لا يجوز تقديم حرف الاستثناء على المُستثنى منه كقولك: إلاَّ زيدًا قامَ القومُ. ولا إلا زيدًا ما قامَ القومُ.
وقالَ بعضُ الكوفيين يجوزُ ذلكَ.
وجهُ القَولِ الأَوَّلِ: من ثلاثةِ أَوجهٍ:
أحدُها: أنَّ حرفَ الاستثناءِ أُتي به وَصلةً للفعلِ، وتَقْوِيَةً له، فلا يَجُوزُ تقديمُه على ما يُوصله كواوِ «مع» فإِنَّك لو قلتَ: وَزَيْدًا قُمْتُ لَم يَجُزْ.
والوجهُ الثاني: أنَّ المُستثنى يكونُ بَدَلًا من المُستثنى منه، والبَدَلُ لا يتقدم على المبدل منه، كذلك هاهُنا.
[ ٤٠٦ ]
والثالثُ: أنه يلزمُ من التَّقديمِ عَمَلُ ما بعد إِلاّ فيما قَبْلَها، وذلك غيرُ جائزٍ، كما أن عملَ ما في حَيّر «ما» النَّافية فيما قَبلها لا يَجُوزُ، يدلُّ على أن الاستثناءَ إخراجُ بعضِ الجُملةِ، كما أنَّ النَّفْيَ كذلك، وكما لا يجوزُ في النَّفي كذلك لا يَجوزُ فيما هو في مَعناه.
واحتجَّ الآخرون بالسَّماعِ والقياسِ:
أما السَّماعُ فمنه قولُ الشَّاعرِ:
وبَلْدَةٍ لَيسَ بِهَا طُوِريُّ ولا خَلا الجِنَّ بِهَا إنْسِيُّ
تقديرُه: ولا بها إنسيُّ خلا الجِنَّ، وقال أَبو زُبَيْدٍ:
خَلا أَنَّ العِتَاقَ مِنَ المَطَايا حَسَيْنَ به فَهُنَّ إليه شُوْسُ
[ ٤٠٧ ]
وأمَّا القياسُ: فهو أن تقديمَ المُستثنى على المُستثني مِنْه جائز، كقولك: ما لي إلا أباكَ صَدِيقٌ؛ أي مالِي صَدِيْقٌ إلا أبَاك، فكذلك يَجوزُ تَقديمه على العامل فيه، ألا تَرى أنَّ قولك: ما مَرَرْتُ إلا بزيدٍ جائز، وكذلك بزيد مررت، ولأنَّ العاملَ في الاستثناءِ فعلٌ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ على الفعلِ جائز.
والجوابُ: أما البيت فمحمولٌ على اسمِ لَيس، تقديره: ليسَ بها إنسيٌّ إلا الجِنَّ، والاستثناء من غيرِ الجِنْسِ، وعلى هذا لا يَدخُلُ البيتُ فيما نحن فيه.
أما البيت الثاني فمن جنس هذا، والدَّلِيْلُ عليه البيتُ الذي قبلَه، والبيتُ قولُهُ:
إلى أنْ عَرّسُوا وأغبَّ منهم قَرِيبًا ما يُحَسُّ له حَسِيسُ
والتقديرُ: ما يحس له جنس حسيسٌ إلاَّ أصواتَ الخَيلِ. قولهم: «الاستثناءُ يشبه البَدَلَ» لا يصحُّ لوجهين:
[ ٤٠٨ ]
أحدُهما: أنَّ تقديمَ المُستثنى على المُستثنى منه واقعٌ بعدَ العاملِ، أَلا ترى أنَّ قولَك: ما قامَ إلا زيدًا أحدٌ «إلا زيدًا» هو بعدَ العاملِ وهو قامَ، وليس كذلك هاهُنا، فإنه واقعٌ قبلَ العامِلِ، والفرقُ بينهما ظاهرٌ، أَلا تَرى أنَّ قولك: كانت زيدًا الحُمَّى إذا لَم تقدّر في «كان» ضميرُ الشَّأنِ لا يَجُوز، لِوُقُوعِ الفَصل بَيْنَ العامِلِ والمعمولِ بالأَجنَبِيِّ، فإذا لَم يجزْ الفصلُ فالتَّقديمُ أَولى ألاَّ يجوزَ.
والثاني: أنَّ «إلا» مع ما بعدَها لا تُجرى مُجرى المفعولِ؛ لأنه حَدثَ فيه معنى بـ «إلا»، بخلافِ قولِكَ: قامَ القومُ إلاّ زيدًا؛ فإنَّ: «إلاَّ» وزيدًا يشتملُ على معنيين، يفترقان إلى ما يكونُ معناه سابقًا عليهما، وصارَ هذا كما في حَرفِ العَطفِ فإنَّه لما تَقَدَّمَ عليه ما يَتَعَلَّقُ به معناه لَم يجز تقديمُهُ، كقولِكَ: قامَ زيدٌ وعمرٌو ولو قلتَ: وعمروٌ قامَ زيدٌ لم يَجُز، يدلُّ عليه أن من مَذهبهم أنَّ «إِلاَّ» مركبة من «أن»، و«لا» وتقديمُ هذا المَعنى على الاستثناء خطأٌ، والله أعلمُ بالصَّواب.
[ ٤٠٩ ]