرة، وأصل معنى تمخص تحرك، وقالوا: تمخص اللبن، أي تحرك في الممخضة، وقالوا: تمخض الولد، أي تحرك في بطن الحامل، وقالوا: تمخض الدهر بالفتنة، والدنيا تتمخّض بفتنة منكرة وتمخّضت المنون =
[ ٢ / ٦٢٦ ]
ومنهم من تمسك بأن قال: إنما حذفوا علامة التأنيث من "طالق" ونحوه
_________________
(١) = وغيرها، كل هذا على المجاز، والمنون: المنية وهي الموت، وأني: أي أدرك وبلغ مداه، وقوله: "ولكل حاملة تمام" تذييل، يريد أن لكل حمل مدة ينتهي فيها وتتم مدته. ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله: "حاملة" حيث جاء بهذا الوصف متصلا بتاء التأنيث مع أنه خاص بالإناث لا يوصف به غيرهن، وذلك لأنه جعله وصفا جاريا على الفعل، على نحو ما ذكرناه في الشواهد السابقة، قال ابن منظور "وامرأة حامل وحاملة، على النسب وعلى الفعل" يريد أنه يقال حامل على النسب، ويقال حامل على الفعل، فهو على طريق اللف والنشر" الأزهري: امرأة حامل وحاملة؛ إذا كانت حبلى، وفي التهذيب: إذا كان في بطنها ولد، وأنشد لعمرو بن حسان: تمخضت المنون البيت فمن قال حامل -بغير هاء- قال: هذا نعت لا يكون إلا للمؤنث، ومن قال حاملة بناه على حملت فهي حاملة؛ فإذا حملت المرأة شيئا على ظهرها أو على رأسها فهي حاملة لا غير، لأن الهاء إنما تلحق للفرق، فأما ما لا يكون للمذكر فقد استغنى فيه عن علامة التأنيث، فإذا أتى بها فإنما هو على الأصل، قال: هذا قول أهل الكوفة، وأما أهل البصرة فإنهم يقولون: هذا غير مستمر؛ لأن العرب قالوا: هذا رجل أيم، وامرأة أيم، ورجل عانس، وامرأة عانس، على الاشتراك وقالوا: امرأة مصبية، وكلبة مجربة، مع غير الاشتراك، قالوا: والصواب أن يقال: قولهم حامل وطالق وحائض وأشباه ذلك من الصفات التي لا علامة فيها للتأنيث، فإنما هي أوصاف مذكرة وصف بها الإناث، كما أن الربعة والرواية والخجأة أوصاف مؤنثة وصف بها الذكران" ا. هـ كلامه، وهو: كلام غير محدود ولا معلل، خلاصته أن الأصل أن يكون وصف المؤنث بعلامة تأنيث، ووصف المذكر بغير علامة، ولكنهم قد يعكسون فيجعلون وصف المذكر مقترنا بعلامة التأنيث ووصف المؤنث خاليا من علامة التأنيث، والكلام الدقيق هو ما قاله أبو البقاء بن يعيش في شرح المفصل "ص٦٩٥" وذلك قوله "اعلم أنهم قالوا: امرأة طالق وحائض وطامث وقاعد للآيسة من الحيض، وعاصف في وصف الريح من قوله تعالى: ﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ [يونس: ٢٢] فلم يأتوا فيه بالتاء وإن كان وصفا للمؤنث، وذلك لأنه لم يجر على الفعل، وإنما يلزم الفرق ما كان جاريا على الفعل؛ لأن الفعل لا بد من تأنيثه إذا كان فيه ضمير مؤنثا -حقيقيا- كان أو غير حقيقي -نحو هند ذهبت، وموعظة جاءت، فإذا جرى الاسم على الفعل لزمه الفرق بين المذكر والمؤنث كما كان كذلك في الفعل، وإذا لم يكن جاريا على الفعل كان بمنزلة المنسوب، فحائض بمعنى حائض -أي ذات حيض- على حد قولهم: رجل دارع، أي دارعي -بمعنى صا حب درع- ألا ترى أنك لا تقول درع فتجريه على فعل -كفرح- إنما قولك دارع أي ذو درع، وطالق أي أن الطلاق ثابت فيها، ومثله قولهم: مرضع، أي ذات رضاع، ومنه قوله تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِه﴾ أي ذات انفطار، وليس ذلك على معنى حاضت وانفطرت، إذ لو أريد ذلك لأتوا بالتاء وقالوا: حائضة غدا، وتطلق غدا، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢] وقوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ [الأنبياء: ٨١] وقول الشاعر: رأيت جنون العام والعام قبله كحائضة يزني بها غير طاهر
[ ٢ / ٦٢٧ ]
لأنهم حملوه على المعنى، كأنهم قالوا: شيء طالق، أو إنسان طالق، كما قالوا: رجل رَبْعَةٌ، فأنثوا والموصوف مذكر على معنى نفس رَبْعة، وكما جاء في الحديث "مذ دَجَتِ الإسلام" لأن الإسلام بمعنى الملة، وكما حكى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: سمعت أعرابيا يمانيا يقول: فلان لغوب جاءته كتابي فاحتقرها، فقلت له: أتقول "جاءته كتابي"؟ فقال: أليس بصحيفة؟ والحملُ على المعنى كثيرٌ في كلامهم، قال الشاعر:
[٣٢٧]
قامت تبكيه على قبره من لي من بعدك يا عامر؟
تركتني في الدار ذَا غربة قد ذَلَّ من ليس له ناصر
فقال "ذا غربة" ولم يقل "ذات غربة"؛ لأن المرأة في المعنى إنسان.
وقال الآخر:
[٤٦٨]
إن السماحة والمُرُوءَةَ ضُمِّنَا قبرًا بمَرْوَ على الطريق الوَاضِحِ
_________________
(١) = وذلك كله يجري على الفعل على تقدير حاضت وطلقت، هذا مذهب الخليل، وسيبويه يتأوّل على أنه صفة شيء أو إنسان، والشيء مذكر، فكأنهم قالوا: شيء حائض، لأن الشيء عام يقع على المذكر والمؤنث" ا. هـ. وخلاصة هذا الكلام أن ما كان وصفا للمؤنث وليس فيه علامة تأنيث كائض وطالق وطامث لشيوخ البصرة فيه تأويلان: الأول تأويل الخليل، وحاصله أن هذا الوصف لا يراد به الحدوث، وإنما يراد به أنه قائم بصاحبه وأن صاحبه منسوب إليه، فمعنى "امرأة حائض" أنها منسوبة إلى الحيض وإن كانت خالية من دم الحيض حين إطلاق الوصف عليها فعلا، ومعنى "امرأة مرضع" أنها منسوبة إلى الرضاع نعني أن لها ولدًا في زمن الرضاع، ويقال لها مرضع ولو لم تكن ترضع وقت إطلاق الوصف عليها فعلا، فإذا أردت بحائض أن الدم الذي يسمى الحيض يقطر منها أو أردت بمرضع أن ثديها في فم ولدها لم يكن لك بد من أن تلحقهما التاء فتقول حائضة ومرضعة، وهذا هو الذي يسمونه جاريا على الفعل، والتأويل الثاني تأويل سيبويه، وخلاصته أنه تأول الموصوف بهذه الصفات الخالية من علامة التأنيث بمذكر، فجعل المرأة بمعنى شيء وبمعنى إنسان ليصح وصفه بالمذكر، وقد علمت أن مذهب الكوفيين أنه لا يلزم اقتران علامة التأنيث بالوصف الجاري على المؤنث متى كان هذا الوصف مما لا يوصف به المذكر، وفي هذا القدر كفاية ومقنع.
(٢) هذا البيت من قصيدة لزياد الأعجم يرثي فيها المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة وقد أنشد هذه القصيدة ابن عبد ربه في العقد "٣/ ٢٨٨ اللجنة" وأنشدها أكمل منه أبو علي القالي في ذيل الأمالي "ص٨ الدار" وقد أنشده بيت الشاهد ابن هشام في شرح الشذور "رقم ٧٧" والسيد المرتضى في أماليه "١/ ٧٢" والعباسي في معهد التنصيص "٢٦١ بولا ق" والبيت كناية عن ثبوت صفتي السماحة والمروءة للمرثى، ونظيره في هذا قول زياد أيضا: إن السماحة والمروءة والندى في قبة ضربت على ابن الحشرج =
[ ٢ / ٦٢٨ ]
فقال "ضمنا" ولم يقل "ضمنتا" لأنه ذهب بالسماحة إلى السخاء وبالمروءة إلى الكرم، وقال الآخر:
[٤٦٩]
فإن تَعْهَدِينِي وَلِي لِمَّةٌ فإنَّ الحَوَادِثَ أَوْدَى بِهَا
_________________
(١) = ومحل الاستشهاد من البيت قوله "ضمنا" فإن هذا فعل ماضي مبني للمجهول مسند إلى ضمير غائب هو ألف الاثنين يعود إلى مؤنثين وهما المروءة والنجدة، وكان من حق العربية عليه أن يؤنث هذا الفعل، فيلحق به التاء، فيقول "ضمنتا" لأن الفعل المسند إلى ضمير المؤنث يجب إلحاق علامة التأنيث به -سواء أكان هذا المؤنث حقيقي التأنيث أم كان مجازي التأنيث- إلا أن الشاعر ترك التاء بسبب كونه أراد المعنى، وبيان ذلك أن السماحة قد يطلق عليها الكرم أو الجود أو السخاء، وأن المروءة قد يطلق عليها كرم الطباع أو الشرف أو السمو، وكل ذلك مذكر، فذكر الفعل لأنه أراد بالضمير وصفين من هذه الأوصاف المذكورة، ونظير ذلك من القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨] وقوله سبحانه: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٩] إذا جعلت اسم الإشارة في "ولذلك" عائدًا إلى الرحمة المستفاد من قوله سبحانه "إلا من رحم ربك" وهو رأي لبعض العلماء في الآية ألا ترى أنه قد جيء باسم الإشارة الموضوع للمفرد المذكر مشارا به إلى الرحمة، وذلك لأن معنى الرحمة هو الفضل والإنعام، فكأنه قيل: ولذلك الفضل أو لذلك الإنعام خلقهم، وكأنه قيل في الآية الأخرى هذا فضل من ربي، ونظير ذلك من الشعر مما لم يذكره المؤلف قول الخنساء: فذلك -يا هند- الرزية، فاعلمي ونيران حرب حين شب وقودها فقد أشارت باسم الإشارة الموضوع للمفرد المذكر في قولها "فذلك" إلى الرزية وهي مؤنثة لأنها أرادت من الرزية الرزء أو الخطب أو نحو ذلك، ونظيره قول امرئ القيس بن حجر الكندي: برهرهة رؤدة رخصة كخرعوبة البانة المنفطر البرهرهة: الرقيقة الجلد، والرؤدة: الناعمة الرخصة، والخرعوبة: القضيب الغضّ والمنفطر: المنشق، فأنت تراه قد قال "كخرعوبة البانة المنفطر" مع أن الخرعوبة مؤنث اللفظ، وكان من حقه أن يقول المنفطرة، إلا أنه لما كان الخرعوبة والغضّ بمعنى واحد أعاد الصفة على الخرعوبة كما يعيدها على الغضّ.
(٢) هذا البيت من كلام الأعشى ميمون بن قيس، من قصيدة يمدح فيه رهط قيس بن معد يكرب الكندي ويزيد بن عبد المدان الحارثي "الديوان ١٢٠-١٢٢ فينا" وقد أنشده ابن منظور "ح د ث" والبيت من شواهد سيبويه "١/ ٢٣٩" وابن هشام في أوضح المسالك "رقم ٢١٢" والأشموني "رقم ٣٦٨" وشرحه العيني "٢/ ٤٦٦ بها مش الخزانة" ورواية سيبويه "فإما ترى لمّتى بدلت" ورواية المتأخرين من النحاة "فإما تريني ولي لمّة" وكذلك هي في اللسان، ورواية المؤلف توافق رواية الديوان. واللمة -بكسر اللام- الشعر يلم بالمنكب، أي يحيط به، وبدلت في رواية سيبويه معناه غيرت من السواد إلى البياض، وأودى بها: ذهب بما كان لها من بهجة وحسن، ومحل الاستشهاد من هذا البيت "أودى بها" فإن =
[ ٢ / ٦٢٩ ]
_________________
(١) = الفعل الذي هو أودى مسند إلى ضمير مستتر يعود إلى الحوادث، والحوادث جمع حادثة، فهو جمع تكسير مفرده مؤنث، وقد زعم المؤلف تبعا لسيبويه وشراح كلامه أنه كان على الشاعر أن يقول: فإن الحوادث أودت بها؛ فيؤنث الفعل لكونه مسندا إلى ضمير يعود إلى مؤنث، ولكنه ترك تاء التأنيث لأن الحوادث يطلق عليها الحدثان، والحدثان مذكر، ويسند إليه الفعل بغير تاء كما في قول شاعر الحماسة: رمى الحدثان نسوة آل حرب بمقدار سمدن له سمودا فرد شعورهن السود بيضًا ورد وجوههن البيض سودا قال ابن منظور "فأما قول الأعشى: فإما تريني ولي لمّة -البيت فإنه حذف التاء للضرورة، وذلك لمكان الحاجة إلى الردف، وأما أبو علي الفارسي فذهب إلى أنه وضع الحوادث موضع الحدثان كما وضع الآخر الحدثان موضع الحوادث في قوله: ألا هلك الشهاب المستنير البيتين الآتيين برقم ٤٧٠" ا. هـ. ولكن خيرًا من هذا التخريج أن يقال: إن الحوادث جمع تكسير، وإن جمع التكسير لكونه لم يسلم فيه بناء المفرد يصح أن يعود إليه الضمير من الفعل والوصف مذكرا أو مؤنثا -سواء أكان مفرده مذكرا أم كان مفرده مؤنثا- وقد تنبَّه لهذا بعض التنبه الأعلم حيث يقول "الشاهد فيه حذف التاء من أودت ضرورة، ودعا إلى حذفها إن القافية مردفة بالألف، وسوغ له حذفها أن تأنيث الحوادث غير حقيقي، وهي في معنى الحدثان" ا. هـ. وقد قلنا "إنه تنبه بعض التنبه" لأنه تنبه إلى أن تأنيث الحوادث غير حقيقي، ولم يكن تنبهه كاملا لأنه جعل ترك التاء في مثل هذا ضرورة، ولأنه عاد فقال "وهي في معنى الحدثان" والصواب أن التعليل لترك التاء ههنا هو أن مرجع الضمير جمع تكسير، وجمع التكسير يصح أن ينظر إليه على أنه جمع فيكون مذكرا ولو كان مفرده مؤنثا، وأن ينظر إليه على أنه جماعة فيكون مؤنثا ولو كان مفرده مذكرا، والوجهان جائزان في سعة الكلام عند علماء المصرين الكوفة والبصرة فما بالهم قد تركوا هذه القاعدة هنا، ورجعوا إلى أصل الكلام الأصيل، وانظر لذلك بحثا وافيا كتبناه في شرحنا على شذور الذهب "ص١٧١-١٧٤". ومما ورد فيه إسناد الفعل إلى جمع التكسير الذي واحده مؤنث من غير أن يلحق بالفعل تاء التأنيث قول الشاعر، وأنشده القالي "الأمالي ٢/ ٢٨١ ط الدار": فما لك إذ ترمين يا أم مالك حشاشة قلبي، شل منك الأصابع ألا تراه قد قال "شل الأصابع" والأصابع جمع إصبع، والإصبع مؤنثة، بدليل قوله ﷺ "هل أنت إلا إصبع دميت" وقد جاء الفعل المسند إلى الأصابع مؤنثا في بيت الفرزدق المشهور. إذا قيل: أي الناس شر قبيلة أشارت كليب بالأكف الأصابع أي أشارت الأصابع إلى كليب مصاحبة الأكف، وقد أثرنا لك في شرح الشاهد ٤٧٠ كلمة لابن يعيش صريحة في ذلك. وفي هذا القدر كفاية وغناء إن شاء الله تعالى:
[ ٢ / ٦٣٠ ]
فقال: أودى" ولم يقل "أَوْدَتْ"؛ لأن الحوادث في معنى الحَدَثَانِ، وقال الآخر:
[٤٧٠]
أَلَا هَلَكَ الشِّهَابُ المُسْتَنِيرُ ومِدْرَهُنَا الكَمِيُّ إذا نُغِيرُ
_________________
(١) أنشد بن منظور هذين البيتين "ح د ث" من غير عزو، والمدره -بسكر الميم وسكون الدال وفتح الراء- السيد الشريف والمقدم في اللسان واليد عند الخصومة والقتال، وقيل: هو رأس القوم والمدافع عنهم، وقيل: زعيم القوم وخطيبهم والمتكلم عنهم والذي يرجعون إلى رأيه، وكل هذه عبارات متقاربة، وقال الشاعر: وأنت في القوم أخو عفة ومدره القوم غداة الخطاب والكمي -بفتح الكاف وكسر الميم وتشديد الياء- الشجاع المتكمي في سلاحه، أي المستتر فيه، وكان من عادة الفرسان إذا كان عليهم ثارات أن يتكموا في السلاح مخافة أن يأخذهم أحد من ذوي الثارات غدرا، ونغير: من الغارة وهي الهجوم على العدو وقوله "وحمال المئين إلخ" وصفه بالكرم بعد وصفه بالشجاعة واللسن، ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "ألمت بنا الحدثان" حيث ألحق تاء التأنيث بالفعل المسند إلى الحدثان، مع أن الحدثان مذكر، لأن الحدثان يطلق عليه لفظ الحوادث، والحوادث مؤنث لكونه جمع حادثة، فقد راعى الشاعر معنى الحدثان وألحق به التاء بناء على هذا المعنى، والواقع في هذا البيت عكس الواقع في البيت السابق كما سمعت في كلام ابن منظور وهذا ظاهر. ونظيره قول أبي ذؤيب وهو من شواهد سيبويه "١/ ٢٣٨": بعيد الغزاة فما إن يزال مضطمرا طرّتاه طليحا والشاهد فيه قوله "مضطمرا طرتاه" حيث حذف التاء من الوصف الذي هو مضطمر مع أنه مسند إلى مثنى مؤنث -وهو قوله "طرتاه"- وذلك لأن الطرة يطلق عليه الجانب، والجانب مذكر، ونظيره قول الفرزدق، وهو من شواهد سيبويه أيضا: وكنا ورثناه على عهد تبع طويلا سواريه شديدا دعائمه ومحل الشاهد منه قوله: "طويلا سواريه" وقوله: "شديدا دعائمه" حيث حذف التاء من الوصفين، مع أن كل واحد من فاعلي الوصفين جمع تكسير مفرده مؤنث فمفرد الدعائم دعامة ومفرد السواري سارية، ويجري في هذا ما ذكرناه لك في شرح الشاهد ٤٦٩. وقال ابن منظور: "الأزهري: وربما أنثت العرب الحدثان يذهبون به إلى الحوادث وأنشد الفراء هذين البيتين: ألا هلك الشهاب المستنير البيتين قال: وقال الفراء: تقول العرب: أهلكتنا الحدثان" ا. هـ. واستمع إلى كلام ابن يعيش فإنه يقرر ما ذكرناه لك من رأينا في هذا التخريج، قال "ص٦٩٩" واعلم أن الجموع تختلف، فما كان من الجمع مكسرا فأنت مخير في تذكير فعله وتأنيثه، نحو قام الرجال وقامت الرجال، من غير ترجيح، لأن لفظ الواحد قد زال بالتكسير، وصارت المعاملة مع لفظ الجمع؛ فإن قدرته بالجمع ذكرته، وإن قدرته =
[ ٢ / ٦٣١ ]
وحَمَّالُ المِئِينَ إذا أَلَمَّتْ بنا الحدثانُ، والأنف النّصُورُ
فقال: "أَلَمَّتْ" لأنه ذهب بالحدثان إلى معنى الحوادث، وقال الآخر:
[٤٧١]
إن الأمور إذا الأحداث دَبَّرَهَا دون الشيوخ ترى في بعضها خَلَلَا
فقال "دَبَّرَهَا" لأنه ذهب إلى معنى الحدث؛ لأن الحدث ههنا يؤدّي عن الجمع، وقال الآخر:
[٤٧٢]
هنيئا لسعد ما اقتضى بعد وقعتي بناقة سعد والعَشِيَّةُ بَارِدُ
_________________
(١) = بالجماعة أنثته، قال الشاعر: أخذ العذارى عقدها فنظمنه وقال الراجز: إذا الرجال ولدت أولادها واضطربت من كبر أعضادها وجعلت أوصابها تعتادها فهي زروع قد دنا حصادها وما كان منه مجموعا جمع السلامة فما كان منه لمؤنث -نحو المسلمات والهندات- كان الوجه تأنيث الفعل، وإن كان الجمع للمذكرين بالواو والنون فالوجه تذكير الفعل فيه" ا. هـ المقصود منه.
(٢) الأحداث: جمع حدث -بفتح الحاء والدال جميعا- وهو الشاب الفتي السن، ويجمع أيضا على حدثان -بضم فسكون، أو بكسر فسكون- وعلى حدثان -بضم ففتح- والأنثى حدثه، والشيخ: الرجل الذي استبانت فيه السن وظهر عليه الشيب "وانظر شرح الشاهد ٤٠٩" وجمعه شيوخ، وأشياخ، وشيخان -بكسر الشين- نظير ضيف وضيفان، ويقال للأنثى: شيخة، قال عبيد: باتت على أرم عذوبا كأنها شيخة رقوب وأصل تدبير الأمر أن تنظر إلى ما تئول إليه عاقبته، تقول: دبّر الأمر تدبيرًا، وتدبره تدبرا. والمعنى لو أن الأمور قد وكل تدبيرها إلى الأحداث من الشبان وترك فيه الشيوخ ذوو الرأي والحنكة والتجربة لاختل نظامها وانفرط عقدها، ومحل الاستشهاد من البيت قوله: "إذا الأحداث دبرها" حيث أسند الفعل -الذي هو دبر- إلى ضمير غيبة يعود إلى جمع تكسير مفرده مذكر -وهو الأحداث- وجرد هذا الفعل من تاء التأنيث، وقد بينا لك فيما مضى رأينا في هذه المسألة، ودللناك على أننا لم نبتدع هذا الرأي بما أثرناه لك من أقوال العلماء.
(٣) أنشد الشريف المرتضى هذا البيت في أماليه "١/ ٧١ ط الحلبي" من غير عزو، والعشي والعشية -بفتح العين وكسر الشين وتشديد الياء فيهما- يقال: هو الوقت من صلاة المغرب إلى العتمة، وتقول أتيته عشى أمس، وعشية أمس، وقال أبو الهيثم: إذا زالت الشمس دعي ذلك الوقت العشي فتحول الظل شرقيا وتحولت الشمس غربية، وقال الأزهري: يقع العشي على ما بين زوال الشمس إلى غروبها، وقيل العشي من زوال الشمس إلى الصباح. والبرد: ضد الحر، وبرد الشيء يبرد -على مثال قعد يقعد- برودة، وماء برد =
[ ٢ / ٦٣٢ ]
فقال "بارد" لأنه حمل العشية على معنى العَشِيِّ. وقال الآخر:
[٤٧٣]
وإنَّ كلابا هذه عَشْرُ أَبْطُنٍ وأنت بريء من قبائلها العَشْرِ
فقال "عشر أبطن" ولم يقل "عشرة" لأن البطن بمعنى القبيلة، وقال الآخر:
[٤٧٤]
وقائع في مضر تسعةٌ وفي وائلٍ كانت العاشرة
_________________
(١) = وبارد وبرود، وقال الجوهري: برد الشيء -بالضم- وبردته أنا فهو مبرود، وبرّدته تبريدا. ومحل الاستشهاد من البيت قوله: "والعشية بارد" حيث أخبر عن العشية وهي مؤنثة ببار، وأسقط تاء التأنيث، وقد علمنا أن لحاق تاء التأنيث في مثل هذا الموضع واجب، سواء أكان المؤنث الذي هو مرجع الضمير المستتر هنا في الوصف حقيقي التأنيث أم كان مجازي التأنيث، ولكن الشاعر استساغ أن يسقط تاء التأنيث لأن العشية يطلق عليها عشي، فلحظ المعنى؛ فعامل الفعل كما لو كان مسندا لضمير العشي.
(٢) أنشد ابن منظور "ب ط ن" هذا البيت من غير عزو، وهو من شواهد سيبويه "٢/ ١٧٤" ونسبه إلى رجل من كلاب، ولم يزد الأعلم في التعريف بقائله عن ذلك، وأنشده ابن الناظم في باب العدد من شرح الألفية، وشرحه العيني "٤/ ٤٨٤" وقال: "قائله رجل من بني كلاب، يسمى النواح" وأنشده ابن جني في الخصائص "٢/ ٤١٧" والأشموني "رقم ١١٢٦" وأبو العباس المبرد في الكامل "١/ ٣٨٨ الخيرية" قال الأعلم "هجا رجلًا ادّعى نسبه في بني كلاب، فذكر أن بطون بني كلاب عشرة، ولا نسب له معلوم في أحدهم" ا. هـ. ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله: "عشر أبطن" والأبطن: جمع بطن، والبطن مذكر، فكان ينبغي أن يقول "عشرة أبطن" لأن اسم العدد من ثلاثة إلى عشرة يؤنث مع المذكر ويذكر مع المؤنث، إلا أنه حذف التاء نظرا إلى المعنى، فإنه عنى بالبطن القبيلة، بدليل قوله فيما بعد "من قائلها العشر" والقبيلة مؤنثة، فاسم العدد معها يكون مذكرا، قال ابن جني "وذهب بالبطن إلى القبيلة، وأبان ذلك بقوله: من قبائلها" ا. هـ، وقال الأعلم "الشاهد فيه تأنيث الأبطن وحذف الهاء من العدد المضاف إليها حملًا على معنى القبائل، لأنه أراد بالبطن القبيلة، وقد بيّن ذلك بقوله: من قبائلها العشر" ا. هـ، وقال ابن منظور "فأما قوله: وإن كلابا هذه فإنه أنث على معنى القبيلة، وأبان ذلك بقوله من قبائلها العشر" ا. هـ.
(٣) الوقائع: جمع وقيعة، وهي مثل الموقعة والواقعة والوقعة، كلهن يطلق على المعركة التي تدور بين فئتين من الناس ومحل الاستشهاد من البيت قوله: "تسعة" فإنه أنث اسم العدد، والمعدود به مؤنث، ومن حق العربية عليه أن يأتي باسم العدد مذكرا فيقول: "وقائع في مضر تسع" إلا أن العرب تطلق على الموقعة "اليوم" ويقولون "أيام العرب" وهم يريدون مواقعها، فلذلك أنث اسم العدد لأنه أراد بالوقائع الأيام، والأيام مذكرة. هذا بيان كلام المؤلف وإيضاحه، ولي في هذا الموضوع رأي يصير به كلام الشاعر صحيحا من غير حاجة إلى تأويل ولا حمل على المعنى، وملخص هذا الرأي =
[ ٢ / ٦٣٣ ]
فقال "تِسْعَة" ولم يقل "تِسْعٌ" لأنه حمل الوقائع على الأيام، يقال: فلان عالم بأيام العرب، أي بوقائعها، وقال الآخر: وهو عمر بن أبي ر بيعة:
[٤٧٥]
وكان مِجَنِّي دون من كنت أتقي ثلاثُ شُخُوصٍ كَاعِبَانِ ومُعْصِرُ
_________________
(١) = أنك في ذكر العدد ومعدوده إما أن تذكرهما على طريقة العدد فتضيف اسم العدد إلى معدوده فتقول: عندي عشرة رجال أو لي بأس، وعندي عشر نساء ذوات خفر، وفي هذه الحال يجب مراعاة ما قاله النحاة في باب العدد فتذكر اسم العدد مع المعدود المؤنث وتؤنث اسم العدد مع المعدود المذكر كما سمعت في المثالين، وإما أن تأتي بالعدد ومعدوده على طريق الوصف فتقول: هؤلاء رجال عشر، وأولئك نساء عشرة، وفي هذه الحال يتنازعك أصلان: أحدهما أصل العدد ومعدوده الذي بيناه، وثانيهما النعت ومنعوته، وهذا يستلزم تأنيث النعت إذا كان منعوته مؤنثا وتذكير النعت إذا كان منعوته مذكرا، وأنت بالخيار بين أن تستجيب لأي الأصلين، نعني أنه يجوز لك أن تراعي قاعدة العدد والمعدود فتذكر اسم العدد مع المعدود المؤنث فتقول: النساء العشر وتؤنث العدد مع المعدود المذكر فتقول: الرجال العشرة، ويجوز لك أن تراعي قاعدة النعت مع منعوته فتذكر اسم العدد مع المنعوت المذكر فتقول: الرجال العشر، وتؤنث مع المؤنث فتقول: النساء العشرة، وعلى هذا يكون قول الشاعر "وقائع في مضر تسعة" قد جاء على أحد الطريقين الجائزين له، وهو طريق النعت مع منعوته.
(٢) هذا البيت هو السادس والخمسون من رائيه عمر بن أبي ربيعة الطويلة "انظر الديوان ٩٢-١٠٣ بتحقيقنا" ومنها الشاهد ٣٨٠ الذي سبق في المسألة رقم ٨١، وهذا البيت من شواهد سيبويه "٢/ ١٧٥" ورضي الدين في باب العدد من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "٣/ ٣١٢" وابن جني في الخصائص "٢/ ٤١٧" والأشموني "رقم ١١٢٥" وابن هشام في أوضح المسالك "رقم ٥٢٤" وابن الناظم في باب العدد من شرح الألفية، وشرحه العيني "٤/ ٤٨٣ بهامش الخزانة" والمجنّ بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون -أصله اسم الآلة من "جنّة يجنّه" إذا ستره وأخفاه، وسموا الترس مجنًّا لأنه يستر بدن المحارب، والكاعب من النساء: هي الجارية حين يبدو ثديها للنهود والاكتناز، والمعصر: الجارية أول ما أدركت زمن البلوغ. ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله: "ثلاث شخوص" حيث أتى باسم العدد مذكرا مع أنه مضاف إلى معدود مذكر، ولو أنه أتى به على وفق ما يقتضيه الاستعمال العربي لقال "ثلاثة شخوص" بالتاء، لما ذكرنا لك من العلة في شرح الشواهد السابقة، ولكنه لحظ المعنى، ذلك بأنه أراد بالشخوص هنا نساء بدليل تفصيلهن بقوله: "كاعبان ومعصر" ولو أنه ذكرها بلفظ النساء لكان يقول: "ثلاث نساء" فلما أراد بالشخوص النساء عاملها معاملة ما هو بمعناها، قال ابن جني "أنّث الشخص لأنه أراد به المرأة" ا. هـ. وقال الأعلم "الشاهد في قوله ثلاث شخوص بحذف الهاء حملًا على المعنى؛ لأنه أراد بالشخص المرأة، فأنّث العدد لذلك" ا. هـ.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
فقال "ثلاث" ولم يقل "ثلاثة" لأنه عَنَى بالشخوص نِساءً، فحمله على المعنى، وقال الآخر، وهو الحطيئة:
[٤٧٦]
ثلاثة أَنْفُسٍ وثلاثُ ذَوْدٍ لقد جَارَ الزَّمَانُ على عِيَالي
فقال "ثلاثة أنفس" ولم يقل "ثلاث" حملًا على المعنى، وقال القَتَّالُ الكلابي:
[٤٧٧]
قَبَائِلُنَا سَبْعٌ، وأَنْتُم ثلاثةٌ وللسَّبْعُ خيرٌ من ثلاثٍ وأكثرُ
_________________
(١) هذا البيت من كلام الحطيئة، وقبله: أذئب القفر أم ذئب أنيس أصاب البكر، أم حدث الليالي؟ وهو من شواهد سيبويه "٢/ ١٧٥" ورضي الدين في باب العدد من شرح الكافية وشرحه البغدادي في الخزانة "٣/ ٣٠١" والأشموني "رقم ١١٢٧" وابن هشام في أوضح المسالك "رقم ٥٢٣" وابن الناظم في باب العدد من شرح الألفية، وشرحه العيني "٤/ ٤٨٥ بهاشم الخزانة" والذّود -بفتح الذال المعجمة وسكون الواو وآخره دال مهملة- هو اسم جمع يطلق على ما بين الثلاثة إلى العشرة من الإبل، وليس له واحد من لفظه، وفي مثل من أمثال العرب "الذود إلى الذود إبل" يعنون أن القليل يضم إلى القليل فيصير كثيرًا، يضرب في الحثّ على التدبير، والنحاة يستشهدون من هذا البيت في موضعين: أما الموضع الأول ففي قوله: "ثلاث أنفس" حيث أتى بلفظ العدد مقترنًا بالتاء مع أنه مضاف إلى معدود مؤنث، وهو الأنفس الذي هو جمع نفس، والدليل على أن النفس مؤنثة قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] إلا أن النفس قد يطلق عليها لفظ شخص والشخص مذكر، فلحظ الشاعر ذلك وعبر بالأنفس وهو يريد الأشخاص؛ فلذلك أتى باسم العدد كما يأتي به مع المعدود المذكر، ولو راعى لفظ المعدود الذي ذكره لقال "ثلاث أنفس" قال الأعلم "الشاهد في تذكير الثلاثة وإن كانت النفس مؤنثة لأنه حملها على الشخص وهو مذكر" ا. هـ، وهذا الموضع هو الذي يعينه المؤلف هنا من الاستشهاد بهذا البيت. والموضع الثاني: في قوله: "وثلاث ذود" حيث أضاف لفظ العدد إلى اسم الجمع الذي هو الذود، والأصل أن يضاف اسم العدد إلى جمع تكسير من جموع القلة، فإن لم يكن للمفرد جمع تكسير من جموع القلة انتقل إلى جمع تكسير من جموع الكثرة، وأنت خبير أن اسم الجمع ليس له واحد من لفظه، وبأن الجمع لا بد أن يكون على زنة من أوزان الجمع المعروفة، واسم الجمع لا يكون على إحدى هذه الأوزان غالبًا، وفي الحديث "ليس فيما دون خمس ذود صدقة" ونظيره قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٤٨] .
