أنشد أبو طالب العبدي وغيره من النحويين لسحيم عبد بني الحسحاس:
١٦٣ - (فجال على وحشيّه وتخاله على متنه سبّا جديدًا يمانيا)
الوحشي ضد الانسي، والأنسي: الجانب الذي يركب منه ويحتلب منه الحالب.
والسّب: الثوب.
والهاء في تخاله ضمير المصدر أي: تخال الخيل.
وعلى متنه: مفعول ثانٍ لتخال، والأوّل سبّ.
وجديدًا يمانيا: صفتان لسّب.
ولو جعل الهاء مفعولًا أوّل لوجب رفع سبّ بالابتداء، وعلى متنه الخبر، والجملة هي المفعول الثاني.
وقال أبو الطيّب المتنبي:
١٦٤ - (إذا الجود لم يرزق خلاصًا من الأذى فلا الحمد مكسوبًا ولا المال باقيا)
أي أنّ صاحب الجود إذا شاب جوده بأذىً لم يكسب حمدًا.
وكذلك المعطاة، كأنّه لا مال معه، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأّذى﴾ .
ونصب مكسوبًا على أنّه خبر (لا) لأنها بمعنى ليس، وإنما دخلت هنا على المعرفة لتكررها، ولولا هو لم تدخل إلاّ على النكرة، كبيت الكتاب:
(من صدّ عن نيرانها فأنا ابن قيسٍ لا براح)
أي: لا براح لي.
[ ٧٧ ]
وقال آخر:
١٦٥ - (على كلِّ جرداء السراة طمرّةٍ بعيد مداها من تناج المذاكيا)
أنشدني هذا البيت سديد الدين بن وشاح بن مبادر أخو المولى عز الدين، المؤلف له الكتاب، أدام الله كلاتهما، كما أشاع سيادتهما، وذكر أنه سأل بعض (٣١ ب) من ينسب إلى قراء العربية عن نصب (المذاكي) فأمسك، فاستخرت الله تعالى فقلت: السّراة الظهر، والطمرة والطمر: المستعد للعدو، والمدى: الغاية والبعد.
والمذاكي من الخيل: جمع مذكّي، وهو الذي أتى عليه بعد القروح سنة، والنتاج: معروف، وهو استيلاد الخيل والنوق، يقال: نتجت الناقة ونتجها أهلها.
و(بعيد): مجرور، صفة ل (جرداء السراة)، ولم تتعرف جرداء بإضافتها إلى السراة، لأنّ الإضافة في تقدير الانفصال، و(مداها) فاعل بعيد، ويجوز (بعيد) بالرفع، خبر مبتدأ.
والمبتدأ (مداها)، والجملة في موضع جر صفة.
وفيما يتعلق به (من نتاج) وجهان: أحدهما بعيد، والثاني محذوف لجعله صفة أخرى.
و(المذاكي) منصوب ب (نتاجي) لأنّه مصدرٌ مضافٌ إلى ياء المتكلم، وقد حذفت الياء لالتقاء الساكنين.
ويجوز أن يكون (نتاج) نكرة غير مضاف، وقد حذف منه التنوين، كقول الآخر:
(ولا ذاكر الله إلا قليلا )
والمعنى ظاهرٌ، والتقدير: على كل جرداء السراة طمرة بعد مداها من أجل أن نتجت المذاكيا.
فهذا آخر ما لخّصته من الأبيات المشكلة الإعراب الدالّة على إعرابها، ولأن كنت مسبوقًا بجمع مثلها لابن المفجع والفارقي، فقد أتيت فيها بما لا ينكره ذو لبّ مما لخّصته من كلامهما وترك كثير من إعرابهما (٣٢ أ) وتوجيه البيت على سنن الحقّ الواضح مع الاعتراف بتقدم فضلهما بالسبق وإحاطة الفصل.
[ ٧٨ ]
وقد أودعت هذا المختصر من أبيات الكتاب والمجمل وشوارد أخر وفوائد ادّخرتها من فم شيخٍ أو نص كتابٍ متقنٍ، ودقائق من فكري أبكار لم تقترع بعد.
ولأن لم يجعل حل المنيّة لأفعل كتابًا كبيرًا جامعا لمشكل أشعار العرب العاربة من الجاهلية والمخضرمة والإسلامية غير مشوبٍ ببيتٍ محدثٍ، إن شاء الله تعالى.
فنفعنا الله بالسّلف من العلماء، ورحمهم ورحمنا بمنّه ولطفه، إنه جواد غفار وهاب ستار، ﷺ على سيدنا محمدٍ وآله وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وكان الفراغ من نسخ هذا الكتاب المبارك في السادس عشر من شهر رجب المعظم سنة عشرين وسبعمائة، غفر الله لكتابه، آمين.
كتب بالحسينية بظاهر القاهرة المحروسة برسم مالكه الفقير العالم العامل الورع العلامة القدوة، شيخ الطرائق ومعدن الحقائق نور الدين أبي الحسن علي بن الشيخ الصالح الخاشع الناسك تقي الدين أبي بكر المالكي المذهب المغربي، عفا الله عنه وغفر له، يا رب العالمين، ﷺ على محمد النبي وآله
[ ٧٩ ]