في التعارض والترجيح
فيه مسائل
(المسألة الأولى)
" إذا تعارض نقلان "
قال ابن الأنباري:
إذا تعارض نقلان أخذ بأرجحهما والترجيح في شيئين:
أحدهما: الإسناد، والآخر المتن.
فأما الترجيح بالإسناد فبأن يكون رواة أحدهما أكثر من الآخر أو أعلم أو أحفظ وذلك كأن يستدل الكوفي على النصب بـ (كما) بقول الشاعر:
اسمع حديثا كما يوما تحدثه عن ظهر غيب إذا ما سائل سألا
[ ١٤٤ ]
فيقول له البصري:
الرواة اتفقوا على أن الرواية:
كما يوما تحدثه
بالرفع ولم يروه أحد بالنصب غير المفضل بن سلمة ومن رواه بالرفع أعلم منه وأحفظ وأكثر فكان الأخذ بروايتهم أولى.
وأما الترجيح في المتن فبأن يكون أحد النقلين على وفق القياس والآخر على خلافه وذلك كأن يستدل الكوفي على إعمال (أن) مع الحذف بلا عوض بقول الشاعر:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى
فيقول له البصري:
قد روي (أحضر) بالرفع أيضا وهو على وفق القياس فكان الأخذ به أولى وبيان كون النصب على خلاف القياس أنه لا شيء من الحروف يعمل مضمرا بلا عوض.
(المسألة الثانية)
" تقوية لغة على أختها "
قال في الخصائص:
" اللغات على اختلافها حجة، ألا ترى أن لغة أهل الحجاز في إعمال (ما) ولغة بني تميم في تركه كل منهما يقبلها القياس فليس لك أن ترد إحدى اللغتين بصاحبتها لأنها ليست أحق بذلك من الأخرى لكن غاية ما لك في ذلك أن تتخير إحداهما فتقويها على أختها وتعتقد أن أقوى القياسين أقبل لها وأشد أنسا بها فأما رد إحداهما بالأخرى فلا ألا ترى إلى قوله ﷺ:
[ ١٤٥ ]
" نزل القرآن بسبع لغات كلها شاف كاف "
هذا إن كانت اللغتان في القياس سواء أو متقاربتين.
فإن قلت إحداهما جدا وكثرت الأخرى جدا أخذت بأوسعهما رواية وأقواهما قياسا ألا ترى أنك لا تقول: المال لك ولا مررت بك قياسا على قول قضاعة المال له ومررت به ولا أكرمتكش قياسا على قول من قال: مررت بكش.
فالواجب في مثل ذلك استعمال ما هو أقوى وأشيع ومع ذلك لو استعمله إنسان لم يكن مخطئا لكلام العرب فإن الناطق على قياس لغة من لغات العرب مصيب غير مخطيء لكنه مخطيء لأجود اللغتين فإن احتاج لذلك في شعر أو سجع فإنه غير ملوم ولا منكر عليه ". انتهى
وفي شرح التسهيل لأبي حيان:
" كل ما كان لغة لقبيلة قيس عليه ".
(المسألة الثالثة)
" اللغة الضعيفة أقوى من الشاذ "
إذا تعارض ارتكاب شاذ ولغة ضعيفة فارتكاب اللغة الضعيفة أولى من الشاذ ذكره ابن عصفور.
(المسألة الرابعة)
" الأخذ بأرجح القياسين عند تعارضهما "
قال ابن الأنباري:
" إذا تعارض قياسان أخذ بأرجحهما وهو ما وافق دليلا آخر من نقل أو قياس.
فأما الموافقة للنقل فكما تقدم.
[ ١٤٦ ]
وأما الموافقة للقياس فكأن يقول الكوفي: إن (أن) تعمل في الاسم النصب لشبه الفعل ولا تعمل في الخبر الرفع بل الرفع فيه بما كان يرتفع به قبل دخولها.
فيقول البصري:
هذا فاسد لأنه ليس في كلام العرب عامل يعمل في الاسم النصب إلا ويعمل الرفع فما ذهبت إليه يؤدي إلى ترك القياس ومخالفة الأصول لغير فائدة وذلك لا يجوز ".
(المسألة الخامسة)
" في تعارض القياس والسماع "
قال في الخصائص:
" إذا تعارض القياس والسماع نطقت بالمسموع على ما جاء عليه ولم تقسه في غيره نحو: (استحوذ عليهم الشيطان) فهذا ليس بقياس لكنه لابد من قبوله لأنك إنما تنطق بلغتهم وتحتذي في جميع ذلك أمثلتهم، ثم أنك من بعد لا تقيس عليه غيره فلا تقول في استقام: استقوم ولا في استباع: استبيع ".