(٢) هذا البيت من شواهد سيبويه "٢/ ١٧٥" ونسبه إلى القتال الكلابي، وأقر الأعلم هذه النسبة، والقبائل: جمع قبيلة، ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله: "وأنتم ثلاثة" مع أنه يريد أن يقابلهم بنفسه، فهو يريد أن يقول: نحن سبع قبائل وأنتم ثلاث قبائل، فكان ينبغي أن يقول: وأنتم ثلاث، إلا أن القبيلة قد يطلق عليها لفظ البطن كما تطلق القبيلة على
[ ٢ / ٦٣٥ ]
فقال "ثلاثة" ولم يقل "ثلاث" حملًا على المعنى، وقال لبيد:
[٤٧٨]
فَمَضَى وقَدَّمَهَا، وكانت عادَةً منه إذا هي عرَّدَتْ إقدَامُهَا
فقال "كانت" لأن الإقدام في معنى التَّقْدِمة، وقال الآخر:
[٤٧٩]
يا أيُّها الراكب المُزْجِي مَطِيَّتَهُ سائل بني أسدٍ: ما هذه الصَّوْتُ؟
_________________
(١) = البطن، وقد ذكرنا ذلك من الشاهد رقم ٤٧٣، لذلك جاء الشاعر هنا بلفظ ثلاثة مقترنًا بالتاء كما لو كان المعدود مذكرًا، من قبل أنه أراد المعنى فكأنه قال: وأنتم ثلاثة أبطن، قال الأعلم "الشاهد في قوله ثلاثة بإثبات الهاء وهو يريد القبائل، حملا على البطون؛ لأن معنى البطن والقبيلة واحد" ا. هـ.
(٢) هذا البيت هو البيت الثالث والثلاثون من معلقة لبيد بن ربيعة العامري "انظر شرح التبريزي على القصائد العشر ص١٤٢ ط السلفية" والضمير المستتر في "مضى" يعود إلى حمار الوحش الذي يصفه، والضمير البارز المتصل في "قدمها" يعود على الأتان، يريد أنه مضى وقدمها لكيلا تعند عليه، وعردت: تركت الطريق وعدلت عنه، واسم كان هو الإقدام، وخبرها هو قوله "عادة" ومحل الاستشهاد من البيت قوله "وكانت عادة إقدامها" حيث ألحق بالفعل الذي هو كان تاء التأنيث مع أن المسند إليه وهو الإقدام مذكر، قال التبريزي "زعم الكوفيون أنه لما أولى كان خبرها وفرق بينها وبين اسمها توهم التأنيث فأنّث، وكان الكسائي يجيز: كانت عادة حسنة عطاء الله، وكان يقول: إذا كان خبر كان مؤنثا واسمها مذكرا وأوليتها الخبر فمن العرب من يؤنث كأنه يتوهم أن الاسم مؤنث إذا كان الخبر مؤنثًّا، وقال غير الكسائي: إنما بني كلامه على: وكانت عادة تقدمتها، لأن التقدمة مصدر قدمها، إلا أنه انتهى إلى القافية فلم يجد التقدمة تصلح لها فقال إقدامها".
(٣) هذا البيت لرويشد بن كثير الطائي، وقد أنشده ابن منظور "ص وت" وعزاه إليه، وأنشده ابن يعيش في شرح المفصل "ص٦٩٠" وابن جني في الخصائص "٢/ ٤١٦" وهو أول ثلاثة أبيات اختارها أبو تمام حبيب بن أوس الطائي في ديوان الحماسة "انظر شرح التبريزي ١/ ١٦٤ بتحقيقنا وشرح المرزوقي ١٦٦" والمزجي: اسم الفاعل من أزجى يزجي، ومعناه السائق، والمطية: كل ما يركبه الإنسان، أخذ هذا اللفظ من المطا -بوزن الفتى- وهو الظهر؛ أو من المطو وهو السرعة، وجملة "ما هذه الصوت" في موضع المفعول لسائل، ويروى "بلع بني أسد" ومحل الاستشهاد من هذا البيت هنا قوله "ما هذه الصوت" حيث جاء باسم الإشارة الموضوع للمفردة المؤنثة وأشار به إلى الصوت وهو مفرد مذكر، وإنما فعل ذلك لأن الصوت يطلق عليه لفظ "الجلبة" أو "الضوضاء" أو "الصيحة" وكل واحد من هذه الألفاظ مؤنث، قال ابن جني "ذهب إلى تأنيث الاستغاثة، وحكى الأصمعي عن أبي عمرو أنه سمع رجلا من أهل اليمن يقول: فلان لغوب، جاءته كتابي فاحتقرها، فقلت له: أتقول جاءته كتابي؟ فقال: نعم أليس بصحيفة؟ قلت: فما اللغوب؟ قال: الأحمق، وهذا في النثر كما ترى، وقد علله" ا. هـ. وقال التبريزي "وأراد بالصوت الجلبة أو الصيحة، وهذا الكلام تهكم، ويجوز أن يكون المراد بقوله ما هذه الصوت ما هذه القصة التي تتأدى إلي عنكم؟ يقال ذهب صوت هذا الأمر في الناس، أي انتشر، فكأنه على هذا يوهمهم أنه لم يصح =
[ ٢ / ٦٣٦ ]
فقال "هذه" لأن الصوت في معنى الصيحة، وقال الآخر:
[٤٨٠]
وكانت من سَجِيَّتِنَا الغَفْرُ
_________________
(١) = عنده ما يقال، وأنهم -إن لم يقيموا المعذرة والدلالة على براءة ساحتهم- عاقبهم" ا. هـ. وقال ابن منظور "الصوت: الجرس، معروف مذكر، فأما قول رويشد بن كثير الطائي: يا أيها الراكب المزجي مطيته البيت فإنما أنّثه لأنه أراد به الضوضاء والجلبة على معنى الصيحة أو الاستغاثة، قال ابن سيده: وهذا قبيح من الضرورة -أعني تأنيث المذكر- لأنه خروج عن أصل إلى فرع، وإنما المستجاز من ذلك ردّ التأنيث إلى التذكير؛ لأن التذكير هو الأصل، بدلالة أن الشيء مذكر، وهو يقع على المذكر والمؤنث؛ فعلم بهذا عموم التذكير وأنه هو الأصل الذي لا ينكر، ونظير هذا الشذوذ قوله وهو من أبيات الكتاب "كتاب سيبويه ١/ ٢٥": إذا بعض السنين تعرقتنا كفى الأيتام فقد أبي اليتيم قال: وهذا أسهل من تأنيث الصوت، لأن بعض السنين سنة، وهي مؤنثة وهي من لفظ السنين، وليس الصوت بعض الاستغاثة ولا من لفظها" ا. هـ. ونظير ذلك قول حاتم الطائي: أماوي قد طال التجنب والهجر وقد عذرتني في طلابكم العذر
(٢) هذه قطعة من بيت، وهو بتمامه: أزيد بن مصبوح، فلو غيركم جنى غفرنا، وكانت من سجيتنا الغفر وقد أنشده بتمامه التبريزي في شرح القصائد العشر "ص١٤٢ ط السلفية" وأنشده عجزه ابن منظور "غ ف ر" ولم يعزواه والسجية -بفتح السين وكسر الجيم وتشديد الياء المثنّاه- الطبيعة والخليقة والخصلة، والغفر -بفتح فسكون- أحد مصادر "غفر ذنبه يغفره من مثال ضرب يضرب" ومغفرة، وغفرانا، وغفرًا -بضم الغين- وغفورا، وغفيرة، وغفيرا، وقد قال أعرابي يدعو ربه: أسألك الغفيرة، والناقة الغزيرة، والعزّ في العشيرة، فإنها عليك يسيرة. ومحل الاستشهاد من هذا البيت في هذا الموضع قوله "وكانت من سجيتنا الغفر" حيث أحلق تاء التأنيث بكان مع أن اسمها مذكر وهو قوله الغفر، وقد تقدم نظير ذلك في الشاهد رقم ٤٧٨ وذكرنا هناك أن العلماء يغتفرون مثل ذلك في كان إذا كان اسمها مذكرا وقد فصل بخبرها بينها وبين اسمها، وقد اختلف العلماء في تخريج العبارة التي في بيت الشاهد الذي معنا الآن، فمنهم من يسلك الطريق التي سلكها العلماء في الشواهد السابقة، فيذكر أنه أنّث هنا مراعاة للمعنى لأن الغفر يطلق عليه المغفرة والغفيرة، وكل منهما مؤنث اللفظ، ومنهم من يقول: إن خبر كان محذوف، وهو مؤنث، وأصل الكلام: وكانت الغفر سجية من سجيتنا، فلما كان الغفر مخبرًا عنه بالسجية كان مؤنثًا فلذلك أنّث الفعل، قال ابن منظور "فأما قوله: وكانت من سجيتنا الغفر فإنما أنّث الغفر لأنه في معنى المغفرة" ا. هـ. وقال التبريزي "زعم الكسائي أنه أنّث كانت لأنه أراد: كانت سجية من سجايانا الغفر، وقال الذي خالفه: بل بني على المغفرة، فلما انتهى إلى آخر البيت والمغفرة لا تصلح له، فقال الغفر، لأن الغفر والمغفرة مصدران" ا. هـ. قال الفرّاء: وكل قد ذهب مذهبًا، وقول الكسائي أشبه بمذهب العرب" ا. هـ.
[ ٢ / ٦٣٧ ]
أي: المَغْفِرَة، وقال الآخر، وهو طُفَيْل الغَنَوي:
[٤٨١]
إذ هي أَحْوَى، من الرِّبْعِيِّ، حاجِبُهُ والعين بالإِثْمِدِ الحَارِيِّ مَكْحُولُ
ولم يقل "مكحولةٌ" لأن العين في المعنى عُضْو، وقال الآخر:
[٤٨٢]
أرى رجلا منهم أسيفا كأنما يضُمُّ إلى كَشْحَيهِ كفًّا مُخَضَّبَا
_________________
(١) هذا البيت من كلام طفيل الغنوي، وهو من شواهد سيبويه "١/ ٢٤٠" وابن يعيش في شرح المفصل "ص١٣٦٤" والأحوى: الظبي الذي في ظهره وجنبتي أنفه خطوط سود، مأخوذ من الحوّة التي هي السواد، وقوله "من الربعي" أي من الصنف المولود في زمن الربيع، وهو أبكر وأفضل، والحاري: المنسوب إلى الحيرة على غير قياس، والقياس حيري، ومحل الاستشهاد ههنا من هذا البيت قوله "والعين بالإثمد الحاري مكحول" حيث أخبر بمكحول وهو وصف مذكر عن العين وهو مؤنثة، وقد علمنا أنه يجب تطابق المبتدأ وخبره في التذكير والتأنيث، وقد جعله سيبويه من باب مراعاة المعنى، وبيان ذلك أن العين يطلق عليها لفظ طرف، وهو مذكر، فالشاعر لحظ العين على أنها طرف فأخبر عنها كما يخبر عن الطرف، وجعل غير سيبويه قوله "مكحول" خبرا عن قوله "حاجبه" ويكون قوله "والعين" له خبر محذوف يدل عليه خبر حاجبه، وكأنه قد قال: حاجبه مكحول بالإثمد الحاري والعين كذلك، وجملة "والعين كذلك" معطوفة بالواو على جملة "حاجبه مكحول" والذي رآه غير سيبويه خير مما رآه سيبويه الذي تبعه المؤلف لوجهين: الأول أنه لا يلزم على ما رآه غير سيبويه ارتكاب ضرورة ولا إجراء الكلام على غير المنهج المطرد في كلام العرب، والوجه الثاني أنه يجري على قاعدة ارتضاها النحاة جميعا، وهي أنه إذا دار الكلام بين أن يكون الحذف من الأول لدلالة الثاني على المحذوف ومن الثاني لدلالة الأول على المحذوف كان الأفضل اعتبار الحذف من الثاني لدلالة الأول عليه، وانظر شرح الشاهد رقم ٤٦ في المسألة ١٣، نعم يلزم على الأول أن تجيء بالمعطوف قبل تمام المعطوف عليه. قال الأعلم "الشاهد فيه تذكير مكحول، وهو خبر عن العين وهو مؤنثة، لأنها في معنى الطرف، ويجوز أن يكون خبرا عن الحاجب، فيكون التقدير: حاجبه مكحول بالإثمد والعين كذلك، فلا تكون فيه ضرورة، إلا أن سيبويه حمله على العين لقرب جوارها منه" ا. هـ.
(٢) هذا هو البيت الثالث والعشرون من قصيدة للأعشى ميمون بن قيس "الديوان ص٨٨-٩١ فينا" ومطلعها: كفى بالذي تولينه لو تجنبا شفاء لسقم بعد ما كان أشيبا وقد أنشد بيت الشاهد ابن منظور "خ ض ب - ك ف ف - ب ك ي" وأبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب في مجالسه "ص٤٧" وأبو العباس المبرد في الكامل "١/ ١٦ الخيرية" وفي الديوان واللسان "خ ض ب" "أرى رجلًا منكم" وفي اللسان مرتين والكامل "منهم" كما رواه المؤلف، والأسيف: الأسير، قال المبرد: والأسيف يكون الأجير، ويكون الأسير، فقد قيل في بيت الأعشى: أرى رجلا منهم أسيفا البيت
[ ٢ / ٦٣٨ ]
فقال: "مخضبا" لأن الكفّ في المعنى عضو.
والحمل على المعنى أكثر في كلامهم من أن يُحْصَى، فكذلك ههنا.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم: "إن علامة التأنيث إنما دخلت للفصل بين المذكر والمؤنث، ولا اشتراك بين المذكر والمؤنث في هذه الأوصاف" قلنا: الجواب عن هذا من ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن هذا يبطل بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢] ولو كانت علامة التأنيث إنما تدخل للفصل بين المذكر والمؤنث لكان ينبغي أن لا تدخل ههنا؛ لأن هذا وصف لا يكون في المذكر، فلما دخلت دلَّ على فساد ما ذهبوا إليه.
والوجه الثاني: أنه لو كان سبب حذفه علامة التأنيث من هذا النحو وجود الاختصاص وعدم الاشتراك لوجب أن لا يوجد الحذف مع وجود الاشتراك وعدم الاختصاص في نحو قولهم "رجل عاشق، وامرأة عاشق" و"رجل عانس،
_________________
(١) = المشهور أنه من التأسف لقطع يده، وقيل: بل هو أسير قد كبلت يده، ويقال: قد جرحها الغلّ، والقول الأول هو المجتمع عليه" ا. هـ. والكشح -بفتح الكاف وسكون الشين وآخره حاء مهملة- من الخاصرة إلى الضلع الخلف، والكف: اليد، وهي مؤنثة بدليل قول بشر بن أبي خازم: له كفان كف كف ضر وكف فواضل خضل نداها فأعاد الضمير عليها في قوله "نداها" مؤنثا، ومحل الاستشهاد من هذا البيت في هذا الموضع قوله: "كفا مخضّبا" فإن الظاهر أن قوله: "مخضبا" نعت لقوله: "كفا" ومخضب وصف مذكر، وقد علمت أن من القواعد المقررة التي لا يختلف فيها أحد أن النعت الحقيقي يجب أن يطابق المنعوت في تذكيره وتأنيثه. ولهذا قال العلماء في بيت الشاهد: إنه ذكر النعت حملا على المعنى، وبيان ذلك أن الكف يطلق عليها لفظ "عضو" والعضو مذكر قال ابن منظور "خ ض ب": "ذكر على إرادة العضو، أو على [حد] قوله: فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها ويجوز أن يكون صفة لرجل، أو حالًا من المضمر في يضم، أو من المخفوض في كشحيه" ا. هـ. وقال في "ك ف ف": "فأما قول الأعشى: أرى رجلا منهم أسيفا البيت فإنه أراد الساعد فذكر، وقيل: إنما أراد العضو، وقيل: هو حال من ضمير يضم أو من هاء كشحيه" ا. هـ، فذكر ما ذكره في الموضع الأول إلا أن يكون مخضبا وصفا لقوله رجلا، والخطب في ذلك سهل، فإن جعل قوله مخضبا حالا من الضمير المستتر في يضم أو من الضمير البارز المتصل في قوله كشحيه مثل جعله صفة لقوله رجلا، وكل ذلك أضعف من الحمل على المعنى.
[ ٢ / ٦٣٩ ]
وامرأة عانس" إذا طال مكثهما لا يتزوجان، و"رجل عاقر، وامرأة عاقر" إذا لم يولدلهما، و"رأس ناصل من الخضاب، ولحية ناصل" و"جَمَل نازع إلى وطنه، وناقة نازع" و"جمل ضامر، وناقة ضامر" و"جمل بازل، وناقة بازل" في كلمات كثيرة قال زهير:
[٤٨٣]
فوقعتُ بين قُتُودِ عَنْسٍ ضامر لحَّاظَةٍ طَفَلَ العَشِيِّ سِنَادِ
وقال الأعشى:
[٤٨٤]
عَهْدِي بها في الحيّ قد سُرْبِلَتْ بيضاءَ مثل المُهْرَةِ الضامر
_________________
(١) هذا هو البيت الخامس من قصيدة لزهير بن أبي سلمى المزني "الديوان ٣٣٠-٣٣٢ دار الكتب" والقتود: عيدان الرحل، وواحدها قتد -بفتح القاف والتاء جميعا- والعنس -بفتح العين وسكون النون- الناقة، والضامر: يقال للذكر والأنثى، والضمور: لحوق البطن بالظهر، ولحاظة: صيغة مبالغة من اللحظ، ومعناه أن هذه الناقة تنظر وتتلفت حين اصفرت الشمس للمغيب، وهو الوقت الذي تكل فيه الإبل، وطفل العشي: منصوب على الظرفية، وهو الوقت قبيل الغروب، والسناد -بكسر السين- الشديدة، أو العظيمة، ومحل الاستشهاد من هذا البيت ههنا قوله "ضامر" فإنه وصف للعنس، وقد علمت أن العنس اسم للناقة، والناقة مؤنثة، وقد أتى بهذه الصفة من غير تاء، وذلك لأن هذا اللفظ يقال على المذكر والمؤنث بصيغة واحدة، فيقال: بعير ضامر، وناقة ضامر، ويقال: فرس ضامر، وجواد ضامر، قال ابن منظور "وجمل ضامر، وناقة ضامر -بغير هاء- أيضا، ذهبوا إلى النسب" ا. هـ. وقد مضى قولنا في الوصف الذي يقصد به الدلالة على النسب والذي يقصد به الدلالة على الحدوث، وأنه حين يقصد به الدلالة على النسب يطلق على المؤنث بدون تاء، فإذا أريد معنى الفعل وأن ذلك حدث الآن أو يحدث بعد لحقته التاء، وانظر الشاهد ٤٦٧ وشرحه.
(٢) هذا البيت هو البيت العاشر من قصيدة للأعشى ميمون بن قيس "الديوان ص١٠٤-١٠٨" ومطلعها قوله: شاقتك من قتلة أطلالها بالشط فالوتر إلى حاجر وقد أنشد بيت الشاهد ابن يعيش "ص٦٩٧" والعهد -بفتح العين وسكون الهاء- الالتقاء، والمعرفة، ومن العهد أن تعهد الرجل على حال أو في مكان، تقول: عهدي به في موضع كذا، وفي حال كذا، وعهدته بمكان كذا، وعهدي به قريب. و"عهدي بها" في بيت الشاهد مبتدأ خبره محذوف، أي عهدي بها حاصل، أو عهدي بها قريب أو ما أشبه ذلك، و"قد سربلت" جملة في موضع الحال من الضمير المجرور محلًّا بالباء، وسربلت -بالبناء للمجهول- أي ألبسوها السربال. ومحل الاستشهاد من هذا البيت وقوله "المهرة الضامر" حيث وصف "المهرة" وهي أنثى بالضامر من غير أن يؤنث الصفة بتاء التأنيث، وذلك يدل على أن لفظ الضامر يقال على الذكر والأنثى بصيغة واحدة من غير أن يميز بين الحالين في اللفظ، والغرض بهذا الرد على الكوفيين في قولهم: إن سقوط تاء التأنيث من طالق وحائص وطامث لكون هذه الصفات تختص بالإطلاق على الأنثى، ووجه الردّ أنه قد جاء =
[ ٢ / ٦٤٠ ]
وقال زهير:
[٤٨٥]
تُهَوِّنُ بُعْدَ الأرض عَنِّي فَرِيدَةٌ كِنَازُ البَضِيعِ سَهْوَةُ المَشْيِ بازلُ
قال لبيد:
[٤٨٦]
تَرْوِي المَحَاجِرَ بازل عُلْكُومُ
_________________
(١) = سقوط التاء من الوصف المراد به المؤنث في ألفاظ لا تختص بالمؤنث، بل تطلق على المؤنث وعلى المذكر، ولو أن ما ذكرتموه كان صحيحًا لم يقع ذلك في كلامهم، قال ابن يعيش بعد أن حكى مقالة الكوفيين: "وهو يفسد من وجوه، أحدها: أن ذلك لم يطرد فيما كان مختصا بالمؤنث، بل قد جاء أيضا فيما يشترك فيه الذكر والأنثى، قالوا: جمل بازل، وناقة بازل، وجمل ضامر، وناقة ضامر، قال الأعشى: عهدي بها في الحي قد سربلت البيت فإسقاط العلامة مما يشترك فيه القبيلان دليل على فساد ما ذهبوا إليه، وإن كان أكثر الحذف إنما وقع فيما يختص بالمؤنث، الثاني أنه ينتقض ما ذهبوا إليه بقولهم مرضعه بإثبات التاء فيما يختص بالمؤنث، الثالث أن التاء تلحق مع فعل المؤنث نحو حاضت المرأة وطلقت الجارية، ولو كان اختصاصه بالمؤنث يكفي فارقًا لم يفترق الحال بين الصفة والفعل، فاعرفه" ا. هـ كلامه.
(٢) هذا هو البيت التاسع من قصيدة لزهير بن أبي سلمى المزني يقولها في سنان بن أبي حارثة المري، وكان وهو شيخ كبير ركب بعيرًا ببطن نخل فذهب به فهلك "الديوان ٢٩٢-٣٠٠" ومطلعها قوله: لسلمى بشرقي القنان منازل ورسم بصحراء اللبيين حائل والفريدة: التي لا مثل لها، والبضيع: أراد لحمها، وهو جمع بضع -بفتح فسكون- ونظيره كلب وكليب، ومعنى "كناز البضيع" كثيرة اللحم صلبة، وسهوة المشي: سهلته، والبازل: التي بلغت أقصى السن، وذلك بعد نهاية السنة الثامنة، وما بعد البزول إلا النقصان، ومحل الاستشهاد من البيت هنا قوله "بازل" حيث وصف به الناقة من غير أن يلحق به تاء التأنيث، وذلك يدل على أن هذا اللفظ يستوي فيه المذكر والمؤنث، على نحو ما بيناه لك في شرح الشواهد السابقة.
(٣) هذا عجز بيت للبيد بن ربيعة العامري، وهو بتمامه: بكرت بها جرشية مقطورة تروي المحاجر بازل علكوم وقد أنشد هذا البيت ابن منظور "ق ط ر - ج ر ش - ع ل ك م" والجرشية بضم الجيم وفتح الراء- المنسوبة إلى جرش، وهو مخلاف من مخاليف اليمن، ومقطورة: أي مطلية بالقطران، قالوا: بعير مقطور، وقالوا: بعير مقطرن، أيضا، وقالوا: قطرت البعير والناقة، أي طليتها بالقطران، وقال امرؤ القيس: أيقتلني وقد شعفت فؤادها كما قطر المهنوءة الرجل الطالي؟ والمحاجر: أراد به الحديقة، والعلكوم -بوزن العصفور- الشديدة الصلبة، الناقة علكوم =
[ ٢ / ٦٤١ ]
وقال آخر:
[٤٨٧]
ببازلٍ وَجْنَاءَ أو عَيهَلِّ
كيف والأصمعي قد صنف في هذا النحو كتابًا؟!.
والوجه الثالث: وهو أنه لو كان الاختصاص سببا لحذف علامة التأنيث من اسم الفاعل لوجب أن يكون ذلك سببا لحذفها من الفعل؛ فيقال: المرأة طَلَقَ، وطَمِثَ، وحَاضَ، وحَمَلَ، كما يقال: طالق، وطامث، وحائص، وحامل؛ فلما
_________________
(١) = والجمل علكوم، وكل شديد صلب من الإبل وغيرها علكوم، وفي قصيدة كعب بن زهير والتي مدح بها رسول الله ﷺ: غلباء وجناء علكوم مذكرة في دفها سعة قدامها ميل ومحل الاستشهاد من هذا البيت ههنا قوله "بازل" حيث وصف الناقة به من غير أن يلحق به تاء التأنيث وذلك يدل على أن هذا اللفظ يطلق على الذكر والأنثى من غير تفرقة، على نحو ما بيناه لك في شرح الشواهد السابقة، وقد سمعت في شرح مفردات هذا البيت أن لفظ "علكوم" توصف به الناقة من غير تاء كما يوصف به الجمل، وسمعت بيت كعب الذي أتى فيه بعدة أوصاف للناقة كلها مؤنث بعلامة تأنيث وبينها "علكوم" بغير علامة تأنيث.
(٢) هذا بيت من مشطور الرجز لمنظور بن مرثد الأسدي، وربما نسبوا منظورا هذا إلى أمه، فقالوا: منظور ابن حبة، وقبله قوله: إن تبخلي يا هند أو تعتلي أو تصبحي في الظاعن المولي نسل وجد الهائم المغتل وقد أنشد ابن منظور هذه الأبيات "ع ي هـ ل" وعزاها إليه، وأنشدها بزيادة ثلا ثة أبيات بعدها أبو زيد في نوادره "ص٥٣" والبيت من شواهد سيبويه "٢/ ٢٨٢" وشواهد ابن جني في الخصائص "٢/ ٣٥٩" ورضي الدين في شرح شافية ابن الحاجب "رقم ١٢٧" وتبخلي: تمنعي وصلك، وتعتلي: تتذرعي بالعلل الواهية والأسباب المصنوعة، والظاعن: المفارق، والمولي: الذي يعطينا ظهره سائرا في غير طريقنا، والمغتل: رواه أبو زيد بالغين المعجمة على أنه مأخوذ من الغلة -بضم الغين- وهي في الأصل حرارة العطش، وأراد بها حرارة الشوق، ورواه ابن منظور بالعين المهملة، ومعناه ذو العلة وهي المرض، والبازل: تقدم أنه الناقة إذا اكتملت ثمان سنين ودخلت في التاسعة، والوجناء: الناقة الشديدة، والعيهل: أصله بوزن جعفر، ويقال: ناقة عيهل، وجمل عيهل، وربما قالوا: جمل عيهل، وناقة عيهلة -بالتاء- ومحل الاستشهاد من هذا البيت هنا قوله "ببازل" حيث أطلق هذا اللفظ على الناقة بدليل وصفها بالوجناء المؤنث بألف التأنيث، فيدل ذلك على أن البازل يطلق على المؤنث بغير علامة تأنيث، والكلام فيه كالكلام في الشواهد السابقة، والنحاة يستشهدون بهذا البيت لتشديد اللام في الوصل ضرورة، والأصل أن يكون تشديده عند الوقف ليعلم أنه متحرك في الوصل.
[ ٢ / ٦٤٢ ]
لم يجز أن تحذف علامة التأنيث من الفعل دلّ على أنه تعليل فاسد، ولا يلزم هذا على قول من حمله على المعنى كأنه قال: إنسان حائض؛ لأن الحمل على المعنى اتساع يُقْتَصر فيه على السماع، والتعليل بالاختصاص ليس باتساع، فينبغي أن لا يُقْتَصَر فيه على السماع، ولا يلزم أيضا على قول من حمله على النسب بوجه ما؛ لأنه جعل حائضا بمعنى ذات حيض، والفعل لا يدل على نفس الشيء؛ فيقال: إن هندا حاض، بمعنى هند ذات حيض، وإنما شأن الفعل الدلالة على المصدر والزمان، فبان الفرق بينهما، والله أعلم.
[ ٢ / ٦٤٣ ]
١١٢- مسألة: [عِلَّة حذف الواو من "يعد" ونحوه] ١
ذهب الكوفيون إلى أن الواو من نحو "يَعِدُ، ويَزِنُ" إنما حذفت للفرق بين الفعل اللازم والمتعدي. وذهب البصريون إلى أنها حذفت لوقوعها بين ياء وكسرة.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن الأفعال تنقسم إلى قسمين: إلى فعل لازم، وإلى فعل متعد، وكلا القسمين يقعان فيما فاؤه واو، فلما تغايرا في اللزوم والتعدي واتفقا في وقوع فائهما واوًا وجب أن يفرق بينهما في الحكم، فبقَّوا الواو في مضارع اللازم نحو "وجل يوجل، ووحل يوحل" وحذفوا الواو من المتعدي نحو "وعد يعد، ووزن يزن" وكان المتعدي أولى بالحذف؛ لأن التعدي صار عوضا من حذف الواو.
قالوا: ولا يجوز، أن يقال "إنهم إنما حذفوا الواو لوقوعها بين ياء وكسرة" لأنا نقول: هذا يبطل بقولهم "أعد ونعد وتعد" والأصل فيه: أوعد ونوعد وتوعد، ولو كان حذف الواو لوقوعها بين ياء وكسرة لكان ينبغي أن لا تحذف ههنا؛ لأنها لم تقع بين ياء وكسرة، ولكان ينبغي أن تحذف من قولهم "أوعد يوعد" بضم الياء فيقال: "يعد" لوقوعها بين ياء وكسرة، فلما لم تحذف دل على فسا د ما ذكرتموه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن الواو حذفت لوقوعها بين ياء وكسرة، وذلك لأن اجتماع الياء والواو والكسرة مستثقل في كلامهم، فلما اجتمعت هذه الثلاثة الأشياء المستنكرة التي توجب ثقلا وجب أن يحذفوا واحدا منها طلبًا للتخفيف، فحذفوا الواو ليخفّ أمر الاستثقال.
والذي يدل على صحة ذلك أن الواو والياء إذا اجتمعتا وكانا على صفة يمكن أن تدغم إحداهما في الأخرى قلبت الواو إلى الياء نحو "سيد، وميت" كراهية
_________________
(١) ١ انظر في هذه المسألة: شرح الأشموني بحاشية الصبان "٤/ ٢٨٥ بولا ق" وتصريح الشيخ خالد الأزهري "٢/ ٤٩٣".
[ ٢ / ٦٤٤ ]
لاجتماع المثلين، وإذا اجتمع ههنا ثلاثة أمثال الياء والواو والكسرة ولم يمكن الإدغام لأن الأول متحرك ومن شرط المدغم أن يكون ساكنا، فلما لم يمكن التخفيف بالإدغام وجب التخفيف بالحذف، فقيل: يعد ويزن، وحملوا "أعد ونعد وتعد" على "يعد" لئلا تختلف طرق تصاريف الكلمة، على ما سنبينه في الجواب إن شاء الله تعالى.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم: "إنما حذفت الواو من هذا النحو للفرق بين الفعل اللازم والمتعدي، فبقَّوُا الواو في اللازم وحذفوها من المتعدي" قلنا: هذا باطل؛ فإن كثيرا من الأفعال اللازمة قد حذفت منها الواو، وذلك نحو "وكَفَ البيت يَكِفَ، وونمَ الذباب يَنٍمُ، ووجد في الحزن يجد" إلى غير ذلك. والأصل فيها: وكف يَوْكِفُ، وونَمَ يَوْنِمُ، ووجد يَوْجِدُ، وكلها لازمة، ولو كان الأمر على ما زعمتم لكان يجب أن لا تحذف منه الواو، فلما حذفت دلّ على أنه إنما حذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، ولا نَظَرَ في ذلك إلى اللازم والمتعدي.
وأما "وجل يوجل، ووحل يوحل" فإنما لم تحذف منه الواو لأنه جاء على يَفْعَلُ بفتح العين، كعلم يعلم، فلم تقع الواو فيه بين ياء وكسرة، وإنما وقت بين ياء وفتحة، وذلك لا يوجب حذفها، وأما حذفهم لها من قولهم "ولغ يلغ"، وإن كانت قد وقعت بين ياء وفتحة فلأن الأصل فيه يَفْعِلُ بكسر العين كضرب يضرب، وإنما فتحت العين لوقوع حرف الحلق لامًا؛ فإن حرف الحلق متى وقع لامًا من هذا النحو فإن القياس يقتضي أن يفتح العين منه، نحو: قرأ يقرأ، وجبه يَجْبَهُ، وسَدَحَ يسدح، وشدخ يشدخ، وجمع يجمع، ودمع يدمغ، إلا ما جاء على الأصل نحو: نطح الكبش ينطح؛ ونبح الكلب ينبح، وكذلك أيضا إذا وقع حرف الحلق عينا فإنه يقتضي فتح العين أيضا، نحو: سأل يسأل، وجهد يجهد، ونحر ينحر، وفخر يفخر، ونعب ينعب، وفغر يفغر، إلا ما جاء على الأصل، نحو: نعق ينعق؛ فدل على أن "وجل يوجل" لا حجة لهم فيه. وفي وجل يوجل أربع لغات: أحدها تصحيح الواو، وهي اللغة المشهورة، واللغة الثانية "ياجَلُ" فتقلب الواو ألفا لمكان الفتحة قبلها وفرارًا من اجتماع الياء والواو إلى الألف، واللغة الثالثة قلب الواو ياء نحو "يَيْجَلُ" وذلك على طريقة سيد وميت وإن لم يمكن الإدغام لتحرك الأول، واللغة الرابعة "ييجل" بكسر الياء؛ لأنهم أرادوا أن يقلبوا الواو ياء فكسروا ما قبلها ليجري قلبها على سنن القياس في نحو ميعاد وميزان وميقات، والأصل فيها موعاد، وموزان، وموقات؛ لأنها من الوعد والوزن والوقت، إلا أن الواو لما
[ ٢ / ٦٤٥ ]
سكنت وانكسر ما قبلها قلبوها ياء، فكذلك ههنا: لمَّا لم يمكن الإدغام لما ذكرنا وكانت الواو تقلب في نحو سيد لإمكانه أحبوا أن يقلبوا الواو بسبب يستمر له القلب وهو كسر ما قبلها.
وأما قولهم "إنها لو كانت قد حذفت لوقوعها بين ياء وكسرة لكان ينبغي أن لا تحذف من "أعد، وتعد، ونعد"؛ لأنها لم تقع بين ياء وكسرة" قلنا: إنما حذفت ههنا وإن لم تقع بين ياء وكسرة حملا لحروف المضارعة -التي هي الهمزة والنون والتاء- على الياء، لأنها أخوات١، فلما حذفت الواو مع أحدها للعلة التي ذكرناها حذفت مع الآخر لئلا تختلف طُرُقُ تصاريف الكلمة، ليجرى الباب على سَنَن واحد، وصا ر هذا بمنزلة "أكرم" والأصل فيها "أأكرم" إلا أنهم كرهوا اجتماع همزتين، فحذفوا الثانية فرارًا من اجتماع همزتين طلبًا للتخفيف وكان حذف الثانية أولى من الأولى؛ لأن الأولى دخلت لمعنى والثانية ما دخلت لمعنى فلهذا كان حذف الثانية وتبقيه الأولى أولى. ثم قالوا "نكرم، وتكرم، ويكرم". فحذفوا الهمزة حملًا للنون والتاء والياء على الهمزة طلبا للتشاكل على ما بيّنا.
