[ ٣٥٩ ]
قال ابن الأنباري:
" اعلم أن أنواع الاستدلال كثيرة لا تحصر منها (الاستدلال بالعكس) كأن يقال: لو كان نصب الظرف في خبر المبتدأ بالخلاف
[ ٣٦١ ]
لكان ينبغي أن يكون الأول منصوبا لأن الخلاف لايكون من واحد من اثنين فلو كان الخلاف موجبا للنصب في الثاني لكان موجبا للنصب في الأول فلما لم يكن الأول منصوبا دل على أن الخلاف لا يكون موجبا للنصب في الثاني.
ومنها (الاستدلال ببيان العلة)
قال ابن الأنباري وهو ضربان:
أحدهما: أن يبين علة الحكم ويستدل بوجودها في موضع الخلاف ليوجد بها الحكم.
[ ٣٦٣ ]
والثاني: أن يبين العلة ثم يستدل بعدمها في موضع الخلاف ليعدم الحكم
فالأول: كأن يستدل من أعمل اسم الفاعل في المضي، فيقول: إنما عمل اسم الفاعل في محل الإجماع لجريانه على حركة الفعل وسكونه وهذا جار على حركة الفعل وسكونه
[ ٣٦٤ ]
فوجب أن يكون عاملا.
والثاني كأن يستدل من أبطل عمل (إن) المخففة من الثقيلة فيقول إنما عملت (إن) الثقيلة لشبهها بالفعل وقد عدم بالتخفيف فوجب ألا تعمل.
(ومنها بعدم الدليل في الشيء على نفيه)
قال ابن الأنباري:
" وهذا إنما يكون فيما إذا ثبت لم يخف
[ ٣٦٥ ]
دليله فيستدل بعدم الدليل على نفيه كأن يستدل على نفي أن الكلمات أربعة وعلى نفي أن أنواع الإعراب خمسة فيقول: لو كانت الكلمات أربعة وأنواع الإعراب خمسة لكان على ذلك دليل لعرف مع كثرة البحث وشدة الفحص.
فلما لم يعرف ذلك دل على أنه لا دليل فوجب ألا تكون الكلمات أربعة ولا أنواع الإعراب خمسة ".
قال: وقد زعم بعضهم ان النافي لا دليل عليه وليس كذلك لأن الحكم بالنفي لا يكون إلا عن دليل كما أن
[ ٣٦٦ ]
الحكم بالإثبات لا يكون عن دليل فكما يجب الدليل على المثبت يجب أيضا على النافي ".
ومنها (الاستدلال بالأصول)
قال ابن الأنباري:
" كأن يستدل على إبطال أن رفع المضارع لتجرده من الناصب والجازم بأن ذلك يؤدي إلى خلاف الأصول لأنه يؤدي إلى أن يكون الرفع بعد النصب والجزم وهذا خلاف الأصول لأن الأصول تدل على أن الرفع قبل النصب لأن الرفع صفة الفاعل والنصب صفة المفعول
[ ٣٦٧ ]
فكما أن الفاعل قبل المفعول فكذلك الرفع قبل النصب وكذلك تدل الأصول أيضا على أن الرفع قبل الجزم؛ لأن الرفع في الأصل من صفات الأسماء، والجزم من صفات الأفعال، فكما أن رتبة الأسماء قبل الأفعال فكذلك الرفع قبل الجزم.
فإن قيل:
فهب أن الرفع في الأسماء قبل الجزم في الأفعال فلم قلتم: إن الرفع في الأفعال قبل الجزم؟
قلنا: لأن إعراب الأفعال فرع على إعراب الأسماء وإذا ثبت ذلك في الأصل فكذلك في الفرع، لأن الفرع يتبع الأصل ".
[ ٣٦٨ ]
ومنها (الاستدلال بعدم النظير)
ولم يذكره ابن الأنباري وذكره ابن جني وهو كثير في كلامهم وإنما يكون دليلا على النفي لا على الإثبات.
وقد استدل المازني ردا على من قال: إن السين وسوف ترفعان الفعل المضارع بأنا لم نر عاملا في الفعل يدخل عليه اللام وقد قال الله تعالى: " ولسوف يعطيك ربك ".
قال في الخصائص:
" وإنما يستدل بعدم النظير على النفي حيث لم يقم الدليل على الإثبات فإن قام لم يلتفت إليه لأن إيجاد النظير بعد قيام الدليل إنما هو للأنس لا للحاجة إليه.
