كم في العَدَدِ مفردةٌ.
وقالَ الكُوفيُّون: هي مركبةٌ من الكاف، و«ما»، ثم حذفت منها الألف.
وجهُ القولِ الأولِ: تحقيقُ مذهَبِها، وفيه مسلكٌ آخر: إبطالُ مذهبِ المخالفِ.
أما الأولُ: فهو أن الأصل عدمُ التركيبِ، لا سيما في كلمةٍ لا يصحُّ أن تُجعل كلمتين، و«كم» هاهنا كذلك، فإن كم حرفان، ولا يمكن أن يكون كلُّ واحدٍ منهما، ولا أحدهما كلمةٌ تامةٌ فعلى هذا يَمتنع التَّركيبُ؛ لأنّه إنّما يكونُ بينَ كلمتين.
[ ٤٢٣ ]
أمَّا إبطالُ مذهبِ المُخالف فهو: أنَّهم زعموا أنّ «ما» هي الألف وهي استفهامٌ عن العَدَدِ، ثم أُدخلت عليها الكاف، وحُذفت الأَلف كما حُذفت من لَم في الاستفهام، وفيمَ، وعلامَ.
ومعنى قولنا: كم مالك؟ أي ما عَدَدُهُ، وزيادة الكاف كثيرٌ، من ذلك «كأيّن»، ﴿ليس كمثله شيء﴾ وغيرُ ذلك، وهذه الدّعوى باطلةٌ، أمَّا قوله: ما مالك؟ فليس معناه كم مالك؛ لأنَّ «ما» سؤال عن الحَقيقة فما مالك معناه أيُّ جنسٍ هو؟ وليس هذا معنى العَدد، فإذًا لا معنى لـ «ما» هاهُنا، ثم إنَّ الحذفَ على خلافِ الأصلِ فما الدّاعي إلى دَعواه؟.
ويدلُّ عليه أنَّك إذا أَثبتَّ الألف لم يكن معناه السؤال عن العَدد، بل يصيرُ إلى معنى آخر، يدلُّ عليه أن «كم» تكونُ خبرًا للتَّكثير كقولك: كم عَبْدٍ ملكتُ؟ ولو قلتَ: ما عَبدٍ ملكتُ؟ أو كم ما عبدٍ ملكت لم يجز، ولم يكن معناه كم عبدٍ ملكت. ويدل عليه أن «مِنْ» تدخلُ عليها «كم» كقولك: كم من عَبْدٍ، ولو قلت: ما من عبدٍ كان نفيًا.
واحتج الآخرون: بأنَّ المعنى على «ما» والكاف كاللام كما قالوا: لمَ فعلتَ قالوا: كَم فعلت وقالوا أيضًا كأيٍّ في معنى كم، وكما أن كأيٍّ مركبة كذلك «كم» وكذلك قولهم: له على كذا، وهما في معنى العدد.
والجوابُ عنه من وجهين:
[ ٤٢٤ ]
أحدهما: ما تقدّم من فسادِ دَعوى التَّركيبِ.
والثاني: أنَّ أكثرَ ما فيه أنَّهم أَرونا كلمات فيها تَركيب، وهذا لا يُوجب أن يُجعل كلُّ شيءٍ هكذا. والله أعلمُ بالصَّواب.
[ ٤٢٥ ]