وأما قولهم "إنه لو كان الحذف لوقوعها بين ياء وكسرة كان يجب الحذف في قولهم "يوعد" ونحوه" قلنا: الجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أن هذا لا يصلح أن يكون نقضا على "يعد" لأن الواو ههنا ما وقعت بين ياء وكسرة؛ لأن الأصل في "يوعد" بضم الياء يُؤَوْعِد. كما أن الأصل في يُكْرِم يُؤَكْرِم، قال الشاعر:
[١]
فإنه أهل لأن يؤكرما
فلما كان الأصل يؤوعد بالهمزة فالهمزة المحذوفة حالت بين الواو والياء لأنها في حكم الثابتة، كما كانت الياء المحذوفة في قول الشاعر:
[٤٨٨]
وكَحَّلَ العينين بالعَوَاوِرِ
_________________
(١) هذا بيت من مشطور الرجز لجندل بن المثنى الطهوي، ويروون قبله قوله: غرك أن تقاربت أباعري وأن رأيت الدهر ذا الدوائر حنى عظامي وأراه ثاغري والبيت من شواهد سيبويه "٢/ ٣٧٤" والزمخشري في المفصل، وابن يعيش في شرحه "١٤٣١" ورضي الدين في شرح شافية ابن الحاجب "رقم ١٧٦" وشرحه البغدادي "ص٣٧٤ بتحقيقنا" وابن جني في الخصائص "١/ ١٩٥ و٣/ ١٦٤ و٣٢٦" وعزاه في المرة الأخيرة إلى ١ في ر "ولأنها أخوات" وظاهر أن الواو مقحمة.
[ ٢ / ٦٤٦ ]
في حكم الثابتة، ولولا ذلك لما صحت الواو، وكانت تقلب همزة؛ لوقوعها قبل الطرف بحرف؛ لأنهم يجرون ما قبل الطرف بحرف من هذا النحو مُجْرَى الطرف وهم يقلبون الواو إذا وقعت طرفا وقبلها ألف زائدة١ همزة؛ فههنا لما
_________________
(١) العجاج، وليس ذلك صحيحًا، وابن منظور "ع ور" والأشموني "رقم ١٢٢٢" وابن هشام في أوضح المسالك "رقم ٥٦٦" وتقاربت أباعري: كنى بذلك عن قلتها، وأراد أنه غير ذي ثراء، والدوائر: جمع دائرة، وأراد بها أحداث الزمان ومصائبه، وثاغري: يريد أنه مذهب أسنانه، والعواور: جمع عوار -بوزن رمان- وهو وجع في العين، وجعله كحلا على سبيل التهكم. ومحل الاستشهاد بالبيت هنا قوله "بالعواور" فإن أصله بالعواوير -بياء بعد الواو منقلبة عن ألف المفرد كما تقول في جمع قرطاس: قراطيس، والواو إذا كانت قريبة من طرف الكلمة بأن تكون قبل آخرها مباشرة تقلب همزة، وكذلك الياء، تقول في جمع أول أوائل، وفي جمع جيد وسيد وصائد: جيائد، وسيائد، وصيائد، وأصلهن: جياود، وسياود، وصوايد، فإن انفصلت الواو أو الياء من الطرف بياء مفاعيل لم تقلب همزة وبقيت على أصلها نحو طواويس ونواويس، وبحسب الظاهر كان يجب قلب الواو من العواور همزة؛ لأنها غير مفصولة من الطرف، إلا أنه لما كان مفرد هذا اللفظ هو عوار، وكان أصل جمعه العواوير -بياء فاصلة بين الواو وطرف الكلمة- إلا أن الراجز حذف هذه الياء للتخفيف، وهو يريدها، فكأنها موجودة، ولذلك لم يقلب الواو همزة، قال ابن جني "وصحة الواو في قوله: وكحل العينين بالعواور إنما جاء لإرادة الياء في العواوير وليعلم أن هذا الحرف ليس بقياس ولا منقاد" ا. هـ. وقال الأعلم "الشاهد فيه تصحيح واو العواور الثانية؛ لأنه ينوي الياء المحذوفة من العواوير، والواو إذا وقت في مثل هذا الموضع لم تهمز، لبعدها من الطرف الذي هو أحق بالتغيير والاعتلال، ولو لم تكن فيه ياء منوية للزم همزها، كما قالوا في جمع أول: أوائل، والأصل أواول" ا. هـ كلامه. وقال ابن منظور "فأما قوله: وكحل العينين بالعواور فإنما حذف الياء للضرورة، ولذلك لم يهمز، لأن الياء في نية الثبات، فكما كان لا يهمزها والياء ثابتة، كذلك لم يهمزها والياء في نية الثبات" ا. هـ. والعوار -بزنة رمان أيضا- الجبان، وجمعوه على عواوير، وربما قالوا فيه: عواور، فلم يهمزوا؛ لأنهم يريدون الياء وينوونها، قال الأعشى في العواوير بثبوت الياء: غير ميل ولا عواوير في الهيـ ـجا ولا عزل، ولا أكفال وقال لبيد يعاتب عمه في العواوير بحذف الياء مع نيتها: وفي كل يوم ذي حفاظ بلوتني فقمت مقاما لم تقمه العواور ١ وقوع الواو أو الياء طرفا وقبلهما ألف زائدة يوجب قلب كل منهما همزة ومثال ذلك كساء ورداء، وأصلها كساو ورداي، ووقوع الواو والياء قبل الطرف بحرف وقبلهما ألف زائدة يوجب قلب كل منهما =
[ ٢ / ٦٤٧ ]
صحت الواو دل على أن الأصل فيه "العواوير" بالياء كطواويس ونواويس، وإنما حذفت للضرورة، وإنما صحت الواو مع تقدير الياء لأنها قبل الطرف بحرفين، فبعدت عما تُقْلَب فيه الواو إذا وقعت طرفا؛ فلم تقلب همزة.
والوجه الثاني: أنهم لما حذفوا الهمزة من "يؤوعد" لم يحذفوا الواو؛ لأنه كان يؤدّي إلى الموالاة بين إعلالين، وهم لا يوالون بين إعلالين، ألا ترى أنهم قالوا "هَوَى، وغَوَى" فأبدلوا من الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ولم يبدلوا من الواو ألفا وإن كانت قد تحركت وانفتح ما قبلها، لأنهم لو فعلوا ذلك فأعَلُّوا الواو كما أَعَلُّوا الياء لأدّى ذلك إلى أن يجمعوا بين إعلالين، والجمع بين إعلالين لا يجوز، والله أعلم.
_________________
(١) = همزة ومثاله أوائل جمع أول وعيائل جمع عيل -بوزن سيد- وأصلهما أواول وعيايل، فإن وقعت الواو أو الياء قبل الطرف بحرفين وقبلهما ألف زائدة لم تقلبا همزة؛ لأنهما بعدتا عن الطرف بعدا حصّنهما من القلب، ومثال ذلك طواويس ونواويس وعواوير، فاعرف ذلك.
[ ٢ / ٦٤٨ ]
١١٣- مسألة: [وزن الخماسي المكرر ثانية وثالثة] ١
ذهب الكوفيون إلى أن "صَمَحْمَح ودَمَكْمَكَ" على وزن فعلَّل. وذهب البصريون إلى أنه على وزن فَعَلْعَلَ.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه على وزن فعلل، وذلك أن الأصل في "صمحمح ودمكمك صمحَّح ودمكَّك، إلا أنهم استثقلوا جمع ثلاث حاءات وثلاث كافات، فجعلوا الوسطى منها ميما، والإبدال لاجتماع الأمثال كثير في الاستعمال، قال الله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٩٤] والأصل كُبِّبُوا؛ لأنه من "كَبَبْتُ الرجل على وجهه" إلا أنهم استثقلوا اجتماع ثلاث باءات فأبدل من الوسطى كاف، وقال الفرزدق:
[٤٨٩]
موانع للأسرار إلا لأهلها ويُخْلِفْنَ ما ظنَّ الغَيورُ المُشَفْشَفُ
_________________
(١) هذا البيت هو التاسع من قصيدة للفرزدق همام بن غالب "الديوان ٥٥١ والنقائض ٥٤٨ ليدن" ومطلعها قوله: عزفت بأعشاش، وما كدت تعزف وأنكرت من حدراء ما كنت تعرف وقد أنشده ابن منظور "ش ف ف". وقوله "موانع للأسرار" معناه أنهن لا يتزوجن إلا أكفاءهن، والأسرار: جمع سرّ، وهو الزواج، من قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تُوَا عِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥] والمشفشف -بصيغة المفعول- الذي كأن به رعدة واختلاطا، وذلك من شدة الغيرة والإشفاق على حرمه، وقال الأصمعي: هو الذي تشف الغيرة فؤاده، وهو السيء الظن، وذلك من إشفاقه على أهله، قال: وإنما أراد المشفف فكرر الشين، كما قالوا: دمع مكفكف، وقد تجفجف الشيء من الجفوف وأصله تجفف، وهذه ثلاثة أحرف من جنس واحد يكره جمعها، ففرقوا بينها بحرف من الكلمة، وهو فاء الفعل، وربما قرئ المشفشف بزنة اسم ١ انظر في هذه المسألة: شرح الأشموني بحاشية الصبان "٤/ ٢١٠ و٢١٤-٢١٥" وتصريح الشيخ خالد الأزهري "٢/ ٤٤٨-٤٤٩".
[ ٢ / ٦٤٩ ]
والأصل في المُشَفْشَفِ المشَفَّفُ لأنه من "شفَّتْه الغيرة، وشَفَّه الحُزْنُ" إلا أنه استثقل اجتماع ثلاث فاءات، فأبدل من الوسطى شينًا، وقال الآخر، وهو الأعشى:
[٤٩٠]
وتَبْرُدُ بَرْدَ رداء العرو س بالصيف رقرقت فيه العبيرا
_________________
(١) = الفاعل، ومعناه المنقر والمفتش عن المساوي. هذا كلام شارح النقائض بحروفه. ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "المشفشف" فإن الكوفيين زعموا في هذه الكلمة ونظائرها أن أصلها المشفف -بثلاث فاءات- فأبدلوا من الفاء الثانية حرفا من جنس فاء الكلمة -وهي الشين- فصار المشفشف، فهذه الشين لام أولى للكلمة لأنها بدل من لامها الأولى، وعلى هذا يكون المشفشف على وزن المفعلل، والذي يدلّ على ذلك الاشتقاق، فإنا رأينا العرب يقولون: شف جسم فلان؛ إذا هزل ونحل من الوجد والهم، وقالوا: شفه الوجد والهم يشفه -من مثال مده يمده- إذا أضعفه وهزله، ومن ذلك قول أبي ذؤيب الهذلي: فهن عكوف كنوح الكريـ ـم قد شف أكبادهن الهوى ثم رأينا هم يقولون في هذا المعنى نفسه: شفشفه الهم والحزن، فعلمنا أنهم أرادوا أن يضعفوا العين على مثال قطع وهذب، فاجتمع عندهم ثلاث فاءات، وهم يكرهون اجتماع ثلاثة أمثال، ففروا من ذلك إلى إبدال الثانية حرفا آخر، ووجدوا أن أحسن ما يفعلون أن يبدلوه حرفا من جنس فاء الكلمة.
(٢) هذا هو البيت الثامن عشر من قصيدة للأعشى ميمون بن قيس "الديوان ٦٧-٧٢" ومطلعها قوله: غشيت لليلى بليل خدورا وطالبتها ونذرت النذورا وقد أنشد البيت ابن منظور "ر ق ق" والزمخشري في أساس البلاغة "ر ق ق" ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "رقرقت" فإن الكوفيين يزعمون أن أصل هذا الفعل رققت بثلاث قافات، لأنه في الأصل رقّ بقافين، ومن قولهم رقّ الثوب يرق، وقالوا: أرقه، كما قالوا: أمده، وقالوا: رققه، كما قالوا: مدده، والرق -بكسر الراء وتشديد القاف- نبات له عود وشوك وورق أبيض، وقالوا: رقرقت الثوب بالطيب، يريدون أجريت الطيب فيه، وأصله رققت بثلاث قافات، فلما استثقلوا اجتماع الأمثال أبدلوا من ثانيها حرفا من جنس فاء الكلمة، على مثال ما ذكرنا في شرح الشاهد السابق، ولو تأملت في هذا البيت وجدت الاشتقاق مستصعبا في هذا البيت أكثر من استصعابه في البيت السابق، فيمكن أن يقال: إن تقارب كلمتين في اللفظ وفي المعنى لا يدل على أن إحداهما أصل للأخرى، حتى إنه لا يكفي أن يتقارب اللفظان ويتحد المعنيان، بل لا بد من أشياء وراء ذلك من الاشتقاق ومن الاستعمال، وكيف يكون تقارب اللفظين وتقارب المعنيين دليلا على أن إحدى الكلمتين أصل للأخرى وفي اللغة العربية المترادف والمشترك؟
[ ٢ / ٦٥٠ ]
والأصل في رقرقت رقَّقْتَ؛ لأنه من "الرِّقَّةِ" فأبدل من القاف الوسطى راء، وقال الآخر:
[٤٩١]
باتَتَ تُكَرْكِرُهُ الجنوب
والأصل في تكركره تكرره؛ لأنه من "التكرير" فأبدل من الراء الوسطى كافا، وكذلك أيضا قالوا "تململ على فراشه" والأصل تملل لأنه من "المَلَّة" وهو الرماد الحارُّ، إلا أنهم أبدلوا من اللام الوسطى ميما، وكذلك قالوا "تغلغل في الشيء" والأصل تغلل؛ لأنه من "الغلل" وهو الماء الجارى بين الشجر، فأبدلوا من اللام الوسطى غينا، وكذلك قالوا "تكمكم" والأصل تكمَّم لأنه من "الكُمَّة" وهي القَلَنْسُوَة، فأبدلوا من الميم الوسطى كافا، وكذلك قالوا "حَثْحَث" والأصل حَثَّثَ لأنه من "الحث" إلا أنهم أبدلوا من الثاء الوسطى حاء كراهية لاجتماع الأمثال، فكذلك ههنا: الأصل فيه "صَمَحَّح" إلا أنهم أبدلوا من الحاء الوسطى ميما كراهية لاجتماع الأمثال، وكانت الميم أولى بالزيادة لأنها من حروف الزيادة التي تختص بالأسماء. وقلنا "إنه لا يجوز أن يكون وزنه فعلعل" بتكرير العين؛ لأنه لو جاز أن يقال ذلك لجاز أن يقال صرصر، وسجسج وزنه فعفع لتكرير الفاء فيه؛ فلما بطل أن يكون صرصر على فعفع بطل أيضا أن يكون صمحمح على فعلعل.
_________________
(١) أنشد الجوهري هذه الجملة في الصحاح "ك ر ر" ولم يتم البيت، ولم ينسبه، ولم يتمّه صاحب اللسان، ولا ابن بري، وقال الزمخشري في الأساس "ك ر ر" "وباتت السحابة تكركرها الجنوب: تصرفها" ا. هـ. قال الجوهري: "والكركرة" تصريف الريح السحاب، إذا جمعته بعد تفرّق، وقال: باتت تكركره الجنوب وأصله تكرره من التكرير" ا. هـ وقال ابن منظور "والكركرة: تصريف الريح السحاب إذا جمعته بعد تفرق، وأنشد: تكركره الجنائب في السداد وفي الصحاح: باتت تكركره الجنوب وأصله تكرره من التكرير، وكركرته: لم تدعه يمضي، قال أبو ذؤيب: تكركره نجدية وتمده مسفسفة فوق التراب معوج وتكركر هو: تردى في الهواء، وتكركر الماء: رجع في مسيله" ا. هـ، ومحل الاستشهاد من هذه العبارة قوله "تكركره" فقد ذكر الكوفيون أن أصل هذه الكلمة تكرره -بثلاث راءات- والكلام فيها كالكلام الذي ذكرناه في الشواهد السابقة.
[ ٢ / ٦٥١ ]
قالوا: ولا يلزم على كلامنا، نحو "احْقَوْقَفَ الظَّبْيُ، واغْدَوْدَنَ الشَّعْرُ" وما أشبه ذلك، فإنه على وزن افْعَوْعَلَ؛ لأنا نقول: إنما قلنا إنه على وزن افعوعل؛ لأنه ليس في الأفعال ما هو على وزن "افْعَلَّل" فقلنا: إن وزنه على افعوعل، بخلاف ما هنا؛ فإن في الأسماء ما هو على وزن فَعَلَّل، نحو "سَفَرْجَلَ، فَرَزْدَقَ" وكذلك لا يلزم على كلامنا نحو "خُلَعْلَعَ" وهو الخُعَل، و"ذُرَحْرَح" وهو دويبة، فإنه على وزن فعلعل؛ لأنا نقول: إنما قلنا إنه على وزن فُعَلْعَل؛ لأنه ليس في الأسماء ما هو على وزن فُعَلَّل -بضم الأول- وإذا خرج لفظ عن أَبْنِيَةِ كلامهم دلَّ ذلك على زيادة الحرف فيه.
والذي يدل على ذلك أنهم قالوا في ذرحرح: ذُرَّاح، فأسقطوا أحد المثلين، ولو كان خماسيا لم يأتِ منه ذراح على وزن فُعَّال، نحو: كرَّام، وحسَّان؛ فبان الفرق بينهما.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن وزنه فَعَلْعَلَ؛ لأن الظاهر أن العين واللام قد تكررتا فيه؛ فوجب أن يكون وزنه فَعَلْعَلَ، ألا ترى أنه إذا تكررت العين في نحو "ضرَّب وقتَّل" كان وزنه فَعَّل، أو تكرّرت اللام في نحو "احمرَّ واصفرَّ" كان وزنه افعلَّ؛ فكذلك ههنا: لما تكررت العين واللام في نحو "صمحمح ومكمك" يجب أن يكون وزنه فعلعل لتكرّرهما فيه، هذا حكم الظاهر، فمن ادَّعى قلبًا بقي مرتهنًا بإقامة الدليل.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إن الأصل صمحَّح، ودمكَّك" قلنا: هذا مجرد دَعْوَى لا يستند إلى معنًى، بل تكرير عين الفعل ولامه كتكرير فاء الفعل وعينه في مَرْمَرِيسٍ وهي الداهية، ومَرْمَرِيتٍ وهي القَفْر؛ لأنهما من١ المَرَاسَة والمَرْتِ، وأما تلك المواضع التي استشهدوا بها على الإبدال لاجتماع الأمثال؛ فهناك قام الدليل في ردّ الكلمة إلى أصلها، وذلك غير موجود ههنا.
وقولهم "لو جاز أن يقال إن وزن فعلعل -بتكرير العين- لجاز أن يقال: صرصر وسجسج، وزنه فَعْفَعَ لتكرير الفاء فيه" قلنا: هذا باطل، وذلك أن الحرف إنما يجعل زائدا في الاسم والفعل إذا كان على ثلاثة أحرف سواه، وهي فاء الفعل وعينه ولامه، وصرصر وسجسج لم يُوجَد فيه ذلك؛ فلو قلنا إن
_________________
(١) ١ في ر "لأنها في المراسة".
[ ٢ / ٦٥٢ ]
وزنه فعفع لأدَّى ذلك إلى إسقاط لامه، وذلك لا يجوز، بخلاف صمحمح ودمكمك؛ فإنه قد وجد فيه ثلاثة أحرف فاء وعين ولام، فلما لم يؤدِّ ذلك إلى إسقاط لامه كان ذلك جائزا، وصار هذا كما تجعل إحدى الدالين في اسْوَدَّ زائدة، ولا تجعل إحدى الدالين في ردّ ومدّ زائدة؛ لأنا لو جعلنا إحداهما زائدة لأدّى ذلك إلى إسقاط لام الفعل أو عينه، وذلك لا يجوز؛ فكذلك ههنا، والله أعلم.
[ ٢ / ٦٥٣ ]
١١٤- مسألة: [هل في كل رباعي وخماسي من الأسماء زيادة] ١
ذهب الكوفيون إلى أن كل اسم زادت حروفه على ثلاثة أحرف ففيه زيادة، فإن كان على أربعة أحرف نحو جعفر ففيه زيادة حرف واحد، واختلفوا فذهب أبو الحسن عليّ بن حمزة الكسائي إلى أن الزائد فيما كان على أربعة أحرف الحرف الذي قبل آخره، وذهب أبو زكريا يحيى بن زياد الفرّاء إلى أن الزائد فيما كان على أربعة أحرف هو الحرف الخير، وإن كان على خمسة أحرف -نحو "سَفَرْجَلَ"- ففيه زيادة حرفين. وذهب البصريون إلى أن بنات الأربعة والخمسة ضربان غير بنات الثلاثة، وأنهما من نحو جعفر وسفرجل، لا زائدة فيهما البتة.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأنا أجمعنا على أن وزن جعفر فَعْلَل، ووزن سفرجل فَعَلَّل، وقد علمنا أن أصل فَعْلَل وفَعَلَّل فاء وعين ولام واحدة؛ فقد علمنا أن إحدى اللامين في وزن جعفر زائدة، واللامان في وزن سفرجل زائدتان، فدل على أن في جعفر حرفًا زائدًا من حرفية الأخيرين، وأن في سفرجل حرفين زائدين، على ما بيّنا.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: لا يخلو الزائد في جعفر من أن يكون الراء أو الفاء أو العين أو الجيم: فإن كان الزائد هو الراء فيجب أن يكون وزنه فَعْلَر؛ لأن الزائد يُوزَنُ بلفظه، وإن كان الزائد الفاء فوجب أن يكون وزنه فعفل، وإن كان الزائد العين فوجب أن يكون وزنه فعَّل، وإن كان الزائد الجيم فوجب أن يكون وزنه جَعْفَل، وكذلك يلتزمون في وزن سفرجل، وإذا كان هذا لا يقول به أحد دلَّ على أن حروفه كلها أصول.
قالوا: ولا يجوز أن يقول "إن إحدى الدالين من قَرْدَد ومَهْدَد زائدة ووزنه عندكم فَعْلَل؛ فقد وزنتم الدال الزائدة باللام، وكذلك صمحمح ووزنه عندكم.
_________________
(١) ١ انظر في هذه المسألة: شرح ابن يعيش على المفصل "ص٩٠٠".
[ ٢ / ٦٥٤ ]
فَعَلْعَل، وإحدى الميمين وإحدى الحاءين زائدتان، ولم تزنوهما بلفظهما فتقولوا: وزنه فعلمح، ووزنتموهما بالعين واللام فقلتم: فعلعل، وكذلك مرمريس ومرمريت، ووزنه عندكم فعفعيل، ولم تزنوا فيه الزائد بلفظه فتقولوا: فعمريل، ووزنتموه بالفاء والعين فقلتم: فعفعيل" لأنا نقول: إنما وزنَّا الزائد بلفظ اللام دون لفظ الدال، وذلك لأن إحدى الدالين لام الفعل والدال الأخرى -وإن كانت زائدة- فهي تكرير لام الفعل بلفظهما، فوَزَنَّا باللفظ الذي وُزِنَ به لام الفعل، وكذلك صمحمح: الميم عين الفعل، والحاء لامه، ثم أُعِيدَتَا تكثيرًا لهما؛ فصار المعاد زائد، غير أنه من جنس الأول، فأعيد بلفظ الأول؛ فجعلت عينا ولاما معادتين، كما جعلت الميم والحاء الأوليان عينا ولاما، وكذلك نقول في مرمريس ومرمريت.
والدليل على أن فاء الفعل وعينه في "مرمريس، ومرمريت" زائدة مكررة أنه مأخوذ من المراسة والمرت، ألا ترى أن "مرمريس" اسم الداهية، و"مرمريت" اسم القفر.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إنه إذا كانت إحدى اللامين في وزن جعفر زائدة دلّ على أن فيه حرفا زائدا، وكذلك إذا كانت اللامان في وزن سفرجل زائدتين دلّ على أن في سفرجل حرفين زائدين" قلنا: هذا غلط وجهل بموضع وزن الأسماء وتمثيلها بالفعل دون غيره، وذلك أن التمثيل إنما وقع بالفعل دون غيره ليعلم الزائد من الأصلي، وذلك أنا إذا جئنا إلى جعفر فمثّلناه بِفَعْلَل علمنا بالمثال أنه لم يدخله شيء زائد، وإذا جئنا إلى صَيْقَل فمثلناه بفَيْعَل فقد علم بالمثال أن الياء زائدة، واختاروا الفعل؛ لأنه يأتي وهو عبارة عن كل شيء من الألفاظ التي تتصرف، ألا ترى أنك تقول لصاحبك: قد ضربت زيدا، أو خاصمته، أو أكرمته، أو ما أشبه ذلك، فتقول: قد فعلت، وكان الثلاثي أولى بذلك من قِبَلِ أن أقلّ الأسماء والأفعال بُنَاتُ الثلاثة وفيها بنات الأربعة والخمسة؛ فلو وقع التمثيل بشيء على أربعة أحرف أو خمسة لبطل وزن الثلاثي به إلا بحذف شيء منه، ونحن نجد بنات الثلاثة تُبْنَى على أربعة أحرف بزيادة حرف نحو ضيغم، وهو من الضَّغْم وهو العضّ، وعلى خمسة أحرف بزيادة حرفين نحو سَرَنْدَى، وهو من السَّرْدِ، ولم يعلم أنه بني شيء من بنات الأربعة والخمسة على ثلاثة أحرف، فلما كان الأمر على ما ذكرنا ووجب التمثيل بالفعل واحتجنا إلى تمثيل رباعي وخماسي زدنا ما يلحقه بلفظ الرباعي والخماسي؛ فهذا الذي نزيده على الفعل زائد، وإن كان الممثل به أصليًّا؛ لأن الضرورة ألجأت إلى أن نزيد على الفعل ليلحق الممثَّلُ بالممثَّلِ به؛ فدل على صحة ما ذهبنا إليه، والله أعلم.
[ ٢ / ٦٥٥ ]
١١٥- مسألة: [وزن "سيِّد وميِّت" ونحوهما] ١
ذهب الكوفيون إلى أن وزن "سيِّد، وهيِّن، وميِّت" في الأصل على فَعِيل، نحو سَوِيد وهَوِين ومَوِيت.
وذهب البصريون إلى أن وزنه فَيْعِل -بكسر العين- وذهب قوم إلى أن وزنه في الأصل على فَيْعَلٍ بفتح العين.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن أصله فَعِيلٌ نحو: سويد وهوين ومويت لأن له نظيرا في كلام العرب، بخلاف فيعل؛ فإنه ليس له نظير في كلامهم، فلما كان هذا هو الأصل أرادوا أن يعلُّوا عين الفعل كما أعلت في "ساد يسود" وفي "مات يموت" فقدمت الياء الساكنة على الواو فانقلبت الواو ياء؛ لأن الواو والياء إذا اجتمعتا والسابق منهما ساكن قلبوا الواو ياء وجعلوهما ياء مشددة.
ومنهم من قال: أصله سويد وهوين ومويت، إلا أنهم لما أرادوا أن يعلّو الواو كما أعلوها في "ساد ومات" قلبوها، فكان يلزمهم أن يقلبوها ألفا، ثم تسقط لسكونها وسكون الياء بعدها، فكرهوا أن يلتبس فَعِيل بِفَعْل، فزادوا ياء على الياء ليكمل بناء الحرف ويقع الفرق بها بين فعيل وفعل ويخرج على هذا نحو سويق وعويل، وإنه إنما صح لأنه غير جارٍ على الفعل.
وأما البصريون فقالوا: إنما قلنا إن وزنه فَيْعَل؛ لأن الظاهر من بنائه هذا الوزن، والتمسك بالظاهر واجب مهما أمكن.
والذي يدل على ذلك أن المعتل يختص بأبنية ليست للصحيح؛ فمنها فُعَلَة في جمع فاعل نحو قاضٍ وقُضَاة، ومنها فَيْعَلُولة نحو كينونة وقيدودة، والأصل كيَّنونة وقيَّدُوة.
_________________
(١) ١ انظر في هذه المسألة: شرح ابن يعيش على المفصل "٦٦٣ و١٤١٠ و١٤٣٢" وشرح الأشموني بحاشية الصبان "٤/ ٢٦٣" وكتاب سيبويه "٢/ ٣٧١".
[ ٢ / ٦٥٦ ]
والذي يدل على ذلك أن الشاعر يردُّه إلى الأصل في حالة الاضطرار، قال الشاعر:
[٤٩٢]
قد فَارَقَت قَرِينَهَا القَرِينَهْ وشَحَطَتْ عن دارها الظَّعِينَهْ
يا ليتنا قد ضمَّنا سفينهْ حتى يعود الوصل كينونهْ
_________________
(١) هذه أربعة أبيات من الرجز المشطور، وقد أنشدها ابن منظور "ك ون" وقال قبل إنشادها "قال أبو العباس: أنشدني النهشلي" ا. هـ. وشحطت: بعدت، والظعينة: أصلها المرأة ما دامت في الهودج؛ ثم جرد من بعض معناه فصار يطلق على المرأة مطلقا، وقوله "يا ليتنا قد ضمنا" الذي في اللسان "يا ليت أنّا ضمنا" ومحل الاستشهاد من هذه الأبيات قوله "كينونه" فإن البصريين ذهبوا إلى أن الأصل في هذه الكلمة هو ما ورد في هذه الأبيات -بفتح الكاف وتشديد الياء مفتوحة- وأن الأصل الأصيل في هذه الكلمة كيونونة -بفتح الكاف وسكون الياء وفتح الواو- فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما وهي الياء بالسكون فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت الياء في الياء، وذلك لأنها أحد مصادر كان يكون كونا، ونظير ذلك هيعوهة وديمومة وقيدودة، لأنها من هاع يهوع هواعًا -بضم ففتح- وهيعوعة، أي قاء، ومن دام يدوم دوامًا -بفتح الدال- وديمومة، ومن قاد الفرس يقوده قودا ومقادة وقيدودة، كل هذا أصله بياء ساكنة فواو مفتوحة، بدليل الاشتقاق، ثم قلبت واو الجميع ياء لما ذكرنا، ثم أدغمت الياء في الياء، وهذا الوزن قليل في واوي العين كثير فيما كانت عينه ياء، نحو طار يطير طيرانا وطيرورة، وحاد يحيد حيودا وحيدة وحيدودة، كل هذا أصله بتشديد الياء مفتوحة، ثم خففوه بحذف إحدى الياءين، فصار بياء ساكنة، وذلك نظير تخفيفهم سيد وميت وطيب وهين، فإن الأصل في هذه الألفاظ تشديد الياء كما في قول الشاعر: وإن بقوم سودوك لحاجة إلى سيد لو يظفرون بسيد وكما في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] وكما في قول الراجز: بني إن الجود شيء هين المنطق الطيب والطعيم ثم قد يجيئون بها مخففة بياء ساكنة كما في قول الشاعر: ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء وكما في قول الآخر: هينون لينون أيسار ذوو كرم مثل النجوم التي يسري بها الساري قال ابن منظور: "وتقول: كان كونا، وكينونة أيضا، شبهوه بالحيدودة والطيرورة من ذوات الياء، ولم يجئ من الواو على هذا إلا حرف: كينونة، وهيعوعة، وديمومة وقيدودة، وأصله كينونة -بتشديد الياء- فحذفوا كما حذفوا من هين وميت" ا. هـ ثم قال بعد كلام غير ظاهر: "قال ابن بري: أصله كيونونة، ووزنها فيعلولة، ثم قلبت الواو ياء فصار كينونة، ثم حذفت الياء تخفيفا فصار كينونة، وقد جاءت بالتشديد على الأصل، قال أبو العباس: أنشدني النهشليّ، ثم أنشد أربعة الأبيات، قال: والحيدودة أصل وزنها فيعلولة وهو حيدودة، ثم فعل بها ما فعل بكينونة" ا. هـ، وفي الذي ذكره عن ابن بري في وزن حيدودة نظر.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
إلا أنهم خففوه كما خففوا ريحان، وأصله رَيَّحَان -بالتشديد- على فَيْعَلَان، وأصل ريحان "رَيْوَحَان" فلما اجتمعت الواو والياء والسابق منهما ساكن قلبوا الواو ياء وجعلوهما ياء مشدودة، وكما خففوا سيد وهين وميت، إلا أن التخفيف في نحو سيد وهين وميت جائز، والتخفيف في نحو كيَّنونة وقيَّدودة واجب، وذلك لأن نهاية الاسم بالزيادة أن يكون على سبعة أحرف وهو مع الياء على سبعة أحرف، فخففوه كما خففوا اشهيباب، فقالوا: اشهباب.
وإذا جاز الحذف فيما قلَّت حروفه نحو سيد وهين وميت لزم الحذف فيما كثرت حروفه نحو كينونة وقيدودة، وإذا جاز أن يختص المعتل بأبنية ليست للصحيح كان حمل سيد وهين وميت على الظاهر أولى من العدول عنه إلى غيره.
قالوا: ولا يجوز أن يقال "إن الأصل أن يقال في جمع قاض" قُضَّى. كما يقال: غازٍ وغُزَّى، فاستثقلوا التشديد على غير الفعل، فحذفوا، وعوَّضوا من حذف المحذوف هاء، كما قالوا: عِدَة، فعوضوا من الواو المحذوفة هاء، وأما كينونة وقيدوه فالأصل كونونه وقودودة على فعلولة نحو بُهْلُول وصندوق. إلا أنهم فتحوا أوله لأن أكثر ما يجيء من هذه المصادر مصادر ذوات الياء، كقولهم طار طيرورة وصار صيرورة وسار سيرورة وحاد حيدودة، ففتحوه حتى تسلم الياء١؛ لأن الباب للياء، ثم حملوا ذوات الواو على ذوات الياء؛ لأنها جاءت على بنائها، وليس للواو فيه حظ؛ لقربهما في المخرج واشتراكهما في اللين، فقلبوا الواو ياء في نحو كينونة وقيدودة. كما قالوا الشِّكَاية وهي من ذات الواو لقولهم: شكوت أشكو شكوًا؛ لأنها جاءت على مصادر الياء نحو الراية والرواية والسعاية والرماية فكذلك ههنا" لأنا نقول: أما قولكم "إن الأصل أن يقال في جمع قاضٍ قُضَّى كما يقال غاز وغزّى" قلنا: هذا عدول عن الظاهر من غير دليل، ثم لو كان أصله قُضَّى كغاز وغزى لكان ينبغي أن لا يلزمه الحذف لقلة حروفه، وأن يجوز أن يؤتى به على أصله؛ فكان يقال فيه: قضًّى وقضاة كما قالوا: غُزًّى، وغُزَاة؛ لأن فُعَّلًا ليس بمهجور في أبنيتهم، وهو كثير في كلامهم، فلما لزم الحذف، ولم يلزم في نظيره مع قلة حروفه دلّ على أن ما ذكرتموه مجرد دعوى لا يستند إلى معنى.
