ومن ذلك قوله في باب ترجمته: هذا باب ما ينتصب من المصادر لأنه حال صار فيه المذكور، زعم أن قوله: أما صديقا مصافيا فليس بصديق مصاف، وأما عالما /٥٠/ فهو عالم، أن هذا ينتصب على الحال، وإذا مثل هذا على ما قال لم يصح له معنى، ألا ترى أنك لو قلت: أما هو فعالم عالما، وأما هو فليس بصديق مصاف صديقا مصافيا، ولكن نصبه على كان، لأنها تقع ها هنا ولا ينتقض المعنى عليها، لأنه قد ذكر قبل رجلا، فكأنه قال: أما أن يكون طاهرا فهو طاهر، أي: كينونة طهارته فصحيحة، ولذلك لم يجز في هذا الرفع، وهذا التفسير مذهب أبي الحسن، وليس مذهب أبي الحسن أيضا بشيء في هذا، وقد فسرنا القول في هذا في غير هذا الكتاب.
قال أحمد بن محمد: أما قوله: إن هذا إذا مثل لم يصح على الوجه الذي مثله وهو يصح على غيره، لأنه مثله بإعمال ما بعده فيه، وقد زعم سيبويه في هذا الباب أن المصادر والصفات التي تقع بعد (أما) تنتصب بما بعدها أو ما قبلها، ألا ترى أنك لو قلت: أما علما فلا علم عنده، إن هذا لا ينتصب بما بعده، وإنما ينتصب بما تقدره قبل، وإذا قلت: أما علما فعالم، جاز أن تنصبه بما بعده، وكذلك الصفات، إذا قلت: أما صديقا فصديق، والتقدير إذا نصبته بما قبله أن تضمر، أما المذكور صديقا فهو صديق، يدل على ذلك قول سيبويه في
[ ١٠٩ ]
ترجمة الباب: هذا باب ما ينتصب من المصادر لأنه حال صار فيه المذكور، ألا ترى انك إذا قلت: أما علما فعالم، إن هذا الكلام إنما تكلمت به بعد شيء جرى وأوصاف تقدمت لموصوف مذكور، فكأنك قلت: مما صح له من هذه الأوصاف فكذا وكذا، وكأن رجلا ذكر بعلم وعقل ونبل، فقلت: أما نبلا فنبيل، أي: أما المذكور نبيلا فنبيل، والدليل على ذلك ما فسره الخليل بتمثيله أن هذا الباب كقولهم: أنت الرجل علما وفهما وأدبا، أي: أنت الرجل في هذه الحال، وكذلك إن قدرته على الوجه الآخر الذي ذكره سيبويه، وهو أن ينتصب المصدر لأنه مفعول من أجله، فكأنه قال: أما المذكور من أجل العلم فعالم، فهو ينساغ على الوجهين جميعا، والمصادر والصفات على /٥١/ هذا التمثيل تصح إذا أعملت ما قبله.
فأما ما حكاه محمد عن الأخفش من أنه يضمر (أن يكون) فقد رجع عنه في آخر الكلام ولسنا نقتصر على رجوعه دون تبيين مذهب الأخفش فيه وإفساده، وذلك أن المصادر في هذا الباب إذا وليت (أما) فالأكثر فيها النصب، فإذا أضمرت (أن يكون) وهو مصدر ونصبته على مذهب من ينصب بإضمار ناصب فقد لزمه على قوله أن يكون المضمر مصدرا أيضا، ويكون منصوبا بمصدر آخر، فيتصل هذا بما لا غاية له، وهذا فاسد.
وأما قول سيبويه في أول الباب: إن المصدر ينتصب بما قبله وما بعده، فلم يرد به أنه منصوب بهما جميعا في حال، وإنما أراد معنى (أو)، وقد بين ذلك في آخر الباب بإعادة هذا القول فقال: ينتصب بما بعده أو ما قبله، وجاء بلفظ (أو)، ولو لم يرد ذلك
[ ١١٠ ]
لكان الكلام فاسدا، لأنه لا ينتصب بشيئين، وإنما جاز إضمار المذكور بعد (أما) لتقدم ذكره.