هذا آخر القسم الثالث بعون الله.
بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيْم
قال جارُ اللهِ -﵀-:
"بسمِ اللهِ الرَّحمن الرَّحيم
القِسْمُ الرَّابِعُ المُشْتَرَكُ
نحو الإِمالةِ، والوَقْفِ وتَخفيف الهَمزة، والتقاءِ الساكنين ونظيرها مما يتوارد فيه الأضرب الثلائة، وأنا أورد ذلك في هذا القَسم على نحوِ التَّرتيب المارِ في [الأقسام الثَّلاثة] (١)، معتصمًا بحبلِ التَّوفيق من رَبّي بريئًا من الحول والقُوة إلا به".
قال المُشَرِّح: عني بنحو هذا التّرتيب المارِّ [في الأقسام الثَّلاثةِ] (^١) ترتيبًا مفصَّلًا يحتوي على ضَبْطِ وإِيْجَازٍ.
_________________
(١) = حاصرتين يكونان كالفهرست والدستور والجامعة لما تقدم مفصلًا "ثم ذكر جميع ما يحضره من الحروف ما كان منها على حرفين … ثم ذكرها مرتبة على المعاني … ثم قال: "فهذا جميع ما ذكره من الحروف بأعيانها، وهي حروف المعاني المشهورة المذكورة في كتب النحويين وقد ألف الناس في الحروت كتبًا لكن الحاجة تندفع بالقدر الذي ذكرنا فلا يكون في التطويل فائدة".
(٢) في (ب): "في الثلاثة الأقسام".
[ ٤ / ٢٠٠ ]
[بابُ الإِمَالة]
قالَ جارُ اللهِ: "ومن أصناف المشترك (الإمالة) يشترك فيها الإِسم والفعل والحرف، وهي: أن ينحو بالحرف نحو الكسرة لتجانس الصوت، كما أشربت الصاد صوت الزاي لذلك".
قال المُشَرِّحُ: بنو تَمِيْمٍ يميلون، وأمَّا أَهْلُ الحجاز فلغتهم التَّفْخِيم، وإنما اشترك فيها الإِسم والفِعل دون الحروفِ؛ لأنَّ الحرف لا يُمال، إذ الإِمالةُ نوعُ تصرُّفٍ، والحروف جَوَامدُ لا تَقبل التَّصرف، إشراب الصَّاد صوت (^١) الزّاي في نحو: "لم يحرم فزد له" هذا، لأن الصَّاد متباعد عن الدّال، بخلاف الزّاي فإنه يجانسه، ألا ترى أنهما مجهوران وأنهما من حروف الصَّفير.
فإن سألتَ: فما وجهُ إمالة تجانس الصفات في نحو هاب وخاف؟
أجبتُ: التجانس ها هنا تقديري لا حقيقي.
قال جارُ اللهِ: "وسبب ذلك أن تقع بقرب الألف كسرة أو ياء (^٢)، أو تكون هي منقلبة عن مكسورة أو ياء أو صائرة ياء في موضع، وذلك نحو قوله: عماد، وشملال، وعالم، وسيال وشيبان، وهاب، وخاف، وناب،
_________________
(١) في (ب): "بصوت".
(٢) ساقط من (ب).
[ ٤ / ٢٠١ ]
ورمى، ودعا، كقولك: دعى ومَغزى وحُبلى لقولك: معزيان وحبليان".
قال المُشَرِّح: أميل "عماد" لكسر الفاء، وليس بينه وبين الفاء المَكسورة إلا حرفٌ وهو الميم، [و"شِملال" لكسرة الفاء فيه أيضًا وليس بين هذه الألف إلا حرفان وهما: الميم واللام] (^١)، و"عالم" لكسرة ما بعده وهو اللام المكسورة. و"سيال" للياء الواقعة قبل الألف وليس بينهما فاصل، و"شيبان" للباء المتقدمة، وبين الألف والياء حرف وهو الباء الموحدة. فإن سألتَ: فهل يجوزُ رأيت زيدًا في الوقف من أجل الياء؟
أجبتُ: نَعَم، إلا أنه ضَعِيْفٌ؛ لأن الألفَ فيه غير لازمة، والإمالة في "هاب" لكون الألف منقلبة عن مكسورة، لأن أصله الكسر، وعن ياء أيضًا، وأمَّا خافَ فمنقلبة عن مكسورٍ ليس إِلّا لأنَّ الأول من الهَيْبَةِ والثاني من الخَوْفِ، "ونابٍ" -بالتنوين- لأنَّه منقلبٌ عن ياءٍ بدليل أن جمعه على أَنْيَابٍ "ورمى"، لأنه من الرّمي، ونظير بإمالة "مغزي" وحبلى" إمالة ﴿مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (^٢) في قراءة الكِسَائِي، وذلك أن الواو إذا وقعت رابعةً كالياء في انقلابها ياءً تقول: مرضيان فأمال ليدلَّ على أنَّ الياءَ تنقلب عن ألفِ التَّثنية. قال الشَّيخُ أبو عليٍّ الفارسي: ولم يمنعها المستعلي من الإِمالة كما لم يمنع المستعلي من إمالة نحو "صار".
فإنْ سَأَلْتَ كم بين "صَارَ" وبين "مَرْضَات" وذلك أنّ صار فعل و"مَرضات" اسمٌ والفعل أكثرُ احتمالًا للتغيير من الاسمِ ومن ثم قالُوا الفعل يُمال مع الحُروف المستعلة بخلافِ الاسمِ؟
أجبتُ: شبّه المصدر باسم الفاعل لمشابهته في الأعمال وقيامه مقام
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) سورة البقرة: آية ٢٠٧، قراءة الكسائي في السبعة لابن مجاهد ص ١٨٠، البحر المحيط ٢/ ١١٩ وغيرهما.
[ ٤ / ٢٠٢ ]
الصّفة في رُوْدٍ وعَدَنٍ، كما تشبه الصفة بالفعل. السّيال: من الشَّجر له شوكٌ وهو من العضاه (^١).
قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ): وإنّما تؤثر الكسرة قبل الألف إذا تقدمته بحرفٍ كـ "عماد" أو بحرفين أولهما ساكنٌ "كشِمْلال" فإذا تقدمت بحرفين متحركين أو بثلاثة أحرف كقولك: أكلت عنبًا وفتلت قِنّبًا لم تؤثر، وأمَّا قولهم: يريدُ أَنْ ينْزِعَهَا ويضرِبَهَا، وهو عندنا، وله درهمان فشاذٌّ، والذي سوغه أن الهاء خفيفة فلم يَعْتَدَّ بها".
قال المُشَرِّح: الذي يدل على خفاء الهاء مسائل قد ذكرتها في قسم الأسماء.
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وقد أجروا الألفَ المنفصلة مُجرى المُتَّصِلَةَ، والكسرة العارضة مُجرى الأَصْلِيَّة حيث قالوا: درست علمًا، ورأيت زيدًا، ومررت ببابِهِ وأخذتُ من مالِهِ".
قال المُشَرِّح: يقول: إنهم قالوا: أمالوا الألف المنفصلة كما أمالوا المتصلة وذلك في نحو درست علمًا، ورأيت زيدًا، وإذا كانوا قد أمالوا الألف في رأتب عرقًا وصيفًا مع وقوع الحرف المستعلى قبلها، فَلأَنْ يُميلوا لامع وقوع الحرف [المستعلى] (^٢) قبلها أولى، وأمالُوا بالكسرة العارضة في نحو مررت ببابه كما في (^٣) الكسرة الأصلية في نحو "عالم".
_________________
(١) جاء في هامش نسخة (ب): "العضاة كلُّ شجرٍ يعظم وله شوك وهو على ضربين: خالص، وغير خالص. فالخالص: العرف والطلح والسلم والسدر والسيال والسمر والينبوت و[العرفط] والقتاد الأعظم الكهبل والغرب والعرقد والوسج. وما ليس بخالص فالشوحط والنبع والشريان والسراء والنشم و[العجرم] والتألب والغرف. وما صغر من شجر الشوك فهو العض بكسر العين وتشديد الضاد". ووجدت هذا النص بحروفه في الصحاح ٦/ ٢٢٤٠ (عضه) وما بين القوسين منه.
(٢) في (أ): "المستقل".
(٣) في (أ): "بالكسرة".
[ ٤ / ٢٠٣ ]
قال جارُ الله: " (فصلٌ) والألف لا تخلو من أن تكون في اسمٍ أو فعلٍ، أو تكون ثالثةً، أو فوق ذلك، فالتي في الفعل تُمال كيف كانت والتي في الاسمِ إن لم يُعرف انقلابها عن الياء لم تُمل ثالثةً، وتُمال رابعةً".
قالَ المُشَرِّحُ: إنما تُمال الثالثةُ التي في آخر الفعل، لأنها لا تخلو من أن تكون يائيَّة أو واويَّة، فإن كانت يائية، وَجَبَ بلا توقفٍ فيها الإِمالة، وإن كانت واويةً فكذلك لأنها تَنقلب عند البناء للمفعول ياءً.
قال جارُ الله: "وإنما أُميلت "العلى" لقولهم: "العليا"".
قال المُشَرِّحُ: هذه الألفُ التي في "العُلى" هي الياء التي في "العُليا" لكنّه حذفت الزّيادة وهي الأَلف، وقلبت الياءُ ألفًا وهذا كقولهم: الكُبر في الكبرى.
قالَ جارُ الله: " (فصلٌ) والمتوسطة وإن كانت في فعل يقال فيه فعلت كطاب وخاف أميلت ولم ينظر إلى ما انقلبت عنه، وإن كانت في اسمٍ نُظر إلى ذلك فقيل: نَابَ، ولم يقل بَاب".
قالَ المُشَرِّحُ: لأنه يُقال في جمع هذا أنياب، وفي جمع ذاك أبواب.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وقد أَمَالُوا الألفَ لألفِ ممالة قَبلها قالُوا: رأيتُ عمادًا ومِعْزَانًا".
قال المُشَرِّحُ: إنما أمالوا الألف الثانية فيهما لإمالة الألف ونظيره، لسبب الإِلحاق في نحو قولهم: أَلَنْدَد أنه ملحق بسفَرجل، والألف والنون زائدتان للإِلحاق، ولولا النون المزيدة للإِلحاق لما كانت الهمزة حرفَ إلحاقٍ، ألا ترى أنها في "ألندد" ليست كذلك، وفي قراءة نافع (^١): ﴿رَأَى
_________________
(١) سورة الأنعام: آية ٧٦. قراءة نافع في غيث النفع ص ٢٠٩.
[ ٤ / ٢٠٤ ]
كَوْكَبَا﴾ بين الفتح والكسر، ولا (^١) يخلو من أن يُريد الفتحتين التي على الراء والهمزة أو الفتحة التي على الهمزة وجهًا (^٢)، فإن كان يريد فتحة الهمزة وجهًا فإنما أمالها نحو الكسرة ليميل الألف في "رأى" إلى الياء، كما أمال الفتحة التي على الدّال من "هدى"، والمِيْم من "رمى" وإن كان يريد أنه أمال الفتحتين جميعًا التي على الراء والتي على الهمزة فإمالة فتحة الهمزة على ما تقدم ذكره، وأما إمالة الفتحة التي على الرَّاء فإنما أمالها لاتباعه إياها إمالة فتحة الهمزة كأنه أمال الفتحة لامالة الفتحة.
تخمير: فأما كسر الرّاء في ﴿رأى﴾ على قراءة عاصم وحمزة والكسائي فتلك كسرة مخلَّصة محضة، وليست بفتحة مما له ونحوه شِهِد ونِعِم بكسرتين الفاء فيه تبع العين، والذي حملهم على الكسرة فيه كون المضارع على يفعَل -بالفتح- وذلك يقتضي في الأغلب على هذا قالوا أنت تينا فكسروا حرف المضارعة كما كسروا في "تِعْلَم" و"تِفْهَم".
قالَ جارُ الله: " (فصلٌ) وتَمْنَعُ الإِمالة سبعةُ أحرفٍ هي الصاد والضاد والطاء والظاء والغين والحاء والقاف إذا وليت الألف قبلها أو بعدها إلا في باب "رمى" و"باع" فإنك تقول فيهما: طاب، وخاف، وصغا، وطغى، وذلك نحو صاعد، وعاضم وضَامِنٌ وعاضد وطائف، وعاطش وظالم، وعاظل وغائب، وواغل، وخامد، وناخل، وقاعد، وناقف".
قال المُشَرِّحُ: إنما امتنعوا عند هذه الأحرف من الإِمالة لئلا يَكُوْنُوا بالاستعلاء في صعودٍ وبالإِمالة في نُزُولٍ.
فإن سألتَ: فلم كسروا الحرف من المستعلية؟.
أجبتُ: لأنّي لا أمنع هجوم الكسرة على الحروف المستعلية، بل أقول
_________________
(١) في (ب): "فلا … ".
(٢) ساقط من (ب).
[ ٤ / ٢٠٥ ]
الإِمالة إذا كان وضعها على التجانس فمتى وقع بها التنافر امتنع المصير إليها، ونظيرها امتناع الترخيم في المضاف، الحروف المستعلية تمنع الإِمالة في الأسماء دون الأفعال، ألا ترى أنك تميل ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ (^١) و﴿عَصَى آدَمُ﴾ (^٢) و﴿كِتَابًا يَلْقَاهُ﴾ (^٣) و﴿قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ (^٤)، ولا تميل "الرّضا" ولا "اللّقاء"، ولا "العَصا" (^٥) وهذا لما ذكرنا من أن الألف الواقعة عينًا أو لامًا في الثُّلاثي المجرّد لا تخلو من أن تكون منقلبةً عن ياءٍ أو واوٍ، على ما مضى، ولأنَّ الفعلَ أمكنُ في التَّصريف من الاسمِ.
فإن سألتَ: الحرف [المُستعلي] (^٦) في "صاعد" تمنع الإِمالة والكسرة تقتضيها فكيفَ امتنعت فيه (^٧) الإِمالة مع أن الكسرة آخرهما وجودًا، وكذلك كيفَ منع المستعلي قبل الألف منعه بعدها فالهُبوط بعد الصُّعود أسهل من الصُّعودِ بعد الهبوط، ولذلك أبدلوا الصّاد في صراط لئلا يتسفَّلُوا بالسين ثم يَتَصَعَّدُوا بالطَّاءِ، وقالوا: قَسَيْتُ وقَسَوْتُ فلم يكن هو التّسفل عن تَصَعُّدٍ؟.
أجبتُ: أمَّا الأول فلأن الحركة لا تعارض الحروف.
فإن سألتَ: فكيف عارضته في ما قال الشيخ أبو علي الفارسي فلو قلت: مررت بطارد، ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٨) وهذا صاحبُ قادر لم يكن هو الإِمالة، لأنها تسفل بعد تصعد؟.
_________________
(١) سورة الإِسراء: آية ٢٣.
(٢) سورة طه: آية ١٢١.
(٣) سورة الإِسراء: آية ١٣.
(٤) سورة البقرة: آية ١٤٤.
(٥) في (أ): "التقا".
(٦) في (أ): المستقل. نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ٣ شرح هذه الفقرة، قال: "وذكر صدر الأفاضل في شرحه قال: الحرف المستعلي … ".
(٧) ساقط من (ب).
(٨) سورة الشعراء: آية ١١٤.
[ ٤ / ٢٠٦ ]
أجبتُ: أمّا "طارد" فلما يأت من أن الراء المسكورة يمال لها ما لا يمال لغيرها، وأما الإِمالة في صاحب قادر فممنوعة، ومن ثم قال الشيخ: لم يميلوا مررت بقادر، وأما الثُّلاثي فلأن كِلا الأمرين مُستثقل لا سيّما عند التماس التجانس بالإِمالة. وأمّا قسيت وقسوت فليس المقامُ لطلبِ التجانس.
قال جارُ اللَّه: "أو وَقَعَتْ بعدها بحرفٍ أو حرفين كناشصٍ ومفاريض، وعارض ومعاريض، وناشطٍ ومناشيط، وباهظٍ ومواعيظ (^١) وبالغ ومباليغ، ونافخ ومنافيخ، ونافق ومعاليق".
قال المُشَرِّحُ: مَنَاشِيْط: جمع مَنْشُوْطٍ من نَشَطَ العقدة. بهض الحمل أثقله.
فإن سألتَ: فكيف أمالَ الكِسَائِيُّ وأبو عمرو ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ﴾ (^٢) ولم تُمل معاريض؟.
أجبتُ عنه بعين ما مضى في أول قسم الأسماء.
قالَ جارُ اللَّه: "وإن وقعت قبل الألفِ بحرفٍ وهي مكسورةٌ أو ساكنةٌ بعد مكسورٍ لم يمنع عند الأكثر نحو صِعَابٍ ومِصْبَاحٍ، وضِعَافٍ و[مِضْحَاكٍ] (^٣) وطِلاب ومِطْعَامٍ وظماءٍ وإظلامٍ وغلابٍ ومغناجٍ وخِبَاتٍ وإخباثٍ وقفافٍ ومِقْلَاةٍ".
قال المُشَرَّحُ: تخلل غير المستعلي بين الألف والمستعلي مما أزال التَّنافر ولذلك كره المستعلي قد كسرت من استعلائه ومن ثم قال ابنُ السراج (^٤): وإذا كان الحَرْفُ المستعلي مفتوحًا لم يجز الإِمالة، وهذا لأن
_________________
(١) في (ب): "مياهيظ" والتصحيح من (أ) والمفصل (خ).
(٢) سورة البقرة: آية ٧.
(٣) ساقط من (أ) موجود في المفصل.
(٤) الأصول لابن السراج ٣/ ١٦٤.
[ ٤ / ٢٠٧ ]
فتحة الحَرْفِ المُسْتَعْلِي يقوي استعلاؤه. المِقْلَاةُ: المرأة التي لا يعيش لها ولد.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ): قال سيبويه (^١): وسمعناهم يقولون: أراد أن يضربَها زيدٌ فأمالوا، وقالوا: أراد أن يضربها قبل فنصبوا (^٢) القاف. [وكذلك مررت بمالِ قاسم وبمال ملق] (^٣) ".
[قال المُشَرِّحُ: الشيخُ: الألفُ في يضربها زيدٌ قد أميلت للكسرة، ولم يميلوا يضربها قبل للحرف المُستعلي بعدها وهو القاف] (^٤).
قال المُشَرِّحُ: إنّهم ما أمالُوا بمال قاسم للقاف، وأمالُوا بمال ملق لكسرة اللام.
فإن سألتَ: فكيف لم يُميلوا لكسرةِ اللّام في الفصل المتقدم؟.
