اللاَّمُ الأولى في «لَعلَّ» زائدةٌ في ظاهرِ قولِ البَصريين.
وقالَ الكُوفيُّون: هي أصلٌ.
ووجهُ قولِ الأَوليين من ثلاثةِ أوجهٍ:
أحدُها: أنَّها قد استُعملت بغيرِ لامٍ في الشّعر كثيرًا، والأصلُ عَدَمُ حذفِ الأَصلِ، والزّيادةُ أقربُ، لا سيَّما إذا أُريدَ تَقْوِيَةَ الحَرفِ أو قُوَّة معناه.
والثاني: أنَّ «علَّ» ثلاثةُ أَحرفٍ وأصلُ البابِ «إنَّ» و«أنَّ» وهما على ثلاثةِ أحرفٍ وهذا بكون «علّ» ثُلاثيّة فأمَّا «كأن» فأصلها «إنّ» زيدت عليها كافُ التَّشبيهِ، حرصًا على سبقِ المَعنى، وذاك أنَّ الأَصلَ في قولِكَ:
[ ٣٥٩ ]
كأنَّ زيدًا الأَسَدُ إنَّ زيدًا كالأَسدِ ثم اهتموا بتقديمِ مَعنى التَّشبيه فأدخلوا الكاف على «إنَّ» وفتحوا الهَمزة، كما تُفتح بعد حروفِ الجَر. وأمَّا «لكنَّ» فعدتُها أكثرُ عندَ البَصريين لمَّا دخلها معنى الاستِدراك، وعندهم هي مركبةٌ، وهذا يُؤنس بأنَّ الأصلَ «علّ» كسائِر أَخواتها.
والوجهُ الثالثُ: أنَّ هذه الحروف مشبهةٌ بالفعلِ في العملِ والفعلُ تلحقه الزوائد، فجاز أن تكونَ اللاَّمَ زائدةٌ، كما تُزاد في الفِعلِ كقولك:
إنّ زيدًا لَيَقوم، وكقولك: والله لقامَ زيدٌ.
وشبهة الآخرين: أنَّ الحذفَ تَصَرُّفٌ، والحُرُوف لا تَتَصَرَّفُ، ولهذا حكمنا على الألفِ في «ما» و«لا» بأنَّها أصلٌ، وليست في الأسماءِ والأفعالِ أصلٌ بحالٍ، بل إمَّا زائدةٌ أو منقلبةٌ، ويقوي ذلك أنَّ نونَ الوقايةِ لا تَكَادُ تَجِيْءُ مع «لَعَلَّ» بل تقولُ: «لَعلّي» و«لَعلّني»، قَليلٌ جدًّا، [و] ما كانَ ذلك إلاّ لأنَّ اللامَ الأولى أصلٌ وبعدَ العين لامان، والنون تُشبه اللام فكانت على هذا تَجتمع في التقدير أربعُ لاماتٍ فَتُحُومِيَ ذلك فِرارًا من اجتماع الأَمثال.
والجوابُ عما ذَكَرُوه أنَّ الحروفَ قد وقعَ فيها حذفٌ، والحذفُ تَصَرُّفٌ، كما أن الزّيادةَ تَصرُّفٌ، بل التَّصرفُ بالحذفِ أَقوى وبالزّيادة أَضعفُ، فإذا جَوَّزوا الحذفَ مع قُوَّته فالزّيادةُ أَولى.
وأمَّا نونُ الوِقاية فدُخولها لما ذَكَرُوا ولكنْ لا يلزمُ منه الحُكمَ بأَصالتها وبيانُه من وَجهين:
[ ٣٦٠ ]
أحدُهُما: أن اجتماعَ ثلاث لاماتٍ مستثقلٌ لتماثلها. ألا تَرى أنَّ النون لما تكررت في فعلِ الأمرِ كقولِكَ في جَماعة المؤَنَّث: اضرِبْنَانِ فصلتَ فيه بالألفِ لئلا تَتولى ثَلاثةُ أمثالٍ، وإذا قُلنا: اللاّمُ زائدةٌ فقد اجتَمَعَ ثلاثةُ أَمْثالٍ، وذلك في التَّحرُّزِ منها ويَكفي في التَّحرُّزِ منها ويَزدادُ ثُقلًا بزيادَةِ اللاَّمِ الأُولى.
والصَّحيحُ عِندي أنَّ «لَعلَّ» و«عَلَّ» لُغتان لا يُحكم في إحداهما بالزيادة ولا في الأُخرى بالحَذف كما أنَّ قولَهم: نَصحتُ لَكَ وشَكرتُ لَكَ وبابه، اللاَّم فيه مُعدية للفعلِ في لُغة وهي مَحذوفة في اللُّغةِ الأُخرى، ولا يقالُ هي في أَحدِهما زائدةٌ، بل كلُّ مِنهما أَصلٌ في لُغةٍ، وهذا المَذهب أَسلمُ، وله يَشهدُ بصحَّته، ويدلُّ على ذلك تَعَدُّدُ اللُّغاتِ في «لَعل» فقد قَالوا: «لَعلّ» و«عَلّ»، و«عَنَّ»،و«غَنَّ»،و«لَعَنَّ»، و«لَغَنَّ» وكلُّ منها لغةٌ غيرَ الأُخرى، ولا يُقال أن الغَين بدلٌ من العَين كذلِكَ هاهُنا والله أعلمُ بالصَّواب.
[ ٣٦١ ]