وأما قولهم "إن كينونة فُعْلُولة" قلنا: هذا باطل؛ لأنه لو كان الأمر كما زعمتم
_________________
(١) ١ إذ لو بقيت الضمة لوجب قلب الياء واوا؛ لسكونها بعد ضمة كما قلبوها في موسر اسم الفاعل من أيسر.
[ ٢ / ٦٥٨ ]
لكان يجب أن يقال "كُونُونة وقُودُودة"؛ لأنه لم يوجد ههنا ما يوجب قلب الواو ياء، وقولهم "إنهم غَلَّبُوا الياء على الواو؛ لأن الباب للياء" فليس بصحيح؛ لان المصادر على هذا الوزن قليلة، وما جاء منها من ذوات الواو نحو ما جاء منها من ذوات الياء، كقولك: كينونة، وقيدودة، وحيلولة، وديمومة، وسيدودة، وهيعوعة -من الهُوَاع وهو القيء- فليس جَعْلُ الباب لذوات الياء أولى من جعله لذوات الواو؛ فحمل أحدهما على الآخر لا وجه له.
والذي يدل على صحة ما صرنا إليه أن فَيْعَلُولا بناء يكون في الأسماء والصفات، نحو: خَيْتَعور، وعَيْطَموس، وفَعْلُول لا يكون في شيء من الكلام، ولم يأتِ إلَّا في قولهم "صَعْفُوقٍ" قال الراجز:
[٤٩٣]
من آل صعفوق وأتباع أُخَرْ الطَّامِعِين لا يُبَالُون الغُمَرْ
_________________
(١) هذان بيتان من مشطور الرجز، من رجز للعجاج بن رؤبة يمدح فيه عمر بن عبيد الله بن معمر، وكان قد ولي حرب الخوارج الذين كان يقودهم أبو فيديك في عهد عبد الملك بن مروان فنال منهم، وقد أنشده الجاربردي والرضي في شرح الشافية، وشرحه البغدادي "ص٤ بتحقيقنا" والجوهري في الصحاح، وابن منظور في اللسان "ص ع ف ق" وقد روى البغدادي مما يتصل بالشاهد: فهو ذا؛ فقد رجا الناس الغير من أمرهم على يديك والثؤر من آل صعفوق وأتباع أخر الطامعين لا يبالون الغمر وقوله "فهو ذا" أي الأمر هو هذا الذي ذكرته، و"الغير" معناه أن الناس قد رجوا وأملوا أن يتغيّر أمرهم ويتحوّل حالهم على يديك من فساد وفوضى إلى صلاح ونظام، ولك بنظرك في أمرهم وتدبير حالهم ودفع غوائل الخوارج عنهم ورمّ ما أفسدوه ورتق ما فتقوه، والثؤر -بضم الثاء وفتح الهمزة- جمع ثؤرة، وهي الثأر، وآل صعفوق: أصلهم خول -أي خدم وأتباع- باليمامة، وقال ابن الأعرابي: هم قوم من بقايا الأمم الخالية باليمامة ضلت أنسابهم، وقيل: هم الذين يشهدون الأسواق ولا بضائع لهم فيشترون ويبيعون ويأخذون الأرباح، وعلى كل حال فإن العجاج يريد في هذا الموضع أرذال الناس وضعًا فهم الذين لا قديم لهم يردعهم عن إتيان المنكرات. ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "صعفوق" فقد رواه نقلة اللغة -بفتح الصاد وسكون العين وضم الفاء، وقالوا: إن وزنه فعلول، وإنه لم يجئ في كلام العرب على وزن فعلول غير هذه الكلمة، وقوم ينكرون هذا الوزن بتة، ومن هؤلاء المنكرين من رووه بضم الفاء ومنهم من قال: هذا لفظ أعجمي، قال الجوهري "بنو صعفوق: خول باليمامة، قال العجاج: من آل صعفوق وأتباع أخر من طامعين لا يبالون الغمر وهو اسم أعجمي، لا ينصرف للعجمة والمعرفة، ولم يجئ على فعلول شيء غيره، وأما الخرنوب فإن الفصحاء يضمونه أو يشددونه مع حذف النون، وإنما يفتحه العامة" ا. هـ.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
وهم خول باليمامة، ولا ينصرف للتعريف والعجمة؛ فما صرنا إليه له نظير في الأسماء والصفات، وما صاروا إليه لا نظير له في شيء من كلام، ثم ألزموا مع حمله على شيء لا نظير له في كلامهم قلبا لا نظير له في أقيسة كلامهم.
وأما من قال: "إن أصله فيعلا بفتح العين" فاحتج بأنه وجد فيعلا بفتح العين له نظير في كلامهم، ولم يجدوا فيعلا بكسر العين فجعله فيعلا بفتح العين ثم كسر الياء كما قالوا في بصري: بصري، وكما قالوا في أموي: أموي، وكما قالوا "أخت" والأصل فيها الفتح، لأن أصلها أخوة، وكما قالوا "دهري" بالضم للرجل المسن الذي قد أتي عليه الدهر، والقياس الفتح، وقد جاء في بعض هذا المعتل فيعل، قال الشاعر:
[٤٩٤]
ما بال عيني كالشعيب العين
_________________
(١) = وقال الأزهري "كل ما جاء على فعلول فهو مضموم الأول مثل زنبور وبهلول وعمروس وما اشبه ذلك، الأحرفا جاء نادرا وهو بنو صعفوق لخول باليمامة، وبعضهم يقول صعفوق بالضم" وقال ابن بري "رأيت بخط أبي سهل الهروي على حاشية كتاب جاء على فعلول بفتح الفاء صعفوق، وصعقول لضرب من الكمأة، وبعكوكة الوادي لجانبه، أما بعكوكة الوادي وبعكوكة الشر فذكرها السيرافي وغيره بالضم لا غير، أي بضم الباء، وأما الصعقول لضرب من الكمأة فليس بمعروف، ولو كان معروفا لذكره أبي حنيفة في كتاب النبات" ا. هـ.
(٢) هذا بيت من الرجز المشكور، وهو من أرجوزة لرؤبة بن العجاج "انظر أراجيز رؤبة ص١٦٠" وقد استشهد به سيبويه "٢/ ٣٧٢" ورضي الدين في شرح الشافية، وشرحه البغدادي "ص٦١ بتحقيقنا" والجوهري في الصحاح وابن منظور "ع ي ن" وابن جني في الخصائص "٢/ ٤٨٥، ٣/ ٢١٤" وبعد بيت الشاهد قوله: وبعض أعراض الشجون الشجن دار كرقم الكاتب المرقن بين نقا الملقي وبين الأجون وقوله: "ما بال عيني" أي ما حالها وما شأنها، والشعيب بفتح الشين وكسر العين المزادة الصغيرة، والعين بفتح العين وتشديد الياء مفتحة المتخرقة التي فيها عيون فهي لا تمسك الماء، ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "العين" وللعلماء في هذه الكلمة مذهبان، الأول: وهو رأي سيبويه وأتباعه وخلاصة أن هذه الكلمة على وزن فيعل بفتح الفاء وسكون الياء وفتح العين وأنه من معتل العين وزيدت عليه ياء بين الفاء والعين، وقالوا: إن هذا الوزن جاء كثيرا في صحيح العين نحو حيدر وصيرف وجيأل، ولم يأت منه في معتل العين سوى هذه الكلمة، وذلك لأنهم خصوا المعتل بوزن فيعل بكسر العين نحو سيد وهين ولين صيب وربيع؛ فتكون هذه الكلمة خارجة عن نظرائها وأمثالها، وكان القياس فيها أن تكون بتشديد الياء مكسورة لا مفتوحة، قال الأعلم "الشاهد فيه بناء العين على فيعل بالفتح، وهو شاذ في المعتل، ولم يسمع الأفي هذه الكلمة، وكان
[ ٢ / ٦٦٠ ]
فدل على أنه فيعل بفتح العين، والشعيب: المزادة الضخمة، والعين: المتعينة، وهي التي يصب فيها الماء فيخرج من عيونها: أي خرزها، فينفتح السير فينسد موضع الخرز، ومنه يقال "عين قربتك" أي صب فيها الماء حتى ينسد آثار الخرز.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إن وزنه فعيل إلا أنهم أعلوا عين الفعل وقدموا وأخروا وقلبوا" قلنا: هذا باطل؛ لأن هذا التقديم والتأخير لا نظير له في الصحيح، لأن ياء فعيل لا تقدم على عينة في شيئ من الصحيح، وإذا جاز أن يختص المعتل من التقديم والتأخير بما لا يوج مثله في الصحيح جاز أن يختص ببناء لا يوجد مثله الصحيح.
وأما قولهم: "إنا حذفنا الألف وعوضنا الياء مكانها لئلا يلتبس فعيل بفعل" قلنا: وهذا أيضا باطل لأنه لو كان الأمر على ما زعمتم لكان ينبغي أن لا يجوز فيه التخفيف فيقال: سيد وميت وهين؛ لأنه يؤدي إلى الالتباس، فلما جاز ذلك فيه بالإجماع دل على فساد ما ذهبتم إليه.
وأما قول من قال: "إن أصله فيعل بفتح العين إلا أنه كسر العين كما كسر الباء في بصري" قلنا: هذا باطل، وذلك لأنه لو كان فيعلا لكان ينبغي أن يقال سي وهيت وميت بالفتح ولم يغير إلى الكسر، كما قالوا: عين وتيجان، وهيبان بفتح العين والتيجان: هو الذي يعترض في كل شيئ، والهيبان: إلى يهاب كل شيء، فلما كسر دل على فساد ما ذهبتم إليه.
وأما قولهم في النسب إلى البصرة بصرى بكسر الباء وكذلك جميع ما استشهدوا به فعلي خلاف القياس؛ فلا يقاس عليه؛ على أنهم قد قالوا: إنما كسرت الباء لأن البصرة في الأصل الحجارة الرخوة، فإذا حذفت التاء كسرت الباء فقيل بصر، فلما نسبت إلى البصرة حذفت تاء التأنيث لياء النسب فكسرت الباء لحذف التاء، فلذلك قيل: بصري، بكسر الباء.
_________________
(١) قياسها أن تكسر العين فيقال عين كما قيل سيد وهين ولين ونحو ذلك، وهو بناء يختص به المعتل ولا يكون في الصحيح كما يختص الصحيح بفيعل مفتوحة العين نحو صيرف وحيدر، وهو كثير" ا. هـ، والرأي الثاني: ما ذهب إليه ابن جني، وذلك في قوله" وكذلك ما أنشده من قوله رؤبة: ما بال عيني كالشعيب العين حملوه على فيعل مما اعتلت عينه، وهو شاذ، وأوفق من هذا عندي أن يكون فوعلا أو فعولا حتى لا يرتكب شذوذه، وكأن الذي سوغهم هذا ظاهر الأمر وأنه قد روى العين بكسر العين" ا. هـ.
[ ٢ / ٦٦١ ]
وقولهم: "إنه لم يوجد فيعل في كلامهم" قلنا: قد بين أن المعتل يختص بأبنية ليست للصحيح؛ فلا حاجة إلى أن تجعل فيعلا مثل عين مع شذوذه وندرة في بابه، وقد وجدنا سبيلا إلى أن تجعل فيعلا على لفظه، ولو جاز أن يعتد بقولهم عين بفتح العين مع شذوره وندوره لجاز أن يعتد بما حكى الأصمعي، قال: حدثني بعض أصحابنا قال: سمعتهم يقولون جاءت الصيقل بكسر القاف وإذا امرأة كأن وجها سيف، فملا رأتنا أرخت البرقع فقلت: يرحمك الله! إنا سفر، وفينا أجرن فلو منحتنا من وجهك، فانصاعت فتضاحكت، وهي تقول:
[٤٩٥]
وكنت متى أرسلت طرفك زائدا لقلبك يوما أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه، ولا عن بعضه أنت صابر
_________________
(١) هذان البيتان قد أنشدهما ابن قتيبة في عيون الأخبار "٢٢٤" مع نفس القصة التي حكاها المؤلف ههنا، ولم يعز البيتين إلى قائل معين، ولم ينشد المؤلف البيتين للاستشهاد بهما على قاعدة من قواعد النحو ولا البيان معنى كلمة غريبة، ولكنه أتي بهما لأنهما وردا في القصة التي يحكيها وفيها أن الصيقل سمع من بعض العرب بكسر القاف، وفي ذكر قصة الفتاة وإنشاد البيتين إشارة من الأصمعي إلى أنه متثبت من رواية الصيقل بكسر القاف، ووجه هذه الإشارة أنه يذكر الظروف والملابسات التي أحاطت به وتقول: صقل السيف وغيره سصقله صقلا مثل نصره ينصره نصرا وصقالا، فهو مصقول وصقيل تريد جلاه، والصاقل: الذي يجلوه ويشحذه، وجمعه صقله على مثال فاجر وفجرة وكافر وكفرة، ويقال لشحاذ السيوف وجلائها: صيقل ت بفتح الصاد وسكون الياء وفتح القاف وجمعه صياقل وصياقله، وقد حكى الأصمعي في هذه القصة أنه سمع من بعض أصحابه أن قوما من العرب يقولون صيقل بسكر القاف، وهو شاذ؛ لأن هذا الوزن لم يجيء في صحيح العين كما سمعت في شرح الشاهد ٤٩٤ وإنما يجيء كسر العين في معتل العين، والخلاصة أن العرب قد خصت معتل العين المزي فيه بعد الفاء بالمجيء على زنة فيعل بكسر اليعن كسيد وميت وهين وبين ولين وصيبت وخصت صحيح العين بالمجيء على وزن فيعل بفتح العين نحو صيرف وحيدر وجيال وبيطر وصيقل ونيرب بمعنى الشر والنميمة وهذا هو الأصل الذي جرى عليه كلامهم، ولكنهم ربما جاءوا بالكلمة من المعتل على الوزن الذي خصوا به الصحيح مثل كلمة "العين" التي وردت في الشاهد ٤٩٤ وقد بينا لك أمرههناك، وربما جاءوا بكلمة من الصحيح على الوزن الذي خصوا به المعتل مثل كلمة الصيقل التي حكاها الأصمعي في هذه القصة، وهذا وذاك شاذان، فاعرف ذلك.
[ ٢ / ٦٦٢ ]
١١٦- مسألة: [وزن "خطايا" ونحوه] ١
ذهب الكوفيون إلى أن "خطايا" جمع خطيئة على وزن فعالي، وإليه ذهب الخليل بن أحمد.
وذهب البصريون إلى أن "خطايا" على وزن فعائل.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن وزنه فعالي، وذلك لأن الأصل أن يقال في جمع خطيئة "خطايئ" مثل خطايع، إلا أنه قدمت الهمزة على البناء؛ لئلا يؤدي الإبدال الياء همزة كما تبدل في صحيفة وصحائف وكتيبة وكتائب لوقوعها قبل الطرف بحرف؛ لأنهم يجرون ما قبل الطرف بحرف من هذا النوع مجرى الطرف في الإبدال، وهم يبدلون من الياء إذا وقت طرفا وقبلها الف زائدة همزة، فلو لم تقدم الهمزة على الياء في خطايئ لكان يؤدي إلى اجتماع همزتين، وذلك مرفوض في كلامهم ولم يأت في كلامهم الجمع بين همزتين في كلمة الأفي قول الشاعر:
[٤٤٩]
فإنك لا تدري متى الموت جائئ ولكن أقصى مادة الموت عاجل
ولهذا قال الخليل بن أحمد: جائية مقلوبة، ووزنه فاعلة، فصارت خطائي مثل خطاعي، ثم أبدلوا من الكسرة فتحة ومن الياء الفا، فصارت خطاءا، مثل خطاعا، فحصلت همزة بين الفين، والألف قريبة من الهمزة، فقلبوا من الهمزة ياء فرارا من اجتماع الأمثال، فصار خطايا على وزن فعالي، على ما بينا.
ومنهم من قال: إنه على فعالى؛ لأن خطيئة جمعت على ترك الهمز؛ لأن ترك الهمز يكثر فيها، فصارت بمنزلة فعيلة من ذوات الواو والياء، وكل فعيلة من ذوات الواو والياء نحو وصية وحشية فإنه يجمع على فعالى دون فعائل؛ لأنه لو
_________________
(١) ١ انظر في هذه المسألة: تصريح الشيخ خالد الأزهري "٢/ ٤٦٣" وما بعدها" وشرح الأشموني بحاشية الصبان "٤/ ٢٤٤-٢٤٦" وشرح رضي الدين على الشافية "١/ ٢٥ و٣/ ٥٩ و٦٢ و١٨١ بتحقيقنا".
[ ٢ / ٦٦٣ ]
جمع على فعائل لاختل الكلام وقل، فجمعت على فعالي، فقالوا: وصايا، وحشايا، وجعلت الواو في حشايا على صورة واحدها؛ لأن الواو صارت ياء في حشية، فدل على أن خطايا على وزن فعالي على ما بينا.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلوا إن وزنه فعائل، وذلك لأن خطايا جمع خطيئة؛ وخطيئة على وزن فعيلة، وفعيلة يجمع على فعائل؛ والأصل فيه ن يقال "خطايئ" مثل خطايع؛ ثم أبدلوا من الياء همزة؛ كما أبدلواها في صيحفة وصحائف؛ فصار خطائي مثل خطاعع؛ وقد حكى أبو الحين على بن حمزة الكسائي عن بعض العرب أنه قال: اللهم اغفر لي خطائئيه؛ مثل خطاععيه؛ فاجتمع فيه همزتان، فقلبت الهمزة الثانية ياء لكسرة قبلها، فصار خطائي مثل خطاعي، ثم أبدلوا من الكسرة فتحة ومن الياء الفا فصرا خطاءا مثل خطاعا، فاستثقلوا الهمزة بين الفين فأبلدوا منها ياء فصار خطايا.
وكأن الذي رغبهم في إبدال الفتحة من الكسرة والعود من خطائي إلى خطاءا أن يقلبوا الهمزة ياء فيعودوا بالكلمة إلى أصلها؛ لأن الهمزة الأولى من خطائيي منقلبة عن الياء في خطيئة، ولا يلزما على ذلك أن يقال في جائي "جايا" لأن الهمزة في جاء منقلبة عن عين الفعل، والهمزة في خطايا منقلبة عن ياء زائدة في خطيئة، ففضلوا الأصلي على الزائد؛ فلم يحلقوه من التغيير ما الحقوه الزائد.
وكذلك أيضا قالوا فيجمع هراوة "هراوي" وأداوة "أداوي" وكان الأصل هرائو وأدائو مثل هراع ووأداعو على مثل فعائل كرسالة ورسائل؛ لأنهم أبدلوا من الف هراوة وإداوة همزة كما أبدلوا في رسائل من الف رسالة همزة، ثم أبدلوا من الواو في هرائو وأدائو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، فصار هرائي وأدائي مثل هراعي وأداعي، ثم أبدلوا من الكسرة فتحة ومن الياء الأفا فصار هراءا وأداءا مثل هراعا وأداعا، فاستثقلوا الهمزة بين الفين، فأبلدوا من الهمزة واوا ليظهر في الجمع مثل ما كان في الواحد طلبا للتشاكل؛ وذلك لأن الجمع فرع على الواحد؛ فلا بأس بأن يطلب مشاكلته له.
والذي يدل على نهم فعلوا لك طلبا لمشاكلة أن ما لا يكون في واحدة واو لا يجيء فيه ذلك، فدل على ما قلناه.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم "إن الأصل أن يقال في ج مع خطيئة خطايئ مثل خطايع وإنما قدمت الهمزة على الياء" قلنا: ولم قلتم بالتقديم وهو على خلاف الأصل والقياس؟
[ ٢ / ٦٦٤ ]
قولهم: "لئلا يؤدي ذلك إلى اجتماع همزتين، وهو مرفوض" قلنا: ولم قلتم إنه موجود ههنا؟ وهذا لأن الهمزة الثانية يجب قلبها ياء لانكسار ما قبلها، فالكسرة توجب قلب الهمزة إلى الياء، كما توجب الفتحة قلبها إلى الألف في نحو أأدم وأأخر، فلم يجتمع فيه همزتان، وإذا كان حمله على الأصل يؤدي إلى أن يجتمع فيه همزتان يزول اجتماعهما على القياس كان حمله عليه أولى من حمله على القلب بالتقديم والتأخير على خلاف القياس الذي هو الفرع.
وأما "جائية" فلا نسلم أنها مقلوبة، وأن وزنه فاعله، وإنما هو على أصله، ووزنه فاعلة من جاءت فهي جائية، وأصلها جايئة مثل جايعة، فأبدلوا من الياء همزة فصار جائئة مثل جاععة، فأبدلوا من الهمزة الثانية ياء لانكسار ما قبلها.
وأما الخليل فإنما قدر فيه القلب لئلا يجمع في بين إغعلالين؛ لأنه إذا قدم اللام التي هي الهمزة إلى موضع العين التي هي الياء وأخر العين التي هي الياء إلى موضع اللام التي هي الهمزة لم يجب قلب الياء همزة فلا يكون فيه الأإعلال واحد، وإذا أتي بالكلمة على أصلها من غير قلب جمع فيه بين إعلالين، وهما: قلب العين التي هي ياء همزة، وقلب اللام التي هي همزة ياء، وهذا التقدير غير كاف في تقدير القلب؛ لأن الهمزة حرف صحيح؛ فإعلالها لا يعتد به.
والذي يدل على ذلك أن الهمزة تصح حيث لا يصح حرف العلة، ألا ترى أن حرف العلة إذا تحرك وانفتح ما قبلها وجب إعلاله نحو عصو ورحي، والهمزة إذا تحركت وانفتح ما قبلها لا يجب إعلالها نحو كلأ ورشأ، وإذا كانت الهمزة كذلك كان قلبها بمنزلة إبدال الحروف الصحيحة ب عضها من بعض كقولهم في أصيلان "أصيلال" فلا يعتد به، وإنما يعتد بإعلال حرف العلة؛ لأنه١ الأصل في الإعلال، وإذا كان قلب الهمزة غير معتد به لم يكن ههنا إجراؤه على الأصل يؤدي إلى الجمع بين إعلالين.
وأما قولهم "إنما جمعت على ترك الهمة" قلنا: هذا باطل؛ لأن ترك الهمزة خلاف الأصل، والأصل أن يجمع على الأصل، خصوصا مع أنه الأكثر في الاستعمال.
وقولهم "إنه يكثر الهمزة فيها فصارت بمنزلة فعيلة من ذوات الواو والياء وهي تجمع على فعالى" قلنا: لا نسلم، بل الأصل أن يقال في جمع فعيلة "فعائل" إلا أنه يجب قلب الياء همزة لوقوعها قيل الطرف بحرف؛ لأنهم يجرون ما
_________________
(١) ١ في ر "إلا أنه الأصل" تحريف.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
قبل الطرف بحرف من هذا النوع نمجرى الطرف في الإبدال، وهم يبدلون من الياء إذا وقعت طرفا وقبلها الف زائدة همزة، فعلى هذا يكون الأصل في جمع نحو حشية حشائي على فعائل على لفظ المضي إلى نفسه الحاء إذا مد، ثم أبدلوا من الكسرة فتحة، ومن الياء الفا فصار حشاءا، فاستثقلوا الهمزة بين الفين فقلبوا الهمزة ياء على ما بينا في خطايا، والله أعلم.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
١١٧- مسألة: [وزن "إنسان" وأصل اشتقاقه] ١
ذهب الكوفيون إلى أن "إنسان" وزنه إفعان، وذهب البصريون إلى أن وزنه فعلان، وإليه ذهب بعض الكوفيين.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأن الأصل في إنسان إنسيان على إفعلان من النسيان، إلا أنه لما كثر في كلامهم وجرى على أسنتهم حذفوا منه الياء التي هي اللام لكثرته في استعمالهم، والحذف لكثرة الاستعمال كثير في كلامهم، كقولهم "إيش" ي أي شيء، و"عم صباحا" في أنعم صباحا، ""ويلمه" في ويل أمه، قال الهذلي:
[٤٩٦]
ويلمة رجلا تأبي به غبنا إذا تجرد، لا خال، ولا بخل
_________________
(١) هذا هو البيت الخامس من قصيدة للمنتخل الهذلي "ديوان الهذليين ٢/ ٣٣-٣٧" ومطلعها قوله: ما بال عينك تبكي دمعها خضل كما نهي سرب الأخرات منبزل؟ السرب بفتح السين وكسر الراء السائل، يكون ثمه وهي فينسرب الماء منه، والأخرات: مع خرت بفتح فسكون وآخره تاء وهو المثقب، ويروى "الأخراب" بياء موحدة وهو جمع خربة، وهي العروة، وويل أمه رجلا: كلمة يتعجب بها، ولا يراد بها الدعاء، والخال: المخيلة، أي الخيلاء، والبخل بفتح الباء والخاء هنا مثل البخل بضم فسكون. ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله "ويلمه" فإن أصل هذه الكلمة "ويل أمه" بهمزة قطع من أصول والكلمة، والأصل أن تتوفر حروف الكلمة بحيث لا يحذف شيء الألعلة تقتضي هذا الحذف، لكنهم لما كثر استعمالهم لهذه الكلمة وترددت على أسنتهم كثيرا التمسوا فيها التخفيف فحذفوا الهمزة بقصد التخفيف فيما يكثر استعماله، وهذا خلاف الأصل والقياس الذي أشرنا إليه. ولذلك لا يجوز أن نقيس على هذه العبارة عبارة أخرى مماثلة لها مثل "ويل أبيه" أو "ويل أخته" لأن من شان الخارج عن القياس أن يقتصر عليه ولا يقاس عليه غيره. ١ انظر في هذه المسألة: صحاح الجوهري ولسان العرب ومفردات غريب القرآن للراغب الأصبهاني "أن س ن وس ت ن س ي".
[ ٢ / ٦٦٧ ]
وقال الآخر:
[٤٩٧]
ويلمه مسعر حرب إذا ألقي فيها وعليه الشليل
_________________
(١) = والخطبب التبريزي يرى أن اصل "ويلمه" ويل لأمه فالمصدر مبتدأ، والجار والمجرور بعده خبر، وقد حذف شيئان: اللام من ويل، والهمزة من أم، قال: "لفظه ويل إذا أضيفت بغير اللا م فالوجه فيها النصب، فتقول "ويل زيد" والمعنى الزم الله زيدا الويل، فإذا أضيفت باللا م فقيل" ويل لزيد" فحكمه أن يرفع فيصير ما بعده جملة ابتدئ بها، وهي نكرة، لأن معنى الدعاء منه مفهوم، والمعنى الويل ثا بت لزيد، كأنه عدة محصلا، كما يقال: رحمة الله زيدا، فتجعل رحمة الله خبرا، وإذا كا ن حكم ويل هذا وقد ارتفع في قوله: ويلم لذات الشباب فحذف من أم الهمزة، واللام من ويل، وقد القى حركة الهمزة على اللام الجارة فصار ويلم بضم اللام وقد قيل: ويلم بكسر اللام كما قيل، الحمد لله، والحمد لله الأولى بضم الدال وضم اللام إتباعا لها، والثانية بكسر الدال إتباعا لكسرة لام الجر بعدها - وقصده المدح الشباب وحمد لذاته، وانتصب معيشة على التمييز" ا. هـ، وهو يتحدث عن بيت الحما سة الذي سنأثره لك مع شرح الشا هد الآتي ٤٩٧.
(٢) أصل المسعر بزنة المنبر والمسعار: ما أججت به النار، أو ماتحرك به النار من حديد أو خشب، وقالوا: فلا ن مسعر حرب، إذا كان يؤرثها، وفي حديث أبي بصير "ويلمه مسعر حرب لو كان له أصحا ب" يصفه بالمبالغة في الحرب والنجدة، ومنه حديث خيفان"وأما هذا الحي من همدان فأنجاد بسل، مسا عير غير عزل" والشليل بفتح الشين الغلالة التي تلبس فوق الدرع، وقبل: هي الدرع الصغيرة القصيرة تكون تحت الكبيرة، وقيل: ما يجعل تحت الدرع من ثوب أو غيره، وقيل: هي الدرع ما كا نت، وجمعها أشلة، قال أوس بن حجر: وجئنا بها شهباء ذات أشلة لها عا رض فيه المنية تلمع وقد اشتقوا من الشليل فعلا فقالوا: شل الدرع يشلها من مثال مد الحبل يمده إذا لبسها. ومحل الأستشها د من هذا البيت قوله "ويلمه" والكلا م فيه كالكلا م في نظيره من البيت السابق. ومثل هذا البيت والذي قبله قول ذي الرمة، وهو من شوا هد الرضي في با ب التمييز: ويلمها روه والريح معصفة والغيث مرتجز، والليل مقترب ومثل ذلك قول علقمة بن عبدة، وهو من شعر الحما سة "التبريزي ٣/ ١٨٦ بتحقيقنا" ومن شوا هد الرضي في با ب التمييز: ويلم أيام الشباب معيشة مع الكثر يعطا هـ الفتي المتلف الندي ومثل ذلك قول امرئ القيس يصف عقا با، وهو من شوا هد سيبويه "١/ ٣٥٣":. ويلمها في هواء الجو طالبة ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب ومثل ذلك قول الهذلي، وأنشده في اللسا ن "ب ز ز" وفي الأسا س "ع ر ز": فويل بزجر شعل على الحصى ووقر بز ما هنالك ضا ئع البز: السلا ح، وشعل: لقب تأبط شرا، ووقر: صدع وفلل.
[ ٢ / ٦٦٨ ]
والذي يدل على أن "إنسان" مأخوذ من النسيان أنهم قالوا في تصغيره "أُنَيْسِيَان" فردوا الياء في حال التصغير؛ لأن الاسم لا يكثر استعماله مصغرا كثرة استعماله مكبرا، والتصغير يرد الأشياء إلى أصولها، فدل على ما قلناه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن وزنه فِعْلَان لأن "إنسان" مأخوذة من الإنس، وسمي الإنسان إنسا لظهورهم، كما سمي الجن جنا لاجتنانهم أي استتارهم، ويقال "آنست الشيء" إذا أبصرته، قال الله تعالى: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارَا﴾ [القصص: ٢٩] أي: أبصر، وكما أن الهمزة في الإنس أصلية ولا ألف ونون فيه موجودتان؛ فكذلك الهمزة أصلية في إنسان، ويجوز أن يكون سمي الإنس إنسا لأن هذا الجنس يستأنس به ويوجد فيه من الأنس وعدم الاستيحاش ما لا يوجد في غيره من سائر الحيوا ن، وعلى كلا الوجهين فالألف والنون فيه زائدتان؛ فلهذا قلنا إن وزنه فِعْلَان.
وأما الجواب عن كلما ت الكوفيين: أما قولهم "إن الأصل في إنسا ن إنسيان، إلا أنهم لما كثر في كلامهم حذفوا منه الياء لكثرة الاستعمال، كقولهم أيش في أي شيء وعم صباحا في أنعم صباحا وويلمه في ويل أمه" قلنا: هذا باطل؛ لأنه لو كان الأمر كما زعمتم لكان يجوز أن يؤتى به على الأصل، كما يجوز أن تقول: أي شيء، وانْعَمْ صباحا، وويل أمه على الأصل؛ فلما لم يأت ذلك في شيء من كلامهم في حالة اختيار ولا ضرورة دل على بطلان ما ذهبتم إليه.
وأما قولهم "إنهم قالوا في تصغيره أنيسيان" قلنا: إنما زيدت هذه الياء في أنيسيان على خلاف القياس، كما زيدت في قولهم "لييلية" في تصغير ليلة، و"عشيشية" تصغير عشية، وكقولهم على خلا ف القيا س "مغيربان" في تصغير مغرب، و"رويجل" في تصغير رجل، إلى غير ذلك مما جاء على خلا ف القياس؛ فلا يكون فيه حجة، والله أعلم.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
١١٨- مسألة: [وزن أشياء] ١
ذهب الكوفيون إلى أن "أشياء" وزنه أَفْعَاء، والأصل أفعلاء، وإليه ذهب أبو الحسن الأخفش من البصريين. وذهب بعض الكوفيين إلى أن وزنه أفعال.
وذهب البصريون إلى أن وزنه لفعاء، والأصل فعلاء.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن وزنه أفعاء لأنه جمع شيء على الأصل. وأصل شيء شيّئ مثل شيّع؛ فقالوا في جمعه أشيئاء على أفعلاء، كما قالوا في جمع لين: أليناء؛ إلا أنهم حذفوا الهمزة التي هي اللام طلبا للتخفيف، وذلك لأمرين؛ أحدهما تقارب الهمزتين، لأن الألف بينهما حرف خفي زائد ساكن؛ وهو من جنس الهمزة، والحرف الساكن حاجز غير حصين؛ فكأنه قد اجتمع فيه همزتان. وذلك مستثقل في كلامهم. وإذا كانوا قد قالوا في سوائية "سَوَاية" فحذفوا الهمزة مع انفرادها فلأن يحذفوا الهمزة ههنا مع تكراراها كان ذلك من طريق الأولى. والآخر: أن الكلمة جمع، والجمع يستثقل فيه ما لا يستثقل في المفرد، فحذفت منه الهمزة طلبا للتخفيف.
والذي يدل على أنه يستثقل في الجمع ما لا يستثقل في المفرد أنهم ألزموا خطايا القلبَ، وأبدلوا في ذوائب من الهمزة الأولى٢ واوا، كل ذلك استثقالهم في الجمع ما لا يستثقل في المفرد.