أجبتُ: تعارضت الكسرة والحرف المستعلي، والحرف أقوى من الحركة، ولأن الحرف المستعلي آخرهما وجودًا فكانت الغلبة له.
فإن سألتَ: كيفَ منع الحرف المستعلي فيما إذا وقع بعد الألف في نحو مررت بمال قاسم. ولم يمنع في نحو مصباح؟.
أجبتُ: لما مضى في هذا الصّنف من أن الهبوط أسهل من الصعود بعد الهبوط.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) والرَّاء غير المكسورة إذا وَلِيَتْ الألفَ منعت منع المستعلية تقول: هذا راشد، وهذا حمار، ورأيت حمارك على التفخيم،
_________________
(١) الكتاب ٢/ ٢٦٥.
(٢) في رواية في "المفصل": "ففتحوا".
(٣) هذا النص مفصول مع شرحه في فقرة خاصة في نسخة (ب) وحذف في (أ) شرحه فليتأمل.
(٤) لم يرد هذا الشرح في (أ) لما أدمج النّصين أسقطه.
[ ٤ / ٢٠٨ ]
والمكسورة أَمْرُها (^١) بالضد من ذلك يمال لها ما لا يمال مع غيرها نحو طارد وغارم".
قال المُشَرِّحُ: هذه المسألة مدارها على حرف، وهو أن مخرج الرّاء بين الغين والياء ولذلك ترى البغاددة (^٢) والمستعربة الشامية يخرجون الراء غينًا نحو الرمل الغمل، وفي تمرد وتمغدد، وفي نحو شمر تسمع، والألثغ يخرج الراء ياء ثم إذا فتحت الراء فهي إلى مخرج الغين أقرب، لأن الفتحة لها صعودٌ وإذا كسرت فهي إلى مخرج الياء أقرب لأن الكسرةَ لها هبوطٌ من صعود.
قال جارُ اللَّه: " [وتغلب غير المكسورة كما تغلب المُستعلية فتقول: من قرارك وقرئ: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَا﴾ ممالًا] (^٣).
قال المُشَرِّحُ: الراء المكسورة في نحو قرارك تغلب غير المكسورة، لأنها آخرهما وجودًا، فيكون الغلبة لها. وشيءُ آخر قاله الشيخ أبو علي الفارسي (^٤) فإذا عليت المستعلي فإن تغليب الرَّاء المفتوحة أجدرُ، لأنه لاستعلاء في الراء إنما هو حرف من مخرج اللام فيه تكرير.
فإن سألتَ: فكيف لم تغلب المفتوحة من الرائين فتمنع الإِمالة الألف الأولى؟.
أجبتُ: لأنه أشغل عنها الراء المفتوحة بما يليها من الألف، نظيرها كلبان تهارشا على عظم، فالأقوى لا يسلم للأضعف العظم، أمّا إذا لقي للأقوى عظم على حدة فلا يبعد أن يسلم للأضعف عظمة وهذا شيء لطيف.
_________________
(١) في (ب): "على الضد".
(٢) في (ب): "البغدادية".
(٣) ما بين القوسين داخل في الفقرة قبلها في (أ).
(٤) شرح الأندلسي ٥/ ٤.
[ ٤ / ٢٠٩ ]
قال جارُ اللَّه: "فإذا تباعدت لم تؤثر عند أكثرهم فأمالوا هذا كافر، ولم يميلوا مررت بقادر".
قالَ المُشَرِّحُ: إنما أمالوا هذا كافر لقرب الكسرة من الألف، ولم يمنع الراء غير المكسورة من الإِمالة لبعدها، ولم يميلوا مررت بقادر، لقرب الحرف المستعلي وتباعد الراء المكسورة.
فإن سألتَ: فما بالهم أمالُوا الرِّبا لكسرة الراء مع تباعده؟.
أجبتُ: الشيء زمان إقباله على الأثر أقوى منه زمان تباعده عنه.
قال جارُ اللَّه: "وقد فخم بعضهم الأول، وأمال الآخر".
قال المُشَرِّحُ: إنما فخم الأول للراء التي هي غير المكسورة، وأمال الثاني لكسرة الدال والراء المكسورة.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) وقد شذَّ عن القياس قولهم: الحجاج والناس ممالين".
قال المُشَرِّحُ: الحجاج ليس فيه شيءٌ من موجبات الإِمالة.
فإن سألتَ: أليس أن [ألف] (^١) الحجاج تصير في التصغير ياء؟.
أجبتُ: صيرورة الألف (^٢) في موضعِ وضعها فيما إذا كانت الألف منقلبة العذر (^٣) في إمالة الحجاج علمًا هو طلب التفرقة بينه وبين الصفة.
فإن سألتَ: فكيفَ لم تَنْعَكِس هذه القَضِيَّة فتُمال الصفة منه ويُفَخَّمُ العلمُ؟.
أجبتُ: العَلَمُ أعرفُ، فتغييره لا يضرُّ، ولذلك أُجيز ترخيم العَلَمِ
_________________
(١) في (ب)
(٢) كتب الناسخ بعد الألف: "كالواو" علقها بين السطرين.
(٣) في (ب): "والعذر".
[ ٤ / ٢١٠ ]
بخلاف الجِنْس. وأمَّا (^١) العُذر في "الناس" فتوخي الشَّبه بينه وبين مُقابله وهو "الجِنّة" ولذلك فُتح البدوي لوقوعه في مقابل القروي.
قال جارُ اللَّه: "وعن بعضِ العربِ: هذا مالٌ وبابٌ".
قال المُشَرِّحُ: في هذا الفصل حرفان:
أحدهما: تشبيه هذه (^٢) الألف بالألف المنقلبة عن الياء. قال سيبويه: وليس أمر العرب في الإِمالة بمطردٍ على قياس واحد لا يخالفونه فإذا رأيت عربيًا قد أمال شيئًا ولم يمل نظيره فلا ترينه خلط في لغة، لأن ذلك جائز.
والحرف الثاني: أنهم قالوا: لزيد مال فأمالوا في المنفصل، كما أمالوا في المتصل. فمن قال هذا مال قاسه على من قال (^٣) لزيد مال، ولم يعتد بما فيه من الكسرة، لأنها عارضة، وإذا لم تكن الإِمالة هناك للكسرة لزم الإِمالة ها هنا وعلى عكس الإِمالة ها هنا ما قاله (^٤) سيبويه: ومن العرب من يقول في باب بويب فيجيء بالواو. ولأن هذه الألف يكثر إبدالها من الواو وهو غلط منه. هذا كلامه.
قال جارُ اللَّه: "وعاب، ألفه منقلبة عن الياء".
قال المُشَرِّحُ: لم يكن في سماعِ العِمْرَانِيِّ (^٥) هذه الكلمة، وهو الصَّواب.
قال جارُ اللَّه: "وقالوا في العَشا والمكا والكبا وهؤلاء من الواو. [وأما قولهم: الربا فلأجل الراء] (^٦) ".
_________________
(١) في (ب): "أما".
(٢) في (ب): "هذا".
(٣) في (ب): "على قولهم".
(٤) في (ب): "ما قال" والنص في الكتاب: ٢/ ٣٦٤.
(٥) من تلاميذ الزمخشري، تقدم التعريف به في الجزء الأول وهذا النص لا يوجد في المفصل (خ) فلعل نسخته هي نسخة سماع العمراني أيضًا أو هما من أصل واحدٍ.
(٦) عن المفصل (خ).
[ ٤ / ٢١١ ]
قال المُشَرِّحُ: أما العشا فمصدر الأعشى فهو واويٌّ، فكأنهم شبهوه بالواو المنقلبة عن الياء (^١)، وكذلك [المكا] (^٢) لمجثم الأرنب، وهو من الواو بدليل المكو، قال [الطرماح] (^٣):
* كَمْ به من مكو وحشية *
وكذلك الكبا، وهو الكناسة، وجمعه أكباء، يمد ويُقصر، وهو واويٌّ لقولهم: كبوت [البَيْتَ].
فإن سألتَ: فلمَ حُملت إمالة الكبا على الشذوذ وما حملتها على كسرة الكاف كما في عماد؟.
أجبتُ: فرقٌ بين الألف ها هنا، والألف في "عماد"، وذلك لأن (^٤) الألف في "عماد" لا أصل له، أما ها هنا فأصله الواو فإن تجذبه الكسرة إلى الإِمالة (تحد به) (^٥) أصله عنها.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) وقد أَمال قومٌ حاد وحواد نظرًا إلى الأصل، كما قالوا هذا ماش في الوقف".
قالَ المُشَرِّحُ: أصلها [حادي وحوادي] (^٦)، كما أن أصل ماشٍ ماشيٍ.
_________________
(١) في (ب): "ياء".
(٢) في (ب).
(٣) في (ب): "قال المشرح" سهو من الناسخ. ديوان الطرماح وعجز البيت: * قيض في منتثل أو شبامْ * وأنشده الجوهري في الصحاح: (مكا) واللسان عنه. والديوان: ٣٩٢ وفيه: (مكء).
(٤) في (ب): "أن".
(٥) في (أ): "تحذف".
(٦) في (أ): "جادد وجوادد".
[ ٤ / ٢١٢ ]
قال جارُ اللَّه: "وقد أميل: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ (^١) وهي من الواو، ليشاكل ﴿جَلَّاهَا﴾ و﴿يَغْشَاهَا﴾ ".
قال المُشَرِّحُ: ألف ﴿جَلَّاهَا﴾ مما يستوجب الإِمالة بدليلٍ جليت، ولذلك ألف ﴿يَغْشَاهَا﴾ (^٢) بدليل يَغْشَيَان، ونظير هذه المسألة عمادًا ومِعْرانًا.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) وقد أمالوا الفتحة من قولهم: من الضرر ومن الكبر ومن الصغر ومن المحاذر".
قال المُشَرِّحُ: ابن الدَّهان: أما ما مُيَّل من الفَتَحَات فكل فتحةٍ تليها (^٣) ياء أو كسرة من غير مانع. ابنُ السَرَّاج (^٤): قياسُ هذا الباب أن تجعلَ ما يلي الفتحة بمنزلة ما يلي الألف كقولهم من الضَّرَرِ، ومن الكِبَرِ، ومن الصِّغَرِ بإمالة ما قبل الراء المَكسورة، وهي جعله (^٥) بين الفتحة والكسرة.
فإن سألتَ: فلمَ لم يمنع الحرف المُستعلي الإِمالة في "من الصغر"؟.
أجبتُ: لما ذكرنا من أن الراء المكسورة تغلب الحرف المستعلي، وكذلك يميل الفتحة وبينها وبين الراء المكسورة حرف ساكن. ابن السرَّاج: تقول: من عمرو فتميل العين، لأن الميم ساكن (^٦).
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) والحروف لا تمال نحوأ "حتى" و"إلى" و"على" و"أما" و"إلا" إلَّا إذا سُمي بها".
قال المُشَرِّحُ: الحروفُ لا تُمال، لأنَّه لا حظَّ لها في التَّصريف
_________________
(١) سورة الشمس: آية ١.
(٢) في (أ): "تعشآ" وهم الآيتان ٣، ٤ من سورة الشمس.
(٣) في (ب): "نزل".
(٤) الأصول لابن السراج ٣/ ١٦٩، ١٧٠.
(٥) في (أ): "بينها".
(٦) في (ب): "ساكنة".
[ ٤ / ٢١٣ ]
والإِمالة ضربٌ من التَّصريف مع أن حكمَ الأَلفِ فيها حكم المُنقلب عن الواوِ، ألا تَرى أنَّك لو ثَنَّيتَهَا بعد التَّسمية بها لقلت: علوان ولدوان وإلوان. ومن هنا يتنبه أن قول الشيخ -﵀- "إلا إذا سمي به" منظور فيه.
فإنْ سألتَ: فلم لا يمال نحو "إلى" إذا سمي به (^١) وإن كانت منقلبة من الواو لكسرة الهمزة فيه؟.
أجبتُ: الكسرة في مثل هذا المقام لا تؤثر ألا ترى أنهم جعلوا إمالة الكباءِ شاذٌّ مع قيامِ ما ذكرتها من الكسرة فيها. أَمَّا: بفتح الهمزة وتشديد الميم إِلَّا: بكسرة الهمزة وتشديد اللام.
قالَ جارُ اللَّه: "وقد أُميل "بَلَى" و"لا" في: إما لا".
قالَ المُشَرِّحُ: قضية القياس على ما ذكرنا أن لا (^٢) تمال الحروف إلا أنّها أُميل منها ما أُميل لسدّها مسدَّ الجُمَلِ، ألا تَرى أنَّه يُقال: أَلَمْ يَقُم زيدٌ؟ فتقول: بَلَى، أي: قد قام، وكذلك في قولهم: افعل هذا [إما لا، لأن المعنى أفعل هذا] (^٣) إن كنت لا تفعل غيره، ومعناه بالفارسية: (باربي).
قال جارُ اللَّه: و"يا" (^٤) في النّداء، لاغنائها عن الجمل".
قالَ المُشَرِّحُ: حرف النّداء تنزيل الفعل، ولذلك انتصب به المفعول المُطلق وفي بيت العراقيات (^٥):
* فَيَالَ نِزَارٍ دَعْوَةً مُضَرِيَّةً *
_________________
(١) في (ب): "بها".
(٢) في (ب): "لا تمال".
(٣) ساقط من (أ) الأصل.
(٤) في (أ): "ولا في النداء".
(٥) ديوان الأبيوري ١/ ٤٣٧ وعجزه: * بحيث الردينيات بالدم ترعف *
[ ٤ / ٢١٤ ]
وعطف عليه الجُملة على روايةِ من روى: "رَبَّنا وَلَكَ الحَمْدُ".
قال جارُ اللَّه: "والأسماءُ غيرُ المتمكنة يُمال منها المُسْتَقِلُّ بنفسه نحو "ذا" و"أنى" و"متى" ولا يُمال ما ليس بمستقلٍ نحو "ما" الاستفهاميّةِ والشَّرطيَّةِ والمَوْصُوفَةِ" (^١).
قالَ المُشرِّحُ: "ذا" مستقلّ، بدليل أنه يقال: من فعل ذاك. فتقول: ذا وتقتصر (^٢)، وكذلك "أنّى" يقال: هل لك ألف (^٣) دينار، فتقول: من أين لي وأَنّى. وكذلك "متى" يقول الرجل افعل ذلك فتقول: مَتى.
وأمَّا الاستفهامية نحو (^٤): ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾.
والشَّرطية كقوله (^٥): ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾.
والموصوفة نحو قوله (^٦):
رُبَّما تَكْرَهُ النُّفُوسُ مِنَ الأَمْـ … ـــرِ لَهُ فُرْجَةٌ كَحَلَّ العِقَالِ
ما لا يقتصر به، ألا تَرى أنّه لا يُقال في الاستفهام: ما، على معنى: ما تلك.
وفي الشرط: ما، ويراد: ما تفعل أفعل، وفي الوصف: ما، على شيء حسن عندي.
قال جارُ اللَّه: "ونحو إذن".
_________________
(١) في (ب): "الموصولة".
(٢) ساقط من (ب).
(٣) في (ب): "من ألف. ".
(٤) سورة طه: آية ١٨.
(٥) سورة فاطر: آية ٢.
(٦) تقدم في الجزء الأول.
[ ٤ / ٢١٥ ]
قال المُشِّرِّحُ: "إذن" أيضًا غير مستقلِّ، ألا ترى أنه لا يقال إذن (^١) وتسكت.
قال جارُ اللهِ: "قال المُبَرِّدُ (^٢): وإمالة عَسَى جيِّدَةٌ".
قالَ المُشَرِّحُ: إمالةُ "عسى" كانت جيدة، لأنه ليس بحرفٍ ولا اسمٍ نازلٍ منزلة الحَرف، إنما هو فعلٌ، والفعلُ أمكن في الإِمالة من الاسمِ، ألا تَرَى أن الحروفَ المستعليةَ تَمنع الإِمالة في الاسم ولا تَمنعها [في الفِعل] (^٣)، وأمَّا الحُرُوْفُ فلا تُمَالُ.
_________________
(١) في (ب): "اذن أكرمك وتسكت".
(٢) المقتضب ٣/ ٥٣.
(٣) ساقط من (أ).
[ ٤ / ٢١٦ ]
[بابُ الوَقْفِ]
قال جارُ الله: "ومن أصْنَافِ المشترك: الوقف.
يشترك فيه الأضرب الثلاثة".
قال المُشرح: هذا رجل، ومن فعل، وجير.
قال جارُ الله: "وفيه أربعُ لغاتٍ، الإِسكان الصريح، والإِشمام، وهو: ضَمُّ الشفتين بعد الإِسكان، والرّوم، وهو: أن تَروم التَّحريك والتَّضعيف". قال المُشَرِّحُ: أما الإِسكان الصريح فمذهب أكثر القراء والعرب، واختيار أكثر النحويين.
فأمَّا الإِشمامُ فهو عند البصريين مختَصُّ بالضَمِّ. وأمَّا عند الكُوفيين فيشارك [الضمّ فيه الكسر] (^١).
واحتجَّ الكُوفيُّون بأنَّ الكسرةَ في الثّقل أختُ الضمة، والكَسرة بكسر الشّفتين، كما أن الضَّمة بضمهما، والناظر يدركهما جميعًا.
حجَّةُ البصريين: أنَّ الضمة (^٢) بالشفتين، والإِشمام إشارة بالشّفة فأمكن استعماله مع الضمّ بخلاف الكسر، فإنه مع الياء، وهو من وسط اللسان
_________________
(١) في (ب): "يشارك فيه الضم … ".
(٢) في (ب): "الضم".
[ ٤ / ٢١٧ ]
وليس لها آلة يشير بها إليه فإن تكلفته بإضجاع الحنك خرجَ عن موضعه (^١) ولأنه تشويه الحلق.
واتفقوا على أنه لا يكون الإِشمام في المفتوح، لأن الفتح من الألف وهو من آخر الحلق، وليس له آلة تشير بها إليه فيدركه النَّاظر، ولأن الفتحة بفتح الشفتين، وهي لخفتها لا يمكن أخذُ شيءٍ منها إذ في خروج بعضها خروج كلها. وأما الرَّوْمُ فهو: أن تَروم التَّحريك، وحقيقته: أن تأخذَ أَوّل (^٢) صوت في الحركة، ونظيرها: جعل الهمزة بين [بين] (^٣). والرَّوم كما يكون في المَرفوع يكون في غيره أيضًا من المجرور والمنصوب.
ابنُ السَرَّاج: والذي يرومون الحركة يرومونها في النصب والجر.