(المسألة السادسة)
" تقديم كثرة الاستعمال على قوة القياس "
قال في الخصائص:
" إذا تعارض قوة القياس وكثرة الاستعمال قدم ما كثر استعماله ولذلك قدمت اللغة الحجازية على التميمية لأن الأولى أكثر استعمالا ولذا نزل بها القرآن وإن كانت التميمية أقوى قياسا فمتى رابك في الحجازية ريب من تقديم أو تأخير فزعت إذ ذاك إلى التميمية ".
[ ١٤٧ ]
(المسألة السابعة)
" في معارضة مجرد الاحتمال للأصل والظاهر "
قال في الخصائص:
" باب في الشيء يرد فيوجب له القياس حكما ويجوز أن يأتي السماع بضده أنقطع أم نتوقف إلى أن يرد السماع بجلية حاله؟
قال: وذلك نحو: نون (عنبر) فالمذهب أن نحكم في نونه بأنها أصل لوقوعها موضع الأصل مع تجويزنا أن يرد دليل على زيادتها كما ورد في (عنسل) ما قطعنا به على زيادة نونه وكذلك ألف (آءة) حملها الخليل على أنها منقلبة عن واو حملا على الأكثر ولسنا ندفع مع ذلك أن يرد شيء من السماع نقطع معه بكونها منقلبة عن ياء ".
وقال في موضع آخر:
" باب في الحمل على الظاهر، وإن أمكن أن يكون المراد غيره حتى يرد ما يبين خلاف ذلك:
إذا شاهدت ظاهرا يكون مثله أصلا أمضيت الحكم على ما شاهدت من حاله وإن أمكن أن يكون الأمر في باطنه بخلافه ولذلك حمل سيبويه (سيدا) على أنه مما عينه ياء فقال في تحقيره (سييد) عملا بظاهره مع توجه كونه فعلا مما عينه واو كـ (ريح) و(عيد) ".
(المسألة الثامنة)
" في تعارض الأصل والغالب "
إذا تعارض أصل وغالب في مسألة جرى قولان والأصح العمل بالأصل كما في الفقه.
ومن أمثلته في النحو ما ذكره صاحب الإفصاح: إذا وجد فعل العلم ولم يعلم أصرفوه أم لا؟ ولم يعلم له اشتقاق ولا قام عليه دليل
[ ١٤٨ ]
ففيه مذهبان:
مذهب سيبويه صرفه حتى يثبت أنه معدول لأن الأصل في الأسماء الصرف وهذا هو الأصح.
ومذهب غيره المنع لأنه الأكثر في كلامهم.
ومنها ما ذكره أبو حيان في (شرح التسهيل): أن رحمان ولحيان هل يصرف أو يمنع؟
مذهبان والصحيح صرفه لأنا قد جهلنا النقل فيه عن العرب والأصل في الأسماء الصرف فوجب العمل به.
ووجه مقابله أن ما يوجد من فعلان الصفة غير مصروف في الغالب والمصروف منه قليل فكان الحمل على الغالب أولى. هذه عبارته.
(المسألة التاسعة)
"في تعارض أصلين"
قال في الخصائص:
والحكم في ذلك مراجعة الأصل الأقرب دون الأبعد.
من ذلك قولهم في ضمة الذال من قولك: ما رأيته مذ اليوم فإن أصلها السكون فلما حركت لالتقاء الساكنين ضموها ولم يكسروها لأن أصلها الضم في منذ وإنما ضمت فيها لالتقاء الساكنين إتباعا لضمة الميم.
فأصلها الأول وهو الأبعد السكون وأصلها الثاني وهو الأقرب الضم فضمت الذال من (مذ) عند التقاء الساكنين ردا إلى إلى الأصل الأقرب وهو ضم منذ دون الأبعد الذي هو سكونها قبل أن تحرك المقتضي مثله للكسر لا للضم
[ ١٤٩ ]
ومن ذلك قولهم بعت وقلت فهذه معاملة على الأصل الأقرب دون الأبعد لأن أصلهما فعل بفتح العين: بيع وقول ثم نقلا من فعَل إلى فعِل وفعُل ثم قلبت الواو والياء في فعلت ألفا فالتقى ساكنان: العين المعتلة المقلوبة ألفا ولام الفعل فحذفت العين للالتقائهما فصار التقدير: قلت وبعت ثم نقلت الضمة والكسرة إلى الفاء لأن أصلهما قبل القلب فعلت وفعلت فصار بعت وقلت مراجعة الأصل الأقرب ولو روجع الأبعد لقيل: قلت وبعت بفتح الفاء لأن أول أحوال هذه العين إنما هو الفتح الذي أبدل منه الضم والكسر ".