وأما أبو الحسن الأخفش فذهب إلى أنه جمع شيء بالتخفيف، وجمع فعل على أفعلاء كما يجمعونه على فعلاء، فيقولون: سمح وسمحاء، وفعلاء نظير أفعلاء، فكما جاز أن يجيء جمع فعل على فعلاء جاز أن يجيء على أفعلاء لأنه نظيره
_________________
(١) ١ انظر في هذه المسألة: شرح رضي الدين على الشافية "١/ ٢٨-٣١ بتحقيقنا" ولسان العرب وصحاح الجوهري "ش ي أ". ٢ أصل ذوائب "ذآئب" لأن مفرده "ذؤابة".
[ ٢ / ٦٧٠ ]
والذي يدل علي ذلك أنهم قالوا: طَبِيبٌ وأطِبَّاء، وحبيب وأحباء، والأصل فيه طُبَبَاء وحُبَبَاء، نحو: ظريف وظرفاء، وشريف وشرفاء، إلا أنه لما اجتمع فيه حرفان متحركان من جنس واحد واستثقلوا اجتماعهما فنقلوه عن فُعَلاء إلى أفْعِلاء، فصار أطبباء، فاجتمع فيه أيضا حرفان متحركان من جنس واحد، فنقلوا حركة الحرف الأول إلى الساكن قبله فسكن فأدغموه في الحرف الذي بعده، فقالوا: أطِبَّاء، فنقلوه من فُعَلَاء إلى أفْعِلاء، فدل على ما قلناه.
وأما من ذهب إلى أن وزنه أفعال فتمسك بأن قال: إنما قلنا أن وزنه أفعال لأنه جمع شيء، وشيء على وزن فعل، وفعل يجمع في المعتل العين على أفعال، نحو: بيت وأبيات وسيف وأسياف، وإنما يمتنع ذلك في الصحيح، على أنهم قد قالوا فيه: زنْد وأزناد، وفَرْخ وأفراخ، وأنف وآناف، وهو قليل شاذ، وأما في المعتل فلا خلاف في مجيئه على أفعال مجيئا مطردا؛ فدل على أنه أفعال؛ إلا أنه منع من الإجراء تشبيها له بما في آخره همزة التأنيث.
والذي يدل على أن أشياء جمع وليس بمفرد كطرفاء قولهم: ثلاثة أشياء. والثلاثة وما بعدها من العدد إلى العشرة يضاف إلى الجمع لا إلى المفرد. ألا ترى أنه لو قيل "ثلاثة ثوب وعشرة درهم" لم يجز، فلما جاز ههنا أن يقال "ثلاثة أشياء، وعشرة أشياء" دل على أنها ليست اسما مفردا وأنه جمع.
والذي يدل على ذلك أيضا تذكيرهم ثلاثة وعشرة في قولهم: "ثلاثة أشياء، وعشرة أشياء" ولو كانت كَطَرْفاء مؤنثة لما جاز التذكير فيقال "ثلاثة أشياء" وكان يجب أن يقال: ثلاث أشياء؛ كما كنت تقول مثلا: ثلاث غرفة؛ لو جاز أن يقع فيه الواحد موقع الجمع، وفي امتناع ذلك دليل على أنه جمع وليس باسم مفرد.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن أشياء على وزن لفعاء لأن الأصل فيه شَيْئَاء بهمزتين على فعلاء كطرفاء، وحَلْفاء، فاستثقلوا اجتماع همزتين وليس بينهما حاجز قوي؛ لأن الألف حرف زائد خفي ساكن والحرف الساكن حاجز غير حصين؛ فقدموا الهمزة التي هي اللام على الفاء؛ كما غيروا بالقلب في قولهم: قِسِيّ في جمع قوس، والأصل أن يقال في جمعها: قُوُوس؛ إلا أنهم قلبوا كراهية لاجتماع الواوين والضمتين؛ فصار قسوو؛ فأبدلوا من الضمة كسرة١؛ لأنهم ليس في كلامهم اسم متمكن في آخره واو قبلها ضمة؛ فانقلبت الواو الثانية
_________________
(١) ١ في هذا الكلام تكلف، والواو المتطرفة تقلب ياء بغير هذا التكلف وكيف تبقى الواو الأولى مدة بعد انكسار ما قبلها؟ لقد كانت أولى أن تقلب ياء.
[ ٢ / ٦٧١ ]
التي هي لام ياء؛ لانكسار ما قبلها؛ لأن الواو الأولى مدة زائدة فلم يعتد بها كما لم يعتد بالألف في كِسَاء ورداء لأنها لما كانت زائدة صار حرف العلة الذي هو اللام في كساء ورداء كأنه قد ولي الفتحة كما وليته في عَصًى ورَحًى؛ فكما وجب قلبه في عصًى ورحًى ألفا لتحركه وانفتاح ما قبله، فكذلك يجب قلب الواو الثانية ههنا ياء لانكسار ما قبلها؛ فصار: قُسُويٌ، وإذا انقلبت الواو الثانية وجب أن تقلب الواو التي قبلها ياء لوقوعها ساكنة قبل الياء؛ لأن الواو والياء متى اجتمعتا والسابق منهما ساكن وجب قلب الواو ياء، وجُعِلت ياء مشددة فصار قُسِيّ، وكسروا أوله لما بعده من الكسرة والياء، فقالوا قِسِيّ كما قالوا عِصِيّ وحِقِيّ، وما أشبه ذلك، وكما غيروا أيضا بالقلب في ذوائب وبالحذف في سَوَاية، وبَلْ أَوْلى؛ لأنهم إذا أزالوا التقارب في ذوائب وأصله ذأائب بأن قلبوا الهمزة واوا فقالوا ذوائب، وحذفوها من سوائية فقالوا سَوَاية؛ فلأن يزيلوا التقارب بأن يقدموا الهمزة إلى أول الكلمة مع بقائها كان ذلك من طريق الأولى، وإذا كانوا قد قلبوا من غير أن يكون فيه خفة فقالوا "أَيِسَ" في يئس، و"بئر مَعِيقة" في عميقة، و"عُقابٌ عَبَنْقَة وبَعَنْقَاة" في عقنباة، و"ما أيطبه" في ما أطيبه، وما أشبه ذلك، مما لا يؤدي إلى التخفيف، فكيف فيما يؤدي إليه؟ فلهذا قلنا وزنها لفعاء.
والذي يدل على أنه اسم مفرد أنهم جمعوه على فعالى فقالوا في جمعه "أشاوى" كما قالوا في جمع صحراء "صحارى" والأصل في صحارى صحاريّ بالتشديد، كما قال الشاعر:
[٤٩٨]
لقد أغدو على أشـ ـر يغتال الصحاريا
_________________
(١) ينسب هذا البيت للوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، وقد راجعت ديوانه فوجدته فيه "ص٥٦" بيتا مفردا، وهذا البيت من شواهد رضي الدين في باب التأنيث من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "٣/ ٣٢٤" وشواهد الرضي أيضا في شرح الشافية "١/ ١٩٤ بتحقيقنا" وشرحه البغدادي مرة أخرى "ص٩٥ بتحقيقنا" وشواهد ابن جني في سر الصناعة "١/ ٩٧" وأغدو: أذهب -أو أخرج، أو أسير- في وقت الغدوة، والغدوة -بضم فسكون- الوقت ما بين الصبح وطلوع الشمس، والأشقر: الذي لونه الشقرة وهي في الخيل الحمرة الصافية، وفي الإنسان حمرة يعلوها بياض، وعنى هنا بالأشقر فرسا، ويغتال: أصل معناه يهلك، واستعاره هنا لمعنى يقطع المسافة الطويلة في سرعة فائقة، والصحارى: جمع صحراء، وهي الأرض الواسعة. ومحل الاستشهاد من هذا البيت هنا قوله "الصحاريا" بتشديد الياء وهذا هو الأصل في جمع هذه الكلمة وما أشبهها، وبيان ذلك أن في صحراء وبيداء وبطحاء وأسماء ألف مدّ قبل آخرها كألف قرطاس ومصباح، وآخرها همزة منقلبة عن ألف التأنيث، فإذا أرادوا جمع هذه الكلمات على صيغة منتهى
[ ٢ / ٦٧٢ ]
فالياء الأولى منقلبة عن الألف الأولى التي كانت في المفرد؛ لأنها سكنت وانكسر ما قبلها، والياء الثانية منقلبة عن ألف التأنيث التي قلبت همزة في المفرد لاجتماع ألفين، فلما زال هذا الوصف زالت الهمزة لزوال سببها، فكانت الثانية منقلبة عن ألف في نحو حُبْلى، لا منقلبة عن همزة، ثم حذفت الياء الأولى طلبا للتخفيف؛ فصار صَحَاِري مثل مَدَارِي، ثم أبدلوا من الكسرة فتحة؛ فانقلبت الياء إلفا لتحركها وانفتاح ما قبلها كما فعلوا في مدارى فصارت صحارى، وكذلك "أشاوي" أصلها أشاييُّ بثلاث ياءات الأولى عين الفعل المتأخرة إلى موضع اللام، والأخريان كالياءين في صحاريّ، ثم فعل به ما فعل بصحاري فصار أشايا، وأبدلوا من الياء التي هي عين واوا فصار أشاوى، كما أبدلوا من الياء واوا في قولهم: "جَبَيتُ الخراجَ جِبَاوَة، وأتيته أتْوَة" والأصل فيه جباية وأتْيَة، وليس في إبدال الواو خروج عن الحكمة؛ فإنهم إذا كانوا يبدلون الحروف الصحيحة بعضها عن بعض نحو أصيلال في أصيلان، وإن لم يكن هناك استثقال فلأن يبدلوا الياء واوا لأجل المقاربة وإن لم يكن ما يوجب قلبها مثل أن تكون ساكنة مضموما ما قبلها نحو
_________________
(١) الجموع قلبوا ألف المد التي قبل آخرها ياء كما قلبوا ألف مصباح وقرطاس فقالوا: مصابيح وقراطيس فإذا انقلبت هذه الألف ياء تبعها أن تنقلب ألف التأنيث التي هي الهمزة ياء أيضا، فتصير صحاري وبيادي وبطاحي وأسامي -بياءات مشددة في أواخرها- ومع أن هذا هو الأصل وما تقتضيه صناعة التصريف الجارية على مقتضى كلام العرب لم يستعمله العرب في كلامهم استثقالا له، بل جرت عادتهم أن يحذفوا إحدى الياءين، ثم لهم بعد حذف إحدى الياءين طريقان؛ أولهما أن يبقوا كسرة الحرف الذي بعد ألف التكسير على حالها فتبقي الياء على حالها ويعاملونها معاملة ياء المنقوص، وثانيهما أن يقلبوا كسرة الحرف الواقع بعد ألف التكسير فتحة، وحينئذ تنقلب الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وبكل واحد من هذين الوجهين جرى استعمالهم، فقال امرؤ القيس بن حجر الكندي في معلقته: ويوم عقرت للعذارى مطيتي فياعجبا من كورها المتحمل فظل العذارى يرتمين بلحمها وشحم كهداب الدمقس المفتل فجاء به بفتح ما قبل الياء، وقال النابغة الذبياني: لجب يظل به الفضاء معضلا يدع الإكام كأنهن صحارى فجاء به بكسر ما قبل الياء. والتخفيف بحذف إحدى الياءين فصيح في الاستعمال وإن لم يكن هو القياس، وإثبات الياءين هو القياس، وربما رد بعض الشعراء الكلمة إلى القياس عند الضرورة فيكون قد رجع إلى الأصل المهجور كما في بيت الشاهد، وكما في قول الآخر: إذا حاشت حواليه ترامت ومدته البطاحي الرغاب جمع بطحاء على القياس؛ فجاء بالياء المشددة في آخره.
[ ٢ / ٦٧٣ ]
مُوسر ومُوقن كان ذلك من طريق الأولى، فلما جمع على فَعَالَى فقيل أَشَاوَى دل على ما قلناه.
والذي يدل على ذلك أيضا أنهم قالوا في جمعه أيضا "أشْيَاوَات" كما قالوا في جمع فعلاء فعلاوات، نحو صحراء وصحراوات، وما أشبه ذلك، فدل على أنه اسم مفرد معناه الجمع، وليس بجمع على ما بيّنا.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم: "إنه في الأصل على أفعلاء لأنه جمع شيء على الأصل كقولهم لَيّن وأليناء" قلنا: قولكم: إن أصل شيء شَيِّئ مجرد دعوى لا يقوم عليها دليل، ثم لو كان كما زعمتم لكان يجيء ذلك في شيء من كلامهم؛ ألا ترى أن نحو سيْد وهيْن وميْت لما كان مخففا من سيّد وهيّن وميّت جاء فيه التشديد على الأصل مجيئا شائعا، فلما لم يجئ ههنا على الأصل في شيء من كلامهم -لا في حالة الاختيار، ولافي حالة الضرورة- دل على أن ما صرتم إليه مجرد دعوى.
وقولهم: "إن أشياء في الأصل على أفْعِلاء" قلنا: هذا باطل؛ لأنه لو كان كما زعمتم لكان ينبغي أن لا يجوز جمعه على فَعَالَى؛ لأنه ليس في كلام العرب أفْعِلَاء جمع على فعالى، فلما جاز ههنا دل على بطلان ما ذهبتم إليه.
وهذا هو الجواب عن قول الأخفش "إنه جمع شيء بالتخفيف وإنهم جمعوه على أفْعِلاء كما جمعوه على فُعَلاء لأن نظيره نحو سَمْح وسُمَحَاء" فإن فَعْلا لا يكسر على أفْعِلاء، وإنما يكسر على فُعُول وفِعَال، نحو فلوس وكعاب.
والذي يدل على أنه ليس بأفعلاء أنه قال١ في تصغيرها أشَيَّاء، وأفعلاء لا يجوز تصغيره على لفظه، وإنما كان ينبغي أن يُرَدَّ إلى الواحد ويجمع بالألف والتاء، فيقال "شُيَيْئَاتٌ" وإنما لم يجز تصغير أفْعِلاء على لفظه لأن أفعلاء من أبنية الكثرة، والتصغير علم القِلَّة، فلو صغرت مثالا موضوعا للكثرة لكنت قد جمعت بين ضدين، وذلك لا يجوز.
وأما قول من ذهب إلى أنه جمع شَيْء وأنه جمع على أفعال كبَيْت وأبيات فظاهر البطلان؛ لأنه لو كان الأمر على ما زعم لوجب أن يكون منصرفا كأسماء وأبناء.
وأما قوله: "إنما منع من الإجراء لشبه همزة التأنيث" قلنا: فكان يجب أن لا تُجْرَى نظائره نحو أسماء وأبناء وما كان من هذا النحو على وزن أفعال؛ لأنه لا
_________________
(١) ١ كذا، ولعل الأوفق "أنهم قالوافي تصغيرها الخ".
[ ٢ / ٦٧٤ ]
فرق بين الهمزة في آخر أشياء وبين الهمزة في آخر أسماء وأبناء.
وأما قولهم: "الدليل على أن أشياء جمع وليس بمفرد قولهم: ثلاثة أشياء، والثلاثة وما بعدها من العدد إلى العشرة يضاف إلى الجمع، لا إلى المفرد، فلا يقال: ثلاثة ثوب، ولا عشرة درهم" قلنا: إنما لا يضاف إلى ما كان مفردا لفظا ومعنى، وأما إذا كان مفردا لفظا ومجموعا معنى فإنه يجوز إضافتها إليه، ألا ترى أنه يجوز أن تقول: ثلاثة رَجْلَة -وإن كان مفردا لفظا- لأنه مجموع معنى، وكذلك قالوا: ثلاثة نَفَر، وثلاثة قَوْم، وتسعة رَهْطٍ، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ﴾ [النمل: ٤٨] وأضيف العدد إلى هذه الأسماء -وإن كانت مفردة لفظا- لأنها مجموعة معنى، فكذلك ههنا: أشياء مفردة لفظا، مجموعة معنى كطَرْفَاء، وحَلْفَاء، وقصباء؛ فجاز أن يضاف اسم العدد إليها.
وأما قولهم: "إنها لو كانت كطَرْفَاء لما جاز تذكير ثلاثة١، فيقال ثلاثة أشياء، وكان يجب أن يقال: ثلاثة أشياء" قلنا: إنما جاز تذكير ثلاثة أشياء" -وإن كانت أشياء مؤنثة لوجود علامة التأنيث فيها- لأنها اسم لجمع شيء، فتنزلت منزلة أَفْعَال من حيث إنه جمع شيء في المعنى، لا لأنه مفرد أقيم مقام جمع بمنزلة درهم في قولهم: مائة درهم، ولو كان كذلك لوجب أن يقال "ثلاث أشياء" كما ذكرتم، وإذا كانت أشياء اسما لجمع شيء علمت أن أشياء في المعنى جمع شيء؛ فصارت إضافة العدد إليها بمنزلة إضافته إلى جمع ثوب وبيت في قولهم: "ثلاثة أثواب، وعشرة أبيات" وما أشبه ذلك، والله أعلم.
قال أبو البركات كمال الدين الأنباري:
فهذا منتهى ما أردنا أن نذكره في كتاب "الإنصاف، في مسائل الخلاف" واقتصرنا فيه على هذا القدر من القول مع تَشَعُّب أنحائه، لتوفر رغبة الطلبة في سرعة إنهائه، وكثرة الشواغل عن استقصائه، فالله تعالى يعصمنا فيه من الزلل، ويحفظنا فيه من الخطأ والخطل، ويوفقنا وإياكم لصالح القول والعمل بمنه ولطفه.
_________________
(١) ١ المراد بتذكير ثلاثة الإتيان بلفظه كلفظ عدد المذكر، وتأنيثه: الإتيان بلفظه كلفظ عدد المؤنث، وأنت خبير أن لفظ ثلاثة يقرن بالتاء إذا كان معدوده مذكرا، ويجرد منها إن كان معدوده مؤنثا.
[ ٢ / ٦٧٥ ]
زيادة ثلاث مسائل في بعض النسخ
وُجِدَ في بعض النسخ زيادة ثلاث مسائِلَ ونحن نذكرها ههنا:
١١٩- مسألة: [علام ينتصب خبر "كان" وثاني مفعولي "ظننت"؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن خبر "كان" والمفعول الثاني لـ "ظننت" نصب على الحال. وذهب البصريون إلى أن نصبهما نصب المفعول، لا على الحال.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن خبر "كان" نصب على الحال أن "كان" فعل غير واقع أي غير متعد والدليل على أنه غير واقع أن فعل الاثنين إذا كان واقعا فإنه يقع على الواحد والجمع نحو: ضَرَبَا رجلا، وضَرَبَا رجالا، ولا يجوز ذلك في "كان"، ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: كانا قائما، وكانا قياما، ويدل على ذلك أيضا أنك تَكْنِي عن الفعل الواقع نحو "ضَرَبْتُ زيدًا" فتقول: فَعَلْتُ بزيد، ولا تقول في كنت أخاك: فعلت بأخيك، وإذا لم يكن متعديا وجب أن يكون منصوبا نصب الحال، لا نصب المفعول؛ فإنا ما وجدنا فعلا ينصب مفعولا هو الفاعل في المعنى، إلا الحال، فكان حمله عليه أولى، ولأنه يحسن أن يقال فيه "كان زيد في حالة كذا" وكذلك يحسن أيضا في ظننت زيدا قائما "ظننت زيدا في حالة كذا" فدل على أنه نصب على الحال.
قالوا: ولا يجوز أن يقال "إنه لو كان نصبًا على الحال لما جاز أن يقع معرفة في نحو: كان زيد أخاك، وظننت عمرا غلامك، والحال لا تكون معرفة" لأنا نقول: إنما جاز ذلك لأن "أخاك، وغلامك" وما أشبه ذلك قام مقام الحال كقولك: ضربت زيدا سَوْطًا، فإن "سوطا" ينتصب على المصدر وإن كان آلة لقيامه مقام المصدر الذي هو ضرب٢،
_________________
(١) ١ انظر في هذه المسألة: حاشية الصبان على الأشموني "١/ ٢١٨ بولاق" وتصريح الشيخ خالد الأزهري "٢/ ٢٢٠ بولاق". ٢ ر "الذي هو ضربه".
[ ٢ / ٦٧٦ ]
وكذلك ههنا. علي أنه قد جاءت الحال معرفة في قولهم:
[٤٩٩]
[فـ] أَرْسَلَهَا العِرَاكَ [وَلَمْ يَذُدْهَا وَلَمْ يُشْفَقْ عَلَى نَغَصِ الدَّخَالِ]
وطلبته جَهْدَك، وطَاقَتَك، ورجع عَوْده على بدئه، إلى غير ذلك فدل على صحة ما ذهبنا إليه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنَّ نَصْبَهما نَصْبُ المفعول لا على الحال لأنهما يقعان١ ضميرا في نحو قولهم: "كُنَّاهُم، وإذا لم نكنهم فمن ذَا يَكُونُهُمُ؟ " قال الشاعر:
[٥٠٠]
دَعِ الْخَمْرَ يَشْرَبُهَا الْغُوَاةُ فإِنَّنِي رَأَيْتُ أَخَاهَا مُغْنِيًا بِمَكَانِهَا
_________________
(١) هذا البيت من كلام لبيد بن ربيعة العامري، وهو من شواهد سيبويه "١/ ١٨٧" ورضي الدين في باب الحال من شرح الكافية، وشرحه البغدادي في الخزانة "١/ ٥٢٤" وابن يعيش في شرح المفصل "ص٢٤١" وابن عقيل "رقم ١٨٠" وشرحه العيني "٣/ ٢١٩ بهامش الخزانة" والبيت في وصف حمار وحش وأتنه، وقال الأعلم: وصف إبلًا أوردها الماء مزدحمة. والعراك الازدحام، والنغص -بفتح النون والغين المعجمة جميعا- مصدر نغص -من باب فرح- تقول "نغص الرجل" إذا لم يتم شربه، والدخال -بكسر الدال المهملة- أن يدخل الرجل بعيره الذي شرب مرة مع الإبل التي لم تشرب من قبل ليشرب معها، وذلك إذا كان البعير كريما. ومحل الاستشهاد من هذا البيت هنا قوله "العراك" فإن هذه الكلمة حال من الضمير المنصوب في قوله "أرسلها" وهي معرفة، والأصل في الحال أن تكون نكرة، ومصدرا، والأصل في الحال أن تكون وصفا، وذلك لأن هذا المصر المعرف في تأويل وصف نكرة، فكأنه قال: فأرسلها معتركة. قال سيبويه "وهذا ما جاء منه في الألف واللام، وذلك قولك: أرسلها العراك، قال لبيد بن ربيعة: فأرسلها العراك ولم يذدها- البيت كأنه قال: اعتراكا، وليس كل المصادر في هذا الباب يدخله الألف واللام "ا. هـ، وقال الأعلم "الشاهد فيه نصب العراك وهو مصدر في موضع الحال، والحال لا يكون معرفة وجاز هذا لأنه مصدر، والفعل يعمل في المصدر معرفة ونكرة، فكأنه أظهر فعله ونصبه به ووضع ذلك الفعل موضع الحال فقال: أرسلها تعترك الاعتراك، ولو كان من أسماء الفاعل لم يجز ذلك فيه "يريد لم يجز تعريفه" نحو أرسلها المتركة" ا. هـ.
(٢) هذان البيتان ينسبان لأبي الأسود الدؤلي، وثانيهما من شواهد سيبويه "٢/ ٢١" ورضي الدين في باب الضمير، وشرحه البغدادي في الخزانة "٢/ ٤٢٦" وابن يعيش في شرح المفصل "ص٤٢٧" والأشموني "رقم ٥١" وكان لأبي الأسود مولى يحمل تجارته إلى الأهواز، وكان هذا المولى إذا مضى بالتجارة تناول شيئا من الشراب فاضطرب أمره وفسد ١ في ر "أنهما يقعون" تحريف.
[ ٢ / ٦٧٧ ]
فإِنْ لَا يَكُنْهَا أَوْ تَكُنْهُ فَإِنَّهُ أَخُوهَا غَذَتْهُ أُمُّهُ بِلِبَانِهَا
أراد بقوله: "أخاها" الزبيب، وجعله أخا الخمر لأنهما من شجرة واحدة. وقال الآخر:
[٥٠١]
تنفك تسمع ما حييت بهالك حتى تكونه
_________________
(١) أمر التجارة، فقال أبو الأسود فيه هذين البيتين، وقوله "فإلا يكنها" أي فإلا يكن أخو الخمر هو الخمر، وقوله "أو تكنه" أي أو تكن الخمر هي أخاها، فاسم "يكن" الأولى ضمير مستتر يعود على الأخ، والضمير البارز المتصل هو خبر يكن، وهو عائد إلى الخمر، واسم "تكن" الثانية ضمير مستتر عائد إلى الخمر، والضمير البارز المنصوب العائد إلى الأخ هو خبرها، ومحل الاستشهاد من هذا الشاهد ههنا قوله "يكنها أو تكنه" حيث جاء بخبر تكن ضميرا متصلا، وأصل القياس أن يكون خبرها ضميرا منفصلا، كما في قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي، وهو من شواهد الرضي وابن يعيش: لئن كان إياه لقد حال بعدنا عن العهد والإنسان قد يتغير وكما في قول العرجي في خبر ليس، وهو من شواهد سيبويه: ليت هذا الليل شهر لا نرى فيه عريبا ليس إياي وإيا ك ولا نخشى رقيبا ولو أن أبا الأسود قد جاء بالكلام على ما يقتضيه القياس لقال: فإلا يكن إيّاها أو تكن إياه فإنه أخوها، قال سيبويه "وتقول: كناهم، كما تقول: ضربناهم، وتقول: إذا لم نكنهم فمن ذا يكونهم؟ كما تقول: إذا لم نضربهم فمن ذا يضربهم؟ قال أبو الأسود الدؤلي: فإن لا يكنها أو تكنه فإنه أخوها البيت. ا. هـ كلامه. وقال الأعلم "أراد سيبويه كان لتصرفها تجري مجرى الأفعال الحقيقية في عملها، فيتصل بها ضمير خبرها اتصال ضمير المفعول بالفعل الحقيقي في نحو ضربته وضربني وما أشبهه" ا. هـ. ومن مجيء خبر ليس ضميرا متصلا قول رؤبة بن العجاج، وهو أيضا من شواهد الرضي وابن يعيش: عهدي بقومي كعديد الطيس إذ ذهب القوم الكرام ليسي وليس كما تعلم فعل ليس متصرفا، بل هو فعل جامد، ومن النحاة من يذهب إلى أنه حرف.
(٢) ذا البيت من كلام خليفة بن براز، وهو شاعر جاهلي، وبعده قوله: والمرء قد يرجو الحيا ة مؤملا والموت دونه والبيت من شواهد الرضي في باب الأفعال الناقصة، وشرحه البغدادي في الخزانة "٤/ ٤٧" وابن يعيش في شرح المفصل "ص١٠١١" وابن الناظم في باب كان وأخواتها من شرح الألفية، وشرحه العيني "٢/ ٧٥ بهامش الخزانة" والنحاة يستشهدون بهذا البيت في عدة
[ ٢ / ٦٧٨ ]
وكذلك قالوا أيضا "ظَنَنْتُهُ إياه"١ والضمائر لا تقع أحوالا بحال؛ فعدِمَ شروط الحال فيهما؛ فوجب أن ينتصبا نصب المفعول، لا على الحال.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم: "إن الفعل إذا كان واقعا فإن فعل الاثنين يقع منه على الواحد والجمع، نحو: ضربا رجلا، وضربا رجالا ولا يجوز ذلك في كان؛ فإنه لا يقال كانا قائما وكانا قياما" فنقول: إنما لم يجز في "كان" كما جاز في ضرب؛ لأن المفعول في "كان" هو الفاعل في المعنى، ولا يكون الاثنان واحدا ولا جماعة، وإنما كان المفعول في "كان" هو الفاعل في المعنى؛ لأنها تدخل على المبتدأ والخبر فيصير المبتدأ [بمنزلة الفاعل، والخبر] ٢ بمنزلة المفعول، وكما يجب أن يكون الخبر هو المبتدأ في المعنى نحو "زيد
_________________
(١) مواضع، أولها في قوله "تكونه" حيث جاء بخبر كان ضميرا متصلا وهو الذي من أجله جاء المؤلف بهذا البيت هنا، وقد بينا ذلك في شرح الشاهد السابق والثاني في قوله "تنفكّ" ولهم في هذه الكلمة شاهدان: أحدهما أن الشاعر قد استعمل الفعل المضارع من انفك، ولما لم يحفظ النحاة من هذا الفعل غير الماضي والمضارع حكموا بأنه فعل متصرف تصرفا ناقصا، ومن مجيء المضارع قول الشاعر: ليس ينفك ذا غنى واعتزاز كل ذي عفة مقل قنوع وقول ذي الرمة: قلائص لا تنفك إلا مناخة على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا والشاهد الثاني من هذه الكلمة أنها جاءت في هذا البيت غير مسبوقة بالنفي أو ما يضاهيه، وذلك شاذ، والقياس ذكر نفي أو نهي قبل زال وبرح وفتئ وانفك. ومثل هذا البيت في الإتيان بواحد من هذه الأفعال من غير أن يسبقه نفي أو نهي قول خداش بن زهير: وأبرح ما أدام الله قومي بحمد الله منتطقا مجيدا وهم يغتفرون أن يسقط الشاعر حرف النفي إذا كان الفعل مسبوقا بالقسم كقول امرئ القيس: فقلت يمين الله أبرح قاعدا ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي وقول عبيد الله بن قيس الرقيات "د ١٨٩": والله أبرح في مقدمة أهدي الجيوش على شكيته حتى أفجعهم بإخوتهم وأسوق نسوتهم بنسويته وقول الآخر: لعمر أبي دهماء زالت عزيزة على قومها ما فتل الزند قادح ١ ومن ذلك قول الشاعر: أخي حسبتك إياه وقد ملئت أرجاء صدرك بالأضغان والإحن ٢ زيادة لا يتم الكلام إلا بها.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
قائم"؛ فكذلك يجب أن يكون المفعول في معنى الفاعل؛ فلهذا امتنع في "كان" ما جاز في "ضرب" لا لما ادعيتم، على أنا لا نقول إن كان بمنزلة ضرب، فإن ضرب فعل حقيقي يدل على حدث وزمان، والمرفوع [به] فاعل حقيقي، والمنصوب به مفعول حقيقي، وأما "كان" فليس فعلا حقيقيا؛ بل يدل على الزمان المجرد عن الحدث، ولهذا يسمى فعلَ العبارةِ، فالمرفوع به مشبه بالفاعل والمنصوب به مشبه بالمفعول؛ فلهذا سمي المرفوع اسما، والمنصوب خبرا، ولهذا المعنى من الفرق لما كان ضرب فعلا حقيقيا جاز إذا كني عنه -نحو "ضربت زيدا"- أن يقال: فعلت بزيد، ولما كانت "كان" فعلا غير حقيقي، بل في فعليتها خلاف؛ لم يجز إذا كني عنها نحو "كنت أخاك" أن يقال: فعلت بأخيك.
وأما قولهم: "إنه يحسن أن يقال: كان زيد في حالة كذا، وكذلك يحسن أيضا في ظننت زيدا قائما: ظننت زيدا في حالة كذا؛ فدل على أن نصبهما نصب الحال" قلنا: هذا إنما يدل على الحال مع وجود شروط الحال بأسرها، ولم يوجد ذلك؛ لأنه من شروط الحال أن تأتي بعد تمام الكلام، ولم يوجد ذلك في "كان" الناقصة التي وقع فيها الخلاف دون التامة التي بمعنى وَقَعَ، ولم يوجد أيضا في المفعول الثاني لظننت التي بمعنى الظن أو العلم التي وقع فيها الخلاف، لا التي بمعنى التهمة، وكذلك من شروطها ألا تكون إلا نكرة، وكثيرا ما يقع خبر كان والمفعول الثاني لظننت معرفة، ولو كانا حالا لما جاز أن يقعا إلا نكرة؛ فلما جاز أن يقعا معرفة دل على أنهما ليسا بحال.
قولهم: "إنما جاز ذلك لأن المعرفة أقيمت مقام الحال، كما أقيمت الآلة مقام المصدر في قولهم: ضربت زيدا سوطا" قلنا: الفرق بينهما ظاهر، وذلك أنه إنما حسن أن ينصب "سوطا" على المصدر؛ لأنه نكرة قام مقام نكرة، فأفاد فائدته، فحسن أن ينصب بما نصب به لقيامه مقامه، وأما ههنا فلا يحسن أن يقوم المعرفة مقام الحال؛ لأن الحال لا تكون إلا نكرة، وهو معرفة؛ فلا يفيد أحدهما ما يفيده الآخر؛ فلا يجوز أن يقام مقامه؛ فلا يجوز أن ينصب بما نصب به.
وأما قولهم: "إن الحال قد جاء معرفة في قولهم: أرسلها العراك، وطلبته جهدك، ورجع عوده على بدئه" قلنا: هذه الألفاظ مع شذوذها وقلتها ليست أحوالا، وإنما هي مصادر دلت على أفعال في موضع الحال، فإذا قلت "أرسلها العراك" فالتقدير فيه: أرسلها تعترك العراك، على معنى تعترك الاعتراك، فأقاموا "العراك" مقام الاعتراك، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أنْبَتَكُمْ مِنَ الأرْضِ نَبَاتا﴾ [نوح: ١٧] ثم حذفوا "تعترك" وهو جملة في موضع الحال، وأقاموا المصدر دليلا
[ ٢ / ٦٨٠ ]
عليه، كما تقول: "إنما أنت سَيْرًا" أي تسير سيرا، وكذلك قولهم "طلبته جَهْدَك"، وطاقَتَك" كأنهم قالوا: طلبته تجتهد اجتهادك، ثم حذفوا "تجتهد" وهو جملة في موضع الحال، وأقاموا المصدر دليلا عليه، وهكذا التقدير في قولهم "رَجَعَ عودَه على بدئه"، وقد ذهب بعض النحويين إلى أن "عودة" منصوب برجع نصب المفعول لا نصب المصدر؛ لأن "رجع" يكون متعديا كما يكون لازما، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٣] فعدى رجع [إلى] الكاف؛ فدل على أنه يكون متعديا، والأكثرون على الأول، وإنما أقاموا هذه المصادر مُقَامَ الأفعال في هذه المواضع؛ لأن في ألفاظ المصادر دلالة على الأفعال، على أن هذه الألفاظ شاذة لا يقاس عليها؛ فكذلك كل ما جاء من المصادر والأسماء بالألف واللام في موضع الحال؛ فإنه شاذ نادر لا يقاس عليه، والله أعلم.