والفرق بين الرَّوم والإِشمام: أن الرَّوْمَ على ما مضى يتبعه صُويت بخلاف الإِشمام فإنه يراه البصير ولا يسمع. فحاصل الإشمام: الإِقشاعُ من الضمة بنفس الحركة، ونظيرها الاجتزاء من الهمزة المفتوحة بالفتحة في نحو مسألة. والعرض في استعمال الرَّوم والإِشمام بيانُ جرس الحروف، كما أنَّ الغرض بالتَّضعيف بيان جَوهره.
فإن سألتَ: ما الغَرض في بيان الحُروف رومًا واشمامًا؟.
أجبتُ: فيه وجهان:
أحدُهما: الفَصل بين المتحرك والساكن حالة الوقف، كما فصل بينهما في حالةِ الوصلِ بالحركات، ومن ثمّة تقول العربُ في الوقف: هذا زيدو، ومررت بزيدي بالواو والياء، كما يقولون: رأيت زيدًا بالألف والرَّوم والإِشمام في حالة الوقف كالإِعراب الخفي.
_________________
(١) في (ب): "من".
(٢) في (ب): "أول".
(٣) ساقط من (أ).
[ ٤ / ٢١٨ ]
[والثاني] (^١): رفع النُّفرة الحاصلة بالتقاء الساكنين، ولذلك ترى بعض العرب يفر منه إلى التحريك على ما يساق إليك.
قال جارُ الله: "ولها في الخط ثلاث علامات، فللإِسكان الخاء وللإِشمام نقطة، وللروم خط بين يدي الحرف، وللتضعيف الشين، مثال ذلك: هذ حكم وجعفر وخالد وفرجَ" (^٢).
قال المُشَرِّحُ: لكلِّ من ذلك علامةٌ في الخَطّ فللإِسكان [خاء من فوقه لمن خفف] (^٣) ذلك، ومن خط قدام الحرف كأنه من ابتداء، وذلك أن الروم ابتداء الحركة وللإِشمام [نقطة] قُدامه. قال ابنُ الدَّهان: لأنّه أنقص من حال الروم. وعن بعض الأدباء: رأيتُ نقطة الإِشمام في خط علي بن عيسى. وهي نقطة مدورة غير مصفَّرة، وهذا لأن الألف ابتداؤه النقطة، كما أن الروم ابتداؤه الإِشمام، وعلامة التّضعيف شين فوقه من شَدِّدْ.
قال جارُ الله: "والإِشمام مختص بالمرفوع، ويشترك في غيره المجرور والمرفوع والمنصوب غير المنون".
قال المُشَرِّحُ: قد ذكرنا اختلاف البصريين والكوفيين في الإِشمام فلا نعيده، في هذا المقام قيّد المنصوب بغير المنون، لأنّه إذا كان منونًا فالوقف عليه بالألف.
قال جارُ الله: "والمنون يُبدل من تنوينه ألف كقولك: رأيت فرجًا وزيدًا ورشاءًا وكساءً وقاضيًا، فلا متعلق به لهذه اللغات".
قال المُشَرِّحُ: رشاء -بالمد- ككساء.
_________________
(١) ساقط من (أ).
(٢) الكتاب ٢/ ٢٨٢.
(٣) في (أ): "خاء خفيف".
[ ٤ / ٢١٩ ]
قال جارُ الله: "والتَّضعيف مختص بما ليس بهمزة من الصحيح المتحرك ما قبله".
قال المُشَرِّحُ: الهمزة بانفرادها مستثقلة، فكيف مع التَّضعيف لا سيما في الآخر، وذلك أن آخر الكلمة يجب أن يكون على حرف خفيف، ومن ثمَّ لا يقفون إلا على الساكن، ويبدلون الألف المنقلبة من الواو باءً، وذلك في نحو أغزيت. قال سيبويه (^١): لا يضعِّفُون الهمزة في آخر الكلمة.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وبعض العَرَبِ يحول ضمة الحرف الموقوف عليه وكسرته على الساكن الذي قبله دون الفَتحة في غير الهمزة فيقول: هذا بكُر ومررت ببكِر [ويجري أيضًا في حال التعريف] (^٢).
قال (^٣):
_________________
(١) الكتاب
(٢) في (ب).
(٣) توجيه إعراب الشاهد وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٠٥، المنخل ص ١٩٤، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ٧٠. وينظر: المنقوص والممدود للفراء ص ٢٨، المقصور والممدود لابن ولاد ص ٦٥، المخصص ١٥/ ١١١، العيني ٤/ ١١ الهمع ٢/ ١٥٦. قال ابن المستوفي في إثبات المحصل: "البيتان الأولان وجدت الأول منهما في "أخبار الشعراء" يصف سهامًا. و"تحفزها" تدفعها والهاء عائدة على السهام، و"الشعر" جمع أشعر، وهو الكبير شعر الجسد، وجعل الزمخشري الشعر من هذا الباب، لأن الفصيح المستعمل في جمع أفعل فعل ساكنة العين، وربما جاءت في الشعر محركة فحملها على الفصيح الأكثر ثم قال: والبيتان الأولان وجدت الأول منهما في "كتاب النقائض" في حديث "يوم الوقيط" واختصرت منه قوله: "ومرت اللهازم يومئذ بعد الوقعة على ثلاثة رهط من بني عبدة بن عدي بن جندب بن العنبر وزور وحذمر وشريك لم يكونوا برحوا مع قومهم فيلحقوا بالدهناء معهم ولم يشهدوا القتال مع بني دارم وكانوا يرعون نقا من إبلهم حتى طردوها فأحرزوها وجعل زور يقاتلهم ويرميهم وهو يرتجز: نحن حمينا حين لا يحمي بَشَرْ … يومَ الوَقِيْطِ والنّساء تُبْتَقَر قوس تنقاها من النبع وزر … ترن أن تنازع الكف الوتر
[ ٤ / ٢٢٠ ]
* تَحْفِزُهَا الأَوْتَارُ والأَيْدِيْ الشُّعُرْ *
* والنَّبْلُ سِتُّونَ كأنَّها الجَمُرْ *"
قال المُشَرِّحُ: من العَرَبِ من يَكْرَهُ اجتماع السَّاكنين في الوَقف كما يكرهه (^١) في الوَصل فينقل حركة الموقوف عليه إذا كانت ضَمة أو كَسرة إلى الساكن قبله، وذلك إذا لم يشر، وذلك أن الحرف السَّاكن إذا جاوَزَ الحركة فقد نزله العرب منزلة المُتحرك بها، ألا تَرى أنَّ حركتي الإعراب لما جاورتا الكاف صارتا كأنَّهما فيها، ومنه قول جرير (^٢):
* أحبُّ المؤقدان إليّ مؤسى *
فهمز الواو في الموضعين جميعًا، لأنهما جاورتا ضمة الميم قبلهما فصارت الضمة كأنها فيهما، والواو إذا انضمت ضمًا لازمًا فهمزها جائزٌ نحو أُجوه و﴿أُقِّتَتْ﴾ (^٣)، ونظيره قولهم هذا بكُر ومررت ببكِر لغة بعضهم هذا
_________________
(١) = حجرية فيها المنايا تستعر … تحفزها الأوتار والأيدي الشعر والوقيط: يوم كان في الإسلام بين تميم وبكر بن وائل. قال الجوهري: الوقط والوقيط: حفرة في غلظ أو جبل تجتمع فيه ماء السماء، والجمع وقاط". ينظر: النقائض ص ٣٠٥، ٣١٣، معجم البلدان ٥/ ٣٨٢. ونص الجوهري في الصحاح ص ١١٦٨ (وقط).
(٢) في (أ): "لما يكره … ".
(٣) تمامه: * وَجَعْدَةَ إذْ أَضَاءَهُما الوَقُود * ديوان جرير: ١/ ٢٨٨ وروايته: (الواقدان إلى موسى) بدون همزٍ من قصيدة يمدح بها هشام بن عبد الملك أولها: عفا النّسران بعدك والوحيد … ولا يبقى لجدّته جديد والشاهد في الخصائص: ٢/ ١٧٥، ٣/ ١٤٦، ١٤٩، وسر صناعة الإِعراب: ٧٩ والمحتسب: ١/ ٤٧، وشرح شواهد الشافية: ٤٢٩. وموسى: ابن جرير، وجعدة ابنته
(٤) سورة المرسلات: آية ١١.
[ ٤ / ٢٢١ ]
المُرء ورأيت المَرء، ومررت بالمِرء. بضم الميم وفتحها وكسرها. يصف قوسًا. الشُّعُرُ: جمع أَشْعَرٍ، وهو الذي عليه شَعْرٌ.
قالَ جارُ اللَّهِ: "ونَحوه قولهم: اضربه واضربنه، وقال (^١):
عَجِبْتُ والدَّهْرُ كَثِيْرٌ عَجَبُهْ … مِنْ عَنَزِيٍّ سَبَّنِي لَمْ أَضْرِبُهْ
وقال أَبو النَّجم (^٢):
* فَقَرِّبْنَ هذا وهَذا زَحِّلُهْ *"
قال المُشَرِّحُ: يريدون (^٣): اضربْهُ واضربَنْهُ، وهذا لأن الوقف لا يكون إلا (^٤) على المُتحرك، والهاء -وإن كان متحركًا- إلا أن ما قبله ساكنًا فيثقل
_________________
(١) توجيه إعراب الشاهد وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٠٥، المنخل ص ١٩٥، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ٧٠، ٧١. وينظر: الكتاب ٢/ ٢٨٧، شرح أبياته لابن السيرافي التكملة لأبي علي ص ٣٣، إيضاح شواهد الإيضاح ١/ ٣٩٩، البحر المحيط ٢/ ١٠٨، الشافية ٢/ ٢٠٨، الهمع ٢/ ٢٠٨، قال ابن المستوفي: "والبيتان الآخران لزياد الأعجم، وهو زياد بن سليمان بن عامر بن الحارث، ولم أره في ديوانه".
(٢) البيت لأبي النَّجم، توجيه إعرابه وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٠٤، المنخل ص ١٩٥، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ٧١. وينظر: الكتاب ٢/ ٢٨٧، الأصول لابن السراج ٢/ ٣٨٤. قال ابن المستوفي في إثبات المحصل: "وأظن هذا البيت لأبي النَّجم من قصيدته التي منها قوله يصف الخيل المضمرة: جُرْدًا تهادى كالقِدَاح ذُبَّلَهْ … يَهْطِلُها السرَّكض بطَشٍ تَهْطِلَهْ تظميء اللَّحْمَ ولَسْنا نهزِلَهْ … نطويهِ والطَّي السرَّفَيق يجدِلَهْ طيّ التّجار العصب إذ تنخله … نقرعُهُ قرعًا ولمَّا نعتِلَهْ أي: نجذبه جذبًا عفيفًا. ورواه الجوهري: "نفرعه" و"لسنا نعتله" ولا يكون على هذه الرّواية من هذا الباب، وقال: فرعت فرسي باللجام أي: قدعته، وأنشد قول أبي النجم". ينظر: الصحاح ٣/ ١٢٥٧. وبعض هذه الأبيات لم ترد في مجموع ديوانه الذي جمعه الأستاذ علاء الدين أغا ونشره في النادي الأدبي في الرياض سنة ١٤٠١ هـ ولعل ابن المستوفي انفرد بروايتها.
(٣) في (ب): "يريد".
(٤) ساقط من (ب).
[ ٤ / ٢٢٢ ]
اللَّفظ بهما ها هُنا ولا يسهل كما سهل (^١) على نحو زيد وعمرو من أجل أن الهاء خفي. قال الإِمام عبدُ القاهِر الحُرْجَانِيُّ (٢): فإذا لم يَعْتَمِد لسانُك على متحرك قبله لم يعذب اللَّفظ به، وقويت الكلفة فيه، فلما (^٢) كان يقتضي الحال تحريك الساكن قبل الهاء إذا سكن للوقف كان أن ينقل حركته إليه أولى من أن يؤتي بأجنبية، فإن كان ما قبل الهاء حرف معتل نحو قضاة، ولقيه وهو يعزوه فليس إلا الإِسكان من غير نقل، ضرورة أن الألف لا تقبل الحركة والواو والياء تثقل عليهما الحركة فإنما ذلك للصحيح، وإن كان قبل الهاء متحركًا فلا وجه للنقل، وإنما تحذف الحركة فقط فتقول: ارمه في ارمهي من أجل أن الحرف الذي قبل الهاء بحركة نفسه أولى.
زَحِّلَهْ (^٣): بَعِّدْهُ، وهو تَفْعِيْل من زَحَلَ عن مكانه وتَزَحَّل، أي تَنَحّى وتَبَاعَدَ، ومنه اشتقاق زُحَل، لأنَّهم يقولون: إنه في السَّماءِ السَّابعة.
قال جارُ اللَّه: "ولا تقول (^٤): رأيتَ البكُرْ".
قال المُشَرِّحُ: إنما لا يحول ها هنا، لأنَّ التّحويل ورد في عضُد وعضْد مثل ضَعَفٍ وضَعْفٍ وعَضُدٍ وعَضْدٍ وفَخِذ وفَخْذ. ابنُ جِنّي: ولم يجئ من هذا شيءٌ في المفتوح لخفة الفتحة، ألا ترى أن من قال جَحْدٌ ورجْلٌ (^٥) وهو يريد جَحَدًا ورجُلًا لم يقل في جَمَل جَمْل فيكون الرّد مقصورًا عليه، ولذلك لا تُحول الضَّمةُ والكَسرةُ إلى (^٦) السَّاكن قبلها إذا كان حرفَ مدٍّ ولينٍ نحو هذا زيدٌ وعونٌ، ولا يقال: أيضًا: مررت باليسر بكسر السين في الوقف، ولا
_________________
(١) في (ب): "يسهل".
(٢) في (أ): "فيما".
(٣) رواية البيت في الأصول وغيره: "أزحله".
(٤) في (ب): "يقولون".
(٥) في (أ): "فخذ ورجل".
(٦) في (ب).
[ ٤ / ٢٢٣ ]
هذا عدل بضم الدّال، لأن ذلك من ما لا نظير (^١) له، وإنما تقولُ: مررتُ باليُسُر بضم السين اتباعًا لضمة الياء وكلذلك تقول: هذا عِدِل بكسر الدال اتباعًا لكسرة العين.
فقالَ جارُ اللَّه: "وفي الهمزة نحو لهن جميعًا فتقول: هذا الخبؤُ، ومررت بالخبئِ ورأيت الخبأَ".
قال المُشَرِّحُ: هذا وقف الذين يخففون الهمزة، والفرق بين المهموز وبين (^٢) غيره أن الهمزة بعد الساكن أثقل، فبالتحويل يحصل أمران:
الفرارُ من التقاء الساكنين.
وتخفيفُ زيادة (^٣) الثّقل الناشيء من وقوع الهمزة بعد السّاكن، بخلاف غير المهموز فإنه لا يحصل به إلا أحد (^٤) الأمرين.
قال جارُ اللَّه: "وكذلك البُطُوْء والرِّدُءْ".
قال المُشَرِّحُ: البُطُوءْ بضمتين، وبهمزة ساكنة، والرِّدُءْ بكسر الراء وضم الدال وسكون الهمزة.
قالَ جارُ اللَّه: "ومنهم من يتفادى، وهم ناسٌ من تميم من أن يقولوا هذا الردؤ ومن البطئ فيفر إلى الاتباع فيقولون: البُطُؤ بضمتين وهذا الرِّدِئْ بكسرتين".
قال المُشَرِّحُ: (فِعُل) بكسر الفاء وضم العين، و(فُعِل) بضم الفاء وكسر العين ليس من أوزان الكلام فلذلك يفر من يفر إلى الإِتباع، ومن ثم لا يقولون: هذا عِدُل، ولا مررت بالبُسِر ولذلك نزلوا هذه الصّيغة المنقول إليها
_________________
(١) في (أ): "يظهر".
(٢) في (ب): "وغيره".
(٣) ساقط من (ب).
(٤) في (أ): "على أحد ..
[ ٤ / ٢٢٤ ]
في باب التحويل تنزيل الوزن الموضوع من أوزانهم حتى جعلوا العود منها إلى الأصل بمنزلة التَّحويل.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) وقد يبدلون من الهَمزة حرفَ لينٍ تحرَّك ما قبلها أو سَكَنَ فيقولون: هذا الكَلَوُ والخبو البطو والرَّدْوُ ورأيتَ الكلا والخبا والبطا والردا ومررت بالكلى والخبى والبطى والردى".
قال المُشَرِّحُ: هذا وقف الذين لا يخففون الهمزة، يبدل من الهمزة من جنس الحركة التي قبلها.
قال جارُ اللَّه: "ومنهم من يقول: هذا الرَّدَى ومررت بالبُطُو فيتبع".
قال المُشَرِّحُ: الإِتباع ها هنا كالإِتباع في الفصل المتقدم إلا أن الإِتباع ها هنا مع تخفيف الهمزة، وفي الفصل المتقدم بدونه.
قال جارُ اللَّه: "وأهلُ الحِجَازِ يقولون: الكلأ في الأحوال الثَّلاث، لأنَّ الهمزةَ سكَّنها الوقفُ وما قبلها مفتوحٌ فهو كرأس".
قال المُشَرِّحُ: أهلُ الحجاز كأنَّهم لا يحولون فيقولون الكلأ في الأحوال الثلاث، لأن الهمزة سكنها الوقف وما قبلها مفتوح كرأس.
قال جارُ اللَّه: "وعلى هذه العبرة (^١) يقولون في أكمؤ كمو وفي اهنئ هنى كقولهم: جُونة وذيب [".
قال المُشَرِّحُ: يريد: إنهم كما يقلبون الهَمزة الساكنة المفتوح ما قبلها ألفًا فكذلك يقلبون الهمزة الساكنة] (^٢) المضموم ما قبلها واوًا والهمزة الساكنة
_________________
(١) في (أ): "ومنهم من يقول هذا يقولون … " وما أثبته من (ب) هو نص المفصل.
(٢) ساقط من (ب).
[ ٤ / ٢٢٥ ]
المكسور ما قبلها ياء ويقولون في أكمؤ بالهمز أكمو بالواو، وفي اهنئ أمر مخاطب من هنأَة الطَّعامَ اهني بالياء. الجُونَةُ: حقُّةُ العَطّارِ".
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) وإذا اعتل الآخر وما قبله ساكن كآخر ظبي ودلو فهو كالصَّحيحِ".
قال المُشَرِّحُ: لما كان نحو ظبي ودلو كالصَّحيح في تحمل الحركات كان مثله أيضًا في الوقف [عليه] (^١).
قال جارُ اللَّه: "والمتحرك ما قبله إن كان ياءً قد أسقطها التنوين في نحو قاضٍ وعمٍ وجوارٍ فالأكثر أن يوقف على ما قبله فيقال: قاض وعم وجوار وإن لم يسقطها التنوين في نحو القاضي ويا قاضي ورأيت جواري فالأمر بالعكس".
