ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب ما ينتصب على إضمار الفعل "المتروك" إظهاره في غير الأمر والنهي، زعم أن قوله أما أنت منطلقا انطلقت معك، غنما هي (أن) ضمت إليها (ما) وهي (ما) الزائدة للتوكيد، وكرهوا أن يتركوا (ما) ليجحفوا بـ (أن) إذا حذفوا منها الفعل، وكان الأصل أن كنت منطلقا انطلقت، أي لانطلاقك، فألزموها (ما) إذ حذفوا الفعل ليكون عوضا منه، وهو فيما زعم لهذه العلة من المضمر المتروك إظهاره، حتى صار ساقطا بمنزلة تركهم ذلك في النداء.
وقال: إن آثرت أن يظهر الفعل قلت: إما كنت منطلقا انطلقت بكسر همزة (إن)، تريد إن كنت منطلقا انطلقت، فحذف الفعل فيما ذكر لا يجوز في (إن) المكسورة كما لا يجوز إظهاره مع المفتوحة، ولست أرى وقوع الفعل بعد المفتوحة ممتنعا، وتحذف (ما) فتقول: أن كنت منطلقا انطلقت، وإن شئت أدخلت (ما) زائدة، فيجوز معها ما كان يجوز قبلها، ولو امتنع شيء لدخول (ما) لكان ما معه حرف الجر لضعف حرف الجر، وذلك قوله ﷿: ﴿فبما رحمه من الله﴾ وقال: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم﴾، وأنت إذا قلت: أما كنت منطلقا انطلقت، فالمعنى لأن كنت منطلقا، أي:
[ ٩٨ ]
لانطلاقك، فذا غير ممتنع في القياس.
قال أحمد: ذكر محمد في هذه المسألة أشياء منها ما وافق نص سيبويه، ومنها ما خالف نصه، حملها على ظنه وتأويله، فمنها قوله: إن سيبويه إلى أن ما ذكره علة لترك إظهار الفعل، وليس هذا نصه ولا قوله ولا جعل ذلك علة لتركهم الإظهار، غير أنه وجد الفعل متروكا في كلام العرب /٤٢/، وهذه المسألة ونحوها مع أشياء خاصة إذا زادوها يحكى ما سمع من العرب، ولو كان زائدا عليه ولا طاعنا على قوله بحقيقة لا رادا إظهار الفعل مع (أما) في شيء من كلام العرب إما في شعر أو مثل، فأما أن يأتي برأيه وقياسه فهذا لا يعد على أحد أن يأتي بمثله طاعنا "بذلك" على أمثال العرب وشواذ كلامها وما ليس بشاذ أيضا، وإنما ذهب سيبويه إلى أن الفعل لا يظهر مع (ما) إذا زيدت على (أن) المفتوحة، لا تقول العرب: أما كنت منطلقا انطلقت بالفتح، فأما ما جاء به محمد من إظهار الفعل مع إسقاط (ما) فليس هو الذي أراد سيبويه.
وإما قوله: إنه لو امتنع شيء لدخول "ما" لكان ذلك فيما فيه حرف الجر، فإذا كانت (ما) عنده لا تمنع من دخول الفعل ها هنا، فهلا أدخلها مع (ما) في نظائر هذه المسألة، فأدخلها مع قولهم: افعل ذلك إما لا، فيقول على افعل ذلك، إما كنت لا تفعل غيره، لأن معناه افعل هذا إن كنت لا تفعل غيره، ولا فرق في المسألتين، لأن الفعل حذف مع (إن) في (إما لا) وجعلت (ما) عوضا، وقد التزم هذا محمد ولم يطعن عليه بشيء، والقياس بوجب إظهار الفعل، فإن كان يحمل الباب على القياس ويترك ما سمع من العرب فليظهر الفعل مع (إما) المكسورة التي للجواب، فتقول: إما تأتني آتك، وإن تأتني آتك، وحذفت الفعل في هذا الكلام، أعني قولهم: إما لا، ولم تظهره وألزمت الكلام العوض فكان هذا أولى بالرد إلى القياس، لان العرب قد حذفت منه (ما) في أكثر كلامها، أعني في باب الجزاء، إلا أن سيبويه لما أظهر الفعل بعدها كسرها وحملها على المجازاة فقال: إما كنت
[ ٩٩ ]
منطلقا انطلقت، وهذه هي التي في قولهم: افعل هذا إما لا، أي: إن كنت لا تفعل غيره، فلم يظهروا الفعل في (إما لا) مع (ما) خاصة، وأظهروه في أكثر الكلام مع (ما).
وزعم سيبويه أن (أما) المفتوحة كثرت في كلامهم واستعملت حتى صارت كالمثل المستعمل، وليس كل حرف هكذا، كما أنه ليس كل حرف بمنزلة لم أبل ولم أك، ولكنهم حذفوا هذه لكثرة /٤٣/ الاستعمال، ومثله قولهم: إما لا، حذفوا الفعل لكثرة استعمالهم إياه حتى استغنوا عنه بهذا، فهذه الأشياء جرت في كلامهم مجرى الأمثال، ولم يحملوها على القياس، وإنما سبيل المراد لها أن يأتي من كلام العرب بما يدل على أنها قد حملتها على القياس في معنى الكلام من شعر أو مثل، وإن كان إنما رد ذلك من جهة أنه منساغ له في القول والقياس، فالباب كله منساغ فيه ذلك نحو النداء، ومرحبا وأهلا وإما لا، وكل ما ترك فيه إظهار الفعل، لأنه غير ممتنع في القياس أن يذكر الأفعال التي ترك ذكرها، فتقول أتيت مرحبا، وأتيت أهلا، أو صادفت وما أشبه ذلك من القول.