(المسألة العاشرة)
"تعارض استصحاب الحال مع دليل آخر"
إن تعارض استصحاب الحال مع دليل آخر من سماع أو قياس فلا عبرة به.
ذكره ابن الأنباري في كتابه.
(المسألة الحادية عشر)
"في تعارض قبيحين"
قال في الخصائص:
" إذا حضر عندك ضرورتان لابد من ارتكاب إحداهما فأت بأقربهما وأقلهما فحشا
[ ١٥٠ ]
وذلك كواو (ورتل) أنت فيها بين ضرورتين:
إما أن تدعي كونها أصلا والواو لا تكون أصلا في ذوات الأربعة إلا مكررة كـ (الوصوصة) و(والوحوحة).
وإما أن تتدعي كونها زائدة والواو لا تزاد أولا.
فجعلها أصلا أولى من جعلها زائدة لأنها لا تكون أصلا في ذوات الأربعة في حالة ما وهي حالة التكرير وكونها زائدة أولا لا يوجد بحال.
وكذلك إذا قلت: (فيها قائما رجل) لما كنت بين أن ترفع (قائما) فتقدم الصفة على الموصوف وهذا لايكون بحال وبين أن تنصبه حالا من النكرة وهو على قلته جائز حملت المسألة على الحال فنصبت ". انتهى.
(المسألة الثانية عشر)
"المجمع عليه أولى من المختلف فيه"
إذا تعارض مجمع عليه ومختلف فيه فالأول أولى.
مثال ذلك: إذا اضطر في الشعر إلى قصر ممدود أو مد مقصور فارتكاب الأول أولى لإجماع البصريين والكوفيين على جوازه ومنع البصريين الثاني.
(المسألة الثالثة عشر)
"تقديم المانع على المقتضي عند تعارضهما"
إذا تعارض المانع والمقتضي قدم المانع
[ ١٥١ ]
من ذلك ما وجد فيه سبب الإمالة ومانعها لا تجوز إمالته و(أي) وجد فيها سبب البناء وهو مشابهة الحرف ومنع منها لزومها للإضافة التي هي من خصائص الأسماء فامتنع البناء.
والمضارع المؤكد بالنون وجد فيه سبب الإعراب ومنع منه النون التي هي من خصائص الأفعال.
واسم الفاعل إذا وجد شرط إعماله وهو الاعتماد وعارضه المانع من تصغير أو وصف قبل العمل امتنع إعماله.
(المسألة الرابعة عشر)
"في القولين لعالم واحد"
قال في الخصائص:
"إذا ورد عن عالم في مسألة قولان فإن كان أحدهما مرسلا والآخر معللا أخذ بالمعلل وتؤول المرسل كقول سيبويه في غير موضع في التاء من (بنت وأخت) إنها للتأنيث.
وقال في باب ما لا ينصرف إنها ليست للتأنيث وعلله بأن ما قبلها ساكن وتاء التأنيث في الواحد لا يكون ما قبلها ساكنا إلا أن يكون ألفا كفتاة وقناة وحصاة والباقي كلع مفتوح كرطبة وعنبة وعلامة ونسابة.
قال فلو سميت رجلا بـ (بنت) و(أخت) لصرفته.
قال ابن جني: فمذهبه الثاني وقوله للتأنيث محمول على التجوز لأنها لا توجد في الكلمة إلا في حال التأنيث وتذهب بذهابه لا أنها في نفسها
[ ١٥٢ ]
زائدة للتأنيث بل أصل كتاء (عفريت وملكوت) فإنها بدل لام (أخ وابن) إذ أصلهما: أخو وبنو.
وإن لم يعلل واحدا منهما نظر إلى الأليق بمذهبه والأجرى على قوانينه فيعتمد ويتأول الآخر إن أمكن كقول سيبويه: (حتى) الناصبة للفعل وقوله: إنها حرف جر فإنهما متنافيان إذ عوامل الأسماء لا تباشر الأفعال فضلا عن أن تعمل فيها وقد عد الحروف الناصبة للفعل ولم يذكر فيها (حتى) فعلم بذلك أن (أن) مضمرة عنده بعد (حتى) كما تضمر مع اللام الجارة في نحو (ليغفر لك الله).
وإن لم يمكن التأويل فإن نص فإن نص في أحدهما على الرجوع عن الآخر علم أنه رأيه والآخر مطرح وإن لم ينص بحث عن تاريخهما وعمل بالمتأخر والأول مرجوع عنه.