قال المُشَرِّحُ: الاسمُ إذا كان في آخره ياءً قد أسقطها التَّنوين مكسور ما قبلها فالأكثر أن يوقف على ما قبل الياء، وهو مذهبُ سيبويه. قال ابنُ السرَّاج (^٢): لأنه تسقط في الوصل [من أجل التنوين، كأنه يقول: الأصل فيه أن يجاوب حالة الوصل حالة الوقف] (^٣)، لأنه على شرفِ العود إلى الأصل. قال سيبويه (^٤): وحدَّثني أبو الخَطَّاب أن بعض من يوثق به [يقول] (^٥): هذا رامي وغازي وعمي، وهي قراءةُ ابنِ كثيرٍ في نحو قوله (^٦). ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ و﴿وَاْلِيْ﴾ (^٧) والحَذْفُ في ما فيه تنوين أجودُ فإن لم يكن في
_________________
(١) ساقط من (أ).
(٢) الأصول لابن السراج ٢/ ٣٧٤، وفيه نص سيبويه.
(٣) ساقط من (أ).
(٤) الكتاب ٢/ ٢٨٨.
(٥) في (أ) "من العرب".
(٦) سورة الرعد: آية ٧.
(٧) سورة الرعد: آية ١١.
[ ٤ / ٢٢٦ ]
موضعِ تنوين فإن البيانَ أجودُ [في الوقف] (^١)، وذلك في قوله هذا القاضي. ابنُ السَرَّاجِ (^٢): لأنَّها ثابتةٌ، من العرب من يحذف هذا في الوقف شبهه بما ليس فيه ألف ولام كأنهم أدخلوا الألفَ واللَّامَ بعد أنْ وَجَبَ الحذف. وأمَّا النَّصْبُ فليس فيه إلا البَيَانُ، لأنَّها ثابتةٌ في الأصل. قال سيبويه (^٣): وسألتُ الخليل عن القاضي في النِّداء فقال: اختار يا قاضي، لأنَّه ليس بمنون كما اختار القاضي. قوله: فالأمر بالعكس، يريد أن الأكثر يوقف عليه بالياءِ، كما أن الأكثر في هذا قاضٍ أن يوقف عليه بدون الياء.
قال جارُ اللَّه: "ويقال يا مُري لا غيرُ".
قال المُشَرِّحُ: مُرِي، اسم فاعل من أرى يُرى، يريد: إنه يَجوز في القاضي [ويا قاضي] (^٤) الوقف على اليَاءِ، وعلى ما قبل الياء، ولا كذلك يا مُري؛ فإنه لا يجوزُ الوقفُ فيه إلا على الياء كيلا يؤدي إلى إعلالين وكذلك تركوا الإِدغام في تئد.
قال جارُ اللَّه: "وإن كان ألفًا قالوا في الأكثر الأعرف هذه عصا وحبلى".
قال المُشَرِّحُ: حق هذا الاسم أن (^٥) تقف عليه في الأحوال بغير تنوين -وإن كان منصرفًا- فتقول: هذه عَصَا، ورأيت عَصَا، ومررتُ بعَصَا.
قال جارُ اللَّه: "ويقول ناسٌ من فَزَاْرَةَ وقَيْسٍ حبلي بالياء وبعض طَيِّئٍ حبلو بالواو".
قال المُشَرِّحُ: إنما يقلبونها للفَرق بين حالة الوقف وغيرها. أمَّا الياءُ
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) الأصول ٢/ ٣٧٥.
(٣) الكتاب ١/ ٢٨٩.
(٤) ساقط من (أ).
(٥) في (ب): "الذي تقف … ".
[ ٤ / ٢٢٧ ]
[فلأنها تقلب في التثنية كذلك للضرورة فكذلك ها هنا] (^١) أما الواو فلأنها أبينُ من الياء.
قال جارُ اللَّه: "ومنهم من سوى (^٢) في القلب بين الوقف والوصل".
قال المُشَرِّحُ: وذلك حُبلى زيد وحبلو زيد في الوصل، وهذا من باب إجراء الوصل مجرى الوقف نحو ثلثهربعة.
قال جارُ اللَّه: "وزعم الخليل أنَّ بعضَهم يقلبها همزةً فيقول: هذه حبلاء ورأيت رَجُلاء، وهو يضربهاء".
قال المُشَرِّحُ: الألف قد تبدل همزة، وذلك في نحو صحراء فإن الهمزة فيه منقلبة عن ألف التأنيث، وإنما تقلب همزة للضرورة كذلك ها هنا.
قال جارُ اللَّه: "وألف "عصا" في النَّصب هي المبدلة من التنوين، وفي الرفع والجر هي المنقلبة عند سيبويه، وعند المازني هي المبدلة (^٣) في الأحوال الثلاث".
قال المُشَرِّحُ: مذهب أبي عثمان المازني أن الوقف على نحو الرحى والعصا على المبدلة في الأحوال، ومذهب الكسائي وأبي عمرو وبه أخذ ابن كيسان وأبو سعيد السيرافي أن الوقف في الأحوال الثلاث (^٤) على المنقلبة [وعند سيبويه أن الوقف في حالتي الرفع والجر يكون على المنقلبة] (^٥) وفي حالة النصب على المبدلة (^٦).
_________________
(١) عبارته في (أ): "فلأنها في التثنية تقلب كذلك للضرورة فكذلك ها هنا".
(٢) في (أ): "يسوي" والتصحيح من (ب) وهو نص المفصل.
(٣) في (أ): "المبتدلة".
(٤) في (ب):
(٥) يظهر أنه مصحح على هامش (أ) إلا أنه لم يظهر في صورة المخطوط، إذ علامة التصحيح موجودة.
(٦) فصل القول في ذلك العكبري في "التبيين عن مذاهب النحويين" ص ١٨٦ مسألة رقم (١٩) "الوقف على المقصور المنون".
[ ٤ / ٢٢٨ ]
واحتجَّ أبو عُثمان بأنَّ الحاجةَ ماسةٌ إلى الإِبدال من التنوين في الحالتين، لأنه [كلمة، ولذلك أبدل عنها في النصب إلا أنه في الصَّحيح بعد الإِبدال عنها في الحالتين لأنه] (^١) لو كان فيها الإِبدال [لكان النَّصب كذلك، فالإِبدال] (^٢) لا يخلو من أن يكون بالألف، أو بالواو والياء. لا وجه إلى أن يكون بالألف، لأن الألف لا تناسب الكسرة والضمة، ولا وجه إلى أن يكون بالياء والواو، لأنهما متى وقعتا طرفًا فإما أن يقلبا وأما أن لا يقلبا، فلئن لم يقلبا لزم من ذلك خلاف الأصل أيضًا وهو قلب النون المكسورة أو المضموم ما قبله (^٣) إلى الألف، أما ها هنا فقد أمكن الإِبدال عنهما بالألف ضرورة أن ما قبل التنوين مفتوح.
واحتجَّ الكِسَائي وأبو عمرو بأشياء:
أحدها: أن الألف قد وقف عليه في قول الشماخ (^٤) رويًا:
رُبَّ ضيفٍ طَرَقَ الحَيّ سُرَى
صادَفَ زادًا وحَدِيْثًا ما اشْتَهَى
والألف المبدلة من التنوين [في النصف لا تكون] (^٥) رويًا، لو قلت في بيت "زيدًا" وفي آخر "عمرًا" أحلت.
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) ساقط من (أ).
(٣) في (ب): "قبله".
(٤) ديوان الشماخ ص ٤٦٤ (ملحق الديوان) تحقيق الدكتور صلاح الدين الهادي وبعدهما: * إن الحديث طرف من القرى * وهما في البيان والتبيين ١/ ١٠، أمالي الزجاجي ص ٤٨، أمالي ابن الشجري ٢/ ٢٠٥، المرتجل ص ٤٨، التبيين عن مذاهب النحويين ص ١٨٩، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ٧٦، البحر المحيط ٧/ ١٠، العيني ٤/ ٥٤٦، شرح شواهد الشافية ص ٢٠٦.
(٥) في (ب).
[ ٤ / ٢٢٩ ]
وثانيهما: أن بعض القراء (^١) قرأ: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ (^٢) بالإِمالة، وإنما تُمال الأصلية لا المُبدلة، ولأنهم أمالوا (^٣) الأَلف في ﴿هُدًى﴾ من قوله (^٤): ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾، ولو كانت هي المبدلة لما جازت إمالتها كما في رأيت عمرًا.
ثالثهما: أن ألفَ ﴿هُدًى﴾ كتبت في المصحف بالياء، والمبدلة لا يجوز كتابتها بالياء (^٥).
حجَّة سيبويه: حمل حال الاشتباه على حال عدم الاشتباه وأمَّا حُجَّة أبي عثمان: فيقول: لم قلت بأن الألف تدل على التنوين في حالين (^٦)؟ فلئن قال: قياسًا على صورة النصب قلنا بين الحالتين وحالة النصب فرق، وذلك أن ما قبل التنوين في حالة النصب كما هو مفتوح صورة فهو مفتوح معنى، [أما في الحالتين فغير مفتوح معنى] (٧).
أما حجة الإِمامين فنقول: الشعر قسمان مطلق ومقيد وهذا الشعر من قبيل المقيد [والمقيد] (^٧) لا حظ له في الحركة والتنوين هذا كما لو قلت مكان سرى شرف.
أمَّا قوله بأن بعض القراء قرأ: ﴿سَمِعْنَا فَتًى﴾ بالإِمالة وإنما تمال الألف الأصلية فحديث زور، ألا تراهم يقولون: درست علمًا، والألف هنا هي المبدلة من التنوين، فإذا أمالوا الألف الثابتة في (عمادًا) للألف الممالة
_________________
(١) هي قراءة حمزة والكسائي وورش. غيث النفع ص ٢٩٤. وهي الآية رقم ٦٠ من سورة الأنبياء.
(٢) في (أ)
(٣) في (أ): "أمالهم".
(٤) سورة طه: آية ١٠ وهي قراءة أبي عمرو والكسائي وورش وغيرهم.
(٥) في (ب): "ياء".
(٦) في (ب): "في الحالين".
(٧) في (ب).
[ ٤ / ٢٣٠ ]
قبلها فأي شك يبقى لك بعد هذا (^١)؟! ولعل الإِمالة فيه لاشتباه الألف المبدلة بالألف المنقلبة.
وأمّا قولهم: بأنهم أمالوا الألف في "هدى" من قوله: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ فنقول: إذا أُميل ألف "هدى" فإما أن تكون [ألف] (^٢) النار ممالة، أو لا تكون، فلئن كانت ممالة جاز أن تكون الألف في هدى ممالة للمشاكلة كما في ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ (^٣)، وإن لم تكن ممالة جاز أن تكون الإِمالة لاشتباه الألف المبدلة بالألف المنقلبة، وبالشبه ثبت في الفرع الحكم الثابت في الأصل، فكيف الاشتباه؟! ومن ثمَّ أجاز سيبويه (^٤): أين تظن زيدًا ذاهبٌ فألغى الظَنَّ، وإن كان "أين" غير مُستقر، كما جازَ إلغاؤه إذا كان مُسْتَقِرًّا.
وأمّا أن كتابة المصحف جوز قياسه [فليس بقياس] (٥) بل سنة متبعة.
تخمير: أواخر الأسماء على نوعين، إما صحيحة، وإما معتلة.
فالصحيحة على ضربين: مهموزة، وغير مهموزة، وكلا الضربين قد ذكرنا في الوقف أحكامه. والمعتلة على صنفين أيضًا قد أمضينا في الوقف أحكامه وأما ما في آخره ألف [أو واو] (^٥) أو ياء ساكن ما قبله أو ألف ممدودة فحكمه حكم الصحيح.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) والوقف على المرفوع والمنصوب من الفعل الذي اعتلت لامه بإثبات أواخره نحو يغزو ويرمي. وعلى المجزوم،
_________________
(١) في (ب): "بعد هذا ينبغي لك".
(٢) في (ب).
(٣) سورة الشمس: الآيتان ١، ٢.
(٤) الكتاب: ١/ ٦٣.
(٥) في (ب).
[ ٤ / ٢٣١ ]
والموقوف منه بإلحاق الهاء نحو لم يعزه ولم يرمه ولم يخشه واعزه وارمه واخشه وبغير هاء نحو لم يغز ولم يرم واغز وارم".
قال المُشَرِّحُ: الوقف على الفعل المعتل بإثبات آخره، ولا يحذف منه شيء، لأنه ليس مما يلحقه التنوين في الوصل فيحذف منه. وأمَّا المجزومُ والموقوف فيكون الوقف عليه بالهاء نحو لم يغزه واغزه، والهاء -ها هنا- وإن كانت هاء الاستراحة والتبيين إلا أنها جعلت في هذا عوضًا عن المحذوف ومن العرب من يقول: لم يغز واغز بغير هاء مع اجتماع ساكنين.
ابنُ السرَّاج (^١): وهذه اللُّغة أقلُّ اللِّغَتَيْن.
قال جارُ الله: "إلَّا ما أفضى به ترك الهاء إلى حرفٍ واحدٍ فإنه يجب الإِلحاق نحو فه وره".
قال المُشَرِّحُ: أمَّا ما يكون على حرفٍ واحدٍ فلا بدّ من الهاء ضرورة أن الابتداء لا يكون إلا بمتحرك والوقف لا يكون إلا على ساكن.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وكلُّ واوٍ أو ياءٍ لا تحذف [تحذف] (^٢) في الفواصل والقوافي كقوله تعالى (^٣): ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾، ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ (^٤)، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ (^٥)، وقول زهير:
وبعـ … ـض القَوْمِ يَخْلق ثمَّ لا يفر"
_________________
(١) الأصول لابن السراج ٢/ ٣٨٢ ونصه هكذا: "فأما المعتل إذا جزم، أو وقف للأمر ففيه لغتان: من العرب من يقول: ارمه ولم يغزه واخشه ولم يقضه ولم يرضه. ومنهم من يقول: ارم واغز واخش فيقف بغير هاء. قال سيبويه حدثنا بذلك عيسى بن عمر ويونس، وهذه اللغة أقل اللغتين". ينظر الكتاب ٢/ ٢٧٨.
(٢) ساقط من (أ) موجودة في المفصل.
(٣) سورة الرعد: آية ٩.
(٤) سورة غافر: آية ٣٢.
(٥) سورة الفجر: آية ٤.
[ ٤ / ٢٣٢ ]
قال المُشَرِّحُ: أمَّا إذا كان اسم فإنه لا يخلو من أن يكون منونًا، أو لا يكون فلئن كان منونًا فحكمه ما ذكرنا من أن الأجود فيه حذف الياء ولئن كان غير منون فالأجود إثبات الياء. أما الفعلُ فإنما حذف منه الياء، لأن حالة الوقف مشتبهة بحالة الجزم، وفي حالة الجزم تسقط فكذلك في حالة الوقف. ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ إشارة إلى قوله تعالى (^١): ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا [فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا]﴾ (^٢). صدر البيت (^٣):
ولأَنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتُ وَبَعْـ … ـضُ القَوْمِ البيت
يمدح هرم بن سِنان المري. يقول: إنك بجراءتك وجودة آراءك إذا هممت بأمرٍ مضيت فيه وأتممته. وفي كلام الحجاج: إني لا أهم إلا أمضيت ولا أخلق إلا فريت، وقول الآخر:
* ماضٍ على الهَمّ مقدام الوَغَى بَطَلُ *
قال جارُ الله: "وأنشدَ سيبويه (^٤):
لا يَبعد الله أحبابًا تركتهم … لم أدْرِ بعدَ غَدَاةِ الأَمْسِ ما صَنَعُ
أي: ما صنعوا".
_________________
(١) سورة الأعراف: آية ٤٤.
(٢) ساقط من (أ).
(٣) شرح ديوان زهير ص ٩٤. توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٠٦، المنخل ص ١٩٥، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ٧٩. وينظر: الكتاب ٢/ ٢٨٩، ٣٠٠، شرح أبياته لابن السيرافي ٢/ ٣٤٤، تأويل مشكل القرآن ص ٥٠٧، الأصول ٢/ ٣٨٨، تفسير الطبري ١٨/ ٩، التكملة لأبي علي ص ٢٣، شرح أبياته إيضاح شواهد الإِيضاح ١/ ٣٧٤، ٣٨٠، الحجة لأبي علي ١/ ٣٠٧، المنصف ٢/ ٧٤، ٢٣٢، شرح الشافية ص ٢٢٩.
(٤) الكتاب ٢/ ٣٠١.
[ ٤ / ٢٣٣ ]
قال المُشَرِّحُ: مِنَ النَّاس مَنْ يُجري القوافي الإِنشاد مُجرى الكلام فيقول (^١):
* أَقِلّي اللَّوْمَ عاذِلَ والعِتَابَنْ *
* واسأَلْ بِمَصْقَلَةَ البَكْرِيّ ما فَعَلْ (^٢) *
في أي كلام كان ما فعل.
فإن سألتَ: فإذا أُجري مُجرى الكلام فلم سقط الواو الذي لا يجوز إسقاطه إعرابًا؟!.
أجبتُ: إظهارًا للوقف، وهذا، لأن الشعر مسكن الآخر.
فإذا قُلت: ما صَنَعُوا لم يُدْرَ أواصلٌ أنت أم واقف؟! فإذا حذفت الواو عُلم أنَّك واقفٌ. ونظير هذه المسألة حَذو القُذة التنوين الغالي، بل هذا أولى من ذلك، لأنَّ حالَ الوَقْفِ أنقص (^٣) من حالِ الوَصل.
البيت لابن مقبل، وبعده (^٤):
_________________
(١) تقدم ذكره في هذا الجزء.
(٢) تقدم ذكره في هذا الجزء.
(٣) في (ب): "أبين".
