لا يجوزُ تقديمُ معمولِ أَلفاظِ الإِغراءِ عليها نَحو «دُونك» و«عَلَيْكَ» وقالَ الكُوفُّيون يجوزُ.
لنا أنّها أسماء جامدةٌ أُعملت بالمعنى، فلم يَجُزْ تقديمُ مَعمولِه عَليها كالمَصدَرِ.
وبيانهُ أن «عليكَ» و«دُونك» حروفٌ في الأصلِ وظُروفٌ، وإنّما
[ ٣٧٣ ]
استُعيرتْ هاهنا فعَمِلَت عملَ الفِعلِ تَوَسُّعًا، وما كانَ كذلك اقتُصِرَ به في العَمَلِ على وُقُوعِهِ في موضِعهُ، ولا يجوزُ فيه التَّقديمُ؛ لأنَّ ذلك تصرُّف وهذه الأسماء لا تَصَرُّفَ لها، فتُجرى في ذلك مُجرى الحُروف نحوَ «ما» النافية، و«لاتَ» مع الحين، وكالمصدر فإنَّه لا يتقدم معموله عليه، مع أن حروفَ الفعلِ فيه مَوجودةٌ فمَنعُ التَّقديمِ هُنا أَولى.
واحتجَّ الآخَرُون بالسّماعِ والقياسِ.
أمّا السَّماعُ فقولُه تَعالى: ﴿كتابَ الله عليكم﴾ أي عَلَيكم كتابَ الله وقالَ الشَّاعِرُ:
يا أيُّها الماتِحُ دَلوي دُونَكا إنّي رأيتُ القومَ يَحْمَدُونَكَا
وأراد: دونك دلوي فاملأه.
وأمَّا القياسُ فمن وَجهين:
أحدُهما: أنَّها نائبةٌ عن الفعلِ، والفعلُ يجوزُ تقديمُ مَعمولِهِ عَلَيْهِ،
[ ٣٧٤ ]
وكذلك ما نابَ عنه، ألاَ ترى أنَّ اسمَ الفاعلِ والمَفعولِ لما ناباَ عن الفعلِ جازَ تقديمُ معمولَيهما عَلَيهما.
والثَّاني: أنَّها واقعةٌ موقعَ الأمرِ، ومعمولُ الأمرِ لا يَتَقَدّمُ عليه كذلك هاهُنا فقولك عليكَ زيدًا في معنى الزمْ زيدًا، ولو قلتَ زيدًا الزم جازَ كذلك عليك.
والجوابُ: أمَّا الآيةُ فمنصوبةٌ على المَصْدَرِ، والعاملُ فيها ما تَقَدَّمَ من قَولِهِ:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتُكُم﴾ أي كُتِبَ ذلك عليكم كِتابًا، ثم أَضافه إلى اسمِ الله، وهو إضافةُ المصدرِ إلى الفاعِل، و﴿عَلَيْكُم﴾ يَتَعَلَّق بذلك الفعلِ كما قالَ: ﴿كُتب عَلَيْكُم الصِيَامُ﴾.
أمَّا الشّعرُ فمعناه الخَبَر لا الأَمر، وذلك أنه نبّهه على أنَّ دَلوَهُ قريبٌ منه ليَعتَنِيَ بملئِهِ، قولهم: إنّ هذه الألفاظ تنوبُ عن الفعلِ قلنا: نِيَابتها عنه لا تُستفادُ من التَّصرف، ألا تَرى أن «ما»، و«لاتَ»، و«هذا» والظرف تنوبُ عن الأَفعالِ في مواضِعَ مَخصوصةٍ، ولم يلزمْ من ذلك جوازُ تقديمِ المَنصوبِ بها عَلَيها على ما سَبَق والله أعلمُ بالصَّواب.
[ ٣٧٥ ]