لا يجوزُ أن يقعَ الفِعلُ الماضِي حالًا إلاَّ أن تكونَ معه «قَدْ» ظاهرةً أو مقدرةً.
وقالَ الكوفيُّون: يجوزُ ذَلِكَ من غيرِ تقدير.
وحُجَّة الأولين: أنَّ الحالَ من الأسماءِ والأفعالِ ما كانَ موجودًا وقتَ الأخبارِ، أو مَحْكِيَّةً كقولك: هَذا زيدٌ قائمًا، أي في هذه الحال، والحكاية كقولك: جاء زيد راكبًا، فالمجيءُ ماضٍ و«راكبًا» حكايةُ حالِه وقتَ المَجيء، والماضي هنا قد انقَضَى وما كانَ قد انقَضَى وانْقَطَعَ لا يكونُ هَيئةً للاسمِ وقتَ وقوعِ الاسمِ منه أو بِه، وذاكَ أنَّ الحالَ: وصفُ هَيْئَةِ الفاعِلِ أو المفعولِ به وما كانَ غيرُ موجودٍ يَصِحُّ أن يكونَ هَيْئَةً؟.
فإن قيلَ: يلزمُ على ما ذَكَرْتُمُوه شَيْئانِ:
[ ٣٨٦ ]
أحدُهما: أنَّكم جَوَّزتُمْ وقوعَ الماضِي مع «قَدْ» حالًا وبـ «قَدْ» لا يَصيرُ هَيْئَةً في الحالِ.
والثَّاني: أنَّكم أَجزتُمْ وقوعَ المُسْتَقْبَلِ حالًا، والمُسْتَقْبَلُ معدومٌ في الحالِ، كما أنَّ الماضي كذلِكَ.
فالجواب: أمَّا «قد» فإِنَّها تقربُ الماضي من الحالِ، والقَريبُ من الشَّيءِ مجاورٌ له، والمجاوَرُ يُعطي حكم المجاوِرُ، وهذا مشهورٌ كثيرٌ في أبوابِ النَّحو، فإذا تجرَّد عن «قد» لفظًا أو تقديرًا تمحَّض بعيدًا منقطعًا فيبعد أن يُجري مُجرى الحالِ، ويدلُّ عليه ما ذكر في الفَرق بين «لَم»، و«لَمّا» وذلك أنَّك إذا قلت: كنتُ عندَ زيدٍ ولم يَركب، لم يَجز أن تقتصرَ على «لَم» ولو قُلت و«لمَّا» لجازَ أن تَقْتَصِرَ عليها، ولا سَبَبَ لذلك إلاَّ القُربَ الذي ذَكرنا وذلِكَ أن قولَكَ: خَرَجْتُ من عندِ زيدٍ ولم يَرْكب، أي لم يَتَهَيَّأ للرُّكوبِ، وإذا قلتَ: «ولمَّا» أيْ: وَقَدْ تَهَيَّأ للرُّكوبِ ولم يَرْكَبْ، والتَّهَيُّؤُ للشَّيءِ تَقَرُّبٌ من فعله.
وأمَّا وقوعُ المُستقبلِ حالًا وإن كان معدومًا في الحالِ ولكن المستقبل مارٌّ إلى الوجودِ منتظرٌ الوقوع، فكان لقربِ وقوعِهِ كالواقعِ في الحالِ، يدلُّ على ذلِكَ أنَّك توقِعُ اسمَ الفاعلِ مَوقَع الفعلِ المُضارعِ حتَّى تَعْطِفَ عليه المضارعَ كقولِهم: الطَّائِرُ الذُّباب فَيَغْضَبُ زيدٌ. فعطف «يغضبُ» على «الطائرِ» لما كان أَصله «يَطيرُ»، وليس كذلِك الماضي؛ إذ لا يُنتظر عودُ عَينه.
وأمَّا الكوفيون فاحتجُّوا بالسَّماع والقِياس.
[ ٣٨٧ ]
أما السَّماعُ فمنه قوله تعالى: ﴿أوَ جاؤُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ «فحصرت» فعلٌ ماضٍ، وقد وقعَ حالًا، وقد وَقَعَ مَوْقَعَ «حَصِرَةً» كما قَرَأَ يَعقوبُ.