(٤) البيت لتميم بن أبي بن مقبل العجلاني في ديوانه ص ١٦٨، توجيه إعراب الشاهد وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٠٦، المنخل ص ١٩٩، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ٧٨. وينظر: الكتاب ٢/ ٣٠١، شرح أبياته لابن السيرافي ٢/ ٣٨٣، ٣٨٤، الأصول لابن السراج ٢/ ٣٩٠، الحجة لأبي علي ١/ ٥٧، شرح شواهد الشافية ص ٢٣٦. قال ابن المستوفي في إثبات المحصل: "أورد المغربي بعد بيت ابن مقبل المستشهد به قوله: لو ساوفتنا بسوف من تحيتها … سوف العيوف لراح الركب قد قنع وقال: يريد: قنعوا، والوف، الشم، يقول: لو دنت منا فشممنا ريحها لقنعنا. والعيوف: الناقة التي تشم الماء ولا تشربه، يقول: قد رضي بمقدار الشم وإن منعته ما سواه، والمعنى: إذا نال منها هذا القدر رضي أصحابه ومن معه من أجل رضاه، والعيوف: الذي يشم الماء ولا يشربه. وهذا البيت بعد الأول بعشرة أبيات. وفي "شعره": =
[ ٤ / ٢٣٤ ]
لَوْ سَاوَفَتْنَا بَسَوْفٍ من تَحِيّتِهَا … سَوف العَيُوْفِ لراح الرَّكْب قد قَنِعْ
ساوفتنا: بالفاء من السّوف، وهو الشَمُّ، يقول: لو دنت منا فشممنا رائحتها لقنعنا. ويروى:
* لو ساعَفَتْنا بسوفٍ من تَحِيَّتها *
والمُساعفة والمساعدة من وادٍ واحدٍ والعيوف: الناقة التي تَشمّ الماء ولا تشربه، يريد (^١): قد يرضى منها بمقدار الشم وإن منعته ما سواه، والمعنى: إِذا نال منها هذا القدر رضي أصحابه ومن معه من (^٢) أجل رضاه.
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وتاء التأنيث في الاسم المفرد تقلب هاء في الوقف نحو غرفة وظلمة".
قال المُشَرِّحُ: "في الاسم المفرد" احترازًا عن نحو غرفات وظلمات.
قالَ جارُ الله: "ومن العرب من يقف عليها تاء قال:
* بل جَوْزتيها كَظَهْرِ الحَجفَتْ *
_________________
(١) = * لو ساعفتنا * كذا وجدته بخطي في ديوان شعره". أقول: هو كما قال ابن المستوفي في ديوانه بعد عشرة أبيات ينظر ص ١٧٢. ونص المغربي (الأندلسي) غير موجود في شرحه لخرم أصاب الجزء الخامس منه ذهب بمعظم هذا الباب. وقد نقله الأندلسي عن الخوارزمي، والخوارزمي إنما نقله عن ابن السيرافي في شرح أبيات الكتاب ٢/ ٣٨٤ إلا أن ابن السيرافي قال: "وقال ابن مقبل في هذه القصيدة"، ولم يقل: وبعده كما فعل الخوارزمي وتبعه الأندلسي فليتأمل. وأنشد البيت أبو سعيد السيرافي في شرح الكتاب ٥/ ١٧٩ (التيمورية).
(٢) في (ب): "يريد رضي … ".
(٣) في (ب): "لأجل رضاه".
[ ٤ / ٢٣٥ ]
قال المُشَرِّحُ: الوقف على التاء لغة حكاها حمزة عن أبي الخطاب. علي بن عيسى: وإنما جاز إبدال الهاء من تاء التأنيث لأن الهاء طرف من أقصى الحلق والهاء تزاد طرفًا لتكون خلفًا من الواو التي هي أختها في الموضوع الذي لا يصح فيه. ومن العرب إذا سكت على الهاء جعلها تاء فقال: هذا طلحت وخبز الذرت. أصحاب اللغة يقولون: "بل" ها هنا بمعنى "رب" ونظيره (^١):
* بل مَهْمَهٍ قَطَعْتُ بعدَ مَهْمَهِ *
جوز كل شيءٍ: وسطه، وجمعه أجواز، يقال للترس إذا كان من جلود ليس فيه خشب ولا عقب حجفة ودرقة، وجمعها حجف، والمحاجف: المقاتل صاحب الحجفة. وحجفت فلانًا: إذا عارضته ودافعته. قال الإِمام عبد القاهر الجرجاني ويقولون: تهياء كظهر المجن من الملامسة (^٢).
_________________
(١) البيت لرؤبة في ديوانه ص ١٦٦ وروايته: * ومهمه أطرافه في مهمة * وينظر: العيني ٣/ ٢٤٥، الشافية ص ٢٠٢، اللسان: (بلل).
(٢) ينسب هذا الرجز إلى أبي النجم العجلي الراجز، كما ينسب إلى سؤر الذئب شاعر جاهلي، ونسبه ابن يسعون إلى بعض الطائيين، ولم أجده في (شعر طيء). وسؤر الذهب في (ألقاب الشعراء ص ٣٠٤). توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٠٧، المنخل ص ١٩٦، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ٨٠. وينظر: التكملة لأبي علي ص ١٠٨، شرح شواهده (إيضاح أبيات الإِيضاح) ٢/ ٥٧٤، ٥٨١، المحتسب ٢/ ٩٢، الخصائص ١/ ٤٠٣، ٢/ ٩٨، الإِنصاف ص ٣٧٩، رصف المباني ص ١٥٦، ١٦٢، اللسان: (حجف)، (بلل)، وشرح شواهد الشافية ص ١٩٨. قال ابن المستوفي في إثبات المحصل: البيت لأبي النجم و"بل" فيه بمعنى "رب" وهو قليل: والجوز: الوسط من كل شيء، والتيهاء: المفازة التي يتاه فيها. قال الجوهري: يقال للترس إذا كان من جلود ليس فيه خب ولا عقب حجفة ودرقة، والجمع حجف قال الراجز: ما بال عيني عن كراها قد جفت … مسبلة تستن لما عرفت دارًا لليلى بعد حول قد عفت … بل جوزتيهاء كظهر الحجفت آخر كلام الجوهري. وبعده: =
[ ٤ / ٢٣٦ ]
ما قبل البيت:
ما بال عين عن كراها قد جَفَت
مسبلة تَسْتَنٌ لما عَرَفَتْ
دارًا لسلمى بعد حولٍ قد عَفَتْ
بل جوزتيها البيت
قد جفت، أي: انقطعت عن كراها، وصفها بالأسنان كما وصف السيل بالاعتنان في بيت العراقيات (^١):
وتسطو كما يعتن في جريانه … أتى إذا مارد ريعانه طغى
والاعتنان والاستنان متقاربان.
قال جارُ الله: "و"هيهات" إن جُعل مفردًا وقف عليها بالهاء وإلا بالتاء، ومثله في احتمال الوجهين "استأصل الله عِرْقَاتَهُمْ وعِرْقَاتِهِمْ".
_________________
(١) = فالله نجاك بكفى مسلمت … من بعد ما وبعد ما وبعد مت صارت نفوس القوم عند الفصلمت … وكادت الحرة أن تدعى أمت أبدل التاء من الألف في "ما" هاء للوقف، ثم قلبها تاءً اعتقاد أنها كتاء طلحة وما أشبهه. شبهه التيهاء بظهر المجن من الملابسة، والشيء قد يشبه بالشيء ويراد منهما معنى فيهما مثاله. قوله: "كظهر الحجفت" إنما أراد أن التيهاء ملساء لا أعلام فيها كظهر الحجفة ملاسة، ولم يرد أنها مثلها في المقدار. قال الخوارزمي: قد حجفت، أي: انقطعت من كراها، وصفها بالاستنان كما وصف السيل بالاعتنان في بيت العراقيات: * وتسطو كما يعتن في جريانه * أي: إذا ما رد ريعانه طغا، والاعتنان والاستنان متقاربان". ونصه طويل مفيد جدًا. فليراجع هناك. ينظر الصحاح ٤/ ١٣٤١ (حجف). أقول لم يرد هذا الرجز -أعني الأبيات الأُول- في ديوان أبي النجم المشار إليه فيما سبق وهي من أرجوزة طويلة موجودة في مصادر مختلفة. منها: تسمع للحلى إذا ما انصرفت … كزجل الريح إذا ما زفزفت ما ضرها أم ما عليها لو شفت … متيمًا بنظرة وأسعفت قد تبلت فؤاده وشغفت
(٢) ديوان الأبيوردي ١/ ٣١٩.
[ ٤ / ٢٣٧ ]
قال المُشَرِّحُ: قد ذكرنا في قسم الأسماء أن "هيهات" تكون مفردًا وجمعًا، فإذا وقفت عليه مفردًا فهو [بالهاء] (^١) كغرفة وحجرة، وإذا وقفت عليه جمعًا فهو بالتاء انفسح العرقات العرق.
قال جارُ الله: "وقد يجري الوصل مجرى الوقف منه قوله:
* مثل الحَرِيْقِ وافقَ القِصَبَّا *"
قال المُشَرِّحُ: لهذا وجه من القياس، وهو أن الحرف الذي للإِطلاق لما لم يلزم، لأن في الناس من يجري القوافي في الإِنشاد مجرى الكلام على ما مر آنفًا فلذلك يلزم أن تقول: الأضخم على هذا فلا يطلق، فإذا كان ذلك وجهًا في الإِنشاد علمت أن الحرف الذي للإِطلاق غير لازم، وإذا لم يلزم لم يعتد به، وإذا لم يُعتَدَّ به كان الحرفُ المُشَدَّد كأنَّه الموقوف عليه في الحُكم. ومن إجراء الوصل مجرى الوقف قوله (^٢):
إن تَبْخَلِي يا هندُ أو تَعْتَلِّي
أو تُصْبِحِيْ فِي الظَّاعن المُوَلِّي
بِبَازِلٍ وَجْنَاءَ أو عَيْهَلِّ
قبل البيت (^٣):
_________________
(١) ساقط من (أ).
(٢) الأبيات الثلاثة لمنظور بن مرثد الأسدي من أرجوزة جيدة في أراجيز العرب ص ١٥٩، وفي مجالس ثعلب ٢/ ٥٣٣ منسوبة للدبيرية، ونسبها الصغاني لمنظور ابن حبة الأسدي، وهو منظور بن مرثد لأن أباه مرثد وأمه حبة كذا قال البغدادي في الخزانة ٢/ ٥٥٣، وينظر: نوادر أبي زيد ص ٢٤٨، شرح شواهد شرح الشافية ص ٢٤٨. والشاهد في: الكتاب ٢/ ٢٨٢، شرح أبياته لابن السيرافي ٢/ ٣٧٦، الأصول ٣/ ٤٥٢، التكملة لأبي علي ص ١٩ إيضاح شواهد الإِيضاح ١/ ٣٦٥، الخصائص ٢/ ٥٣٩، المحتسب ١/ ١٠٢، ١٣٧، ٢٧٦، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ٦٨، ضرائر الشعر ص ٣٢، ٥١.
(٣) البيت لرؤبة في ديوانه ص ١٦٩. توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٠٨، المنخل ص ١٩٦، شرح =
[ ٤ / ٢٣٨ ]
لَقَدْ خَشِيْتُ أَنْ أَرى جِدَبَّا
في عامِنَا ذَا بَعد ما أَخصبَّا
إذا الدَّبا فوقَ المُتون دبَّا
وهبَّت الرِّيحُ له فهبَّا
يترك ما أبقى الدَّبا سَبْسَبَّا
أو كالحَريقِ وافقَ القَصَبّا
والتِّبْنَ والحَلْفَاءَ فالْتَهَبَّا
كأنَّه اللَّيلُ إذا اسْلَحَبَّا
عنى بالجدبب: الجَدْب فزاد في آخره للضرورة باءين، وهذا كقوله:
فُؤَادِدِي … انقَطَعْ
وضِرْسِسِي … قَدْ انْقَلَعْ
وكقولهم: فطن فطننّ بزيادة نونين، وكذلك عنى بالأخصب: أخصبب فشدده. المتون: جمع متن، وهو المكان فيه صلابة وارتفاع يقول: أَخشى
_________________
(١) = المفصل لابن يعيش ٩/ ٦٨. وينظر: الكتاب لسيبويه ٢/ ٢٨٢، شرح أبياته لابن السيرافي ٢/ ٣٧٧، الرد عليه لابن الأعرابي الأسود (فرحة الأديب ص ٢٠٧)، تكملة الإِيضاح ص ١٩، إيضاح شواهد الإِيضاح ١/ ٣٦٥، المحتسب ١/ ٧٥، ضرائر الشعر ص ٥٠، ١٣٩، العيني ٤/ ٥٤٩، التصريح ٢/ ٣٤٦، شرح شواهد الشافية ص ١٣٠. رد أبو محمد الأعرابي في فرحة الأديب ص ٢٠٧ على ابن السيرافي لما نسب البيت إلى رؤبة بقوله: "قال (س) توهم ابن السيرافي أن الأرجيز كلها لرؤبة، لأجل أن رؤبة كان راجزًا، بل هي من شوارد الرجز، لا يعرف قائلها … ". ولم ينسبه ابن السيرافي، وإنما نسبه سيبويه؟!. قال ابن يسعون في المصباح في شرح أبيات الإِيضاح ص ١١٤ "هذا البيت لربيعة بن صبح -فيما زعم الجرمي- ونسبا في الكتاب لرؤبة وليسا في شعره ونسبهما أبو حاتم في كتاب "الطير" مع أبيات كثيرة لأعرابي". وقال القيسي في إيضاح شواهد الإِيضاح ص ٣٦٥: "هذا الرجز لربيعة بن أبي صبح، ويروى لرؤبة … ".
[ ٤ / ٢٣٩ ]
أن أَرى هذا العام جدبًا بعد الخصب فإذا دب صغار الجراد وهبّت الرّيح تركت المكان الذي أبقى فيه الجراد شيئًا من النبات أجرد لا شيءَ فيه، لأنها استأصلت النبت وقطعته وحملته من مكان [إلى مكان] (^١) آخر. التهبا: أي: التهب. اسلحبَّ الليلُ: إذا امتَدَّ. والمكان إذا ذَهَبَ نباته وتولى خِصبه رُؤي كأنه مظلمٌ.
قال جارُ الله: "ولا يختص بحال الضرورة يقولون (^٢): ثلثهربعة، وفي التَّنزيل (^٣): ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ".
قال المُشَرِّحُ: الهاء ها هنا كما نابت عن التاء فكذلك نابت عن الهمزة وأيضًا لتقارب مَخْرجيهما. أما ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ فقد ذكرتُهُ في قسم الحروف.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وتقول في الوقف على غير المتمكنة: أنا بالألف وأنه بالهاء، وهُوْ بالإِسكان، وهوه بإلحاق الهاء [وها هنا] (^٤) وها هناه، وهؤلاء، وهؤلاه إذا قُصر".
قال المُشَرِّحُ: أنه بإبدال الهاء من الألف لتقارب المخرجين، ومنه الحديث (^٥): "فقلتُ مَهْ" وفي حديث حاتم (^٦): "هكذا قردي أَنَهْ"، وقال (^٧):
إذا ما [ترعرعَ] (^٨) فينا الغُلَا … مُ فما أن يُقال له من هُوَهْ
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) في (أ): "فلا يقولون".
(٣) سورة الكهف: آية ٣٨.
(٤) ساقط من (ب).
(٥) لعله يومئ إلى حديث أبي ذويب الهذلي وقد تقدم.
(٦) قصته مشهورة في المثل "لو ذات سوار لطمتني".
(٧) البيت لحسان بن ثابت في ديوانه ص ٥٢٠. وينظر: شرح ابن يعيش ٩/ ٨٤، العيني ٤/ ٥٦٠، شرح التصريح ٢/ ٣٤٥.
(٨) في (أ): "ترحرح".
[ ٤ / ٢٤٠ ]
"إذا قصر" معناه: إذا قصر هؤلاء وهؤلاه. وفي "المُقتصد" للإِمام عبد القاهر الجرجاني: أمَّا نحو ها هنا وهؤلا -فيمن قصرها-. الوقف عليه بالألف كألف حبلى، إذ ليس فيه تَنوين فيبدل وبعضهم يقول: ها هناه وهؤلاه ولا يفعلون ذلك بأفعى وأعمى، لأنه في حكم المعرب.
قال جارُ الله: "وأكرمتك وأكرمتكه وغلامي وضربني وعلامين وضربنيه بالإِسكان وإلحاق الهاء في من حرَّك في الوصل وعلام وضربن في من أسكن في الوصل، وفي قراءةِ أبي عمرو (^١) ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ و﴿أَهَانَنِ﴾ (^٢)، وقالَ الأَعشى (^٣):
ومِنْ شانِئٍ كاسِفٍ وجهه … إذَا مَا انتَسَبْتُ له أَنْكَرَنْ
قال المُشَرِّحُ: من حرَّك الياء في غلامي وضربني فله في الوقف مذهبان:
أحدهما: إسكانه كإِسكان سائر الأسماء المتحركة المعربات.
والثاني: تبقيته على حركته، لأنَّ الحركة بناء [فهي من نفس الكلمة] (^٤)، ومن أسكنها في الوصل قال: غلام تشبيهًا بقاض، ولأن هذه
_________________
(١) سورة الفجر: آية ١٥.
(٢) سورة الفجر: آية ١٦.
(٣) ديوان الأعشى ص ١٦ (الصبح المنير). من قصيدة يمدح بها قيس بن معدي كرب، وفي شرح ديوانه "وهو أول كلمة مدحه بها". وقبل البيت مما يتمم معناه: تيممت قيسًا وكم دونه … من الأرض من مهمه ذي شزن ومن شانئ كاشف وجهه … البيت وتوجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٠٩، المنخل ص ١٩٧، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ٧٣. وينظر: الكتاب ٢/ ٢٩٠، شرح أبياته لابن السيرافي ٢/ ٣٤٧، تكملة الإِيضاح ص ٢٩، إيضاح أبيات الإِيضاح ١/ ٣٨٩، أمالي ابن الشجري ٢/ ٧٣، ضرائر الشعر ص ١٢٨.
(٤) في (ب).
[ ٤ / ٢٤١ ]
الياء على ما يساق إليك (^١) نازل منزلة التنوين. ابنُ السرَّاجِ (^٢): وترك الحذف أقيس وحذف هذه الياء من الفعل أحسن من حذفها من الاسم، لأنه لا تكون فيه إلا وقبلها نون فالنون يدل عليها ولا لبس فيها في وصلٍ ولا وقفٍ، ومن ثم كثر في القرآن. رجلٌ كاسفُ الوجهِ، أي: عابسٌ.
قال جارُ الله: "وضربكم وضربهم وعليهم وبهم ومنه: وضربُهْ بالإِسكان في من ألحق وصلًا أو (^٣) حرّك".
قال المُشَرِّحُ: اعلم أن في ميم الجمع من عليكم وأنتم وهم إذا انضم ما قبلها لغتان جيدتان:
الأولى: وصل الميم بواو وهي قراءة ابن كثير، والدليل على ذلك من وجهين:
أحدهما: أنَّهم يصلونها في التثنية بألف في عليكما ونحوه والجمع أحق بأن يكون على ثلاثة أحرف، لأنه باللفظ الأثقل أحق كما كان في الأسماء الظاهرة من قولك: الزيدان والزيدون وهي في الأفعال الماضية والغابرة كقولك: قاما وقاموا ويقومان ويقومون.