فإن لم يعلم التاريخ وجب سبر المذهبين والفحص عن حال القولين فإن كان أحدهما أقوى نسب إليه أنه قوله إحسانا للظن به وأن الآخر مرجوع عنه.
وإن تساويا في القوة وجب أن يعتقد أنهما رأيان له وأن الدواعي إلى تساويهما عند الباحث عنهما هي الدواعي التي دعت القائل بهما إلى أن اعتقد كلا منهما.
وكان أبو الحسن الأخفش يقع له ذلك كثيرا حتى أن أبا علي ﴿الفارسي﴾ كان إذا عرض له قول عنه يقول: لابد من النظر في إلزامه إياه لأن مذاهبه كثيرة.
وكان أبو علي يقول في (هيهات): أنا أفتي مرة بكونها اسما للفعل كـ (صه ومه) وأفتي مرة بكونها ظرفا على قدر ما يحضرني في الحال.
قال أبو علي: وقلت لأبي عبد الله البصري يوما: أنا أعجب من هذا الخاطر في حضوره تارة ومغيبه أخرى وهذا يدل على أنه لابد من تقديم النظر النظر ".
انتهى كلام (الخصائص) ملخصا.
[ ١٥٣ ]
(المسألة الخامسة عشر)
"فيما رجحت به لغة قريش على غيرها"
قال الفراء: كانت العرب تحضر الموسم في كل عام وتحج البيت في الجاهلية وقريش يسمعون جميع لغات العرب فما استحسنوه من لغاتهم تكلموا به فصاروا أفصح العرب وخلت لغتهم من مستبشع اللغات ومستقبح الألفاظ.
من ذلك الكشكشة وهي في ربيعة ومضر يجعلون بعد كاف الخطاب في المؤنث شينا فيقولون رأيتكش وبكش وعليكش.
فمنهم من يثبتها حال الوقف فقط وهو الأشهر ومنهم من يثبتها في الوصل أيضا ومنهم من يجعلها مكان الكاف ويكسرها في الوصل ويسكنها في الوقف فيقول منش وعليش.
ومن ذلك الكسكسة وهي في ربيعة ومضر يجعلون بعد الكاف أو مكانها في المذكر سينا على ما تقدم وقصدوا بذلك الفرق بينهما.
ومن ذلك العنعنة وهي في كثير من العرب في لغة قيس وتميم يجعلون الهمزة المبدوء بها عينا فيقولون في إنك: عنك وفي أسلم: عسلم وفي إذن: عذن.
[ ١٥٤ ]
ومن ذلك الفحفحة في لغة هذيل يجعلون الحاء عينا.
ومن ذلك الوكم في لغة ربيعة وقوم من كلب يقولون عليكم عليكم وبكم حيث كان قبل الكاف ياء أو كسرة.
ومن ذلك العجعجة في قضاعة يجعلون الياء المشددة جيما يقولون في تميمي: تميمج.
ومن ذلك الاستنطاء لغة سعد بن بكر وهذيل والأزد وقيس والانصار يجعلون العين الساكنة نونا إذا جاورت الطاء كـ (أنطى) في (أعطى).
[ ١٥٥ ]
ومن ذلك الوتم في لغة اليمن تجعل السين تاء كـ (النات) في (الناس).
ومن ذلك الشنشنة في لغة اليمن تجعل الكاف شينا مطلقا كـ (لبيش اللهم لبيش) أي لبيك.
ومن العرب من يجعل الكاف جيما كـ (الجعبة) يريد الكعبة. أورده ياقوت في معجم الأدباء.
(المسألة السادسة عشرة)
"في الترجيح بين مذهب الكوفيين والبصريين "
اتفقوا على أن البصريين أصح قياسا لأنهم لا يلتفتون إلى كل مسموع ولا يقيسون على الشاذ والكوفيين أوسع رواية.
قال ابن جني:
" الكوفيون علامون بأشعار العرب مطلعون عليها ".
وقال أبو حيان في مسألة العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار: الذي يختار جوازه لوقوعه في كلام العرب كثيرا نظما ونثرا ".
وقال: " ولسنا متعبدين باتباع مذهب البصريين بل نتبع الدليل ".
[ ١٥٦ ]
وقال الأندلسي في (شرح المفصل):
" الكوفيون لو سمعوا بيتا واحدا فيه جواز شيء مخالف للأصول جعلوه أصلا وبوبوا عليه بخلاف البصريين ".
قال:
" ومما افتخر به البصريون على الكوفيون أن قالوا: نحن نأخذ اللغة من حوشة الضباب وأكلة اليرابيع وأنتم تأخذونها عن أكلة الشواء وباعة الكواميخ ".
[ ١٥٧ ]