إذا أضيفت «غيرُ» إلى مُتمكنٍ لم يجز بناؤُها، وإن أُضيفت إلى غيرِ مُتَمَكّنٍ جازَ بناؤُها وإعرابُها.
وقالَ الكوفيُّون يَجوزُ بناؤُها مُطلقًا.
لَنا أنّها اسمٌ معربٌ قبلَ الإِضافةِ، فبقيتْ على إعرابِها بعدَ الإِضافةِ كسائر الأسماءِ المُعربةِ، بيانُه أنَّك إذا قُلتَ: جاءَني غيرُ زيدٍ، ومررتُ بغيرِ زيدٍ فـ «غيرُ» هُنا مُعربةٌ بلا خلافٍ، فلو جازَ البناء لكانَ لعلةِ الإِضافةِ، والإِضافةُ هُنا موجودةٌ، ولم يجزِ البناءُ فدَلَّ على إبطالِ التَّعليلِ بالإِضافةِ ويتأيد هذا من ثلاثةِ أوجهٍ:
[ ٤١٦ ]
أحدهما: أنَّ غيرًا لا تتعرفُ بالإِضافةِ، بل نكرةً، والنَّكراتُ معرَباتٌ.
والثاني: أن غيرًا لا معنى لها إلا بالإِضافة، فلو كانت الإِضافةُ علّةَ البناءِ لوجبَ ألاّ تعربَ في موضع.
والثالثُ: أنا وجدنا من المبنيات ما يُعرب إذا أُضيف وهذا يدلُّ على أن الإِضافةَ علّةٌ لازمةٌ للبِنَاءِ، تكون علةَ البناء؟.
ولا يلزمُ على ما ذكرناهُ إذا أَضيفتَ إلى غيرِ متمكنٍ؛ لأنَّ المضافَ يَكتَسي كَثيرًا من أَحكامِ المُضافِ إليه، والمُبهم هُنا مبنيٌّ، والمُضاف إليه كالشَّيءِ الواحدِ، فجازَ أن يَتَعَدَّى البناءُ إليه، ومن ذلِكَ قوله تَعالى: ﴿وهم من فَزَعِ يَومَئذ﴾ بفتح الميم، وقوله تَعالى: ﴿من خِزْي يَومَئذٍ﴾، وقوله: ﴿إنّه لحقٌّ مثلَ ما أنَّكم تَنطِقُون﴾ وكلُّ ذلك يَجوز فيه الإِعراب، والبِنَاءُ فيه جَائِزٌ.
وأمَّا إضافتُهُ إلى المُتمكن فليس فيه ما يَحسن البناء.
أمَّا الكوفيُّون فاحتَجُّوا بأن «غَيرًا» هنا وَقعت موقع «إلاّ» و«إلاّ» حَرفٌ،
[ ٤١٧ ]
والحَرفُ مبنيٌّ، فإذا وقع الاسمُ موقعَ المبنيّ وجبَ أن يُبنى فكيفَ إذا وقعَ موقعَ الحرفِ؟ ألا تَرى أنَّ المنادى المُفرد مبنيُّ لوقوعِهِ موقعَ المضمرِ أو الخطابِ، وقد شَهِدَ لصحَّةِ ذلكَ قولُ الشاعر:
لم يَمنع الشُّربَ منها غَيْرَ أَن نَطَقَتْ حَمَامَةٌ في غُصُونٍ ذَاتِ أَوقالِ
ففتحَ الرَّاء، ولا سَبَبَ له إِلاّ ما ذكرنا.
والجوابُ عنه من وَجهين:
أحدُهما: أنَّ المضافَ إلى غَيرِ المُتمكن يَجوزُ بناؤُه وليسَ معناه «إلا» كقولِهِ: ﴿وهُم من فزع يومئذٍ﴾، وكذلك الآي الأُخَر، فَبَطَلَ التَّعليلُ بوقوعه موقعَ «إلا».
والثاني: أن وقوعَ الاسمِ موضعَ الحرفِ لا يُوجبُ البناء، أَلا تَرى أن قولَك أخذتُ بعضَ المالِ. معربٌ، ولو قلتَ: أخذتُ من المالِ صحَّ المعنى وقد وبعدَت بَعضُ موضع من، وتقول: زيدٌ مثلُ عمروٍ فترفعُ مع جوازِ أن تكونَ في موضعِ الكاف.
أمَّا قولُه: «غيرَ أنْ نَطَقَتْ» فلمْ يَكُنْ بناؤُها لِمَا ذَكَرُوا، بل لإِضافَتِها إلى غيرِ متمكنٍ على ما ذكرنا، والله أعلمُ بالصّواب.
[ ٤١٨ ]