والآخر: أنه ثبوت الواو وبعدها بإجماع الجميع إذا اتصل بها مُكَنَّى ولم تقع طرفًا (^٤) كقوله ﷿ (^٥): ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾ و﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ (^٦) ولذلك تضم إذا لقيها ساكن من غيرها ولا تكسر كقوله تعالى (^٧): ﴿مِنْهُمُ
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) الأصول لابن السراج ٢/ ٣٧٩.
(٣) في (ب): "إذا".
(٤) في (ب): "متطرفة".
(٥) سورة الأعراف: آية ٤٣.
(٦) سورة هود: آية ٢٨.
(٧) سورة آل عمران: آية ١١٠.
[ ٤ / ٢٤٢ ]
الْمُؤْمِنُونَ﴾، ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ (^١) فإذا انكسر ما قبل هذه الميم نحو عليهم وبهم -في لغةِ من يَكسر الهاءِ- ففي وصلها قولان:
أحدهُما: وصلُ الميم بواو وهو الأصل لما ذكرنا.
والآخر: وصلها بياءٍ اتباعًا لكسرة ما قبلها طلبًا للخفة وذلك لأنَّهم يستثقلون الخُروج من كسرٍ إلى ضمٍّ جدًّا حتى ليس في أُصولهم كلمةٌ على وزن فِعُل.
واللُّغة الثانية: إسكان الميم في جميع ذلك.
وفي هذه الميم لغة ثالثة رديئة ذكرها بعض الكوفيين وهي ضم الميم بلا واو في ﴿قُمْتُمْ﴾ (^٢) ونحوه وكسرها بلا ياء في ﴿عَلِيمٌ﴾ (^٣) ونحوه فالوقف على هذه الميم في هذه اللغات الجيدتين والرديئة بإسكان الميم فمنهم من يثبت الواو والياء في الوصل. ومنهم من يُسقطهما ويسكن الميم. والجميع إذا وقفوا [على الميم] (^٤) أما في إحدى الجيدتين والرديئة فلأن حال الوقف أنقص من حالِ الوصلِ وأما في اللغة الثالثة فلحصول المقصود.
فإن سألتَ: فلم لم يكن الوقف على الياء في غلامي وضربني فيمن
أسكن في الوصل؟.
أجبتُ: للتَّفرقة بين حالَتي الوقف [والوصل والتفرقة هناك ممكنة لأن السَّاقط ليس من نفس الكلمة أما ها هنا] (^٥) فبخلافه.
قال سيبويه: يحذف بعض العرب ما بعد الهاء من "عنه"، لأنَّه كره
_________________
(١) سورة فاطر: آية ١٥.
(٢) سورة المائدة: آية ٦.
(٣) سورة الفاتحة: آية ٦.
(٤) ساقط من (ب).
(٥) ساقط من (أ).
[ ٤ / ٢٤٣ ]
التقاء الساكنين كأنه لم يعتد بالهاء بينهما لخفائها والاختيار عنده في هذا الإِتمام.
هاء الضَّمير المتصل إذا كان قبلها ضمةٌ أو فتحةٌ فيه ثلاثُ لغات:
الأولى -وهي أجودهن-: الضمة وإلحاق الواو بها في الوصل وذلك نحو: ﴿خَلَقَهُو فَقَدَّرَهُ﴾ (^١).
الثانية: ضم الهاء بغير واو، قال (^٢):
* لأُعْلِطَنَّهُ وَسْمًا لا يُفَارِقُهُ *
وقال (^٣):
أنا ابنُ كلابٍ وابنُ أوسٍ فمَنْ يَكُنْ … قِنَاعُهُ مَغْطِيًّا فإنّي لَمُجْتَلِي
والثالثة: إسكان الهاء هذا ثوبُهْ وغلامُهْ وضربُهْ. قال (^٤):
_________________
(١) سورة عبس: آية ١٩.
(٢) أنشده الأزهري في تهذيب اللغة ٥/ ٤٢ (بحر) قال: "قال الفراء: البحر أن يلغى البعير بالماء فيكثر منه حتى يصيبه منه داء، يقال: بحر يبحر يبحر بحرًا فهو بحر وأنشد: لأعطلنه وسمًا لا يفارقه … كما يُحز بحَمْيِ الميْسَم البَحِرُ قال: وإذا أصابه الداء كوي في مواضع فيبرأ. قلت: الداء الذي يصيب البعير فلا يروي من الماء هو النجر بالنون والجيم، والبجر بالباء والجيم، وكذلك البقر وأما البحر فهو داء يورث السل. أخبرني المنذري عن الطوسي عن أبي جعفر أنه سمع ابن الأعرابي يقول: البحير المسلول الجسم الذاهب اللحم، وأنشد: وغلمتي فهم سحير وبحر … وآبق من جذب دلوبها هجر والشاهد في: معاني القرآن للفراء ٣/ ١٧٤، الإِنصاف لابن الأنباري ٢/ ٥١٨. قال الفراء في المعاني: "البحر: البعير إذا أصابه البحر، وهو داء يأخذ البعير فيوسم لذلك".
(٣) أنشده الأزهري أيضًا في تهذيب اللغة ٨/ ١٦٦، قال "وفلان مغطى القناع: إذا كان خامل الذكر، وأنشد الفراء". وينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ٢٢٣، الإِنصاف ٢/ ٥١٨.
(٤) البيت في الخصائص ١/ ١٢٨، ٣٧١، ٢/ ١٨، المحتسب ١/ ٢٤٤ نظم الفرائد ص ٢٠٥، ضرائر الشعر لابن عصفور ص ١٢٤.
[ ٤ / ٢٤٤ ]
وأَشْرَبُ المَاءَ ما بِي نَحْوَهُ عَطَشٌ … إِلَّا لأَنَّ عُيُوْنَهْ سَيْلُ وَادِيْهَا
وقال (^١):
فَبِتُّ لَدَى البَيْتِ الحَرَامِ أُخِيْله … ومِطْوَايَ مُشْتَاقَانِ لَهْ أَرِقَانِ
والوقف على كلا النوعين منه بالسكون لما ذكرنا في ميم الجمع.
قال جارُ الله: "وهذهْ فيمن قال: هذ هي أمة الله".
قال المُشَرِّحُ: هذهْ بالسكون وقف هذ هي وفيها لغة أخرى هذي، فمن ثم قل الشيخ -[﵀] (^٢) - فيمن قال: هذ هي أمة الله.
قال جارُ الله: "وحتَّامَ وفيمَ وحتَّامَهُ وفِيْمَهْ بالإِسكان والهَاء".
قال المُشَرِّحُ: ما الاستفهامية إذا دخل عليها حرف الجر سقط ألفها، والعلة في ذلك ما ذكرناه في قسم الأسماء، فإذا وقفت عليه فلك فيه لغتان:
إما أن تسكن الميم، وإما أن تبقيها على حالها وتأتي بالهاء، قال ابنُ السَرَّاج (^٣): وثبات الهاء أجودُ في هذه الحروف، لأنك حذفت الألف من "ما" فيعوض (^٤) منها في الوقف الهاء ويثبتون الحركة.
_________________
(١) البيت ليعلى بن مسلم بن أبي قيس، أحد بني يشكر، يلقب بـ"الأحول" شاعر إسلامي لص من شعراء الدولة الأموية، قال القصيدة التي منها هذا البيت هو محبوس عند نافع بن علقمة الكناني أمير مكة في خلافة عبد الملك بن مروان، وفيها يذكر نافعًا: ألا ليت حاجاتي اللواتي حبسنني … لدى نافع قضين منذ زمان أخباره في الأغاني ١٩/ ١١١، الخزانة ٢/ ٤٠٥. والبيت في: المقتضب ١/ ٣٩، ٢٦٧، شرح السيرافي ١/ ١١٥، الخصائص ١/ ١٢٨، ٣٧٠، المحتسب ١/ ٢٤٤، ضرائر القزاز ص ١٥٢، نظم الفرائد ص ٢٠٥، ضرائر ابن عصفور ص ١٢٤، الخزانة ٢/ ٤٠١، ويروى: "ومطواي من شوق"، ولا شاهد فيه على هذه الرواية.
(٢) في (ب)
(٣) الأصول لابن السراج ٢/ ٣٨١.
(٤) في (ب): "فيعوضون".
[ ٤ / ٢٤٥ ]
قال جارُ الله: "وتَجِيْءُ مه ومثل مه في مجيء م جنت ومثل م أنت بالهاء لا غير".
قال المُشَرِّحُ: يريدون: مجيء ما جئت، والمعنى: مجيء أي شيء جئت ومثل ما أنت (^١)، والمعنى: أي شيءٍ أنت.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) والنون الخفيفة تبدل ألفًا عند الوقف نحو قوله تعالى (^٢): ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ﴾ ﴿لَنَسْفَعًا﴾، قال الأعشى:
* ولا تَعْبُدِ الشَّيطانَ واللهَ فاعبُدَا *"
قالَ المُشَرِّحُ: هذا كما تُجعل الألف نونًا في إنشاد بني تميم في نحو قول جرير.
والحزم في هذه المسألة أن النون الخفيفة شبيهة بالتنوين والفتحة شبيهة بالنَّصبة، وأنت إذا وقفت على المنصوب المنون وقفتَ عليه بالأَلف كذلك هذا. ما قبل البيت (^٣):
فإيَّاك والمَيْتات لا تَقْرَبَنَّها … ولا تأخذن سَهْمًا حديدًا لتَفْصِدَا
وذا النَّصب والمَنْصُوب لا تَسْلُكَنَّه … ولا تَعْبِدِ البيت
كان بعض العرب يأخذ سهمًا يفصد به الناقة ويشرب دمها فحرّم الله عليهم الدَّم إلا عندَ الضَّرورة، والنَّصب: حجرٌ ينصب يذبحون عنده لآلهتهم. ونسك ينسك: إذا ذبح على وجه القُربة.
_________________
(١) ساقط من (أ).
(٢) سورة العلق: الآيتان: ١٥، ١٦.
(٣) ديوان الأعشى ص ١٠٣ (الصبح المنير). توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢١٠، المنخل ص ١٩٨، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ٣٩، ٨٨. وينظر: الكتاب ٢/ ١٤٩، شرح أبياته لابن السيرافي ٢/ ٢٤٤، المقتضب ٤/ ٣٤٠، الأزهية ص ٣٨٥، أمالي ابن الشجري ١/ ٣٨٤، ٢/ ٢٦٨، الإِنصاف ٢/ ٢٥٧، الهمع ٢/ ٧٨.
[ ٤ / ٢٤٦ ]
قال جارُ الله: "وتقول: هل تضربن يا قوم هل تضربون بإعادة واو الجمع".
قال المُشَرِّحُ: إنما أعادوا واو الجمع لأن أصل الكلام: هل تضربون، إلا أنه سقطت هذه النون الدالة على رفعة المضارع استغناءً عنها، وذلك أن المضارع لا يبقى مرفوعًا عند لحاق هذه النون، إنما تسقط واو الجمع فرارًا من التقاء الساكنين فإذا أردت الوقف سقطت هذه النون الخفيفة كما يسقط التنوين في الاسم، من حيث أن كل واحدٍ منهما نون خفيفة تلحق آخر الكلمة، والتَّنوين أقوى لحاقًا بدليل أنه يجب إدخاله في الاسم ولا يَجب إدخال هذه النُّون في الفعل، ولذلك إذا لقي هذه النون ساكنٌ بعدها سقطت كما في قوله (^١):
لا تُهِنِ الفَقِيْرَ عَلَّكَ أن … تَرْكَعَ يومًا والدَّهرُ قَدْ رَفَعَهْ
خلاف التنوين، ثم إذا سقط ذلك الأقوى في حالة الوقف فلأن يسقط هذا الأضعف أولى.
_________________
(١) تقدم ذكره في هذا الجزء. ص ١٨٩.
[ ٤ / ٢٤٧ ]
[بابُ القَسَمِ]
قال جارُ الله: "ومن أَصناف المُشترك (القَسَمُ)، ويشترك فيه الاسم والفعل، وهو: جملةٌ فعليةٌ أو اسمية تؤكد بها جملةٌ موجبة أو منفية نحو قولك: حَلَفْتُ بالله وأقسمتُ وآليت وعلمَ الله، ويَعلم الله، ولَعمرك، ولعمر أبيك، ولعمر الله، ويمين الله، وأيم الله، وأيمن الله، وأمانة الله، وعلى عهد الله لأفعلَنّ، أو لا أَفعل".
قال المُشَرِّحُ: القسم لا بدَّ له من مُقْسَمٍ به ومُقسم عليه نحو قولك: بالله لأخرجن فالمقسم به هو الله تعالى، وقولك: لأخرجَنَّ هو المقسم عليه. القَسم إذا أجيب لا بدَّ من (^١) من أن يكون معه (^٢) نون التأكيد كقولك: باللَّه لأفعلنَّ. واللام و"إن" يجاب بها القَسم في مقامِ الإِثبات و"لا" و"ما" يجاب بها في مقام النَّفي كقولك: والله إن زيدًا يخرج، وبالله ما فعلت، ووالله لا أَفْعَلُ.
تخمير: إذا وَقَعَ القَسَمُ في حشوِ الكلامِ كان لغوًا. قال الإِمام عبد القاهر الجُرْجَانِيُّ: ومعنى اللَّغو أنه لا يقتضي في الجملة المقسم عليها أن يكون فيها أحدُ هذه الحروف التي ذكرناها مثال ذلك: زيدٌ -والله- خارجٌ، أو زيدٌ -والله- قد خَرَجَ، وإذا تأخر القَسَمُ فلا بد من حذفِ هذه الحروف
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) في (ب): "معها".
[ ٤ / ٢٤٩ ]
كلها نحو يخرج زيدٌ والله. الذي يدل على أن "عَلِمَ الله" قسم قولهم: عَلِمَ الله لأفعلن فيجاب بما يجاب به القسم في قوله بالله لأفعلن. والمُراد بـ "أمانة الله": ما أودع الله كل إنسان بأصل الفِطْرة من الإِيمان، ولذلك تَرى الناس يحلفون بالإِيْمَان.
قال جارُ الله: "ومن شأنِ الجُملتين أن يُنزلا منزلةَ جمل واحدةٍ كجملتي الشَّرط والجَزَاء، ويجوز حذف الثانية ها هنا عند الدلالة بجواز (^١) ذلك ثمة".
قال المُشَرِّحُ: الجُملة المؤكَّد بها لا تكون كلامًا حتى ينضم إليها الجُملة المؤكِّدة كما أنَّ الشَّرط لا يكون كلامًا حتى ينضم إليه الجَزاء، ويجوز أن تحذف الجُملة الثَّانية في باب القسم كما يُحذف في بابِ الجزاء مثال حذفهما في باب الجَزاء قول من يقول لك: أتذهب معي إلى موضع كذا فتقول له: إن أتيتني، والتقدير: إن أتيتني ذهبتُ مَعَكَ، ومثال حذفهما في القسم قولك لمن يُلقي في التَّهلكة نَفْسَهُ: هَلَكْتَ يارجل وأقسم بالله يعني: وأقسم بالله قد هَلَكْتَ.
قال جارُ الله: "والجملة المؤكد بها هي القسم والمؤكدة هي المقسم عليها والاسم الذي يلصق به القسم ليعظم به ويفخم هو المقسمُ به".
قال المُشَرِّحُ: معنى هذا الكلام قد مر في أول هذا الصنف.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ولكثرة القسم في كلامهم أكثروا التّصرف فيه وتوخَّوا ضروبًا من التَّخفِيْفِ من ذلك حذف الفعل في بالله، والخبر في لعمرُك وأخواته، والمعنى: لعمرك ما أُقسم به".
قالَ المُشَرِّحُ: أمَّا حذف الفعل في "بالله" فتقديره: أحلِفُ بالله. وأما
_________________
(١) في (ب): "بجواز حذف ذلك … ".
[ ٤ / ٢٥٠ ]
حذف الخبر في "لعمرك" فتقديره: لعمرك قسمي.
فإِن سألت: كيف (^١) يكون المحذوف ذلك والظاهر لا يطابق المحذوف بدليلِ أن الظاهرَ مما لا يتطرق إليه التَّصديق والتكذيب، والمحذوف يتطرق إليه ذلك؟.
أجبتُ: لما وقع ذلك المحذوف في مدارج [الطَّي] (^٢) والنّسيان صار هذا الظاهر كأنه لا محذوف له ولا مضمر فذهب عن التّصديق والتكذيب.
قال جارُ اللهِ: "ونونُ "أيمن" وهمزته في الدّرج ونون"من" و"مُن" وحرف القَسم في "اللهِ" و"اللهَ" بغيرِ عوضٍ وبعوضٍ في: ها الله، وآللَّه، وأفا الله".
قال المُشَرِّحُ: أما حذف نون أيمن فنحو: أيمُ الله. وأمَّا حذفُ همزته في الدرج فلأنها جعلت لكثرة الاستعمال همزة وصل روى ذلك عن ابن كيسان وابن درستويه. وأمَّا حذفُ نون "مِن" و"مُن" فلأن "من" "من" يكونان للقَسم بمنزلة الياء، ثم تحذف نوناهما فيقال: مِ الله. ومُ الله على ما يساق إليك بيانه. وأمَّا حذفُ حرفي القسم في اللهِ واللهَ بغير العوض فلأن الأول مجرور بإضمار الباء، والثاني منصوب بحذفه ولا عوض فيهما من المحذوف، وأمّا حذفُها بعوض في ها الله وآللَّه وأفا الله فلأنه أضمر فيه حرف القسم وعوض منه حرف التَّنبيه في أحدهما، وفي الثاني الهمزة مع الألف، وفي الثالث الهمزة مع الفاء.
قال جارُ الله: "والإِبدالُ عنها تاءً في تاللَّه وإيثار الفَتحة على الضَّمة (^٣) التي هي أعرف في العَمْرِ".
_________________
(١) في (ب): "فكيف".
(٢) في (أ): "الظن".
(٣) في (ب): "الضمة على الفتحة".
[ ٤ / ٢٥١ ]
[قال المُشَرِّحُ: الأصل في القسم الباء ثم الواو ثم التاء. وأما إيثار الفتحة على الضمة التي هي أعرف في العَمر فلأن العَمر] (^١) والعُمُر لغتان، والضم فيه أشهر، ثم أنهم آثروا الفتح على الضَمّ في قولهم: لعَمْرُكَ لأنه أخف، كما آثروا الواو المفتوحة على المكسورة.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ويتلقى القسم بثلاثة أشياء باللَّام وبإنِّ وبحرفِ النَّفي كقولك: باللَّه لأفعلن، وإنَّك لذاهب وما فعلت ولا أفعل".