[ ٢ / ٦٨١ ]
١٢٠- مسألة [القول في تقديم التمييز إذا كان العامل فعلا متصرفا] ١
اختلف الكوفيون في جواز تقديم التمييز إذا كان العامل فيه فعلا متصفا نحو "تصبب زيد عرقا، وتفقأ الكبش شحما": فذهب بضعهم إلى جوازه ووافقهم على ذلك أبو عثمان المازني وأبو العباس المبرد من البصريين. وذهب أكثر البصريين إلى أنه لا يجوز.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على جواز التقديم النقلُ والقياسُ. أما النقل فقد جاء ذلك في كلامهم، قال الشاعر:
[٥٠٢]
أَتَهْجُرُ سَلْمَى بِالْفِرَاقِ حَبِيبَهَا وَمَا كَانَ نَفْسًا بِالْفِرَاقِ تَطِيبُ؟!
_________________
(١) قد اختلف الرواة في نسبة هذا البيت؛ فنسبه قوم إلى المخبل السعدي واسمه ربيع بن ربيعة بن مالك، ونسبه آخرون إلى أعشى همدان، واسمه عبد الرحمن بن عبد الله "انظر الصبح المنير ص٣١٢ فينا" ونسبه ابن سيده لقيس بن معاذ المعروف بمجنون ليلى. والبيت من شواهد الأشموني "رقم ٥١٤" وابن عقيل "رقم ١٩٤" وابن الناظم في باب التمييز من شرح الألفية، وشرحه العيني "٣/ ٢٣٥ بهامش الخزانة" وابن جني في الخصائص "٢/ ٣٨٤" ومحل الأستشهاد من هذا البيت بقوله "وما كان نفسا بالفراق تطيب" فإن اسم كان ضمير شأن محذوف وخبرها جملة تطيب، ونفسا: تمييز نسبة، والعامل فيه هو قوله تطيب، وقد تقدم التمييز على عامله، وهذا غير جائز في سعة الكلام عند البصريين، وقد أجازه الكوفيون واستدلوا بهذا البيت ونحوه مما سنرويه لك بعد على أنه جائز لأنه وارد في كلام العرب المحتج بكلامهم. قال ابن جني في الخصائص "ومما يقبح تقديمه الاسم المميز، وإن كان ناصبه فعلا متصرفا، فلا نجيز شحما تفقأت، ولا عرقا تصببت، فأما ما أنشده أبو عثمان وتلاه فيه أبو العباس من قول المخبل: أتهجر ليلى للفراق حبيبها البيت ١ انظر في هذه المسألة: شرح الأشموني "٣/ ١٥٩ بتحقيقنا" وشرح الأشموني مع حاشية الصبان "٢/ ١٧٧ بولاق" وتصريح الشيخ خالد الأزهري "١/ ٤٨٠ بولاق" وأسرار العربية للمؤلف "ص٧٩".
[ ٢ / ٦٨٢ ]
وَجْهُ الدليل أنه نصب "نفسا" على التمييز، وقدمه على العامل فيه وهو "تطيب" لأن التقدير فيه: وما كان الشأنُ والحديثُ تطيب سلمى نفسا؛ فدل على جوازه.
وأما القياس فلأن هذا العامل فعل متصرف؛ فجاز تقديم معموله عليه كسائر الأفعال المتصرفة، ألا ترى أن الفعل لما كان متصرفا -نحو قولك: "ضرب زيد عمرا"- جاز تقدم معموله عليه نحو "عمرا ضرب زيد" ولهذا ذهبتم إلى أنه يجوز تقديم الحال على العامل فيها إذا كان فعلا متصرفا نحو "راكبا جاء زيد".
قالوا: ولا يجوز أن يقال: "تقديم الحال على العامل فيها لا يجوز عندكم ولا تقولون به، فكيف يجوز لكم الاستدلال بما لا يجوز عندكم ولا تقولون به؟ " لأنا نقول: كان القياس يقتضي أن يجوز تقديم الحال على العامل فيها إذا كان فعلا متصرفا، إلا أنه لم يجز لدليل دل عليه، وذلك لما يؤدي إليه من تقديم المضمر على المظهر على ما بينا في مسألة الحال، فبقينا فيما عداه على الأصل، وجاز لنا
_________________
(١) فنقابله برواية الزجاجي وإسماعيل بن نصر وأبي إسحاق: وما كان نفسي بالفراق تطيب فرواية برواية، والقياس من بعد حاكم، وذلك أن المميز هو الفاعل في المعنى، ألا ترى أن أصل الكلام: تصبب عرقي، وتفقأ شحمي، ثم نقل الفعل فصار في اللفظ لي، فخرج الفاعل في الأصل مميزا، فكما لا يجوز تقديم الفاعل على الفعل فكذلك لا يجوز تقديم المميز إذا كان هو الفاعل في المعنى على الفعل" ا. هـ كلامه. ومما جاء فيه تقديم التمييز -سوى هذا البيت الذي وجدوا فيه رواية أخرى يتمسكون بها- قول ربيعة بن مقروم الضبي: رددت بمثل السيد نهد مقلص كميش إذا عطفاه ماء تحلبا وقول الآخر: إذا المرء عينا قر بالعيش مثريا ولم يعن بالإحسان كان مذمما وقول الآخر: ضيعت حزمي في إبعادي الأملا وما ارعويت وشيبا رأسي اشتعلا وقد اقتنع بهذه الشواهد أبو عثمان المازني وأبو العباس المبرّد والكسائي وأبو عمر الجرمي فذهبوا إلى جواز تقديم التمييز على عامله إذا كان هذا العامل فعلا متصرفا. والله ﷾ أعلى وأعلم، وأعز وأكرم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. اللهم إني أحمدك أحب الحمد إليك، وأطيب الحمد عندك، وأشكرك شكرا يوالي نعمك ويكافئ مزيدك، وأبتهل إليك أن تتقبل عملي، وتجعله لديك في سجل الحسنات، إنك سميع قريب مجيب الدعاء، يا رب العالمين، آمين.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
أن نستدل به عليكم وإن كنا لا نقول به، لأنكم تقولون به؛ فصلح أن يكون إلزاما عليكم.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز تقديمه على العام فيه، وذلك لأنه هو الفاعل في المعنى، ألا ترى أنك إذا قلت "تصبب زيد عرقا، وتفقأ الكبش شحما" أن المتصبب هو العرق والمتفقئ هو الشحم، وكذلك لو قلت "حسن زيد غلاما، ودابة" لم يكن له حظ في الفعل من جهة المعنى، بل الفاعل في المعنى هو الغلام والدابة؛ فلما كان هو الفاعل في المعنى لم يجز تقديمه كما لو كان فاعلا لفظا.
قالوا: ولا يلزم على كلامنا الحال حيث يجوز تقديمها على العامل فيها نحو "راكبا جاء زيدا" فإن راكبا فاعل في المعنى ومع هذا يجوز تقديمه؛ لأنا نقول: الفرق بينهما ظاهر، وذلك لأنك إذا قلت "جاء زيد راكبا" فزيد هو الفاعل لفظا ومعنى، وإذا استوفى الفعل فاعله من جهة اللفظ والمعنى صار "راكبا" بمنزلة المفعول المختص باستيفاء الفعل فاعله من كل وجه؛ فجاز تقديمه كالمفعول نحو "عمرا ضرب زيد" بخلاف التمييز؛ فإنك إذا قلت "تصبب زيد عرقا، وتفقأ الكبش شحما، وحسن زيد غلاما" لم يكن زيد هو الفاعل في المعنى، بل الفاعل في المعنى هو العرق والشحم [والغلام]، فلم يكن عرقا وشحما وغلاما بمنزلة المفعول من هذا الوجه؛ لأن [٣٥٣] الفعل استوفى فاعله لفظا لا معنى، فلم يجز تقديمه كما جاز تقديم الفاعل١، وكذلك قولهم: "امتلأ الإناء ماء" فإنه وإن لم يكن مثل "تصبب زيد عرقا" لأنه لا يمكن أن تقول "امتلأ ماء الإناء" كما يمكن أن تقول "تصبب عرق زيد" إلا أنه لما كان يملأ الإناء كان فاعلا على الحقيقة.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما ما استدلوا به من قول الشاعر:
[٥٠٣]
أَتَهْجُرُ سَلْمَى بِالْفِرَاقِ حَبِيبَهَا وَمَا كَانَ نَفْسًا بِالْفِرَاقِ تَطِيبُ
فإن الرواية الصحيحة:
[٥٠٢]
وما كان نفسي بالفراق تطيب
وذلك لا حجة فيه، ولئن سلمنا صحة ما رويتموه فنقول: نصب "نفسا" بفعل مقدر، كأنه قال أعني نفسا، لا على التمييز، ولو قدرنا ما ذكرتموه فإنما جاء في الشعر قليلا على طريق الشذوذ؛ فلا يكون فيه حجة.
وأما قولهم: "إنه فعل متصرف فجاز تقديم معموله عليه كسائر الأفعال
_________________
(١) ١ كذا، وهو خطأ وصوابه "كما جاز تقديم الحال".
[ ٢ / ٦٨٤ ]
المتصرفة إلى آخر ما قرروه" قلنا: الفرق بينهما ظاهر، وذلك لأن المنصوب في "ضَرَبَ زيد عمرا" منصوب لفظا ومعنى، وأما المنصوب في نحو "تصبب زيد عرقا" فإنه وإن لم يكن فاعلا لفظا فإنه فاعل معنى، فبان الفرق بينهما.
وأما احتجاجهم بتقديم الحال على العامل فيها فلا حجة لهم فيه؛ لأنهم لا يقولون به، ولا يعتقدون صحته، فكيف يجوز أن يستدلوا على الخصم بما لا يعتقدون صحته؟ قولهم: "كان القياس يقتضي أن يجوز تقديم الحال على العامل فيها، إلا أنه لم يجز عندنا لدليل دل عليه، وهو ما يؤدي إليه من تقديم المضمر على المظهر" قلنا: وكذلك نقول ههنا: كان القياس يقتضي أنه يجوز تقديم التمييز على العامل فيه، إلا أنه لم يجز عندنا لدليل دل عليه، وهو أن التمييز في المعنى هو الفاعل، والفاعل لا يجوز تقديمه على الفعل على ما بَيَّنَّا، وإذا جاز لكم أن تتركوا جواز التقديم هناك لدليل جاز لنا أن نتركه ههنا لدليل، على أنَّا قد بَيَّنَّا فساد ما ذهبتم إليه وصحة ما ذهبنا إليه، والله أعلم.
[ ٢ / ٦٨٥ ]
١٢١- مسألة: [القول في "رُبَّ" اسم هو أو حرف؟] ١
ذهب الكوفيون إلى أن "رب" اسم. وذهب البصريون إلى أنه حرف جر.
أما الكوفيون فإنهم احتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه اسم حملا على "كم" لأن "كم" للعدد والتكثير، و"رب" للعدد والتقليل، فكما أن كم اسم فكذلك رب.
والذي يدل على أن رب ليست بحرف جر أنها تخالف حروف الجر، وذلك في أربعة أشياء؛ أحدها: أنها لا تقع إلا في صدر الكلام، وحروف الجر لا تقع في صدر الكلام، وإنما تقع متوسطة؛ لأنها إنما دخلت رابطة بين الأسماء والأفعال. والثاني: أنها لا تعمل إلا في نكرة وحروف الجر تعمل في النكرة والمعرفة. والثالث: أنها لا تعمل إلا في نكرة موصوفة، وحروف الجر تعمل في نكرة موصوفة وغير موصوفة، والرابع: أنه لا يجوز عندكم إظهار الفعل الذي تتعلق به. وكونه على خلاف الحروف في هذه الأشياء دليل على أنه ليس بحرف.
والذي يدل دلالة ظاهرة على أنه ليس بحرف أنه يدخله الحذف فيقال في رب "رب" قال الله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] قرئ بالتخفيف كما قرئ بالتشديد، وفيها أربع لغات: ُربَّ ورُبَ ورَبَّ ورَبَ -بضم الراء وتشديد الباء وتخفيفها، وفتح الراء وتشديد الباء وتخفيفها- فدل على أنها ليست بحرف.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنها حرف أنها لا يحسن فيها علامات الأسماء ولا علامات الأفعال، وأنها قد جاءت لمعنى في غيرها كالحرف، وهو تقليل ما دخلت عليه نحو "رب رجل يفهم" أي ذلك قليل.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم: "إنما قلنا إنها اسم حملا
_________________
(١) ١ انظر في هذه المسألة: أسرار العربية للمؤلف "ص١٠٤ وما بعدها" وشرح الرضي على الكافية "٢/ ٣٠٧" وخزانة الأدب للبغدادي "٤/ ١٨٤ بولاق".
[ ٢ / ٦٨٦ ]
على كم؛ لأن كم للعدد والتكثير، ورب للعدد والتقليل "قلنا: لا نسلم أنها للعدد، وإنما هي للتقليل فقط، على أن "كم" إنما حكم بأنها اسم لأنه يحسن فيها علامات الأسماء، نحو حروف الجر، نحو: بكم رجل مررت، وما أشبه ذلك. وجواز الإخبار عنه، نحو: كم رجلا لحاك، وهذا غير موجود في "رب" فدل على الفرق بينهما.
وأما قولهم: "إنها تخالف حروف الجر في أربعة أشياء: أحدها أنها لا تقع إلا في صدر الكلام: قلنا: إنما لا تقع إلا في صدر الكلام لأن معناها التقليل، وتقليل الشيء يقارب نفيه، فأشبهت حرف النفي، وحرف النفي له صدر الكلام.
وقولهم في الثاني "إنها لا تعمل إلا في نكرة" قلنا: لأنها لما كان معناها التقليل والنكرة تدل على الكثرة وجب ألا تدخل إلا على النكرة التي تدل على الكثرة؛ ليصح فيها معنى التقليل.
وقولهم في الثالث: "إنها لا تعمل إلا في نكرة موصوفة" قلنا: لأنهم جعلوا ذلك عوضًاعن حذف الفعل الذي تتعلق به، وقد يظهر ذلك الفعل في ضرورة الشعر.
وقولهم في الرابع: "إنه لا يجوز إظهار الفعل الذي تعلق به "قلنا: فعلوا ذلك إيجازا واختصارا، ألا ترى أنك إذا قلت: رب رجل يعلم" كان التقدير فيه: رب رجل يعلم أدركت، أو لقيت؛ فحذف لدلالة الحال عليه، كما حذفت في قوله تعالى: ﴿وَأدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [النمل: ١٢] إلى قوله تعالى: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ [النمل: ١٢] ولم يذكر مرسلا؛ لدلالة الحال عليه. والحذف على سبيل الوجوب والجواز لدلالة الحال عليه، والحذف على سبيل الوجوب والجواز لدلالة الحال كثير في كلامهم.
وأما قولهم: "إنه يدخله الحذف، والحذف لا يدخل الحرف" قلنا: لا نسلم؛ فإنه قد جاء الحذف في الحرف؛ فإن "أن" المشددة يجوز تخفيفها، وهي حرف، وكذلك حكى أبو العباس أحمد بن يحيى من أصحابكم في "سوف" [سف أفعل، و١ سو أفعل] فحذفتم الواو والفاء، وإذا جاز عندكم حذف حرفين فكيف يجوز أن تمنعوا جواز حذف حرف واحد؟ والله أعلم.
يقول المعتز بالله تعالى وحده، أبو رجاء محمد محيي الدين بن عبد المجيد: الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.
_________________
(١) ١ زيادة يقتضيها الكلام.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
وبعد؛ فقد أتممت بحمد الله تعالى ومعونته مراجعة كتاب "الإنصاف، في مسائل الخلاف، بين النحويين الكوفيين والبصريين" الذي صَنَّفَه الإمام كمال الدين أبو البركات عبد الرحمن بن محمد بن أبي سعيد الأنباري، النحوي، المولود في عام ٥١٣، والمتوفى في عام ٥٧٧ من الهجرة، وهو كتاب فريد في بابه، لم ينشر للناطقين بالضاد كتاب آخر في موضوعه، وإن يكن لأسلافنا ﵃ في هذا الموضوع عدة مصنفات كلها حَريٌّ بالإخراج والذيوع.
وقد يسر الله تعالى لي -بعد أكثر من خمسة عشر عاما من إخراجه لأول مرة، وبعد أن نشر الكتاب ثلاث مرات- أن أنجز بعض ما وعدت به قراء العربية أن أخرج لهم مع هذا الكتاب شرحا يبين غوامضه، ويجلي فرائده، ويَتَرَصَّد مسالكه ومَسَاربه، ويكون فَيْصَلًا على أحكامه: يقر صحيحها، وينقض ما جانب فيه الجادة، وقد تضخم بذلك حجم الكتاب فصار ضعف الأصل أو يزيد، وإن كان في الأجل بقية وفي القوس مَنْزَع عدت إليه فأضفت ونقحت وهذبت، والله سبحانه المسئول أن يتولانا بفضله، وينفحنا بتأييده وتوفيقه.
[ ٢ / ٦٨٨ ]
فهارس كتاب الإنصاف
فهارس كتب الإنصاف:
فهرس الشواهد:
حرف الهمزة
رقم الشاهد الشاهد الصفحة
٦٢ طلبوا صُلْحَنَا ولا تأَوَانٍ فأجبنا أن ليس حين بقاء ٩٠
٧٦ رُجْمَ به الشيطان من هوائه ١٠٢
٢٣٦ وبلد عامية أعماؤه كأنّ لون أرضه سماؤه ٤٣٠
٢٦١ فتجمع أَيْمُنٌ منا ومنكم بمُقْسَمَةٍ تَمُورُ بها الدماء ٣٣٤
٣٧٤ فلا والله ما يُلْفَى لما بي ولا لِلِمَا بهم أبدا دَوَاء ٤٦٥
٣٨٤ قلت لشيبان: ادْنُ من لقائه كما تُغَدِّي القوم من شوائه ٤٨٢
٤١٥ تذهل الشيخ عن بنيه، وتبدي عن خدام العَقِيلَةُ العَذْرَاء ُ ٥٤٤
٤٥٤ قد علمت أمّ أبي السَّعْلَاء وعلمت ذاك مع الجراء ٦١٤
أن نِعْمَ مأكولا على الْخَواء يا لك من تمر ومن شَيْشَاءِ
يَنْشَبُ في المَسْعَل واللهَاءِ
٤٥٦ سيغنيني الذي أغناك عني فلا فَقْرٌ يدوم ولا غناء ٦١٥
حرف الباء الموحدة
٢٣ وكيف تُوَاصِل من أصبحت خَلَالَتُهُ كأبي مَرْحَبِ؟ ٥٣
٤١ ولما أن تحمَّل آل ليلى سمعت ببينهم نعب الغرابا ٧٣
٤٣ وكُمْتًا مُدَمَّاة كأن متونها جرى فوقها واستشعرت لون مذهب ٧٤
٤٦ فمن يَكُ أمسى بالمدينة رحله فإني وقيَّار بها لغريب ٧٨
٥٥ ألا يا اسلمي يا تِرْبَ أسماء من ترب ألا يا اسلمي حُيِّيتِ عنّي وعن صحبي ٨٤
٥٨ وقالت: ألا يا اسمع نَعِظْكَ بخُطَّة فقلت: سمعيا فانطقي وأَصِيبي ٨٥
٦٤ والله ما ليلي بنَامَ صاحبُه ولا مخالِطِ اللّيَان جَانِبُهْ ٩٢
٧٣ فإن أَهْجُهُ يضجر كما ضجر بازل من الأُدْمِ دَبْرَتَ صَفْحَتَاهُ وغَارِبُهْ ١٠١
[ ٢ / ٦٩١ ]
رقم الشاهد الشاهد الصفحة
٨٣ فَمَا قومي بثعلبة بن بكر ولا بفَزَارَة َالشُّعْرِ الرِّقَابَا ١٠٩
٩٦ لما تَعَيَّا بالقَلُوص ورَحْلِهَا كَفَى الله كعبًا ما تعيّا به كَعْبُ ١٣٣
٧٠١ إن من لَامَ في بني بنت حسان أَلُمْهُ وأَعْصِهِ في الخُطُوبِ ١٤٧
١١٦ أَجِدَّكَ لست الدهر رائي رامةٍ ولا عاقل إلا وأنت جَنيبُ ١٥٥
ولا مُصْعِدٍ في المصعدين لِمَنْعِج ولا هابط ما عشت هَضْبَ شَطِيبِ ١٥٦
١١٧ مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ولا ناعب إلا بِبَيْنٍ غُرَابُهَا ١٥٨
١١٩ كأن وَرِيدَيْهِ رشاءا خُلْبِ ١٦١
١٣٥ لك الخير علَّلْنَا بها، علَّ ساعة تَمُرُّ، وسهواء من الليل يذهب ١٧٨
١٥٧ بها كل خَوَّار إلى كُلِّ صَعْلَةٍ ضهول ورفض المذرعات القراهب ٢١٧
١٦٣ فما لي إلا آل أحمد شيعة وما لي إلا مَشْعَبَ الحق مشعب ٢٢٣
١٧٠ ألم تعلمن يا رب أنْ ربّ دَعْوَةٍ دَعَوْتُكَ فيها مخلصا لو أُجَابُهَا ٢٣٢
١٧٧ يمُرُّون بالدَّهْنَا خفافًا عيابُهُم ويخرجن من دَاِرين بُجْرَ الحَقَائِبِ ٢٣٧
على حين ألهى الناس جل أمورهم فندلا زريق المال ندل الثعالب ٢٣٨
١٨٠ وكل من ظن أن الموت مخطئة معلل بسواء الحق مكذوب ٢٤٠
١٩٧ يا ليت أم العمرو كانت صاحبي مكان من أشتى على الركائب ٢٥٨
٢٠٢ وإني حبست اليوم والأمس قبله ببابك حتى كادت الشمس تغرب ٢٦١
٢٠٦ فلست بذي نيرب في الصديق ومناع خير وسَبَّابَهَا ٢٧٠
٢١٩ أبَا عُرْوَ لا تَبْعَدْ فكلُّ ابنِ حُرَّةِ سَيَدْعُوهُ دَاعِي مِيتَهٍ فَيُجِيبُ ٢٨٥
٢٢٧ أرِقُّ لأَرْحَامٍ أَرَاهَا قَرِيبَةً لحَارِ بنِ كَعْبٍ لا لَجَرْمِ وَرَاسِبِ ٢٩٠
٢٥٦ وما زُرْتُ سَلْمَى أن تكون حَبِيبَةً إِلَيَّ، ولا دَيْنٍ بها أنا طَالِبُه ٣٢٦
٢٧٧ كلانا يا يزيد يحب ليلى بِفِيَّ وفِيكَ مِنْ ليلى التُّرَاب ٣٦٢
٢٨٢ كلاهما حين جَدَّ الجَرْيُ بينهما قد أَقْلَعَا، وكلا أَنْفَيهِمَا رَابِي ٣٦٥
٢٨٤ لكنَّه شَاقَهُ أَنْ قيل ذا رَجَبٌ يا ليت عِدَّةَ حَوْلٍ كلِّهِ رَجَبُ ٣٦٩
٢٨٩ حتى إذ قَمِلَتْ بُطُونُكُمُ ورَأَيتُمُ أَبْنَاءَكُمْ شَبُّوا ٣٧٥
وقَلَبْتًُمُ ظَهْرَ المِجَنِّ لَنَا إنّ اللَّئِيمَ العَاجِزُ الخَبُّ ٣٧٦
[ ٢ / ٦٩٢ ]
رقم الشاهد الشاهد الصفحة
٢٩٢ فاليوم قَرَّبْتَ تَهْجُونَا وتَشْتِمُنَا فاذهب فما بك والأيامِ من عَجَبِ ٣٨٠
٣١٩ وَمُصْعَبُ حِينَ جَدَّ الأَمْـ ـر أكثرُها وأطيبُها ٤٠٩
٣٣١ أنا أبو دهبل وَهْبٌ لِوَهَبْ من جُمَحٍ، والعزُّ فيهم والحَسَبْ ٤١٦
٣٣٣ فَبَيْنَاهُ يَشْرِي رَحْلَهُ قال قَائلٌ: لمن جَمَلٌ رِخْوُ المِلَاطِ نَجِيبُ ٤١٧
٣٣٧ فما له من مجد تلِيدٍ، ومَالَهُ من الريح فضلٌ لا الجنوبُ ولا الصَّبَا ٤٢١
٣٨٥ أنِخْ فاصْطَبِغْ قُرْصًا إذا اعتادك الهَوَى بِزَيْتٍ كما يَكْفِيكَ فَقْدَ الحَبَائِبِ ٤٨٣
٣٨٧ وإني امرؤ عن عصبة خِنْدِفِيّةِ أَبَتْ للأَعَادِي أنْ تَدِيخَ رِقَابُها ٤٨٧
٤٠٠ وللْخَيْلِ أَيَّامٌ؛ فَمَنْ يَصْطَبِرْ لهَا ويعرف لها أيَّامَهَا الخَيْرَ تُعْقِبِ ٥٠٩
٤١٠ أَقِلِّي اللَّوْمَ عاذلَ والعتابَنْ وقولي: إنْ أَصَبْتُ لقد أَصَابَن ٥٣٩
٤٦١ ولكنَّما أُهْدِي لِقَيْس هَدِيَّةً بِفِيَّ مِنِ اهداها لك الدَّهر إِثْلِبُ ٦٢٠
٤٦٩ فإن تَعْهَدِينِي وَلِي لِمَّةٌ فإنَّ الحَوَادِثَ أَوْدَى بِهَا ٦٢٩
٤٨٢ أرى رجلا منهم أسيفا كأنما يضُمُّ إلى كَشْحَيهِ كفًّا مُخَضَّبَا ٦٣٨
٤٩١ باتَتَ تُكَرْكِرُهُ الجنوب ٦٥١
٥٠٢ أَتَهْجُرُ سَلْمَى بالفِرَاقِ حبيبَهَا وما كان نفسًا بالفراقِ تَطِيبُ؟! ٦٨٢
حرف التاء المثناة
١٩ رحم الله أَعْظُمًا دَفَنُوها بِسِجِسْتَان طَلْحَةَ الطّلَحَات ٣٥
٢١ يرى أَرْبَاقَهُم مُتَقَلِّدِيهَا كما صَدِئَ الحديد على الكُمَاة ٥١
٧٠ يا لعنَ الله بني السِّعْلَاتِ عمرو بن مَيْمُونٍ شِرَارِ النَّاتِ ٩٧
١٣٦١٣٦ عل صروف الدهر أو دولاتها تدلنا اللمة من لماتها ١٧٨
١٩١ كُلِّفَ من عَنَائِهِ وشِقْوَتِهْ بِنْتَ ثَمَانِي عَشْرَةٍ مِنْ حِجَّتِهْ ٢٥٢
يا مُرَّ يا ابْنَ واقعٍ يا أَنْتَا أنت الذي طَلّقْتَ عامَ جُعْتَا ٥٦٠
٢٠٤ حتى إذا اصْطَبَحْتَ واغْتَبَقْتَا أقبلت معتادًا لما تَرَكْتَا
قد أحسن الله وقد أَسَأْتَا ٢٢٦
٢٣٩ بَلْ جَوْزِ تَيْهَاءَ كَظَهْرِ الحَجَفَتْ [قطعتها إذا المها تجوفت] ٣١٣
٢٤٤ فإنَّ المَاءَ ماءُ أبي وجَدِّي وبئري ذُو حفرت وذُو طَوَيْتُ ٣١٨
[ ٢ / ٦٩٣ ]
رقم الشاهد الشاهد الصفحة
٢٤٥ فلو أنَّ الأَطِبَّا كانُ حَوْلِي وكان مع الأَطِبَّاءِ الشُّفَاةُ ٤٤٣
إذا ما أذهبوا أَلَمًا بقلبي وإن قيل الشُّقَاةُ هُمُ الأسَاةُ ٤٤٣
٢٩١ وقلت له: يا عَزَّ كُلّ مُلِمَّةٍ إذا وُطِّنَتْ يومًا لها النفسُ ذَلَّتِ ٣٧٨
٤٢١ بِأَيْدِي رِجَالٍ لم يَشِيمُوا سُيُوفَهُمْ ولم تَكْثُرِ القَتْلَى بِهَا حين سُلّتِ ٥٤٨
٤٣١ أخوك أخو مُكَاشَرَةٍ وضِحْكٍ حَيَّاكَ الإلهُ وكيف أَنْتَا ٥٦١
من يَكُ ذا بتٍّ فهذا بتِّي مُصَيِّفٌ مُقَيِّظٌ مُشَتِّي ٥٩٦
٤٤٧ تَخِذْتُهُ من نَعَجَاتٍ سِتِّ سُودٍ جِعَادٍ من نِعَاجِ الدّشْتِ ٥٩٦
٤٧٩ يا أيُّها الراكب المُزْجِي مَطِيَّتَهُ سائل بني أسدٍ: ما هذه الصَّوْتُ؟ ٦٣٦
حرف الثاء المثلثة
٣٠٥ ألا فَالبَثَا شَهْرَيْنِ أَوْ نِصْفَ ثَالِثِ ٣٩٥
حرف الجيم
١٦٨ [نحن بني ضبة أصحاب الفلج] نضرب بالسيف ونرجو بالفَرَجْ ٢٣٠
٢٧١ كَأَنَّ أصواتَ من إِيغَالِهِنَّ بنا أَوَاخِرَ المَيْسِ أَصْوَاتُ الفَرَارِيج ٣٥٤
٣٧٧ متى تأتنا تُلْمِمْ بنا في ديارنا تجد حطبًا جزلًا ونارًا تَأَجَّجَا ٤٧٦
٣٩٠ كأنَّمَا ضَرَبَتْ قُدَّامَ أعيُنِهَا قُطْنًا بِمُسْتَحْصِدِ الأوتار مَحْلُوجِ ٤٩٥
٤٣٦ [أَوْمَتْ بعينيها من الهَوْدَج] لولاك هذا العام لم أَحْجُج ٥٦٩
حرف الحاء المهملة
٩ وأنتِ من الغوائل حين تُرْمَى ومِنْ ذَمِّ الرجال بِمُنْتَزَاح ٢٣
٢٨ فتًى ما ابنُ الأغَرِّ إذا شَتَوْنَا وحبُّ الزَّاد في شَهْرَيْ قُمَاح ٥٧
١٤٥ دأبت إلى أن ينبت الظل بعدما تقاصر حتى كاد في الآل يمصح
وجيف المطايا، ثم قلت لصحبتي ولم ينزلوا: أبردتم فتروحوا ١٨٧
٣٣٠ من صَدَّ عن نِيرَانِهَا أنا ابنُ قَيْسٍ لا بَرَاحُ ٣٠٣
٢٨١ فكلتاهما قد خُطَّ لي في صَحِيفَةٍ فلا العيش أهواهُ ولا الموتُ أَرْوَحُ ٣٦٤
٣٠١ بَدَتْ مثل قَرْنِ الشمس في رَوْنَقِ الضُّحَى وصُورَتِهَا أو أَنْتِ في العَيْنِ أَمْلَحُ ٣٩١
[ ٢ / ٦٩٤ ]
رقم الشاهد الشاهد الصفحة
٣٦٥ وطِرْتُ بِمُنْصُلِي في يَعْمَلَاتِ دوامي الأيدِ يَخْبِطْنَ السَّرِيحَا ٤٤٣
٣٧١ [ربع عفاة الدهر طولا فامحى] قد كاد من طول البِلَى أن يَمْصَحَا ٤٦٠
٣٩٤ ياليت بَعْلَكِ في الوَغَى متقلّدًا سيفًا ورُمْحًا ٥٠٠
٤١٦ تغيرت البلاد ومن عليها فوجه الأرض مُغْبَرٌّ قبيحُ ٥٤٤
تغير كل ذي طعم ولون وقلَّ بشاشة الوجه المليح ٥٤٥
٤٦٨ إن السماحة والمُرُوءَةَ ضُمِّنَا قبرًا بمَرْوَ على الطريق الوَاضِحِ ٦٢٨
حرف الخاء المعجمة
٨٩ موانع للأسرار إلا لأهلها ويُخْلِفْنَ ما ظنَّ الغَيورُ المُشَفْشَفُ ١٢٠
ألا يا غرابَ البَيْنِ قد هِجْتَ لَوْعَةً فَوَيْحَكَ خَبِّرْنِي بما أنت تَصْرُخُ ٢٠٧
أبالبَيْنِ من لُبْنَى؟ فإن كنت صَادِقًا فلا زال عظم من جناحك يفضخ ٢٠٨
١٥٤ ولا زِلتَ من عَذْبِ المياه منفّرًا وَوَكْرُكَ مهدوم وبيضك مُشْدَخُ ٢٠٨
