إذا فصلت بين «كم» الخَبرية وبين ما يبيَّنُ به نَصبته كقولِكَ:
كم عِندي دِرهَمًا ولا يجوزُ الجَرُّ في الاختيار.
وأجازَه الكوفيون.
وجهُ القَولِ الأولِ: مبنيٌّ على الجار هل هو كم أو من مقدّرةٌ.
والصحيح هو الأولُ، وبالفَصل تَبطُلُ الإِضافة، فيجبُ أن يخرج المُمَيَّزُ على الأَصلِ وهو النَّصبُ كما إذا نُون العَدَد نحو قول الشاعر:
إذا عاشَ الفتَى مائَتينِ عامًا فَقَدْ ذَهَبَ اللّذَاذَةُ والفَتَاءُ
[ ٤٢٩ ]
ومنه قولُ الشَّاعرِ:
كَم نالَنِي مِنهُمْ فَضْلًا على عَدَمٍ إذا لا أَكادُ من الأَقتارِ أحتَمِلُ
فنصبَ لمّا فَصَلَ.
واحتجَّ الآخرون بقول الشّاعرِ:
كم بجودٍ مُقرفٌ نالَ العُلى وكريمٍ بخُله قد وَضَعَهْ
فجرَّ مع الفصلِ.
[ ٤٣٠ ]
والجوابُ عن البيت من الوجهين:
أحدُهما: أنَّ الروايةَ الصَّحيحةَ الرّفعُ، أو النّصبُ، وكلاهما قد روي، فالرفعُ على أنه خبرٌ عن «كم» والنَّصبُ على التَّمييز، وروايةُ الجرِّ شاذةٌ فلا تُجعل أصلًا.
والثاني: هو من ضَرورة الشّعر والعلةُ فيه من وجهين:
أحدُهما: أن الجَرَّ بـ «كم» ولا يَبقى مع الفصل.
والثاني: أن الجَرَّ بـ «من» وتقدير «من» هنا غيرُ سائغٍ؛ لأنها حذفت بعد «كم» لما نابت عنها، فإذا فُصل بينهما بَطلت النّيابة آخرها. والله أعلمُ بالصوابِ.
[ ٤٣١ ]