قال المُشَرِّحُ: جوابُ القسم لا بدَّ أن يكون باللَّام وبـ "إن" في مقام الإِثبات وبـ "ما" و"لا" في مقام النَّفي، ولا يجاب بـ "لم" و"لن".
قالَ جارُ الله: "وقد حُذِفَ حرف النَّفي في قولِ الشَّاعِرِ:
* تَالله يَبْقَى عَلَى الأَيَّامِ مُبْتَقِلٌ *"
قالَ المُشَرِّحُ: إنما يجوزُ حذف حرف النفي؛ لأنه لا يقع بحذفه لبس، وهذا لأن ما كان من المضارع في جوابِ القسم هو موجب لزمه اللام والنون كقولك: واللَّه لأفعلن، فإذا لم يكونا فيه علم أنه غير موجب، ونظير هذا الحَذف حذفهم من "ما زالَ" و"ما فَتِئَ". تَبَقَّلَ الحِمَارُ وابْتَقَلَ أي: رَعَى البَقْلَ هذا البيتُ للهُذَلِيِّ، وتَمامه (^٢):
* جَوْنُ السَّراةِ رباع سِنُّهُ غَرِدُ *
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) وقد أوقعوا موقع الباء بعد حذف الفعل الذي
_________________
(١) ساقط من (أ).
(٢) البيت لأبي ذُؤيب الهذلي، شرح أشعار الهذليين ١/ ٥٦. توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢١١، المنخل ص ١٩٨، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ٩٨. وينظر: إصلاح المنطق ص ٣٦٦، الإِيضاح ص ٢٦٤، إيضاح شواهد الإِيضاح ص ٣٣٣، الصحاح واللسان والتاج (بقل)، ونسبه في اللسان إلى مالك بن خويلد الهذلي.
[ ٤ / ٢٥٢ ]
ألصقته بالمقسم به أربعة أحرف، الواو والتاء وحرفين من حروف الجر وهما اللام و"من" في قولك: لله لا يؤخر الأجل، ومن ربي لأفعلن رومًا للاختصاص، وفي التاء واللام معنى التعجب، وربما جاءت التاء في غير التعجب واللام لا تجيء إلا فيه، وأنشد سيبويه لعبد مناة الهذلي (^١):
تالله يَبْقَى على الأَيَّامِ ذُو حَيَدٍ … بِمُشْمَخِرٍّ بِهِ الظّيّان والآسُ"
قال المُشَرِّحُ: ما قبل البيت:
يا مَيُّ إِن سِبَاعَ الأَرْض هَالِكَةٌ … والعُقْرُ والأُدْمُ والأَرْآمُ والنَّاسُ
والخُنْسُ لَنْ يُعْجِزَ الأَيَّامَ ذُو حِيَدٍ … البيت
وبعده:
_________________
(١) الكتاب ٢/ ١٤٤، شرح أبياته لابن السيرافي ١/ ٤٩٨، ٤٩٩ ونسباها إِلى مالك بن خالد الخناعي الهذلي. قال ابن المستوفي في إثبات المحصل: "وهذا البيت وجدته في بعض نسخ الهذليين يروى لمالك بن خالد الخُناعي، ويروى أيضًا لأبي ذؤيب وأنشده سيبويه لمالك بن خويلد الخناعي ورواه أبو الحسن الأخفش لأبي زبيد الطائي. ولم ينشده لعبد مناة الهذلي كما زعم الزمخشري. وروي لأبي ذؤيب من قصيدة أولها وأورد الأبيات ثم قال: كذا وجدت أول البيت المذكور: * يا مي لا يعجز الأيَّام ذو حَيَدٍ * وأنشده أبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي كتابه "الإِقناع" لأمية بن أبي عائذ، وكذلك أنشده ابن السراج، ولم أره في شعره من كتاب الهذليين. قال الجوهري: الحيدة: العقدة في قرن الوعل، والجمع حيود، وكل نتوء في القرن والجبل وغيرهما حَيْدة وحَيَدٌ أيضًا، مثال بدرة وبدر قال الهذلي: * تالله يبقى على الأيام ذو حيد * البيت فجاء به الجوهري بالتاء في اسم الله، وهي الرواية المشهورة … ". ولعل المرجح أنها لمالك بن خالد (يراجع شرح أشعار الهذليين ١/ ٢٢٧، ٤٣٩). توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢١١، المنخل ص ١٩٩، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ٩٨. وينظر: الكتاب ٢/ ١٤٤، شرح أبياته لابن السيرافي ١/ ٤٩٨، ٤٩٩، المقتضب ٢/ ٣٢٤، الأصول لابن السراج ١/ ٤٣٠، أمالي ابن الشجري ١/ ٣٦٩، الأشباه والنظائر ٣/ ١٤٢، الخزانة ٢/ ٣٦١، ٤/ ٢٣١.
[ ٤ / ٢٥٣ ]
يا مَيُّ لَنْ يُعْجِزَ الأَيَّامَ مُبْتَرِكٌ … في حَوْمَةِ المَوْتِ رَزَّامٌ وفَرَّاسُ
الخَنَسُ: تأخر الأَنْفِ عن الوجه مع ارتفاعٍ قليلٍ في الأرنبة، والبَقَرُ كلُّها خنس. قال الأَزهري (^١): أراد بذي حَيَدٍ وَعْلًا في قرنه أنابيب ملتوية وروايته فيه كسر الحاء. ويقال الحيد مواضع نواتئ (^٢) في قرنه ويروى: "ذو حَيَدٍ" بفتح الحاء والرِّوايةُ الأولى أجودُ وهي المختارة عند البَصريين.
والظيان: ياسمين البر. والآس: نقط [العَسَلِ تقع من النحل] (^٣) على الحجارة فيستدلون بتلك النقط على مواضع النحل. المُبْتَرِكُ: هو المُعتمد، والمراد به الأَسد. والرَّزَّامُ: هو المُصَوِّتُ، والأَسدُ إذا بَرَكَ على فريسته رَزَمَ. يقول: الآفات التي تقع في الدّهر لا يسلم منها هذا الوَعل الذي في رأس الجبلِ له ما يرعاه وما يشربه والظَّيان والآس إبهام.
قال جارُ الله: "وتضم ميم "مِن" فيقال: مُن ربي إنك لأَشِرٌ، قال سيبويه (^٤): ولا تَدْخُلُ الضَمَّةُ على "من" إلا ها هنا كما لا تدخل الفتحة في "لدن" إلا مع غدوة".
قال المُشَرِّحُ: ذكر سيبويه (^٥) أن من العرب من يقول: مُن ربي لأفعلن ومُن ربي إِنك لأشر، ولا يستعمل ضم الميم إلا في القسم، لأنهم جعلوا ضمها دلالة على القسم، لأنهم أبدلوا الواو من الباء دلالة على القسم.
قال جارُ الله: "ولا تدخل إلا على ربّي كما لا تدخل التاء إلا على اسم الله وحده، وكما لا تَدخل أيمن إلا على اسم اللهِ والكعبة، وسمع الأخفش مِنَ الله وتربي".
_________________
(١) تهذيب اللغة ٥/ ١٩٠.
(٢) في (أ): "نوات".
(٣) في (ب): "نقط النحل تقع من العسل … ".
(٤) الكتاب ٢/ ١٤٥.
(٥) الكتاب ٢/ ١٤٥.
[ ٤ / ٢٥٤ ]
قال المُشَرِّحُ: سيبويه: لا يدخلون من في غير ربي لا يقولون: مِن الله لأفعلن، وإنما كان (^١) ذلك لكثرةِ القَسم فتصرفوا فيه وأكثروا واستعملوا فيه أشياء مختلفة وسماع الأخفش عن المبادلة.
قال جارُ الله: "وإذا حذفت نونها فهي كالباء تقول: مِ الله مُ الله".
قال المُشَرِّحُ: يقال: مِ الله لأفعلن، وهي من أدوات القسم بمنزلة الواو في والله لأفعلن والتاء في تالله.
قال جارُ الله: "ومن الناس من يزعم أنها من أيمن".
قال المُشَرِّحُ: قال بعضهم في مِ الله، أصلها من قولهم مِنْ ربّي إِنك لأشر في القسم، حذفت منها النونَ استخفافًا لكثرة استعمالهم إياها في القسم مع الدلالة على اختصاصها به، وبعضهم قال: أصلُها: يَمينُ لقولهم: يمين الله لأفعلن حذفت منها الزَّوائد في هذا الموضع، لأنها كثيرة فيه غير مشكله، ولهذين الوجهين كسر الميم من كسرها. وبعضهم قال: أصلها أيمن الله لأفعلن حذفت منها الزَّوائد لكثرة دورها في القسم خاصةً وهو قول الأكثر، قالوا: ولهذا ضُمت هذه الميم ها هنا.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) والبَاءُ لأصالتها تَستَبدُّ في غيرها بثلاثة أشياء: بالدُّخول على المُضمر كقولك: به لأَعبُدَنَّه وبك لأَزُوْرَنَّ بَيْتَكَ قالَ:
* فَلَا بِكِ ما أُبَالِي … *
وبظهور الفعلِ معها كقولك حلفتُ باللَّه، وبالحلف على الرّجل على سبيل الاستعطاف كقولك: باللَّه لما زُرْتَنِي وبحياتك [أَخبرني]، وقال ابنُ هَرْمَة (^٢):
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) البيت في ديوانه ص ٧٠. =
[ ٤ / ٢٥٥ ]
بالله ربِّكَ إن دَخَلْتَ فَقُلْ لَهُ … هذا ابنُ هَرْمَةَ واقفًا بالبابِ
وقال:
* بِدِيْنِك هَلْ ضَمَمْتَ: إِلَيْكَ نُعْمَى *"
قال المُشَرِّحُ: الباء يستعمل معها الفعل كما في مررت يزيد ويترك الفعل معه أيضًا كما في قولك: باللَّه لأخرجن. أمَّا الواوُ فلا يستعمل معها الفعل كما يستعمل مع الباء والسَّبب في ذلك أنَّك إذا قلت: حلفتُ باللَّه احتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون عقد يمين في الحال.
والثاني: أن يكون خبرًا بيمين قد سبقت، فإذا أبدلوا الواو من الباء خلصوا الفعل لعقد اليمين، وهذا كان غرضهم في الإِبدال فوجب أن لا يستعمل معه الفعل حتى لا يَختل ذلك الغرض.
_________________
(١) = قال ابن المستوفي في إثبات المحصل ص ٢١٤: "وجدت هذا البيت في أخباره التي رواها حماد بن إسحاق بن إبراهيم قائمًا بنفسه ولم أر معه غيره … قال إسحاق وحدثني أيوب بن عباية قال: أنشدني ابن هرمة قوله: بالله ربك إن دخلت فقل لها … هذا ابن هرمة قائمًا بالباب فقال: كنت إذًا استطعتم، لا ولكني قلت: * هذا ابن هرمة واقفًا بالباب * وله قطعة في شعره أبياتها من نحو هذا البيت أولها: طرقت عُلَيَّة صُحْبَتِي ورِكَابِيْ … أهلًا بطيفِ عُليَّة المُنْتَابِ ". وأورد الأبيات مع شرح بعض مفرداتها، وهي موجودة في الديوان متفرقة جمعها جامعه من المصادر على غير نظام وانفرد ابن المستوفي برواية قوله: عرفان أني سوف أسفك عبطة … دم بكرة معصوبة أو ناب توجيه إعراب الثاهد وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢١٤، المنخل ص ١٩٩، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ١٠١. وينظر: الصناعتين ص ٧٤، الأحاجي النحوية ص ١٥، شروح سقط الزند ص ٤٢٤، رصف المباني ص ١٤٦، الخزانة ٤/ ٢١٢.
[ ٤ / ٢٥٦ ]
صدرُ البيت الأول (^١):
أَلَا نَادَتْ أُمَامَةُ باحْتِمَالٍ … لِتَحْزُنَنِي فَلَا بِكِ مَا أُبَالِيْ
تمام البيت الثالث (^٢):
* وهل قَبَّلْتَ بَعْدَ النَّوْمِ فَاهَا *
_________________
(١) البيت لغويَّة بن سُلْمِيّ بن رَبِيْعَةَ بن زَبَّان يرثي جماعة من أهله، مع أبيات أنشدها أبو تمام في الحماسة ص ٢٨٥ (رواية الجواليقي). ألا نادت أمامة باحتمال … ليحزنني فلا بك ما أبالي فسِيْري ما بَدَا لَكِ أو أَقيمي … فأيًّا ما أتَيْت فعَنْ تَقالي وكَيف ترو عني امرأة ببين … حَيَاتي بعدَ فارس ذي طلال وبعدَ أبي رَبيعة عبدِ عمرٍو … ومسعودٍ وبعدَ أبي هلال قال ابن المستوفي في إثبات المحصل ص ٢١٣: "قال أبو محمد القاسم بن محمد الدّيمرتي [أحد شراح الحماسة رأيتُ شرحه] خبرتني بارتحالها ليحزنني ثم أظهر قلة المبالاة بها فقال: (فلا بك ما أبالي) على الدعاء، أي لا يقع ما أبالي أقسم بها. ويروى: (فلا يك ما أبالي) ويروى: (فآبك ما أبالي) أي: أبعدك الله، وهذا أجود معنى وأشبه بما بعده. التقالي: التباعض، أي: إن شئت سيري وإن شئت أقيمي فإني أقلاك على كل حالٌ. وروي (فأيا ما فعلت) ويروى: (فأيا ما أتيت). ثم بين أن بغضه إياها ليس بخيانة من جهتها، ولكنه إنما سئم من عيشه بموت قومه. وفارس ذي طلال بالطاء غير معجمة،، يقال: إنه فرسه، وذكر بعضهم إنه موضع ببلاد بني مرة وقتل هناك فنسبه إليه، والأول أظهر. وقوله: "ثم بين أن بغضه إياها ليس بخيانة من جهتها" لا يدل عليه لفظ البيت، وإنما أراد إنها إن سارت أو أقامت وأيهما فعلت فليكن عن بغض منها أو فقد شغله هلاك أهله عن أن يرتاع لفراق مثلها، والقالي هنا للواحد مثل قوله: طارقت النعل، يصف قلة مبالاته بفراق أمامة لشغل قلبه بموت أهله وهلاكهم". وأقول: جاء في أسماء خيل العرب لأبي محمد الأعرابي ص ١٠٦: "ذو طلال: فرس أُبي بن سلمى الضبي، قال غوية بن سلمة" وأنشد البيت. توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢١٣، المنخل ص ٢٠٠، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ١٠١. وينظر: المسائل العسكريات ص ٨، الخصائص ٢/ ١٩، سر صناعة الإِعراب: ١/ ١٠٤، ١٤٤، إيضاح شواهد الإِيضاح ص ٣١٨ الإِنصاف ص ٥٢٧.
(٢) البيت يروي لمجنون بني عامر في ديوانه ص ٢٨٦. توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢١٤، المنخل ص ٢٠٠، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ١٠١. وينظر: المصنف ٣/ ٢١، المغني ص ٥٩٤، الخزانة ٤/ ٢١٠.
[ ٤ / ٢٥٧ ]
نُعمى -بضم النُّون- اسم امرأةٍ "بعدَ النَّوم" بالنون، وخص ما بعد النوم، لأنَّ الأَفواه تتغير ساعتئذٍ، وفي عراقيات الأَبيوردي (^١):
إِذا مَضَغَتْ غبّ السُّرَى عودَ إِسْحِلٍ … وفاحَ عَلَمْنَا أنَّ مَشْرَبَهُ عَذْبُ
قال جارُ الله: "وتحذف الباء فينتصب المقسم به بالفعل المضمر، قال (^٢):
* أَلَا رُبَّ من قَلْبِي لَهُ اللَّهَ ناصِحُ *
وقال (^٣):
* فَقُلْتُ يَمِيْنَ اللهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا *
_________________
(١) ديوان الأبيوردي: ١/ ٢٣٥.
(٢) تمامه: * ومن قَلْبُهُ لي في الظِّباء السَّوانِحِ * والبيت لذي الرُّمة في ديوانه ص ١٨٦١. قال ابن المستوفي: "أنشده ابن السراج لذي الرمة، وكذا أنشده سيبويه، وأنشده الشنتمري اتباعًا لسيبويه لذي الرمة وأنشده أبو جعفر النحاس لرؤبة، وهو بعيد عن نمطه، ولم يشتهر رؤبة بالقصيد … وفي النسخة معنى قوله: "في الظباء السوانح" يحتمل أحد معنيين: إما أن يكون أراد: أن قلبه يتنقل عن نصحي ومودتي كنقل الظباء، ولم يرد سانحًا ولا بارحًا ولكنه أراد التنقل وصادفت القافية أنها على الحاء في وزن موسس فأتى بـ "السوانح"، ولا قصد له السانح دون غيره أكثر من تنقله. والوجه الآخر أن السانح من الظباء وغيرها: ما والاك ميامنه، والبارح ما والاك مياسره، وبعض العرب يتيمن بالسانح ويتشاءم بالبارح. وبعضهم يعكس هذا المعنى فيتشاءم بالسانح ويتيمن بالبارح فيكون قائل هذا الشعر ممن يرى ذلك وقال: ومن قلبه لي في طريق شؤم وغل". توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢١٥، المنخل ص ٢٠٠، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ١٠٣. وينظر: الكتاب ١/ ٢٧١، ٢/ ١٤٤، شرحه لأبي سعيد ٤/ ٢٣٢، الأصول ١/ ٤٣٢، المخصص ١٣/ ١١١ … وغيرها.
(٣) تقدم ذكره وتمامه: * ولَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وأَوْصَالِي *
[ ٤ / ٢٥٨ ]
وقال:
إذا ما الخُبْزُ تأدمه بِلَحْمٍ … فتِلْكَ أَمَانَةَ اللهِ الثَّرِيْدُ (^١)
وقد رُوي رفع اليَمين والأَمانة عند الابتداء محذوفي الخَبر".
قال المُشَرِّحُ: "يمين الله" وإن كان مما لا يتطرق إليه التصديق والتكذيب و"يمين الله قسمي" يتطرق إليه ذلك لكن الجواب عنه ما مرَّ في الصنف المتقدم.
قال جارُ الله: "ويضمر كما يضمر اللام في لاه أبوك".
قال المُشَرِّحُ: زعم الخَليل أن قولهم: لاه أبوك ولقيته أمسِ إنما هو للَّه أبوك ولقيته بالأَمس ولكنهم حذفوا الجار تخفيفًا.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) [وتحذف] (^٢) الواو ويعوض منها حرف التنبيه في قولهم: لاها الله وذا، وهمزة الاستفهام في: الله وقطع همزة الوصل في: أفا الله".