ولا زال رامٍ قد أصابك سهمُهُ فلا أنت في أَمْن ولا أنت تُفْرِخ ُ ٢٠٨
وأبصرتُ قبل الموت لحمك مُنْضَجًا على حَرِّ جَمْرِ النار يُشْوَى ويُطْبَخُ ٢٠٨
٢٣١ واللهِ لولا أن تَحُسَّ الطُّبَّخُ بِي الجحيمَ حين لا مُسْتَصْرَخُ ٣٠٤
حرف الدال المهملة
١٧ ألم يأتِيكَ والأنباء تَنْمِي بما لَاقَتْ لَبُونُ بني زِيَاد ٢٦
٢٧ بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وبَنَاتُنَا بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الأَبَاعِدِ ٥٦
٣٤ قالت أمامة لما جئتُ زائِرَها: هلَّا رمَيْتَ بِبَعْضِ الأَسْهُم السُّودِ ٦٢
لا دَرَّ دَرُّكِ؛ إنِّي قد رميتُهُمُ لولا حُدِدْتُ ولا عُذْرَى لمَحْدُود ٦٢
٤٩ على مثلها أَمْضِي إذا قال صاحبي: ألا لَيْتَنِي أَفْدِيكَ منها وأَفْتَدِي ٨٠
٨٢ قدني من نصر الخبيبين قدي ليس الإمام بالشحيح الملحد ١٠٧
١٠١ وقفت فيها أصيلانا أسائلها أعيت جوابا، وما بالربع من أحد ٢١٨
١٢٩ يلومونني في حب ليلى عواذلي ولكنني من حبها لكميد ١٦٩
١٥٦ شَدَخَتْ غُرَّةُ السَّوَابِقِ فيهم في وجوه إلى اللّمَام الجِعَاد ٢١٦
١٥٩ وَقَفَتُ فيها أُصَيْلَالًا أُسَائِلُهَا أَعَيَتْ جَوَابًا، وما بالرَّبْعِ مِن أَحَدِ ٢١٨
[ ٢ / ٦٩٥ ]
رقم الشاهد الشاهد الصفحة
إلا الأََوَارِيَّ لأيًا ما أُبَيِّنُهَا والنُّؤْيُ كالحوض بالمظلومة الجَلدِ ٢١٩
١٦٥ ولا أَرَى فاعلًا في الناس يُشْبِهُهُ وما أُحَاشِي مِنَ الأقوامِ من أحدٍ ٢٢٦
١٧٣ أَزَمَانَ من يُرِدِ الصَّنِيعَةَ يُصْطَنَعْ فينا، ومن يرد الزَّهَادَةَ يُزْهَدِ ٢٣٦
١٩٤ رَعَيْتُهَا أَكْرَمَ عُودٍ عُودًا الصِّلَّ والصِّفْصِلَّ واليَعْضِيدَا ٢٥٦
والخَازِبَازِ السَّنِمَ المَجُودَا حيث يدعو عامرٌ مسعودَا ٢٥٧
٢٠٧ مُعَاوِيَ إِنَّنَا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ فَلَسْنَا بَالجِبَالِ ولا الحَدِيدا ٢٧١
أَدبرُوهَا بني حربٍ عليكم ولا تَرْمُوا بِهَا الغَرَضَ البَعِيدَا ٢٧١
٢١٠ أَلَا حَيَّ نَدْمَانِي عُمَيْرَ بْنَ عَامِرٍ إذا ما تَلَاقَيْنَا مِنَ اليَوْمِ أو غَدَا ٣١٠
٢٢٢ هُذَيْلِيَةٌ تَدْعُو إذا هي فَاخَرَتْ أبًا هُذَلِيًّا من غَطَارِفَةٍ نُجْدِ ٢٨٧
٢٢٣ أَوْدَى ابْنُ جُلْهُمَ عَبَّادٌ بِصِرْمَتِهِ إنَّ ابْنَ جُلْهُمَ أَمْسَى حَيَّةَ الوَادِي ٢٨٨
٢٤٧ وأَخُو الغَوَان متى يَشَأْ يَضْرِمْنَهُ ويَكُنَّ أعداءَ بُعَيْدَ وِدَادِ ٤٤٢
٢٦٥ فَزَجَجْتُهَا بِمَزَجَّةٍ زَجَّ القَلُوصَ أَبِي مَزَادَهْ ٣٤٩
٢٧٤ في كِلْتَ رجليها سُلَامَى وَاحِدَهْ كِلْتَاهُمَا مَقْرُونَةٌ بِزَائِدَهْ ٣٥٩
٢٨٥ إذا القَعُودُ كَرَّ فِيهَا حَفَدَا يومًا جديدًا كلّهُ مُطَرَّدا ٣٧٠
٢٩٠ حتى إذا أَسْلَكُوهُم في قُتَائِدَةٍ شَلَّا كما تَطْرُدُ الجَمَّالَةُ الشَّرُدَا ٣٧٧
٣٠٢ قالت: ألا لَيْتَمَا هذَ الحَمَامُ لَنَا إِلَى حَمَامَتِنَا، أو نِصْفُهُ فَقَدِ ٣٩٢
٣١٨ وقَائِلَةٍ ما بَالُ دَوْسَرَ بَعْدَنَا صَحَا قَلْبُهُ عن آلِ ليلى وعن هِنْدِ ٤٠٨
٣٢٣ لو شَهْدَ عاد من زمان عَادِ لَابْتزَّهَا مَبَارِكَ الجِلَادِ ٤١١
٣٢٦ غَلَبَ المَسَامِيحَ الوَلِيدُ سَمَاحَةً وكَفَى قريش المُعْضِلَاتِ وسَادَهَا ٤١٣
٣٢٨ لقوم فكانوا هُمُ المُنْفِدِينَ شرابهمُ قبلَ إنفادِهَا ٤١٤
٣٦٨ أَلَا أَيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرَ الوَغَى وأن أشهد اللَّذَّات هل أنت مُخْلِدِي ٤٥٦
يا صاحبي فَدَتْ نفسي نفوسكما وحيثما كنتما لَاقَيْتُمَا رَشَدَا ٤٥٩
٣٧٠ أن تَحْمِلَا حاجةً لِي خَفّ مَحْمِلُهَا تصنعا نعمةً عندي بها وَيَدَا ٤٦٠
أن تَقْرَآنِ على أسماء ويَحْكُمَا منِّي السلام، وأن لا تُشْعِرا أحدا ٤٦٠
٣٧٩ جاءت كبيرٌ كما أخفِّرَهَا والقوم صيدٌ كأنهم رَمِدُوا ٤٧٨
[ ٢ / ٦٩٦ ]
رقم الشاهد الشاهد الصفحة
٤٠٨ شلَّت يمينُك إن قَتَلْت لمُسْلِمَا كُتِبَتْ عليك عُقُوَبةُ المُتَعَمِّدِ ٥٢٦
٤١٣ [وإيَّاكَ والمَيْتَاتِ لا تَقْرَبَنَّهَا] ولا تَعْبُدِ الشيطان، واللهَ فاعبدا ٥٤١
٤٢٥ فَظَلْتُ في شَرٍّ من اللَّذْ كِيدَا كاللَّذْ تَزَبَّى زُبْيَةً فَاصْطِيدَا ٥٥٣
٤٥٥ إنما الفقر والغناء من الله؛ فهذا يعطي، وهذا يُحَد ٦١٥
٤٥٨ ولا تجعليني كامرئ ليس هَمُّهُ كهمِّي، ولا يغني غَنَائِي ومَشْهَدِي ٦١٨
٤٧٢ هنيئا لسعد ما اقتضى بعد وقعتي بناقة سعد والعَشِيَّةُ بَارِدُ ٦٣٢
٤٨٣ فوقعتُ بين قُتُودِ عَنْسٍ ضامر لحَّاظَةٍ طَفَلَ العَشِيِّ سِنَادِ ٦٤٠
حرف الراء المهملة
٦ الله يعلم أنَّا في تَلَفُّتِنَا يوم الفِرَاقِ إلى إخواننا صُوَرُ ٢١
وأنني حيثما يَثْنِي الهوى بصري من حيثما سلكوا أدنو فَأَنْظُورُ ٢٢
٢٢ وشرُّ المنايا ميِّت وَسْطَ أهْلِهِ كَهُلْكِ الفَتَى قد أسلم الحَيَّ حَاضِرُهْ ٥٢
٢٥ كأن عَذِيرَهُم بجنوب سِلَّى نَعَامٌ قَاقَ في بلد قِفَارِ ٥٤
٢٦ قليلٌ عيبُهُ، والعيبُ جمٌّ ولكنَّ الغِنَى ربٌّ غَفُورٌ ٥٤
٤٨ إني ضَمِنْتُ لِمَنْ أَتَانِي ما جَنَى وأَبَى، فكنتُ وكان غَيْرَ غَدُورِ ٨٠
٥١ ألَا يا اسْلَمِي يا هندُ هندَ بنِي بَدْرِ وإنْ كَانَ حيَّانَا عِدًى آخر الدَّهْرِ ٨٣
٥٢ ألا يا اسلمِي يا دار ميَّ على البِلَى ولا زال مُنْهَلًّا بِجَرْعَائِكِ القَطْرُ ٨٣
٦٥ ما لك عندي غيرُ سهم وحَجَر، وغير كبدَاءَ شديدة الوَتَر
جادت بِكَفَّيْ كان من أَرْمَى البشر ٩٤
٦٨ يا لعَنْةَ ُالله والأقوام كلهمُ والصالحين على سِمْعَانَ من جَارِ ٩٧
٧١ يا قَاتَلَ الله صِبْيَانًا تجيء بهم أم الهُنَيْبِر من زَنْدٍ لها وَارِي ٩٨
٧٢ ما أَقَلَّت قَدَم نَاعِلَهَا نَعِمَ السَّاعُونَ في الأمر المُبِرّ ١٠٠
٧٤ إذا هدرت شقاشقه ونشبت له الأظافر ترك له المدار ١٠١
٧٥ هيجها نضح من الطل سحر وهزت الريح الندي حين قطر
لو عصر منها البن والمسك انعصر ١٠٢
٧٧ ألم يخز التفرق جند كسرى ونفخوا في مدائنهم فطاروا ١٠٢
[ ٢ / ٦٩٧ ]
رقم الشاهد الشاهد الصفحة
٧٨ يا ما أميلح غزلانا شدنَّ لنا من هَاؤُليَّائكُنَّ الضال والسمر ١٠٤
٩٢ وأبيض من ماء الحديد كأنه شهاب بدا والليل داج عساكره ١٢٣
٩٤ حراجيج ما تنفك إلا مناخة على الخسف أو نرمي بها بلد اقفرا ١٢٧
١٠٠ بحسبك في القوم أن يعلموا بأنك فيهم غني مضر ١٣٧
١٠٢ ألا هل أتاها والحوادث جمة بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا ١٣٨
١٠٣ إن امرأ غره منكن واحدة بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور ١٤٢
١٠٥ لا تتركني فيهم شطيرا إني إذن أهلك أو أطيرا ١٤٤
١٠٩ فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي ولكني زنجي عظيم المشافر ١٤٨
١١٢ غداة أحلت لابن أصرم طعنة حصين عبيطات السدائف والخمر ١٥٢
١٣١ يا أبا الأسود لم أسلمتني لهموم طارقات وذكر ١٧١
١٣٢ فهياك والأمر الذي إن توسعت موارده ضاقت عليك المصادر ١٧٤
١٣٩ تربص بها الأيام عل صروفها سترمي بها في جاحم متسعر ١٨٠
١٤٩: تفاقد قومي إذ يبيعون مهجتي بجارية، بهرا لهم بعدها بهرا ١٩٤
١٥١ ولما رأيت الخيل تتري أثائجا علمت بأن اليوم أمس فاجر ١٩٦
١٥٢ وإني لَتَعْرُونِي لذكراك نُفْضَةٌ كما انْتَفَضَ العُصْفُورُ بَلَّلَهُ القَطْرُ ٢٠٥
الناس أَلْبٌ علينا فيكَ ليس لنا إلا السُّيُوفَ وأَطْرَافَ القَنَا وَزَر ٢٢٤
١٧٤ على حين من تَلْبَثْ عليه ذنُوبُه يجد فَقْدَهَا وفي المقام تَدَابُرُ ٢٣٦
١٨٩ تَؤُمُ سِنَانًا وكم دُونَهُ من الأرض مَحْدُودِبًا غارُهَا ٢٤٩
١٩٨ باعد أَمَّ العَمْرِو من أسِيرِهَا حُرَّاسُ أَبْوَابٍ عَلَى قُصُورِهَا ٢٥٨
٢٠١ ولقد جنيتك أَكْمُؤا وعَسَاقِلَا ولقد نهيتك عن بنات الأَوْبَر ٢٦٠
٢٠٨ كشحًا طَوَى من بَلَدٍ مُخْتَارًا مِنْ يَأْسِهِ اليَائِسِ أو حِذَارَا ٢٧١
٢١١ فَيَا الغُلَامَان اللّذَانِ فَرَّا إيَّاكُمَا أن تَكْسِبَانِي شَرًّا ٢٧٤
٢١٨ خُذُوا حَظَّكُمْ يا آل عِكْرِمَ واحْفَظُوا أَوَاصِرَنَا والرِّحْمُ بالغَيْبِ تُذْكَرُ ٢٨٤
٢٣٢ لِمَنِ الدِّيَارُ بِقُنَّةِ الحِجْرِ أَقْوَيْنَ مِنْ حِجَجٍ ومِنْ دَهْرِ ٣٠٦
٢٣٨ مِثْلِكِ أو خَيْرٍ تَرَكْتُ رَذِيَّةً تُقَلِّبُ عينيها إذا طَارَ طَائِرُ ٣١٢
٢٤٦ إذا ما شاء ضَرُّوا من أرادوا ولا يَأْلُوهُمُ أحدٌ ضِرَارًا ٣١٩
[ ٢ / ٦٩٨ ]
رقم الشاهد الشاهد الصفحة
٢٤٩ ليس تخفى يَسَارَتِي قَدْرَ يوم ولقد يُخْفِ شِيمَتِي إِعْسَارِي ٣٢٠
٢٥٧ إن الذي أغناك يغنيني جَيْر واللهُ نَفَّاحُ اليَدَينِ بالخير ٣٣١
٢٦٠ إنَّ امْرَأَ خَصَّنِي عمدًا مودَّتَهُ على التَّنَائِي لَعِنْدِي غَيْرُ مَكْفُورِ ٣٣٣
٢٦٤ وقد ذَكَرَتْ لِي بِالكثيب مُؤَالفًا قِلَاصَ سُلَيْمٍ أو قِلَاصَ بني بكر ٣٣٦
فَقَالَ فريقُ القومِ لما نَشَدْتُهُمْ: نعم، وفريق: ليْمُنُ اللهِ ما ندري ٣٣٧
٢٦٦ تمرُّ على ما تستمرُّ، وقد شَفَتْ غَلَائِلَ عبدُ القَيْسِ منها صُدُورِهَا ٣٥٠
٢٧٣ وقَرَّبَ جانب الغربي يَأْدُو مَدَبَّ السَّيلِ، واجتنب الشِّعَارَا ٣٥٦
٢٧٨ كِلَانا ثَقَلَيْنَا وَاثِقٌ بِغَنِيمَةٍ وقد قَدَرَ الرَّحمن ما هو قادر ٣٦١
٢٩٥ لا يَبْعَدَنْ قومي الذين هُمُ سَمُّ العُدَاةِ وآفةُ الجُزْرِ ٣٨٣
النازلون بكل مُعْتَرَكٍ والطيبين مَعَاقِدَ الأَزْرِ ٣٨٤
٢٩٨ أَكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ونارٍ تَوَقَّدُ بالليل نَارَا ٣٨٦
٣٠٤ بالله يا ظَبَيَاتِ القَاعِ قُلْنَ لَنَا: ليلاي منكنّ أَمْ ليلى من البَشَرِ؟ ٣٩٤
٣٠٩ فلتأتينك قصائد، وليدفعن جيشا إليك قوادم الأكوار ٤٠٠
٣١٠ طَلَبَ الأَزَارِقَ بِالكَتَائِبِ إذ هَوَتْ بِشَبِيبِ غَائِلَةِ الثُّغُورِ غَدُورُ ٤٠٣
٣١٢ إذا قال غَاوٍ من تَنْوخَ قصيدةً بها جَرَبٌ عُدَّتْ على بِزَوْبَرَا ٤٠٤
٣١٤ أُؤَمِّلُ أَنْ أَعِيشَ وأَنَّ يَوْمِي بأَوَّلَ أَوْ بَأَهْوَنَ أَوْ جُبَارِ ٤٠٦
أَوِ التَّالي دُبَارَ؛ فإن أَفُتْهُ فَمُؤْنِسَ أو عَرُوبةً أو شِيَارِ ٤٠٦
٣١٥ فَأَوْفَضْنَ عنها وهي تَرْعُو حُشَاشَةً بِذِي نَفْسِهَا والسَّيْفُ عُرْيَانُ أَحْمَرُ ٤٠٦
٣١٦ قالت أميمة ما لِثَابِتَ شاخصًا عَارِي الأَشَاجِعِ نَاحِلًا كالمُنْصُلِ ٤٠٧
٣٢٧ قامت تُبَكِّيهِ على قبره من لي من بعدك يا عَامِرُ ٤١٣
تَرَكَتْنِي في الدَّار ذَا غُرْبَةٍ قد ذلَّ من ليس له ناصرُ ٤١٤
٣٣٢ أخشى على دَيْسَمَ من بُعْدِ الثَّرَى أبى قضاءُ اللهِ إلا ما ترى ٤١٧
٣٣٤ تراه كأن الله يَجْدَعُ أنفه وعينيه إن مولاه ثاب له وفر ٤١٩
٣٣٥ له زجل كأنه صوتٌ حادٍ إذا طلب الوسيقة أو زَمِيرُ ٤٢٠
٣٣٦ أو مُعْبَرُ الظَّهْرِ يَنْأَى عن وَلِيَّتِهِ ما حجَّ ربُّهُ في الدنيَا ولا اعْتَمَرَا ٤٢٠
٣٣٩ وأيقن أن الخيل إن تَلْتَبِسْ به يكن لفَسِيل النخل بعده آبِرُ ٤٢١
[ ٢ / ٦٩٩ ]
رقم الشاهد الشاهد الصفحة
٣٤١ لأَعْلِطَنَّهُ وسمًا لا يُفَارِقُهُ كما يُحَز بحمَّى المَيسَمِ البَحِرُ ٤٢٢
٣٥٣ من كان لا يزعم أني شاعر فيدن مني تَنْهَهُ المَزَاجِرُ ٤٣٤
٣٥٤ ولأنت أشجع من أسامة إذ دُعِيَتْ نَزَالِ وَلَجَّ في الذُّعْر ٤٣٥
٣٦٢ حَذَارِ من أرماحنا حَذَارِ ٤٣٨
٣٦٣ "نَظَارِ كي أركبها نَظَارِ" ٤٣٩
٣٦٧ فَأُبْتُ إلى فهمٍ وما كدت آئِبًا وكم مثلها فارقْتُها وهي تَصْفِرُ ٤٥٠
٣٨٠ وطَرْفَكَ إما جئتنا فاصْرِفَنَّهُ كما يحسبوا أن الهوى حيث تنظر ٤٧٩
٣٨٩ لَعِبَ الرِّيَاحُ بها وغَيَّرَهَا بَعْدِي سَوَافِي المُورِ والقَطْرِ ٤٩٣
٤٠٣ فَلَمَ أَرْقِهِ إِنْ يَنْجُ مِنْهَا، وإِنْ يَمُتْ فطعنةُ لا غُسٍّ ولا بِمُغَمَّرِ ٥١٣
٤٠٦ وسمعتَ حَلْفَتَهَا التي حَلَفَتْ وإنْ كانَ سَمْعُكَ غير ذِي وَقْرِ ٥١٩
٤٢٠ لَتَجِدَنِّي بالأمير بَرًّا وبالقَنَاة مِدْعَسًا مِكَرَّا ٥٤٧
"إذا غُطَيْفُ السُّلَمِيُّ فَرَّا" ٥٤٧
٤٢٣ فلم أَرَ بيتًا كان أحسنَ بهجةً من اللَّذْ لَهُ من آلِ عَزَّةَ عامرُ ٥٥٢
٤٢٧ اللَّذِ لَوْ شَاءَ لَكَانَتْ بَرَّا أو جَبَلًا أصمَّ مُشْمَخِرًّا ٥٥٦
٤٣٨ بالباعث الوارث الأموات قد ضَمِنَتْ إيّاهُمُ الأرض في دَهْرِ الدَّهَارِيرِ ٥٧٢
٤٤٥ لكم مَسٍْجِدَا اللهِ المَزُورَان والحَصَى لكم قِبْصُهُ من بين أَثْرَى وأقتَرَا ٥٩٢
٤٥٠ "أنا ابْنُ مَاوِيَّةَ إذ جَدَّ الَّنقُزْ" "وجاءت الخيل أثافي زمر" ٦٠٢
٤٥١ أنا جريرٌ كُنْيَتِي أَبُو عَمِرْأَضْرِبُ بالسَّيْفِ وسَعْدٌ في القَصِرْ ٦٠٣
"أجُبُنًا وغَيرَة خَلْفَ السِّتِرْ" ٦٠٣
٤٧٠ أَلَا هَلَكَ الشِّهَابُ المُسْتَنِيرُ ومِدْرَهُنَا الكَمِيُّ إذا نُغِيرُ ٦٣١
وحَمَّالُ المِئِينَ إذا أَلَمَّتْ بنا الحدثانُ، والأنف النّصُورُ ٦٣٢
٤٧٣ وإنَّ كلابا هذه عَشْرُ أَبْطُنٍ وأنت بريء من قبائلها العَشْرِ ٦٣٣
٤٧٤ وقائع في مضر تسعةٌ وفي وائلٍ كانت العاشرة ٦٣٣
٤٧٥ وكان مِجَنِّي دون من كنت أتقي ثلاثُ شُخُوصٍ كَاعِبَانِ ومُعْصِرُ ٦٣٤
٤٧٧ قَبَائِلُنَا سَبْعٌ، وأَنْتُم ثلاثةٌ وللسَّبْعُ خيرٌ من ثلاثٍ وأكثرُ ٦٣٥
[ ٢ / ٧٠٠ ]
رقم الشاهد الشاهد الصفحة
٤٨٠ [أزيد بن مصبوح، فلو غيركم جني غفرنا] وكانت من سجيتنا الغفر ٦٣٧
٤٨٤ عهدي بها في الحي قد سُرْبِلَتْ بيضاء مثل المهرة الضامر ٦٤٠
٤٨٨ حتى عظامي وأراه ثاغري وكحل العينين بالعواور ٦٤٦
٤٩٠ وتبرد برد رداء العروس بالصيف رقرقت فيه العبيرا ٦٥٠
٤٩٣ من آل صَعْفُوقٍ وأتباع أخر الطامعين لا يبالون الغمر ٦٥٩
٤٩٥ وكنت متى أرسلت طرفك رائدا لقلبك يوما أتعبتك المناظر ٦٦٢
رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه، ولا عن بعضه أنت صابر ٦٦٢
حرف الزاي
١٩٦ مثل الكلاب تهر عند درابها ورمت لهازمها من الخزباز ٢٥٧
٢٢٠ إما تريني اليوم أم حمز قاربت بين عنقي وجمزي ٢٨٥
حرف السين المهملة
٦٧ بئس مقام الشيخ أمرس أمرس إما على قعو، وإما اقْعَنْسِسِ ٩٥
١٦٠ وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس ٢١٩
١٦١ خلا أن العتاق من المطايا حَسِيَنَ به فهن إليه شوس ٢٢٢
٣٧٣ اضرب عنك الهموم طارقها ضربك بالسوط قونس الفرس ٤٦٣
حرف الصاد المهملة
١٢٢ أكاشره وأعلم أن كلانا على ما ساء صاحبه حريص ٣٦٢
٢٧٦ كلا أخويكم كان فرعا دعامة ولكنهم زادوا وأصبحت ناقصا ٣٦٢
حرف الضاد المعجمة
٥٧ أَمَسْلَمَ يا اسمع يا بن كل خليفة ويا سائس الدنيا ويا جبل الأرض ٨٥
٩٠ جارية في درعها الفضفاض تقطع الحديث بالإيماض ١٢١
أبيض من أخت بني أباض
٢٤١ قولا لهذا المرء ذو جاء ساعيا هلم فإن المشرفي الفرائض ٣١٧
٢٤٢ أظنك دون المال ذو جئت تبتغي ستلقاك بيض للنفوس قوابض ٣١٧
[ ٢ / ٧٠١ ]
رقم الشاهد الشاهد الصفحة
٢٤٣ يغادر محض الماء ذُوهُوَ مَحْضُهُ على إثره إن كان للماء من محض ٣١٧
يروِّي العروق الباليات من البلى من العَرْفَجِ النجدي ذو باد والحمض ٣١٨
٢٥٣ ولا أرَ من ألقى عليه رداءه على أنه قد سُلّ عن ماجد محض ٣٢٢
٣٢٠ وممن ولدوا عامر ذو الطول وذو العرض ٤٠٩
حرف الطاء المهملة
٦٦ حتى إذا جن الظلام واختلط جاءوا بضيح هل رأيت الذئب قط ٩٥
٢٤٠ فحور قد لهوت بهن عين نواعم في المروط وفي الرباط ٣١٤
٣٩٦ شرَّاب ألبان وتمر وأقط ٥٠٢
حرف العين المهملة
٧ هجوتَ زبان ثم جئت معتذرا من هجو زبان لم تهجو ولم تدعِ ٢٢
٣٢ أبا خراشة أما أنت ذا نفر فإن قومي لم تأكلهم الضبع ٦٠
٩١ يقول الخَنَاوَ أبغض العجم ناطقا إلى ربنا صوت الحمار اليجدع ١٢٢
ويستخرج اليربوع من نافقائه ومن جحره بالشيحة اليتقصع ١٢٣
١٠٦ فلو أن حُقَّ اليوم منكم إقامه وإن كان سرح قد مضى فتسرعا ١٤٦
١٢٤ عبأت له رمحا طويلا وأنه كأن قبس يعلى بها حين تشرع ١٦٥
١٣٧ ولا تهين الفقير؛ علك أن تركع يوما والدهر قد رفعه ١٧٩
١٤٧ فلا تكثروا لومي؛ فإن أخاكما بذكراه ليلى العامرية مولع ١٨٨
١٧٥ على حين عاتبت المشيب على الصبا وقلت: ألما تصحُ والشيب وازع؟ ٢٣٦
١٨٦ كم بجود مقرف نال العُلى وشريف بخله قد وضعه ٢٤٧
١٨٧ كم في بني بكر بن سعد سيد ضخم الدسيعة ماجد نفاع ٢٤٨
٢٨٧ قد صَرَّتِ البكرة يوما أجمعا ٣٧٣
٣٠٦ ليت شعري عن خليلي ما الذي غاله في الحب حتى وَدَعَهْ؟ ٣٩٧
٣٠٧ فَسَعَى مَسْعَاتَهُ في قَوْمِهِ ثُمَّ لم يَبْلُغْ ولا عَجْزَا وَدَعْ ٣٩٧
٣١٧ فما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في مجمع ٤٠٧
٣٢٢ تمد عليهم من يمين وأَشْمُلِ بحور له من عهد عاد وتبعا ٤١١
[ ٢ / ٧٠٢ ]
رقم الشاهد الشاهد الصفحة
٣٣٨ فإن يك غثا أو سمينا فإنني سأجعل عينيه لنفسه مَقْنَعَا ٤٢١
٣٥٨ مناعها من إبل مناعها أما ترى الموت لدى أرباعها ٤٣٧
٣٧٥ أردت لكيما أن تطير بقربتي فتتركها شنا ببيداء بلقع ٤٧٣
٣٨٦ لقد عذلتني أم عمرو، ولم أكن مقالتها ما كنت حيا لأسمعا ٤٨٥
٣٩٩ فمن نحن نؤمنه يَبِتْ وهو آمن ومن لا نُجِرْهُ يُمْسِ منا مفزَّعا ٥٠٦
٤٠١ يا أقرع بن حابس يا أقرع إنك إن يصرع أخوك تصرع ٥١١
٤١٩ حميد الذي أمجٌ دارُهُ أخو الخمر ذو الشيبة الأصلع ٥٤٦
حرف الغين المعجمة
٢٥٢ ولكن ببدر سائلوا عن بلائنا على الناد، والأنباء بالغيب تبلغ ٣٢٢
حرف الفاء
١٣ تنفي يداها الحصى في كل هاجرة نفي الدراهيم تنقاد الصياريف ٢٤
٤٧ نحن بما عندنا، وأنت بما عندك راضٍ، والرأي مختلف ٧٩
٨٧ إذا نُهِيَ السفيه جرى إليه وخالف، والسفيه إلى خلاف ١١٤
١١٣ وعضُّ زمان يابن مروان لم يدع من المال إلا مسحتا أو مجلَّفِ ١٥٣
٢٨٠ فكلتاهما خرَّت وأسجد رأسها كما سجدت نصرانة لم تحنَّفِ ٣٦٤
٢٩٣ تُعَلَّقُ في مثل السواري سيوفنا وما بينها والكعب غُوطٌ نفانفُ ٣٨٠
٣١٣ إلى ابن أم أناس أرحل ناقتي عمرو فتُبْلِغُ حاجتي أو تُزْحِفُ ٤٠٥
٣٧٢ فإني قد رأيت بدار قومي نوائب كنت في لخم أخافه ٤٦٢
٣٧٦ قد يكسب المال الهدانُ الجافي بغير لا عصف ولا اصطراف ٤٧٤
٤١٨ عمرو الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مُسْنِتُونَ عِجَافُ ٥٤٥
٤٢٢ اللذ بأسفله صحراء واسعة واللّذ بأعلاه سيل مده الجُرُف ٥٥٢
٤٨٩ موانع للأسرار إلا لأهلها ويخلفن ما ظن الغيور المشفشف ٦٤٩
حرف القاف
١١ إذا العجوز غضبت فطلِّق ولا ترضَّاها ولا تمَلَّقِ ٢٣
[ ٢ / ٧٠٣ ]
رقم الشاهد الشاهد الصفحة
٢٠ وإن امرأ أسرى إليك ودونه من الأرض موماة وبيداء سملق ٥٠
لمحقوقة أن تستجيبي دعاءه وأن تعلمي أن المعان موفق ٥١
٣٠ من يلقَ يومًا على علَّاتِهِ هرما يلقَ السماحة منه والنَّدى خُلُقَا ٥٨
٣٥ فما الدنيا بباقاة لحي ولا حيّ على الدنيا بباق ٦٣
١١٤ وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة، ما بقينا في شقاق ١٥٤
١٢١ أما والله أن لو كنت حرا وما بالحر أنت ولا العتيق ١٦٢
١٢٧ فلو أنك في يوم الرَّخاء سألتني فراقك لم أبخل وأنت صديق ١٦٦
١٣٣ يا خال هلا قلت إذ أعطيتني هيّاك هياك وحنواء العنق ١٧٤
١٤٠ حتى يقول الجاهل المنطَّق لَعَنَّ هذا معه معلَّق ١٨١
١٤٨ أفنى تلادي وما جمَّعت من نشب قرع القواقيز أفواه الأباريق ١٨٨
١٨٤ لواحق الأقراب فيها كالمَقَقْ ٢٤٦
٢٣٣ حبت بغام راحلتي عناقًا وما هي -ويب غيرك- بالعناق ٣٠٧
٢٥٠ سيفي، وما كنا بنجد، وما قرقر قمر الواد بالشاهق ٣٢١
٢٥٨ رضيعي لبان ثدي أمٍّ تحالفا بأسحم داجٍ عوض لا نتفرق ٣٣١
٢٨٦ زحرت به ليلة كلها فجئت به مؤيدًا خَنْفَقِيقَا ٣٧٠
٢٩٤ هلا سألت بذي الجَمَاجِمِ عنهم وأبي نعيم ذي اللواء المحرق ٣٨١
٣٤٧ فلتكن أبعد العداة من الصلح من النجم جارُهُ العَيُّوقُ ٤٢٩
٣٩٧ فمتى واغل يَنْبُهُمْ يُحَيُّوهُ وتعطف عليه كأس الساقي ٥٠٥
٤٤٣ عدس ما لعباد عليك إمارة أمِنْتِ، وهذا تحملين طليق ٥٨٩
٤٦٦ أيا جارتا بِينِي فإنك طالقه كذاك أمور الناس غادٍ وطارقه ٦٢٦
حرف الكاف
٢ والله أسماك سُمّى مباركا آثرك الله به إيثَارَكَا ١٤
١٣٨ [تقول بنتي: قد أني أناكا] يا أبتا علك أو عساكا ١٨٠
١٤٣ يا أيها المائح دلوي دونكما إني رأيت الناس يحمدونكا
يثنون خيرا ويمجدونكا ١٨٤
[ ٢ / ٧٠٤ ]
رقم الشاهد الشاهد الصفحة
١٧٩ تَجَانَفُ عن جو اليمامة ناقتي وما قَصَدَتْ من أهلها لسوائكا ٢٤٠
١٨٥ يا عاذلي دعني من عذلكا مثليَ لا يقبل من مثلكا ٢٤٥
٣٥٢ على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي لك الويل حرّ الوجه أو يبكِ من بكى ٤٣٣
٣٥٧ تَرَاكِهَا من إبل تَرَاكِهَا أما ترى الموت لدى أوراكها ٤٣٧
٤٠٤ يا حكم الوارث عن عبد الملك أوديت إن لم تحبُ حبو المُعْتَنِكْ ٥١٥
٤٢٤ لن تنفعي ذا حاجة وينفعك وتجعلين اللذ معي في اللذ معك ٥٥٢
٤٣٠ [هل تعرف الدار على تبراكا] أتتك عنس تقطع الأراكا ٥٥٨
٤٣٩ [أتتك عنس تقطع الأراكا] إليك حتى بلغت إيَّاكا ٥٧٣
٤٤٤ أقول له والرمح يأطر مَتْنَهُ: تأمَّلْ خفافا؛ إنني أنا ذلكا ٥٩١
حرف اللام
٨ خود أناة كالمهاة عطبول كأن في أنيابها القرنفول ٢٢
١٠ أقول إذا خرت على الكلكال يا ناقتا ما جُلْتِ من مجال ٢٣
١٤ كأني بفتخاء الجناحين لقوة على عجل مني أطأطئ شيمالي ٢٥
١٥ لما نزلنا نصبنا ظل أخْبِيَةٍ وفار للقوم باللحم المراجيل ٢٥
١٦ لا عهد لي بنيضال أصبحت كالشن البال ٢٦
٣٦ وما الدنيا بباقية بحزن أجل، لا، لا، ولا برخاء بال ٦٣
٣٨ وأي أمر سيء لا فَعَلَهْ ٦٥
٣٩ فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني، ولم أطلب، قليل من المال ٧١
ولكنما أسعى لمجد مؤثل وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي ٧٨
٤٠ فردَّ على الفؤاد هوًى عميدًا وسُوئِلَ لو يُبِينُ لنا السؤالا ٧٢
وقد نَغْنَى بها ونرى عصورا بها يَقْتَدْنَنَا الخُرُدَ الخِدَالَا ٧٣
٦٠ ثُمَّتْ قمنا إلى جرد مسومة أعرافهن لأيدينا مناديل ٨٨
٧٩ ما أقدر الله أن يدني على شحط مَنْ دَارُهُ الحزن من دَارُهُ صُولُ ١٠٥
٨٠ ألا فتى من بني ذبيان يحملني وليس حاملني إلا ابن حمَّالِ ١٠٦
٨٥ ولقد أغتدي وما صقَعَ الديك على أدهم أجشَّ الصَّهِيلَا ١١٠
[ ٢ / ٧٠٥ ]
رقم الشاهد الشاهد الصفحة
٨٦ وكل أناس سوف تدخل بينهم دُوَيْهِيَةٌ تصفر منها الأنامل ١١٣
٩٣ لما دعاني السَّمهريُّ أجبته بأبيض من ماء الحديد صقيل ١٢٥
٩٥ حتى لحقنا بهم تعدى فوارسنا كأننا رَعْنُ قُفٍّ يرفع الآلا ١٢٨
١٠٨ ولكن من لا يَلْقَ أمرًا ينوبه بعدَّته ينزل به وهو أعزل ١٤٨