مثاله (أندلس) فإن همزته ونونه زائدتان فوزنه (أنفعل) وهو مثال لا نظير له لكن قام الدليل على ما ذكرنا لأن النون
[ ٣٦٩ ]
زائدة لا محالة إذ ليس في ذوات الخمسة شيء على (فعللل) فتكون النون فيه أصلا لوقوعها موقع العين وإذا ثبت زيادة النون بقي في الكلمة ثلاثة أحرف أصول: الدالو اللام والسين وفي أولها همزة ومتى وقع ذلك حكمت بزيادة الهمزة.
ولا تكون النون أصلا والهمزة زائدة لأن ذوات الأربعة لا تلحقها الزيادة من أولها إلا في الأسماء الجارية على أفعالها نحو: مدحرج وبابه.
فقد وجب إذن أن الهمزة والنون زائدتان وأن الكلمة بهما على أنفعل وإن كان مثالا لا نظير له.
فإن اجتمع النظير والدليل فهو الغاية كنون (عنبر)
[ ٣٧٠ ]
فالدليل يقتضي كونها أصلا لأنها مقابلة لعين (جعفر) والنظير موجود وهو (فعلل) ". انتهى.
وقال الخضراوي:
" إذا ورد شيء حمل على القياس وإن لم يوجد له نظير ".
ومنها (الاستحسان)
[ ٣٧١ ]
قال في الخصائص:
" ودلالته ضعيفة غير مستحكمة إلا أن فيه ضربا من الاتساع والتصرف.
[ ٣٧٢ ]
من ذلك تركك الأخف إلى الأثقل من غير ضرورة نحو: الفتوى والتقوى فإنهم قلبوا الياء هنا واومن غير علة قوية بل أرادوا الفرق بين الاسم والصفة في أشياء كثيرة لا يوجبون على أنفسهم الفرق بينهما فيها.
من ذلك قولهم في تكسير حسن: حسان فهذا كجبل وجبال وفي غفور غُفُر كعمود وعُمُد.
[ ٣٧٣ ]
ولسنا ندفع أن يكونوا فصلوا بين الاسم والصفة في أشياء غير هذه إلا أن جميع ذلك إنما هو استحسان لا عن ضرورة علة فليس بجار مجرى رفع الفاعل ونصب المفعول لأنه لو كان واجبا لجاء في جميع الباب مثله.
ومن الاستحسان ما يخرج تنبيها على أصل بابه نحو: استحوذ و:
أطولت الصدود
[ ٣٧٤ ]
ومطيبة للنفس
ومنه ما يبقى الحكم فيه مع زوال علته كقوله:
ولا تسأل الأقوام عقد المياثق
فإن الشائع في جمع ميثاق مواثق برد الواو إلى أصلها لزوال العلة الموجبة لقلبها ياء وهي الكسرة لكن استحسن هذا الشاعر ومن تابعه إبقاء القلب وإن زالت العلة من حيث إن الجمع تابع لمفرده إعلالا وتصحيحا.
[ ٣٧٥ ]
قال ابن جني: " وقياس تحقيره على هذه اللغة أن يقال: مييثيق ".
ومنه ما ذكره صاحب البديع قال: " إذا اجتمع التعريف العلمي والتأنيث السماعي أو العجمة في ثلاثي ساكن الوسط كـ (هند) و(نوح) فالقياس منع الصرف والاستحسان الصرف لخفته ".
وقال ابن الأنباري:
" اختلفوا في الاخذ بالاستحسان فقال قوم إنه غير مأخوذ به
لما فيه من التحكم وترك القياس.
وقال آخرون: إنه مأخوذ به واختلفوا فيه:
فقيل: هو ترك الأصول لدليل.
[ ٣٧٦ ]
وقيل: هو تخصيص العلة.
فمثال ترك قياس الأصول ما تقدم في الكلام على رفع المضارع.
ومثال تخصيص العلة أن تقول: إنما جمعت أرض بالواو والنون فقيل أرضون عوضا من حذف تاء التأنيث لأن الأصل أن يقال في أرض: أرضة فلما حذفت التاء جمعت بالواو والنون عوضا عنها، وهذه العلة غير مطردة لأنها تنقض بـ (شمس) و(دار) و(قدر) فإن الأصلا فيها: شمسة ودارة وقدرة ولا يجوز أن تجمع باواو والنون " انتهى.
[ ٣٧٧ ]
ومنها (الاستقراء)
استدلوا به في مواضع:
منها: انحصار الكلمات الثلاث في الاسم والفعل والحرف.
[ ٣٧٨ ]
ومنها (الدليل المسمى بالباقي)
كقولنا: الدليل يقتضي أن لا يدخل الفعل شيء من الإعراب لكون الأصل فيه البناء لعدم العلة المقتضية للإعراب.
وقد خولف هذا الدليل في دخول الرفع والنصب على المضارع لعلة اقتضت ذلك فبقي الجر على الأصل الذي اقتضاه الدليل من الامتناع.
[ ٣٧٩ ]