قال: ومن ذلك قوله في باب نعم: هذا باب ما لا يعمل في المعروف إلا مضمرا لأنهم شرطوا التفسير ثم قال في موضع آخر من هذا الباب: (ولا يكون في موضع الإضمار مظهر) ثم نقض جميع ذلك بقوله في هذا الباب: (وأما قولهم: نعم الرجل زيد، فهو بمنزلة قولهم:] ذهب أخوه زيد، عمل نعم في الرجل ولم يعمل في عبد الله، وإذا قال عبد الله نعم الرجل فهو بمنزلة عبد الله ذهب أخوه .. فنعم تكون مرة عاملة في مضمر يفسره ما بعده /٧٤/ .. وتكون مرة أخرى تعمل في مظهر لا تجاوزه) وهذا الذي حكيناه عنه أقبح ما يكون من النقض، إذ زعم أنها لا تعمل إلا [في] مضمر، ثم أطلق لها الإعمال في المظهر، وإنما كان حد [هذا] الكلام أن يقول: هذا باب ما يقع ثناء عاما ويعمل في مضمر على شريطة التفسير، أو مظهر يحتاج إلى تسمية من يعني به وجرى هذا المظهر مجرى المضمر في الاحتياج إلى المعنى بالمدح والذم، وذلك أنك إذا قلت: نعم رجلا عبد الله، ففي نعم
[ ١٤٠ ]
ضمير ورجل تفسير، كأنك قلت: محمود من الرجال أو في الرجال بقولك: نعم رجلا، فإذا قلت: عبد الله، أوضحت من تعني بالمدح <أو الذم> وإنما احتجت إلى ذكرك رجلا بعد نعم لأن نعم مبهمة تقع على كل شيء فإذا قلت: رجلا أو دابة أو دارا، أوضحت النوع الذي كان ممدوحك <أو مذمومك> منه، وكذلك إذا قلت: نعم الرجل وبئس الرجل، احتجت إلى أن تقول: زيد أو ما أشبهه، وكان الرجل غير مخصوص ولكنه واحد من جنس يدل على جميع جنسه بديًّا حتى تختص ذكر من إليه تقصد لأن معناه من الرجال وهو قولك: أهلك الناس الدينار والدرهم، وكثر الشاة والبعير، أي: هذا النوع، وفلان يملك العبد الفاره أبدا والدابة الجواد، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ ثم قال جل وعز: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ ومن [ذلك] قولك: رأيت الأسد، لست تعني أسدا بعينه ولكنك تقول: الواحد من النوع الذي سمعت به.
قال أحمد: لو تأمل محمد هذا الفصل الذي حكاه عن سيبويه لأغناه عن الرد عليه، وهو قوله (فنعم تكون مرة عاملة في مضمر يفسره ما بعده وتكون مرة أخرى تعمل في مظهر لا تجاوزه)، فلو أنعم النظر في هذا الفصل لعلم أنه لم يناقض كما ذكر، وإنما اشتبه عليه قوله في موضع: إنها لا تعمل في المعروف إلا مضمرا، ثم ذكر أنها تعمل في المظهر في قولك: نعم الرجل عبد الله، وهذا الموضع غير ذلك الموضع لأنك إذا عديتها إلى نكرة تبين بها الضعف في قولك: نعم رجلا عبد الله، فلا يجوز في هذا البتة أن تعمل في المعروف إلا مضمرا، ألا ترى أنك لو أتيت مع رجل /٧٥/ باسم فيه الألف واللام لم يجز، وإذا قلت: نعم الرجل عبد الله لم تجاوز الرجل إلى نكرة منصوبة، فهذا تأويل قوله: وتكون مرة أخرى تعمل في مظهر لا تجاوزه، أي: لا تجاوزه إلى منصوب، فالمنصوب لا يكون معه إلا المضمر،
[ ١٤١ ]
والمظهر لا يكون معه منصوب، فقوله في ذلك الوجه، إنها لا تعمل في المعروف إلا مضمرا حق وليس عملها في موضع آخر في المظهر بناقض لذلك [القول] لأنهما موضعان، ومسألتان، ولو كانا موضعا واحدا أو في مسألة واحدة لكان الكلام متناقضا.
وأما حكايته عنه في الرد أنه زعم أنها لا تعمل أبدا إلا في مضمر فليس هذا في نص قوله الذي صدر به الباب، على أنه لو قال ذلك لكان له وجه حسن يرجع إلى ما قلنا، فكأنه أراد أنه لا يعمل مع تعديها إلى النكرة أبدا إلا في مضمر، فهو صحيح على هذا المعنى لو قاله.
وجملة القول في ذلك أن الموضع الذي تعمل فيه المظهر غير الموضع الذي لا تعمل فيه إلا في مضمر، والفصل الذي حكيناه عنه هو شاهد لما احتججنا به له، ومن قوله نعبِّر عنه ونحتج له، لأنه لما رأيناه قال: فنعم تكون مرة عاملة في مضمر يفسره ما بعده وتكون مرة أخرى تعمل فيها هو مظهر لا تجاوزه، علمنا بذلك أنه جعل لها وجهين في الكلام، وجها تتجاوز فيه إلى المفسر، ووجها لا تتجاوز المظهر فيه، فهي في أحد الوجهين عاملة في مضمر، ولا يجوز في تلك الحال أن تعمل في مظهر، وذلك إذا كان معها المفسر المنصوب، وإذا لم يكن معها عملت في المظهر، فهذان وجهان لها.