الميم المشدّدة في قولك: «اللهم» عوضٌ من «يا» في أول الاسم.
وقالَ الكوفيون: أصلُ الكلمةِ: يا لله أُمّنا بخيرٍ فحذف الكلام بعد المنادى وبقي منه الميم المشدّدة، ووصلت بالاسم المنادى.
وجهُ القولِ الأول: من أوجهٍ:
أحدُها: أنه لا يجمع بين «يا» والميم في الاختيار، وهو في الشعر نادر، وهذه إمارة العِوَضِيّة.
[ ٤٤٩ ]
والثاني: أنه لو جازَ في اسمِ الله لجازَ في غيره، وليس بجائزٍ فعُلم أن ذلك من خصائِص هذا الاسم.
والثّالثُ: أنه يجوز أن تقول: (اللَّهم أُمنا بخير)، ولو كان كما قالوا لم يَجز ولما جازَ دلّ على ما قلناه.
والرّابع: يجوزُ أن تقولَ: (اللَّهم العَن فلانًا، واخزِه) وغير ذلك وهذا مناقضٌ لما قَدَّروه.
والخامس: أنّهم خَصُّوا ذلك بالنّداءِ إجماعًا، حتى أنّهم لا يقولون: «غفر اللَّهم لفلان»، واختصاصه به دليل على أنّهم أقاموا الميمَ مقام «يا»، حتى كأنَّهم قد صَرّحوا بها.
فإن قيلَ: فما وجه المناسبة بين الميم و«يا» حتى تقامَ مقامها.
قيل: لما كانت «يا» من حروفِ المَدّ، والميمُ فيها غُنَّةٌ تشبه حرف المدّ، وكانت كل واحدة منهما حَرفين، جازَ أن يَنوب أَحدُهما عن الآخَرِ ويدلّ على أنَّها عوضٌ أيضًا، أنّها في موضعِ غيرِ المُعَوّضِ منه، وهذا شأنُ العوض.
واحتجَّ الآخرون: بالسّماع والقياس:
أما السّماعُ فمنه قول الشاعر:
إني إذا ما حَدَثٌ ألمَّا أقولُ يا للهمَ يا للهمَّا
[ ٤٥٠ ]
وقال آخر:
وما عليكِ أن تَقولي كُلَّما سَبّحتِ واستَرجعتِ يا للهمّمَا
أردِدْ عَلينا شَيْخَنا مُسلّما
والأصلُ أن لا يُجمع العِوَضُ والمعوّضُ.
وأما القياسُ: فهو أن حملَه على ما ذكرنا صحيحٌ، والمعنى لا ينافيه، والنّداء موضعُ تغييرٍ فلم يبقَ مانعٌ مما ذَكرنا، ولأنّ في قولك: يا الله أمنا بخير زيادة معنى، وتصريح بما هو المقصود من النّداء، فكانَ المَصير إليه أَولى.
قالوا: ولا يُقال: إنّ فيما أدّعيتموه حذفًا وتغييرًا، وهو في خلافِ الأصلِ.
لأنَّا نقول: أما الحَذفُ فكثيرٌ فمنه قول الشّاعر:
دَرَسَ المَنَا بِمَتَالِعٍ فَأَبَانِ
أراد: درس المنازِل، وقالوا: «ويلمّه»، و«أَيشٍ» أي ويلُ أمّه، وأيُّ شيءٍ وكذلك «هلّم» فيمن جَعلها اسمًا للفعل.
[ ٤٥١ ]
والجواب: أما الشّعر فلا يُعرف قائله فلا يحتج به.
والثاني: أنه من مواضعِ الضَّرورة، والدّليلُ قوله: «اللهمّما» فزاد على الكلمة شيئًا آخر، وكل ذلك ضرورة.
قولهم: (هو صحيحٌ في المعنى) جوابه من وجهين:
أحدُهما: ليس كذلك لما ذكرنا أنه يَجوزُ أن يتبع بقوله: «لعنه الله».
والثاني: أنه ليس كل ما صح المعنى فيه جعل مكانه، ألا ترى أن قولك: «ما قام زيد» هو نفيٌ، ولا يصحّ أن تُقيمه مقامَ قولك:
أَنفي قيامَ زيدٍ، وكذلك أَدوات الاستفهام لا تقوم مقامَ الأفعالِ، ولا الأفعالُ تقومُ مقامّها.
وأمَّا الحذف فلا نُنكر أنَّه قد جاء ولكنه على خلاف الأصل، ثم إن في ذلك دعوى التَّحليل في المركب، والتَّركيب خلافُ الأصل، فكذلك التَّحليل؛ لأن كل واحد منهما خلاف الأصل.
والله أعلم بالصواب.
[ ٤٥٢ ]