١١٠ فليت دفعتَ الهمَّ عني ساعة فبتنا على ما خيَّلت ناعمي بال ١٤٩
١٢٠ في فتية كسيوف الهند قد علموا أن هالك كل من يَحْفَى وينتعلُ ١٦٢
وقد عَلِمَ الصِّبْيَة المُرْمِلُونَ إذا اغبَرَّ أفْقٌ وهبَّت شمالا ١٦٧
١٢٨ وخلَّت عن أولادها المرضعات ولم ترَ عينٌ لمزن بلالا
بأنك الربيع وغيث مريع وقدما هناك تكون الثمالا ١٦٨
١٣٠ لهنَّك من عبسية لوسيمة على هنوات كاذب من يقولها ١٧٠
١٤٢ دعيني أطوِّف في البلاد لعلني أفيد غنى فيه لذي الحق محمل ١٨٣
١٤٤ ما إن يمسّ الأرض إلا منكب منه، وحرف الساق، طيَّ المحمل ١٨٦
١٥٥ إن كان ما بلغت عني فلامني صديقي، وشلت من يديّ الأنامل ٢٠٨
وكفنت وحدي منذرا في ردائه وصادف حوطا من أعادي قاتل ٢٠٨
١٦٩ أزهير أن يشب القَذَالُ فإنه رب هيضلٍ لجبٍ لففت بِهَيضَلٍ ٢٣١
١٧١ لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت حمامة في غصون ذات أوقال ٢٣٣
١٧٢ رددنا لشعثاء الرسول، ولا أرى كيومئذ شيئا تُردّ رسائله ٢٣٥
١٨٨ كم نالني منهم فضلا على عدم إذ لا أكاد من الإقتار أحتمل ٢٤٩
١٩٠ على أنني بعد ما قد مضى ثلاثون للهجر حولًا كميلا ٢٥٠
يذكِّرنيك حنين العَجُول ونوح الحمامة تدعو هديلا ٢٥١
١٩٩ وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا شديدا بأعباء الخلافة كاهله ٢٥٩
٢٠٩ فإن لم تجد من دون عدنان والدا ودون معد فلتزعك العواذل ٢٧٢
٢٢٦ أبو حنش يؤرّقني، وطلق وعمار، وآونة أُثَالا ٢٩٠
٢٣٤ لقد خفت حتى لا تزيد مخافتي على وَعِلٍ في ذي المطارة عاقل ٣٠٨
٢٣٧ رسم دار وقفت في طلله كدت أقضي الحياة من جلله ٣١٢
٢٥٩ أليس قليلا نظرة إن نظرتُهَا إليك؟ وكلا ليس منك قليل ٣٣٢
[ ٢ / ٧٠٦ ]
رقم الشاهد الشاهد الصفحة
٢٦٢ طرن انقطاعة أوتار مُحَظْرَبَةٍ في أقوس نازعتها أيمن شُمُلَا ٣٣٥
٢٦٣ يأتي لها من أيمن وأشمل ٣٤١
٢٧٠ كما خُطّ الكتاب بكف يوما يهودي يقارب أو يزيل ٣٥٣
٢٨٨ فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا بطن حِقْفٍ ذي قفاف عقنقل ٣٧٤
٢٩٩ قلت إذا أقبلت وزهر تهادى كنعاج الملا تعسفن رملا ٣٨٨
٣٠٠ ورجا الأخيطل من سفاهة رأيه ما لم يكن وأب له لينالا ٣٨٩
٣٠٨ ممن حملن به وهن عواقد حبك النطاق فشب غير مهبَّل ٣٩٩
٣١١ نصروا نبيهم وشدوا أزره بحنين يوم تواكل الأبطال ٤٠٤
٣١٦ قالت أميمة ما لثابت شاخصا عاري الأشاجع ناحلا كالمُنْصُلِ ٤٠٧
٣٢٥ ولسنا إذا عُدّ الحصى بأقلة وإن معدَّ اليوم مُودٍ ذليلها ٤١٢
٣٤٠ أنا ابن كلاب وابن أوس؛ فمنيكن قناعه مَغْطِيا فإني مجتلى ٤٢٢
٣٤٢ لي والد شيخ تهضه غيبتي وأظن أن نفاد عمره عاجل ٤٢٢
٣٤٤ ما أنت بالحكم التُّرْضَى حكومته ولا البليغ ولا ذي الرأي والجدل ٤٢٤
٣٤٨ لتبعد إذ نأى جدواك عني فلا أشقى عليك ولا أبالي ٤٢٩
٣٥٠ محمد تفد نفسك كل نفس إذا ما خفت من أمر تبالا ٤٣٢
٣٥٦ فدعوا نزال فكنت أول نازل وعلام أركبه إذا لم أنزل ٤٣٦
٣٥٩ نعاء أبا ليلى لكل طِمِرَّةٍ وجرداء مثل القوس سمح حُجُولُهَا ٤٣٧
٣٦٠ نعاء ابن ليلى للسماحة والندى وأيدي شمال باردات الأنامل ٤٣٨
٣٦١ نعاء جذاما غير موت ولا قتل ولكن فراقا للدَّعائم والأصل ٤٣٨
٣٦٤ فما وجد النَّهدي وجدا وجدتُهُ ولا وجد العذريُّ قبل جميل ٤٤٢
٣٦٩ فلم أرَ مثلها خُبَاسَةَ واجد ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله ٤٥٧
٣٧٨ إن يغدروا أو يجبنوا أو يبخلوا لا يحفلوا ٤٧٦
يغدوا عليك مُرَجَّلين كأنهم لم يفعلوا ٤٧٧
٣٨٢ اسمع حديثا كما يوما تحدثه عن ظهر غيب إذا ما سائل سألا ٤٨٠
٣٨٣ يقلب عينيه كما لأخَافَهُ تَشَاوَسْ رويدا إنني من تأمل ٤٨١
٣٩١ كأن نسج العنكبوت المرمل ٤٩٥
[ ٢ / ٧٠٧ ]
رقم الشاهد الشاهد الصفحة
٣٩٨ صعدة ثابتة في حائر أينما تُمَيِّلْهَا تَمِلْ ٥٠٥
٤١١ وقد كنت من سلمى سِنِينَ ثَمَانِيًا على صير أم ما يُمِرّ وما يَحْلُنْ ٥٤٠
٤١٢ قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخل فحومل ٥٤٠
٤١٤ فألفيته غير مستعتب ولا ذاكر الله إلا قليلا ٥٤٣
٤٢٨ بيناه في دار صدق قد أقام بها حينا يعللنا وما نعلله ٥٥٧
٤٣٢ فلست بآتيه ولا أستطيعه ولك اسقني إن كان مَاؤُك ذا فضل ٥٦١
٤٣٣ أصاح ترى برقًا أريك وميضه كَلَمْعِ اليدين في حَبِيِّ مُكَلَّلِ ٥٦٢
٤٣٧ ركاب حُسَيْل أشهر الصيف بُدَّنُ وناقة عمرو ما يحلَّ لها رحل ٥٦٩
ويزعم حسل أنه فرع قومه وما أنت فرع يا حسيل ولا أصل ٥٦٩
٤٤٢ إذا ما أتيت بني مالك فسلم على أيهم أفضل ٥٨٧
٤٤٦ لعمري لأنت البيت أكرم أهله وأقعد في أفيائه بالأصائل ٥٩٤
٤٤٨ أأن رأت رجلا أعشى أضرَّ به ريب الزمان ودهر مفسد خبل ٥٩٨
٤٤٩ فإنّك لا تدري متى الموت جائئٌ ولكن أقصى مدة الموت عاجل ٦٠٠
٤٥٢ أرتني حجلا على ساقها فهش الفؤاد لذاك الحجل ٦٠٣
فقلت ولم أخف عن صاحبي: ألا بأبي أصل تلك الرجل ٦٠٣
٤٥٣ علمنا إخواننا بنو عجل شرب النبيذ واصطفافا بالرجل ٦٠٤
٤٥٧ لم نرحب بأن شخصت، ولكن مرحبا بالرضاء منك وأهلا ٦١٦
٤٥٩ فعادى عِدَاء بين ثور ونعجة دراكا، ولم ينضخ بماء فيغسل ٦١٨
٤٦٠ والقارح العدَّا وكل طمرة ما إن تنال يد الطويل قذالها ٦١٩
٤٦٥ حصان رزان ما تُزَنّ بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل ٦٢٥
٤٧١ إن الأمور إذا الأحداث دَبَّرَها دون الشيوخ ترى في بعضها خللا ٦٣٢
٤٧٦ ثلاثة أنفس وثلاث ذود لقد جار الزمان على عيالي ٦٣٥
٤٨١ إذ هي أحوى، من الربعي، حاجبه والعين بالإثمد الحاري مكحول ٦٣٨
٤٨٥ تهون بعد الأرض عني فريدة كناز البضيع سهوة المشي بازل ٦٤١
٤٨٧ [نسل وجد الهائم المغتل] ببازل وجناء أو عيهلِّ ٦٤٢
٤٩٦ ويلمه رجلا تأبى به غبنًا إذا تجرَّد، لا خالٌ، ولا بخلُ ٦٦٧
[ ٢ / ٧٠٨ ]
رقم الشاهد الشاهد الصفحة
٤٩٧ ويلمه مسعر حرب إذا ألقي فيها وعليه الشَّلِيلْ ٦٦٨
٤٩٩ [ف] أرسلا العراك [ولم يذدها ولم يشفق على نغص الدخال] ٦٧٧
حرف الميم
١ فإنه أهل لأن يؤكرما ١٢
٣ وعامنا أعجبنا مقدمه يدعى أبا السمح وقرضاب سُمُهْ
مبتركا لكل عظم يلحُمُهْ
٤ باسم الذي في كل سورة سمه قد وردت على طريق تعلمه ١٥
١٢ ينباع من دفرى غضوب جسرة زيافة مثل الفنيق المكدم ٢٤
١٨ وعقبة الأعقاب في الشهر الأصم ٣٤
٣٣ فطلقها فلست لها بند وإلا يعلُ مفرقك الحسام ٦١
٣٧ إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما ٦٤
٤٢ ولكن نصفا لو سببت وسبني بنو عبد شمس من مناف وهاشم ٧٤
٤٥ قضى كل ذي دين فوفى غريمه وعزة ممطول معنى غريمها ٧٦
٥٠ ألست بنعم الجار يؤلف بيته أخا قلة أو معدم المال مصرما ٨١
٥٣ ألا يا اسلمي لا صرم لي اليوم فاطما ولا أبدا ما دام وصلك دائما ٨٤
٥٦ يا دار سلمى يا اسلمي ثم اسلمي بسمسم وعن يمين سمسم ٨٥
٥٩ ماويَّ بل رُبَّتما غارة شعواء كاللذعة بالميسم ٨٧
٦١ العاطفون تحين ما من عاطف والمطعمون زمان أين المطعم ٨٩
٦٩ يا لعنة الله على أهل الرَّقَمْ أهل الحمير والوقير والخزم ٩٧
٨٤ ونأخذ بعده بذناب عيش أجب الظهر ليس له سنام ١٠٩
٨٨ صددت وأطولت الصدود، وقلما وصال على طول الصدود يدوم ١١٧
٩٩ بحسبك أن قد سدت أخزم كلها لكل أناس سادة ودعائم ١٣٧
١٠٤ لقد ولد الأخيطل ام سوء على قمع استها صلب وشام ١٤٢
ويوما تلاقينا بوجه مقسم كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم ١٦٤
١٢٥ وخيفاء ألقى الليث فيها ذراعه فَسَرَّت وسَاءَتْ كل ماشٍ ومُضْرِمِ ١٦٥
[ ٢ / ٧٠٩ ]
رقم الشاهد الشاهد الصفحة
تمشي بها الدرماء تسحب قصبها كأن بطن حبلى ذات أونين مُتْئمِ ١٦٦
١٢٦ فتعلمي أن قد كلفت بكم ثم افعلي ما شئت عن علم ١٦٦
١٣٤ ولست بلوَّام على الأمر بعد ما يفوت، ولكن علّ أن أتقدما ١٧٨
١٤١ ألا يا صاحبي قفا لغَنَّا نرى العرصات أو أثر الخيام ١٨٢
١٤٦ حتى تهجَّر في الرَّوَاح وهاجها طلب المعقب حقه المظلومُ ١٨٧
١٥٠ لقد لمتنا يا أم غيلان في السُّرَى ونمت، وما ليلُ المطيّ بنائم ١٩٦
١٥٣ ألا يا سيالات الدحائل بالضحى عليكن من بين السَّيَال سلام ٢٠٧
ولا زال منهل الربيع إذا جرى عليكن منه وابل ورهام ٢٠٧
١٦٦ حاشى أبي ثوبان؛ إن به ضنا على الملحاة والشتم ٢٢٨
١٨٣ يا أسدي لم أكلته لمه؟ لو خافك الله عليه حرمه
فما قربت لحمه ولا دمه ٢٤٣
١٩٢ سلام الله يا مطرا عليها وليس عليك يا مطر السلام ٢٥٣
١٩٥ يا خازباز أرسل اللَّهَازِمَا إني أخاف أن تكون لازما ٢٥٧
٢٠٠ أما ودماء مائرات تخالها على قنة العُزّى وبالنسر عندما
وما سبح الرهبان في كل بيعة أبيل الأبيلين المسيح ابن مريما
لقد ذاق منا عامر يوم لعلع حسامًا إذا ما هُزَّ بالكف صمَّمَا ٢٥٩
٢٠٣ فإن الأولاء يعلمونك منهم ٢٦١
٢٠٥ قالت بنو عامر: خالوا بني أسد، يا بؤس للجهل ضرارا لأقوام ٢٦٩
٢١٤ إني إذا ما حدث ألما أقول يا اللهم يا اللهما ٢٨٠
٢١٥ وما عليك أن تقولي كلما سبحت أو صليت يا اللهم ما" ٢٨٢
أردد علينا شيخنا مسلّما ٢٨٠
٢١٦ غفرت أو عذَّبت يا اللهما ٢٨٠
٢١٧ هما نفثا في فيّ من فمويهما على النابح العاوي أشدّ رجام ٢٨٢
٢٢١ بكل قريشي على مهابة سريع إلى داعي الندى والتكرُّم ٢٨٦
٢٢٤ ألا أضحت حبالكم رماما وأضحت منك شاسعة أماما ٢٨٨
٢٢٥ إن ابن حارث إن أشتق لرؤيته أو أمتدحه فإن الناس قد علموا ٢٨٩
[ ٢ / ٧١٠ ]
رقم الشاهد الشاهد الصفحة
٢٢٩ أقول وما قولي عليك بسبَّة إليك ابن سلمى أنت حافر زمزم ٢٩٩
حفيرة إبراهيم يوم ابن هاجر وركضة جبريل على عهد آدم ٢٩٩
٢٣٥ كانت فريضة ما تقول كما أن الزناء فريضة الرجم ٣٠٨
٢٤٨ كفاك كف لا تليق درهما جودا، وأخرى تعطِ بالسيف الدَّمَا ٣٢٠
٢٦٨ فأصبحت بعد خط بهجتها كأن قفرا رسومها قلما ٣٥٢
٢٦٩ لما رأت ساتيدما استعبرت لله در اليوم من لامها ٣٥٢
٢٧٢ هما أخوا في الحرب من لا أخا له إذا خاف يوما نبوة فدعاهما ٣٥٤
٢٧٥ كلا أخوينا ذو رجال، كأنهم أسود الشرى من كل أغلب ضيغم ٣٦١
٢٧٩ كلا يومي أمامه يوم صد وإن لم نأتها إلا لماما ٣٦٣
٢٩٦ إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم ٣٨٤
وذا الرأي حين تغم الأمور بذات الصليل وذات اللُّجُم ٣٨٤
٣٠٣ فيا ظبية الوعساء بين جلاجل وبين النَّقَا آأنت أم أم سالم؟ ٣٩٤
٣٢١ من سبأ الحاضرين مأرب إذ يبنون من دون سيله العرما ٤١٠
٣٣٠ إن تميما خلقت ملموما قوما ترى واحدهم صِهْميما ٤١٦
٣٤٣ [القاطنات البيت غير الريم] قواطنا مكة من ورق الحمي ٤٢٣
٣٤٩ بل بلد ملءُ الفجاج قَتَمُهْ لا يُشْتَرَى كَتّانُهُ وجَهْرَمُهْ ٤٣١
٣٥٥ عرضنا نزال فلم ينزلوا وكانت نزال عليهم أطم ٤٣٦
٣٨١ لا تظلم الناس كما لا تظلم ٤٨٢
٣٩٣ فعلا فروع الأيهُقَانِ وأَطْفَلَتْ بالجلهتين ظباؤها ونعامها ٥٠٠
٤٠٢ وإن أتاه خليل يوم مسألة يقول لا غائب ما لي ولا حرم ٥١٢
٤٠٧ أولئك قومي إن هجوني هجوتهم وأعبد أن تهجى تميم بدارم ٥٢٣
٤٠٩ يحسبه الجاهل ما لم يعلما شيخا على كرسيه معمما ٥٣٨
٤٢٩ إذاه سِيمَ الخسف آلي بقسم بالله لا يأخذ إلا ما احتكم ٥٥٧
٤٤١ ولقد أبيت من الفتاة بمنزل فأبيت لا حرج ولا محروم ٥٨٣
٤٦٣ جُمَادَيَيْنِ حُسُومًا ٦٢٢
٤٦٤ جماديين حرام ٦٢٣
[ ٢ / ٧١١ ]
رقم الشاهد الشاهد الصفحة
٤٦٧ تمخضت المنون له بيوم أَنَى، ولكل حاملة تمام ٦٢٦
٤٧٨ فمضى وقدمها، وكانت عادة منه إذا هي عرَّدَتْ إقدامها ٦٣٦
٤٨٦ بكرت بهاجر شية مقطورة تروي المحاجر بازل علكوم ٦٤١
حرف النون
٢٤ أكل عام نعم تحوُونه يلحقه قوم وتنتجونه؟ ٥٣
٢٩ كلا يومي طوالة وصل أروى ظنون، آن مطرح الظنون ٥٧
٣١ أصاب الملوك فأفناهم وأخرج من بيته ذا جدن ٥٩
٥٤ ألا يا اسلمي قبل الفراق ظعينا تحية من أمسى إليك حزينا ٨٤
٦٣ نولي قبل يوم نأيي جمانا وصلينا كما زعمت تلانا ٩١
٨١ امتلأ الحوض وقال: قطني مهلا، رويدا، قد ملأت بطني ١٠٧
١١٨ وصدر مشرق النحر كأن ثدييه حقان ١٦٠
١٥٨ وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان ٢١٧
١٧٦ على حين انحنيت وشاب رأسي فأي فتى دعوت وأي حين؟ ٢٣٧
١٧٨ ولا ينطق المكروه من كان منهم إذا جلسوا منا ولا من سوائنا ٢٣٩
١٨٢ وابذل سوام المال إنْ نَ سواءها دهما وجونا ٣٤١
١٩٣ تفقأ فوقه القلع السواري وجن الخازباز به جنونا ٢٥٦
٢١٢ فديتك يا التي تيّمت قلبي وأنت بخيلة بالود عني ٢٧٥
٢٢٨ فلو أنا على حجر ذبحنا جرى الدميان بالخبر اليقين ٢٩٢
٢٥٤ فلست بمدرك ما فات مني بلهف، ولا بليتَ، ولا لوانّي ٣٢٢
٢٥٥ لاه ابن عمك لا أفضلت في حَسَب عني، ولا أنت ديَّاني فتخروني ٣٢٥
٢٦٧ يُطِفْنَ بحوزي المراتع لم تُرَعْ بواديه من قرع القسي الكنائن ٣٥١
٢٨٣ وصاني العجاج فيما وصني ٣٦٧
٣٤٦ لقتم أنت يا بن خير قريش فتقضَّى حوائج المسلمينا ٤٢٧
٣٥١ فقلت ادعي وأدعُ؛ فإن أندى لصوت أن يُنَادِيَ دَاعِيَانِ ٤٣٢
٣٨٨ داويت عين أبي الدَّهيق بمطلِهِ حتى المصيف ويغلو القعدانُ ٤٩٠
[ ٢ / ٧١٢ ]
رقم الشاهد الشاهد الصفحة
٣٩٢ إذا ما الغانيات برزن يوما وزججن الحواجب والعيونا ٤٩٩
٤٣٥ أتطمع فينا من أراق دماءنا ولولاك لم يعرض لأحسابنا حسن ٥٦٨
٤٤٠ كأنا يوم قُرَّى إنما نقتُلُ إيَّانا ٥٧٣
٤٦٢ [فسوته لا تنقضي شهرينه] شَهْرَي ربيع وجماديينه ٦٢٢
٤٩٢ قد فارقت قرينها القرينه وشحطت عن دارها الظعينه ٦٥٧
يا ليتنا قد ضمنا سفينه حتى يعود الوصل كينونه ٦٥٧
٤٩٤ ما بال عيني كالشعيب العيَّن [وبعض أعراض الشجون الشجن
دار كرقم الكاتب المرقن بين نقا الملقي وبين الأجون] ٦٦٠
٥٠٠ دعِ الخمر يشربها الغواة؛ فإنني رأيت أخاها مغنيا بمكانها ٦٧٧
فإنْ لا يكنها أو تكنه فإنه أخوها غذته أمه بلبانها ٦٧٨
٥٠١ تنفك تسمع ما حييت بهالك حتى تكونه ٦٧٨
حرف الهاء١
٥ إن أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها ١٨
٤٤ ولقد أرى تَغُنَى به سيفانةٌ تصبي الحليم ومثلها أصباه ٧٥
٦٤ والله ما ليلي بنام صاحبه ولا مخالط الليان جانبه ٩٢
٧٣ فإن أهجه يضجر كما ضجر بازل من الأدم دَبْرَت صفحتاه وغاربه ١٠١
١١٧ مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ولا ناعب إلا ببين غرابها ١٥٧
١٨١ أَكُرُّ على الكتيبة لا أبالي أفيها كان حتفي أم سواها ٢٤٠
٢١٣ مبارك هو ومن سماه على اسمك اللهم يا ألله ٢٧٧
٢٣٦ وبلد عامية أعماؤه كأن لون أرضه سماؤه ٣١١
٢٥١ ما بال هَمّ عميد بات يطرقني بالواد من هند إذ نعدو عواديها؟ ٣٢١
٢٦٩ لما رأت ساتيدما استعبرت لله در اليوم من لامها ٣٥٢
٢٩٧ وكل قوم أطاعوا أمر مرشدهم إلا نُمَيرًا أطاعت أمر غاويها ٣٨٤
_________________
(١) ١ وضعنا في هذه القافية الأبيات التي آخرها هاء -وإن لم تكن الهاء حرف الروي الذي بنيت عليه الكلمة- تيسير على من لا إلمام لهم بعلم القافية، ووضعناها مرة أخرى في موضعها اللائق بها.
[ ٢ / ٧١٣ ]
رقم الشاهد الشاهد الصفحة
الظاعنين ولما يُظْعِنُوا أحدا والقائلون: لمن دار نُخَلِّيهَا ٣٨٥
٣١٩ [٢٠٧] ومصعب حين جدَّ الأمر أكثرها وأطيبها ٤٠٩
٣٢٥ ولسنا إذا عُدّ الحصى بأقلَّةٍ وإن معدَّ اليوم مود ذليلُهَا ٤١٢
٣٢٦ غلب المساميح الوليد سماحة وكَفَى قريش المعضلات وَسَادَهَا ٤١٣
٣٢٨ لقوم فكانوا هم المنفدين شرابهم قبل إنفادها ٤١٤
٣٤٩ بل بلد ملء الفجاج قَتَمُهْ لا يشترى كَتّانُهُ وجَهْرَمُهْ ٤٣١
٣٥٧ تَرَاكِها من إبل تَرَاكِهَا أما ترى الموت لدى أوراكها ٤٣٧
٣٥٨ مناعها من إبل مناعها أما ترى الموت لدى أرباعها ٤٣٧
٣٥٩ نعاء أبا ليلى لكل طمرة وجرداء مثل القوس سمح حجولها ٤٣٧
٣٤٩ فلم أرَ مثلها خُبَاسةَ واجدٍ ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله ٤٥٧
٣٧٢ فإني قد رأيت بدار قومي نوائب كنت في لخم أخافه ٤٦٢
٣٨٤ قلت لشيبان: ادْنُ من لقائه كما تغدِّي القوم من شوائه ٤٨٢
٣٨٧ وإني امرؤ من عصبة خِنْدِفِيّةٍ أبت للأعادي أن تديخ رقابها ٤٨٧
٣٩٣ فعلا فروع الأيهقان وأطفلت بالجهلتين ظباؤها ونعامها ٥٠٠
٣٩٥ علفتها تبنا وماء باردا حتى شتت همَّالة عيناها ٥٠١
٤٠٥ إذا رضيت عليَّ بنو قشير لعمر الله أعجبني رضاها ٥١٦
٤٢٨ بيناه في دار صدق قد قام بها حينا يعلّلنا وما نعلّله ٥٥٧
٤٦٠ والقارحَ العَدَّا وكل طِمِرَّةٍ ما إن تنال يد الطويل قَذَالَهَا ٦١٩
٤٦٢ [فسوته لا تنقضي شهرينه] شهري ربيع وجماديينه ٦٢٢
٤٦٦ أيا جارتا بيني فإنك طالقه ذاك أمور الناس غادٍ وطارقهْ ٦٢٦
٤٦٩ فإن تعهديني ولي لمَّةٌ إن الحوادث أودى بها ٦٢٩
٤٧٤ وقائع في مضر تسعة في وائل كانت العاشرة ٦٣٣
٥٠٠ دع الخمر يشربها الغواة؛ فإنني رأيت أخاها مغنيا بمكانها ٦٧٧
فإن لا يكنها أو تكنه فإنه خوها غذته أمه بلبانها ٦٧٨
٥٠١ تنفك تسمع ما حييت هالك حتى تكونه ٦٧٨
[ ٢ / ٧١٤ ]
رقم الشاهد الشاهد الصفحة
حرف الواو
١١١ فليت كَفَافًا كان خَيْرُكَ كُلّهُ وشَرُّكَ عَنِّي ما ارتوى الماء مرتوي ١٥٠
٤٣٤ وأنت امرؤ لولاي طحت كما هوى بأجرامه من قُلَّةِ النِّيقِ مُنْهَوِي ٥٦٦
حرف الألف اللينة
٣٥٢ على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي لك الويل حر الوجه أو يبكِ من بكى ٤٣٣
حرف الياء
٩٧ عميرة ودِّعْ إن تجهَّزت غاديا كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا ١٣٦
٩٨ أعان علي الدهر إذ حلّ بَرْكُهُ كفى الدهر لو وكّلته بي كافيا ١٣٧
١١٥ بدا لي أني لست مدرك ما مضى ولا سابق شيئا إذا كان جائيا ١٥٥
١٦٢ وبلدة ليس بها طُورِي ولا خلا الجن بها إنسيّ ٢٢٣
٣٠٥ ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث إلى ذاكما ما غيبتني غيابيا ٣٩٥
٣٢٩ يا بئر يا بئر بني عدي لأنزحن قعرك بالدُّليِّ ٤١٥
حتى تعودي أقطع الوَلِيّ ٤١٥
٣٤٥ بل القوم الرسول الله فيهم هم أهل الحكومة من قُصَيِّ ٤٢٥
٤١٧ حيدة خالي ولقيط وعلي وحاتم الطائي وهَّابَ المِئِي ٥٤٥
٤٢٦ وليس المال فاعلمه بمال من الأقوام، إلا للذيِّ ٥٥٥
يريد به العلاء ويمتهنه لأقربِ أقربيه وللقَصِيِّ ٥٥٥
٤٩٨ لقد أغدو على أشقر يغتال الصَّحَارِيَا ٦٧٢
[ ٢ / ٧١٥ ]
فهرس المحتويات:
٦٠- مسألة: القول في الفصل بين المضاف والمضاف إليه ٣٤٩
٦١- مسألة: هل تجوز إضافة الاسم إلى اسم يوافقه في المعنى؟ ٣٥٦
٦٢- مسألة: "كلا" و"كلتا" مثنيان لفظا ومعنى، أو معنى فقط؟ ٣٥٩
٦٣- مسألة: هل يجوز توكيد النكرة توكيدا معنويا؟ ٣٦٩
٦٤- مسألة: هل يجوز أن تجيء واو العطف زائدة؟ ٣٧٤
٦٥- مسألة: هل يجوز العطف على الضمير المخفوض؟ ٣٧٩
٦٦- مسألة: العطف على الضمير المرفوع المتصل في اختيار الكلام ٣٨٨
٦٧- مسألة: هل تأتي "أو" بمعني الواو، وبمعنى "بل"؟ ٣٩١
٦٨- مسألة: هل يجوز أن يعطف بلكن بعد الإيجاب؟ ٣٩٦
٦٩- مسألة: هل يجوز صرف أفعل التفضيل في ضرورة الشعر؟ ٣٩٩
٧٠- مسألة: منع صرف ما ينصرف في ضرورة الشعر ٤٠٣
٧١- مسألة: القول في علة بناء "الآن"؟ ٤٢٤
٧٢- مسألة: فعل الأمر معرب أو مبني؟ ٤٢٧
٧٣- مسألة: القول في علة إعراب الفعل المضارع ٤٤٦
٧٤- مسألة: القول في رفع الفعل المضارع ٤٤٨
٧٥- مسألة: عامل النصب في الفعل المضارع بعد واو المعية ٤٥٢
٧٦- مسألة: عامل النصب في الفعل المضارع بعد فاء السببية ٤٥٤
٧٧- مسألة: هل تعمل "أن" المصدرية محذوفة من غير بدل؟ ٤٥٦
٧٨- مسألة: هل يجوز أن تأتي "كي" حرف جر؟ ٤٦٥
٧٩- مسألة: القول في ناصب المضارع بعد لام التعليل ٤٦٩
٨٠- مسألة: هل يجوز إظهار "أن" المصدرية بعد "لكي" وبعد حتى؟ ٤٧٣
٨١- مسألة: هل يجوز مجيء "كما" بمعنى "كيما" وينصب بعدها المضارع؟ ٤٧٨
٨٢- مسألة: هل تنصب لام الجحود بنفسها؟ وهل يتقدم معمول منصوبها عليها؟ ٤٨٥
٨٣- مسألة: هل تنصب "حتى" الفعل المضارع بنفسها؟ ٤٨٩
٨٤- مسألة: عامل الجزم في جواب الشرط ٤٩٣
٨٥- مسألة: عامل الرفع في الاسم المرفوع بعد "إن" الشرطية ٥٠٤
[ ٢ / ٧١٧ ]
٨٦- مسألة: هل يجوز تقديم اسم مرفوع أو منصوب في جملة جواب الشرط؟ وما يترتب عليه؟ ٥٠٨
٨٧- مسألة: القول في تقديم المفعول بالجزاء على حرف الشرط ٥١١
٨٨- مسألة: القول في "إن" الشرطية، هل تقع بمعنى إذا؟ ٥١٨
٨٩- مسألة: القول في "إن" الواقعة بعد "ما" أنافية مؤكدة أم زائدة ٥٢٢
٩٠- مسألة: القول في معنى "إن" ومعنى اللام بعدها ٥٢٦
٩١- مسألة: هل يجازى بكيف؟ ٥٢٩
٩٢- مسألة: السين مقتطعة من سوف أو أصل برأسه ٥٣٢
٩٣- مسألة: المحذوف من التاءين المبدوء بهما المضارع ٥٣٤
٩٤- مسألة: هل تدخل نون التوكيد الخفيفة على فعل الاثنين وفعل جماعة النسوة؟ ٥٣٦
٩٥- مسألة: الحروف التي وضع الاسم عليها في "ذا" و"الذي ٥٥١
٩٦- مسألة: الحروف التي وضع عليها الاسم في "هو" و"هي ٥٥٧
٩٧- مسألة: القول في هل يقال "لولاي" و"لولاك"؟ وموضع الضمائر ٥٦٤
٩٨- مسألة: الضمير في "إياك" وأخواتها ٥٧٠
٩٩- مسألة: المسألة الزنبورية ٥٧٦
١٠٠- مسألة: ضمير الفصل ٥٧٩
١٠١- مسألة: مراتب المعارف ٥٨١
١٠٢- مسألة: "أي" الموصولة معربة دائما أو مبنية أحيانا؟ ٥٨٣
١٠٣- مسألة: هل تأتي ألفاظ الإشارة أسماء موصولة؟ ٥٨٩
١٠٤- مسألة: هل يكون للاسم المحلى بأل صلة كصلة الموصول؟ ٥٩٤
١٠٥- مسألة: همزة بَيْنَ بَيْنَ متحركة أو ساكنة؟ ٥٩٨
١٠٦- مسألة: هل يوقف بنقل الحركة على المنصوب المحلى بأل الساكن ما قبل آخره؟ ٦٠٢
١٠٧- مسألة: القول في أصل حركة همزة الوصل ٦٠٦
١٠٨- مسألة: هل يجوز نقل حركة همزة الوصل إلى الساكن قبلها؟ ٦١٠
١٠٩- مسألة: هل يجوز مد المقصور في ضرورة الشعر؟ ٦١٤
١١٠- مسألة: هل يحذف آخر المقصور والممدود عند التثنية إذا كثرت حروفهما؟ ٦٢١
١١١- مسألة: القول في المؤنث بغير علامة تأنيث مما على زنة اسم الفاعل ٦٢٥
١١٢- مسألة: القول عِلَّةُ حذف الواو من "يعد" ونحوه ٦٤٤
[ ٢ / ٧١٨ ]
رقم الشاهد الشاهد الصفحة
١١٣- مسألة: وزن الخماسي المكرر ثانيه وثالثه ٦٤٩
١١٤- مسألة: هل في كل رباعي وخماسي من الأسماء زيادة؟ ٦٥٤
١١٥- مسألة: وزن "سيد وميت" ونحوهما ٦٥٦
١١٦- مسألة: وزن "خطايا" ونحوه ٦٦٣
١١٧- مسألة: وزن "إنسان" وأصل اشتقاقه ٦٦٧
١١٨- مسألة: وزن أشياء ٦٧٠
١١٩- مسألة: علام ينتصب خبر "كان" وثاني مفعولي "ظننت"؟ ٦٧٦
١٢٠- مسألة: القول في تقديم التمييز إذا كان العامل فعلا متصرفا ٦٨٢
١٢١- مسألة: القول في "ربَّ" اسم هو أو حرف ٦٨٦
[ ٢ / ٧١٩ ]