ليس يخلوا الاستثناء من أن يكون في كلام موجب أو غير موجب. فالاستثناء من الكلام الموجب نصب مثال ذلك: جاء القوم إلا زيدًا وخرج أصحابك إلا عبد الله، وانطلق الناس إلا اخوتك. فانتصاب الاسم إنما هو بما تقدم في الجملة من الفعل أو معنى الفعل بتوسط إلا كما أن الاسم الذي بعد الواو في باب المفعول معه منتصب بتوسط الواو.
فإن كان الكلام المذكور قبل إلا غير موجب فإنه لا يخلو من أن يكون تامًا، أو غير تام.
فمثال غير التام: ما جاءني إلا زيد، وما ذهب إلا عمرو فهذا
[ ٢٠٥ ]
لا يكون فيه إلا الرفع لأن الفعل مفرغ لما بعد إلا فالعامل فيه ما قبل إلا، ونحو ذلك: ما ضربت إلا زيدًا، وما مررت إلا بعمروٍ.
ومثال التام نحو: ما جاءني أحد، وهل جاءك رجل. فإذا استثنيت من هذا رفعت الاسم الذي بعد إلا فقلت: ما جاءنى أحد إلا زيد وهل جاءك رجل إلا زيد، ورفعته لأنك أبدلت الاسم الذي بعد إلا مما قبله فصار: ما جاءنى أحد إلا زيد بمنزلة: ما جاءنى ألا زيد. والبدل من المنصوب والمجرور بمنزلة البدل من المرفوع. وإن شئت نصبت ما بعد إلا، كما نصبت في الإيجاب لأن الكلام قد تم ها هنا في النفي كما تم في الإيجاب فقلت: ما جاءني أحد إلا زيدًا. فإن قدمت المستثنى فقلت: ما جاءني إلا زيدًا أحد، لم يكن في المستثنى إلا النصب لأن البدل الذي كان يجوز في قولك: ما جاءني أحد إلا زيد قد بطل بتقدم الذي كان يكون بدلا على المبدل منه فبقى النصب على أصل الاستثناء ولم يجز غيره.
وقد يحمل في هذا الباب البدل على الموضع لاستحالة حمله على اللفظ وذلك قولهم: ما أتاني من أحدٍ إلا زيد، فزيد محمول على موضع الجار مع المجرور، وموضعهما رفع بأتانى، وكذلك لا أحد فيها إلا عبد الله حملت عبد الله على موضع لا مع أحد لأن الموضع رفع بالابتداء، ولم يجز الحمل على اللفظ لأن "لا" لا تعمل في المعارف، إنما تعمل في الأسماء الشائعة.
[ ٢٠٦ ]
وكذلك من في قولك: ما جاءني من أحدٍ. وتقول: ما أكل أحد إلا الخبز إلا زيدًا، فلا يكون في زيد إلا النصب لأن المعنى: كل الناس أكل الخبز إلا زيدًا. وتقول: ما جاءني إلا زيد إلا عمرًا، فترفع أحد الاسمين، وتنصب الآخر. ولا يجوز رفعهما جميعًا إلا أن تدخل حرف العطف فتقول: وإلا عمرو، لأن فعلا واحدًا لا يرتفع به فاعلان إلا على جهة الاشتراك بالحرف.
[ ٢٠٧ ]