وأمَّا القياسُ فمن وَجهين:
أحدُهما: أن الماضي يقعُ صفةً للنكرةِ، فجازَ أن يقعَ حالًا من المعرفةِ كالفعلِ المضارعِ ومثالُه قولُكَ: مررتُ برجلٍ كَتب أي كاتبٌ كما تَقول مررت برجلٍ يكتبُ، وتقديرُهُ أنَّ الحالَ صفةٌ في الأَصْلِ وإذا كان الماضي يَصلُحُ أن يكونَ صفةً فقد صَلح لأَصلِ الحالِ.
[ ٣٨٨ ]
والوجهُ الثّاني: أنّ الماضيَ يقعُ موضعَ المستقبلِ كقوله تعالى: ﴿ويوم يُنفَخُ في الصُّور ففزعَ من في السَّمواتِ﴾ ويقعُ المُستقبل بمَعنى الماضي كقوله تعالى: ﴿فَوَجَدَ فيها رَجُلين يَقْتَتِلان﴾ وإذا وَقَع كلُّ منهما موقعَ الآخرِ وجازَت الحالُ من أحدِهما كانَ الآخرُ كذلكَ.
والجوابُ: أمَّا الآيةُ فالجوابُ عنها من أوجه:
أحدُها: أنَّ الآية يرادُ بها الدُّعاء كما تقولُ: جاءَ زيدٌ
_________________
(١) قبحه الله وعلى هذا لا حُجَّةَ فيها. والثَّاني: نُقَدِّرُ أنَّه وَصفٌ، ولكنّ الموصوفَ محذوفٌ تقديرهُ أو جاؤُوكم قومًا حَصِرَتْ، فـ «قومًا» هو الحالُ، و«حَصِرَتْ» نعتٌ لها. والثالثُ: أن «قَد» معه مقدّرة أي قد حَصِرَتْ، ونحنُ نجوِّزُ ذلك. والرَّابعُ: أن حَصَرَ صُدُورِهِمْ كانَ مَوجودًا وقتَ مَجِيْئِهِم، فالفِعْلُ هُنا لم يَنْقَطِعْ بخلافِ مسألتنا فإنَّ قولَك: مررتُ برجلٍ ضَرَبَ أمسِ قَد انْقَطَعَ الضَّربُ منه في الحالِ، وبَينَ المَسألتينِ بَونٌ بَعيدٌ. وأمَّا وقوعُ الماضي صفةً فلا يلزمُ منه وقوعُهُ حالًا؛ لأنَّ الماضي يوصفُ به على وجهٍ تَزول الصّفة في الحالِ، ويكونُ الوصفُ بها ماضيًا بخلافِ الحالِ فإن بابَها أن تكونَ مقارنةً للفِعل، ويُقوِّي ذلكَ أمران: أحدُهما: أنَّ الحالَ تقدّر بالظرفِ كقولك: جاء زيدٌ راكبًا، أي في حال ركوبه، والعامِلُ في الظَّرف جاءَ، والظَّرف مقارنٌ للمظروفِ، كذلك الحالُ.
[ ٣٨٩ ]
والثَّاني: أنَّ الحالَ تُشبِهُ التَّمييزَ، والتَّمييزُ لا يَسبِقُ المُمَيَّز.
وأمَّا وقوعُ الماضِي بمعنى المُستقبل فأمرٌ خارجٌ عما نحنُ فيه، وذلِكَ: أن وضعَ اللَّفظِ موضعَ غيرِه من قَبيلِ المَجازِ المُخالف للأَصلِ، فلا يُعدَّى إلى غَيره ثم إنَّ هذا إثبات اللُّغة بالقياسِ، والدَّليلُ يَنفي ذلك، إذْ كانَ فيه تَحْويلٌ لمدولولِ اللّفظِ إلى خِلافه، وذلك: أنَّ «ضَرَبَ» مثلًا إذا كان مَوضوعًا عن الزَّمان الماضِي كانَ وقوعُه بمعنى المُستَقبلِ نقضًا للدِلاَلَةِ، ويمكن أن يحملَ على أنّه حكى الماضِي حتّى كأنه مشاهدٌ، كما يُحكى بفعلِ المُضارع المُضِيّ، وعلى أن إلحاق الماضي بالمُستقبلِ جائزٌ، لاشتراكِهِما في الفِعليَّةِ، وباب الحالِ أن يكونَ اسمًا، وإيقاعُ الفعلِ موقعَ الاسمِ أبعدُ من وقوعِ الفعلِ موقعَ الفعلِ، والله أعلمُ بالصَّوابِ.
[ ٣٩٠ ]