لا تكونُ «إلا» بمعنى الواو.
وقالَ الكوفيُّون تكونُ بمعنى الواوِ.
وجهُ القولِ الأَول من وَجهين:
أحدُهما: أنَّ الأصلَ أن ينفردَ كلُّ حرفٍ بمعنى، ولا يقعُ حرفٌ بمعنيين؛ لِمَا في ذلك من الاشتراكِ المُلبِس، وما صَحَّ منه عن العربِ يُقتَصرُ عليه، ولا يُقاس.
والوجهُ الثاني: أنَّ «إلاّ» بمعنى الواو من قَبيلِ الأَضدادِ؛ لأنَّ موضوعَ «إلا» مخالفةُ ما بعدها لما قَبلها، والواو تَشْركُ ما بعدَها بما قَبلها، هذا حقيقةُ التَّضادّ، والأصلُ عدمه.
واحتجَّ الآخرون: بأنَّ «إلا» قد وَقَعَتْ بمعنى الواوِ، وبمعنى «مع»
[ ٤٠٣ ]
فمن ذلك قَوله تَعالى: ﴿لِئَلاَّ يَكُوْنَ لِلنَّاسِ عَلَيكُم حُجَّةٌ إلاّ الّذينَ ظَلَمُوا﴾ أي: ولا الّذين ظَلموا، وقولُه تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بالسُّوءِ مِنَ القَولِ إلاّ مَنْ ظُلِمَ﴾. وقد جاءَ في هذا المَعنى «إلاَّ» بمعنى «مَع» وهو معنى الواو كقوله تَعالى: ﴿وأَيديَكُم إِلى المَرَافِقِ﴾ و﴿مَنْ أَنْصَارِيْ إلى الله﴾ وهو كثيرٌ في الشعر.
والجواب: أنَّه لا دلالة فيما ذكروا على أنَّ «إلاَّ» بمعنى الواو أمَّا قَولُهُ تَعالى: ﴿إلاَّ الّذينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ فهو استثناءٌ منقطعٌ بمعنى «لكنْ» والمعنى لكنْ الذين ظَلموا يَحْتَجُّون عليكم بِغَيرِ حُجّة، وهكذا في جميع ما
[ ٤٠٤ ]
ذكروه وأمثالِه، وأمَّا وقوعُها بمعنى «مَع» فغيرُ مُسلّمٍ، وأمَّا قوله: «إلى المَرافِقِ» فهي حدٌّ يَنتهي الغَسْلُ إليه، والحدُّ هنا يَدخل في المَحدود؛ لأنَّ المِرفَقَ جزءٌ من اليَدِ، وإِذا وقعَ التّحديدُ بجزءٍ من الشّيءِ دخلَ في المَحدود، هكذا قال أهلُ اللُّغة. وقوله: «مَنْ أَنصاري إلى الله» فإِلاّ فيه على بابها، والتَّقدير مَنْ أنصاري مُضافين إلى الله، ويدلُّ على صِحَّةِ ذلكَ أنَّ «إلى» في الأصْلِ لا تكونُ بمعنى «مع» كقوله تَعالى: ﴿ثم أَتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ و«مع» هنا مُحال، وكذلك «جئتُ إلى زيدٍ»، وكانَ الأصل فيه أن «إلى» لانتِهاء الغَاية، والواوُ، و«مع» يلزمُ منهما المُصاحَبَةُ والمُصاحبةُ تُنافي الانتهاء، فإنْ جاءَ شيءٌ من ذلِكَ فهو مَحْمُولٌ على «لاَ» في أنّه مُسْتَفَادٌ بالحَرْفِ الموضوعِ لَه.
والله أعلمُ بالصَّواب.
[ ٤٠٥ ]