النصب في الأفعال المضارعة لا يكون إلا بحروف وتلك الحروف: أن، ولن، وكي، وإذن. وهذه الحروف التي تنصبها على ثلاثة أضرب: حرف يظهر ولا يجوز أن يضمر نحو: لن، وإذن [وكي]. وحرف يظهر في موضع ولا يظهر في موضع آخر. وحرف يضمر في موضع ويظهر في ذلك الموضع. فما ينتصب بحرف ظاهر لا يجوز أن يضمر ما انتصب بان. ولن إنما تنفي الأفعال المستقبلة يقول القائل: سيقوم زيد، أو سوف يقوم زيد فتقول: لن يقوم:
[ ٣٠٩ ]
وأما كي فتكون على ضربين: أحدهما أن تنصب الفعل بنفسها. والآخر أن تنصبه بإضمار أن. فقياس ما جاء من قوله ﷿: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا﴾ أن تكون ناصبة بنفسها بدلالة أنها لا تخلو من أن تكون هي الناصبة بنفسها، أو تكون بمنزلة اللام ينتصب الفعل بعدها بإضمار أن فعلا يجوز أن تكون في هذه الآية بمنزلة اللام لدخول اللام عليها ولا يدخل حرف جر على مثله. فإذا لم يجز ذلك ثبت أن انتصاب الفعل بعدها بها نفسها. وأما من قال: كيمه. فقد جعلها اللام لدخولها على الاسم وهي ما التي للاستفهام. فالفعل على هذا القول ينتصب بعدها بإضمار أن، كما ينتصب بعد اللام بذلك. ومما ينتصب الفعل بعده من الحروف التي لا تضمر إذن، وإنما تعمل
[ ٣١٠ ]
في الفعل إذا كانت جوابًا، وكانت مبتدأة ولم يكن الفعل الذي بعدها معتمدًا على ما قبلها وكان الفعل مستقبلا وذلك أن تقول للرجل: أنا أكرمك، فيقول: إذن أجيئك. فإن اعتمدت بالفعل على شيء قبلها رفعت وذلك قولك: أنا إذن أكرمك، ترفع لأن الفعل معتمد على الابتداء الذي هو أنا وكذلك: وإن تكرمني إذن أكرمك. وإذا وقعت على فعل الحال ألغيت أيضًا لأن أخواتها لا يعملن في فعل الحال. وذلك أن يتحدث بحديث فتقول: إذن: أظنك كاذبًا، وأنت تخبر أنك في حال الظن.
[ ٣١١ ]
ومما ينتصب بحرف يجوز أن يضمر في موضع ويظهر في ذلك الموضع قولك: يعجبني ضرب زيد ويغضب تريد: وأن يغضب. ومثل ذلك [قول الشاعر]:
(للبس عباءة وتقر عيني أحب إلي من لبس الشفوف)
ومما انتصب بحرف لا يجوز إظهاره فيه وإن كان قد أظهر في غير هذا الموضع الفعل الواقع بعد الفاء إذا كانت جوابًا لسنة أشياء [وهي]: النفي والأمر والنهي والاستفهام والعرض والتمني. ويجمع ذلك كله أنه غير واجب، والواجب الخبر المثبت دون النفي. ومثال النفي قوله: ما تأتيني فأعطيك، و﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ﴾ ومثال الأمر: إيتني فأعرف لك [ذلك] ومثال النهي:
[ ٣١٢ ]
لا تنقطع عنا فنجفوك، ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ ومثال الاستفهام: أتأتينا فنحدثك. ومثال العرض: ألا تنزل [عندنا] فتصيب خيرًا. ومثال التمني: ليته عندنا فيحدثنا. فهذا الذي ينتصب بعد الفاء انتصابه بإضمار أن كأنه لما قال: لا تنقطع. فكان هذا الكلام بمنزلة: لا يكن منك انقطاع. قدر إضمار أن بعد الفاء فعطفها على مصدر الفعل المتقدم فصار التقدير: لا يكن منك انقطاع فأن نجفوك أي فجفاءٌ. فما بعد الفاء متعلق بحرف العطف بالجملة المتقدمة وإنما سماه النحويون جوابًا وإن كانت جملة واحدة ولم تكن كالجزاء لمشابهته له في أن الثاني سببه الأول ألا ترى أن المعنى: إن انقطعت جفوتك. ولا يكون هذا في الموجب لو قلت: يقوم زيد فيغضب [عمرو] لم يجز ذلك إلا في الضرورة كقوله:
(سأترك منزلي لبني تميم وألحق بالحجاز فأستريحا)
فالمعنى: إن ألحق أسترح والتقدير على ما تقدم وإنما يكون النصب
[ ٣١٣ ]
في هذه الأشياء إذا خالف الثاني الأول في المعنى فإن وافقه في المعنى وافقه في الإعراب وذلك نحو: ما أقوم فأحدثك ترفع إذا نفيت فأحدثك كما نفيت أقوم. ومن ذلك الواو إذا أردت بها نفي الاجتماع بين الشيئين. وذلك قولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، ولا يسعني شيء ويعجز عنك. وقال الله ﷿: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ ويمكن أن يكون قوله تعالى ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ من هذا الباب ويمكن أن يكون «تكتموا» جزمًا للاشتراك في النهي ومن ذلك قوله:
(لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم)
[ ٣١٤ ]
وكذلك: زرني فأزورك. ولا يجوز الجزم في قولك: فأزورك لأنه لم يتقدم ما يحمله عليه ولو جاز ذلك لجاز أن تقول مبتدئًا: تحدثني تريد الأمر. ومن ذلك أو في نحو ذلك: لألزمنك أو تعطيني [حقي] ولأشكونك أو تنصفني. وإنما انتصب الفعل لأن المعنى: لألزمنك إلا أن تعطيني. وزعموا أن في بعض المصاحف: تقاتلونهم أو يسلموا وقال:
(وكنت إذا غمزت قناة قوم كسرت كعوبها أو تستقيما)
ومما ينتصب الفعل بعده حتى، وذلك قولك: سرت حتى أدخلها. فالفعل بعد حتى ينتصب بإضمار أن. كما ينتصب بعد اللام في قولك: ما كان زيد ليفعل، بإضمار أن. وذلك أن حتى هذه هي الجارة للاسم في نحو قوله ﷿: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ كما أم اللام كذلك. وإذا ثبت أنها الجارة للاسم لم تعمل في الفعل [شيئًا] وإذا
[ ٣١٥ ]
لم تعمل فيه والنصب يقتضي عاملا له ثبت أنه بإضمار أن إذ المعنى: سرت إلى دخولها. فأن المضمرة بعد حتى والفعل والفاعل جميعًا في موضع جر بحتى وحتى وأن المضمرة وما عملت فيه في موضع نصب بالفعل الواقع قبله كما أن الجار والمجرور في قولك: ذهبت إلى زيد كذلك. والفعل المنصوب الواقع بعد حتى على ضربين: أحدهما أن يكون بمعنى: إلى أن. والآخر أن يكون بمعنى كي. الأول كقولك: سرت حتى أدخلها. فالدخول غاية لسيرك، والسير هو الذي أدى إلى الدخول. والثاني كقولك كلمته حتى يأمر لي بشيء. فالمعنى: كلمته كي بأمر لي بشيء وكذلك: أسلمت حتى أدخل الجنة. ويرتفع الفعل بعد حتى. فإذا ارتفع بعدها كان على ضربين: أحدهما أن يكون السبب والمسبب جميعًا قد مضيا. والآخر أن يكون السبب قد مضى والمسبب الآن ويشتمل على الضربين جميعا أن الفعل فيهما فعل الحال. وليس حتى [ها] هنا [هي] الجارة للاسم كما كانت إياها في
[ ٣١٦ ]
الباب الأول ولكنها التي يقع بعدها المبتدأ كإذا، وأما كقوله: وحتى الجياد ما يقدن بأرسان
فمثال الأول: سرت حتى أدخلها، أخبرت أن السير قد كان وأن الدخول كذلك. ومن ذلك قوله عز ذكره: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ في قول من رفع. فإن قلت فقد ذكرت أن الفعل في الوجهين للحال فكيف يكون في هذا الوجه للحال وقد مضى فالقول إنه على حكاية الحال، والآية التي تلوناها تدلك على ذلك. مثال الثاني وهو أن يكون السبب قد مضى وما يؤديه الآن قولك: سرت حتى أدخلها إذا أردت أن سيرك كان فيما مضى وقد انقطع ودخولك الآن. ومن ذلك: لقد رأى مني عاما أول شيئا حتى لا استطيع أن أكلمه العام بشيء. وكذلك قوله: مرض حتى لا يرجونه، وشربت حتى يجيء البعير يجر بطنه. ولو قلت: أسرت حتى أدخلها، لم يجز إلا النصب لأنك لم تثبت سيرًا. فإن قلت. أيهم سار حتى يدخلها، جاز الرفع لأن السير هاهنا مثبت، وإنما الاستفهام عن صاحب السير لا عن السير. ألا ترى أنه يقال لك في
[ ٣١٧ ]
جواب ذلك زيد، أو عمرو، ولا يقال لك سار، ولا لم يسر. وتقول: كان سيري أمس حتى أدخلها، إن جعلت كان التي بمعنى وقع جاز الرفع والنصب في أدخلها. وإن جعلت كان المفتقرة إلى الخبر وجعلت أمس من صلة السير لم يجز إلا النصب لأنك إن رفعت بقيت كان بلا خبر، فإذا نصبت كان قولك: حتى أدخلها في موضع الخبر. وإن جعلت أمس متعلقًا بمحذوف، ولم تجعله من صله المصدر جاز أن تنصب الفعل بعد حتى وأن ترفع لأن كان قد استوفت خبرها كما جاز لك بعد كان المستغنية عن الخبر الرفع والنصب في قولك: حتى أدخلها:
[ ٣١٨ ]