قال المُشَرِّحُ: عليُّ بن عيسى: إنما جاز دخولها في القسم، لأن "ها" حرف تنبيه يحتاج إليه في المواضع التي يحال في بنائها على غيرها كما احتيج إليه في المبهم والقسم من تلك المواضع، لأنه يحال في بيانه على غيره من الفعل المحذوف منه وهو أحلف ونحوه فاحتيج فيه إلى "ها" لذلك.
تخميرٌ: أمَّا "ها" التي في قولك: لاها لله فهي بدل من الباء وليس طريق بدلها من الباء كطريق بدل الواو منها، ولكن "ها" التي للتنبيه تضارع
_________________
(١) البيت بدون نسبة، ويقال أنه من صنع النحاة. توجيه إعرابه وشرحه في إثبات المحصل ص ٢١٦، المنخل ص ٢٠١، شرح ابن يعيش ٩/ ١٠٢. وينظر: الكتاب ١/ ٤٣٤، ٢/ ١٤٤، شرحه لأبي سعيد ٣/ ٢٢٥ الأصول ١/ ٤٣٣، وغيرها.
(٢) في (ب).
[ ٤ / ٢٥٩ ]
الباء من جهة أن الباء موصلة للأفعال، و"ها" لتنبيه المخاطب لما بعدها فصارت موصلة أيضًا إلى ما بعدها فاعرفه [شيئًا] (^١) إعرابيًا نقلته اليك بلفظ السلف، والذي يدل على أن هذه الحروف عوض عن الواو أنها لا يجتمع بها ألا ترى أنك إن قلت: أفولله لم يثبت.
قال جارُ الله: "وفي لاها الله ذا لغتان، حذف ألف "ها" وإثباتها".
قال المُشَرِّحُ: إحدى اللغتين: أن تتصل الهاء باللام، واللغة الثانية أن تفصل بينهما الألف المجردة.
قال جارُ الله: "وفيه قولان:
أحدهما: قول الخليل، أن "ذا" مقسمٌ عليه، وتقديره لا والله لَلأمرُ ذَا، فحذف الأمر لكثرة الاستعمال ولذلك لم يجز أن يقال عليه فيقال: ها الله أخوك، على تقدير: ها الله لهذا أخوك.
والثاني: -وهو قول الأَخفش- أنه من جملة القسم توكيدٌ له كأنَّه قال: ذا قسمي، قال: والدليل عليه أنهم يقولون: لاها الله ذا لقد كان كذا فيجيئون بالمقسم عليه بعده".
قال المُشَرِّحُ: إذا قلتَ: لاها الله ذا لقد كان كذا فعلى قول الخليل يقع "لقد كان كذا" تفسيرًا لما أُجمل في هذا الكلام في جواب القسم. وعلى قول الأخفش يكون هو الجواب نفسه، وكأنه حذف الأمر في قول الخليل ليكون حرف التنبيه أقرب إلى اسم الإِشارة وقول الخليل أسوغ وهذا لأنَّك متى أقسمت بشيء فلا حاجة إلى التنبيه بأن ذلك قسمك. قوله: "ولذلك لم يجز أن يقاس عليه" استشهاد على أن الحذف لكثرة الاستعمال لا احتجاج لقول الخليل.
_________________
(١) في (ب).
[ ٤ / ٢٦٠ ]
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) والواو الأولى في نحو ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ (^١) للقَسَمِ، وما بعدَها للعَطْفِ كما تَقُول: بالله فاللَّه وبحياتك ثم يحاتك لأفعلن".
قال المُشَرِّحُ: في هذه المسألة تنبيه أن واو القسم -في الأصل- هي العاطفة، وإنما خرجت إلى معنى القَسم لكونها موهمة في مثل هذه المواضع للقسم.
_________________
(١) سورة الليل: آية ١.
[ ٤ / ٢٦١ ]
[باب تخفيف الهمزة]
قال جارُ الله: "ومن أصناف المشترك (تَخفيف الهمزة).
يشترك فيه الأَضرُب الثَّلاثةُ، ولا تُخفف الهمزةُ إلا إذا تَقَدَّمها شيءٌ فإِن لم يتقدمها شيءٌ نحو قولك ابتداء: أب أم إبل فالتحقيق ليس إلا".
قال المُشَرِّحُ: تخفيف الهمزة وتحقيقها جائز إلا في نحو أخرج وجاءني وأويدم فالتَّخفيف لغةُ قريش وأكثر أهل الحجاز وهو استحسان، والتحقيق لغة قَيْسٍ وتميمٍ وهو قياس (^١).
حجة قيسٍ وتميمٍ أن الهمزةَ من حروف المعجم فتأدية الأصل فيها (^٢) كتأديته في غيرها.
وحجَّةُ قريشٍ وأكثرُ أهلِ الحجازِ أنَّها مستثقلة لخروجها من أقصى الحلق فكأنت كالتَّهوع فتخفف.
تخمير (^٣): وفيما يخصها من التَّخفيف ثلاثة أوجه:
تليينها وهو جعلها بين بين وتفسير بين بين يجيء في هذا الصنف إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١٠٥ شرح هذه الفقرة ولم يصرح بنقله عن الخوارزمي.
(٢) في (ب): "بها".
(٣) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١٠٦ كلام الخوارزمي قال: "أصناف تخفيفها ثلاثة … ".
[ ٤ / ٢٦٣ ]
وإبدالها وحذفها. والأصل تليينها؛ لأنه تخفيف الهمزة مع استيفائها من وجه ثم إبدالها؛ لأنه إذهاب للهمزة برمتها، وإن كان بعوض ثم حذفها وإن كان ذهاب للهمزة من غير عوض.
عدنا إلى كلام الشيخ [﵀] (^١) الهمزة لا تخفف إلا إذا كانت مسبوقة بحرفِ فإذا لم يكن فالتحقيق ليس إلا، وذلك لأن تليينها يقربها من السكون، والابتداء بالساكن لا يصحُّ.
قالَ سيبويه: لا يجوز أن تُجعل بين بين في التخفيف إلا في موضع يجوز أن يقع في موقعها حرف ساكن، ومما يبين ذلك أن توالي حرفان متحركان في أول بيت نحو (فعولن) حذفوا للخرم المتحرك الأول حتى يصير [(فعول) عولن] (^٢)، وقد توالى في (متفا) من (متفاعلن) ثلاث متحركات فلم يخرموه لما كان الثاني من متفاعل [ثلاث متحركات فلم يجزموه لما كان الثائي من (متفا)] (^٣) قد سكن للزُّحاف فإذا سكن للزُّحاف لزمه أن يبتدئ بساكنٍ فإذا كانوا قد رَفَضُوا ما يؤدي إلى الابتداء في التقاء الساكنين (^٤) فلأنْ يَرفُضُوا الابتداء بالساكن نفسه أولى.
فإن سألتَ: فكيف لا تخفف إبدالها وحذفًا؟.
أجبتُ: أمَّا الإِبدالُ فلأنه لا يكون إلا في همزةً ساكنةً أو متحركةً ما قبلها مدّةٌ أو مفتوحةً ما قبلها مكسورٌ أو مضمومٌ على ما يساق إليك، وكل ذلك منتفٍ ها هنا. أمَّا الحَذْفُ فلا يكون إلا إذا تقدمها ساكنٌ وذلك أيضًا ها هنا غير موجود.
قال جارُ الله: "وفي تخفيفها ثلاثةُ أوجهٍ، الإِبدالُ، والحَذْفُ، وأن
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) في (ب).
(٣) في (ب): "فعلون عولن، وقد توالى … ".
(٤) ساقط من (ب).
[ ٤ / ٢٦٤ ]
تُجعل بين بين، أي: بين مخرجها وبين مخرج (^١) الحَرف الذي (^٢) منه حركتها".
قال المُشَرِّحُ: سميت (^٣) بين بين لضعفها قال عَبِيْد بن الأبرص (^٤):
نَحْمِي حَقِيْقَتِنَا وَبَعضُ القَوْمِ يَسْقُطُ بَيْنَ بَيْنَا
الجوهري (^٥): أي: يتساقط ضَعْفًا غير [معتَدٍّ] (^٦) به، كأنه بين الحي والميت فإذا كانت الهمزة مفتوحة جعلت الألف بين الألف والهمزة، وإن كانت مكسورة جعلت بين الياء والهمزة (^٧).
قال جارُ الله: "ولا تخلو [إما] (^٨) أن تقعَ ساكنةً فيبدل منها الحرف الذي منه حركة ما قبلها كقولك: راس وقرات و﴿إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ (^٩) وبير وجيت ﴿والّذيِتُمِنَ﴾ (^١٠) ولؤم وسؤق و﴿يَقُولُوذَنْ﴾ (^١١) ".
قال المُشَرِّحُ: الهمزة إذا كانت ساكنةً وما قبلها متحرك أبدل منها الحرف الذي منه حركة ما قبلها وذلك نحو رأس فإن الهمزة فيه ساكنة وما قبلها مفتوحٌ فيبدل منها ألف؛ لأن حركة ما قبلها وهي الفتحة من الألف. ونحو بئر فإن الهمزةَ فيه ساكنةٌ وما قبلها مكسورٌ فيبدل منها ياءً؛ لأن حركة
_________________
(١) في (أ): فقط، غيرموجود في نسخة المفصل (خ).
(٢) ساقط من (ب).
(٣) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١٠٦ شرح هذه الفقرة.
(٤) تقدم ذكره.
(٥) الصحاح ٥/ ٢٠٨٤ (بين).
(٦) في (أ): "معنى" وما أثبته في (ب) يوافق نص الأندلسي والصّحاح.
(٧) في (ب): "بين الهمزة والألف".
(٨) في (أ): "من".
(٩) سورة الأنعام: آية ٧١.
(١٠) سورة البقرة: آية ٢٨٣.
(١١) سورة التوبة: آية ٤٩.
[ ٤ / ٢٦٥ ]
ما قبلها وهي الكسرة من الياء. ونحو لؤم فإنَّ الهمزةَ فيه ساكنةٌ وما قبلها مضمومٌ فيبدل منها واو؛ لأن حركة (^١) ما قبلها وهي الضمة من الواو.
فإن سألتَ: فلم لا تُجعل الهمزة ها هنا بين بين [أو] (^٢) تحذف؟.
أجبتُ: أما جعلها بين بين فغير ممكن؛ لأنه لا حركة فيها. وأما حذفها فلأن الإِبدالَ أسهلُ منه.
قال جارُ الله: "وإما أن تقع متحركةً ساكنًا ما قبلها فينظر إلى الساكن فإن كان حرفَ لينٍ نظر فإن كان ياءً أو واوًا مدَّتين زائدتين أو ما يشبه المدّة كياء التَّصغير قلبت إليه، وأُدغم فيها كقولك: خطيَّة ومقروَّة وأُفَيَّسٌ [تصغير أفؤس] ".
قال المُشَرِّحُ: الهمزةُ إذا كانت متحركةً لا تخلو من أن يكون ما قبلها ساكنًا أو لا يكون، فلئن كان ساكنًا فلا يخلو من أن يكون مدّة أو لا يكون، فلئن كان مدة لا يخلو من أن يكون ياء أو واوًا أو ألفًا، فإن كان ياءً أو واوًا قلبت إليه وأدغم فيها كقوله: خطيَّة ومقروَّة.
فإن سألتَ: فكيف لم تحذف الهمزة ها هنا وتلقى على ما قبلها حركتها كما في مسألة: مَنَ ابوك.
أجبت: لأنَّ (^٣) ما قبل الهمزة مدة قابلة للسكون بخلاف واو ﴿لَوِ أسْتَطَعْنَا﴾ (^٤) ليست للتصغير، وكذلك أُفَيّسٌ تصغير أفؤُس جمع فاسٍ.
فإن سألتَ: فما قبل الهمزة في أُفيَّس يشهد أن الياء فيها ليست بهذه،
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) في (أ): "ولا".
(٣) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١٠٧ شرح هذه الفقرة فقال: "قال الخوارزمي: لم يحذف ها هنا، لأن ما قبلها مدة … ".
(٤) سورة التوبة: آية ٤٢.
[ ٤ / ٢٦٦ ]
لأن المدة وهي حرف من حروف اللّين إذا كان ما قبلها من جنسها؟.
أجبتُ: المعنى بالمدة ما كانت مدةً حقيقيةً زائدةً، أو جاريةً مجرى المدّة، وياء التَّصغير جاريةً مجرى المدة لوجوه:
أحدها: أن ياءَ التَّصغير ساكنةً أبدًا غير إلحاقية، وهي زائدةٌ، وكانت بمنزلة المَدة فيما ضربناه من المسألتين، ويشهد لكونها بمنزلة المدة أن التصغير بمنزلة التكسير على ما مضى في صنف التَّصغير بيانه، والياء في دريهم بمنزلة الألف في دراهم.
الثاني: أنهم كسروا كُعيتًا وخُميلًا على كعتان وخملان، كما كسروا وليدًا وظليمًا على ولدان وظلمان.
الثالث: أنهم أجروا ياءَ خُوَيْصّة مجرى المدة في جواز التقاء الساكنين [بخلاف ما لو] (^١) كانت الياء المفتوح ما قبلها في غير المصغر لم يجز أن يقع بعده المُدغم، لأنه جمع بين ساكنين.
فإن سألتَ: فكيف لم تلين ها هنا الهمزة أو لم تحذف؟.
أجبتُ: أما التَّليين فغيرُ ممكنٍ ها هنا لأن تليينها على ما ذكرناه بمنزلة تسكينها وتسكينها غير ممكن ها هنا. أما الحَذفُ فلأنَّ القلب أهون بليتين.
قال جارُ الله: "وقد التزم ذلك في نَبِيّ وبريّة".
[قال المُشَرِّحُ: "إنما التزم ذلك لكثرة دورهما في الشعر"] (^٢).
قال جارُ الله: "وإن كان ألفًا جعلت بين بين كقولك: تَساأل وتَساؤل، وقايل".
قال المُشَرِّحُ: إن كان ما قبل الهمزة ألفًا جُعلت بين بين.
_________________
(١) في (أ): "متى كانت".
(٢) ساقط من (ب).
[ ٤ / ٢٦٧ ]
فإن سألتَ: أليس (^١) يلزم من ذلك التقاء الساكنين حكمًا.
أجبتُ: بلى لكن لضرورة، وهذا لأنه لا حذف ها هنا ولا إبدال فتعين جعلها بين بين. أمّا أنه لا حذف فلأن الحذف إنما يكون حيث يقبلُ ما قبلَ الهمزةِ، الحركةُ وما قبل الهمزة ها هنا الألف، والألف لا تَقبل الحركة. أمّا أنه لا إبدال، فلأن الإِبدال إنما يكون في موضعين:
أحدهما: أن تسكن الهمزة ويتحرك ما قبلها.
والثاني: أن تتحرك الهمزة وما قبلها مدة غير الإِدغام أو ما قبلها مضموم أو مكسور ليلزم الإِبدال فوقع التعارض [بين] ما ذكرنا [من الدليل، وبين] (^٢) ما ذكرتموه فلا بد من التَّرجيح، والتَّرجيح (^٣) بما ذكرناه؛ لأن الهمزة ها هنا وإن كانت ساكنةً حكمًا فهي متحركةٌ حقيقةً، ألا ترى أنه يعتدونه (^٤) في الوزن حرفًا متحركًا بدليلِ قولِ كُثَيِّرٍ (^٥):
أَأَنْ زُمّ أَجْمَالٌ وفَارقَ جِيْرَةٌ … وصاحَ غُرَابُ البَيْنِ أنتَ حزينُ
وهذا لأن وزن قولك: "أإن زَمّ" في العروض (فعولن).
قال جارُ الله: "وإن كان حرفًا صحيحًا أو ياءً أو واوًا أصليتين أو مزيدتين لمعنى أُلقيت عليه حركتها وحذفت كقوله مسلة والخبء ومن بوك وكم بلك وجيل وحوبه وأبويوب وذومرهم وأبتغي مره وقاضوبيك".
قال المُشَرِّحُ: إنما تحذف الهمزة ها هنا، لأن التليين والإِبدال فيها غيرُ
_________________
(١) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١٠٨ شرح هذا الموضع.
(٢) ساقط من (ب) والعبارة ذهبت في اختصار الأندلسي للنص.
(٣) في (ب): "لما ذكرناه". والعبارة ذهبت في اختصار الأندلسي للنص.
(٤) في (أ): "يعتدونها" وما ذكرته من (ب) هي عبارة الأندلسي أيضًا.
(٥) ديوان كثير ع ١٧٠. والشاهد في: الخصائص ٢/ ١٤٤، المنصف ٢/ ١٩٢، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ١١٣.
[ ٤ / ٢٦٨ ]
ممكنين. أمَّا التليين فلسكون ما قبلها، وأما الإِبدال فلأنه إنما يكون بالحرفِ الذي منه حركة ما قبلها ولا حركةَ لما قبلها لأنه ساكنٌ.
قال جارُ الله: "وقد التزم ذلك في باب أرى وترى ويرى".
قال المُشَرِّحُ: "العلة في التزام الحذف ها هنا ما ذكرناه في نبي وبرية".
قال جارُ الله: "ومنهم من يقول المراه والكماه فيقلبها ألفًا، وليس بمطردٍ، وقد رآه الكوفيون مطردًا".
قال المُشَرِّحُ: وفيه وجهان:
أحدهما: أنه نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها [فتحرك] وبقيت الهمزة ساكنة حتى صارت بمنزلة همزة رأس فقلبت ألفًا.
الثاني: أنه أجرى الساكن لمجاورة المتحرك مجرى المُتحرك ومن (^١) ثمَّ أجاز سيبويه الإِمالة وتركها في مصباح ومقلات.
أمَّا تركُها فلمجاورة الحرف المستعلي وهو الصَّاد والقاف والفتحة الواقعة بعدهما فصارا كأنهما صباح وقلات بالفتح، وذلك مما لا يجوز إمالته ها هنا.
أمّا الإِمالة فلمجاورة الضّاد والقاف والكسرة الواقعة قبلها فصارا كأنهما صباح وقلات فتقدر الفتحة على الهمزة كأنها على ما قبلها فيصير بمنزلة رأس تجعلها بين بين.
[تخمير: اعلم (^٢) أن جعل الهمز بين بين] (^٣) من أنواع التخفيف، وذلك لا يكون إلا في الهمزة المتحركة؛ لأن الهمزة إذا جُعلت بين بين فقد
_________________
(١) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١١٠ شرح هذه الفقرة.
(٢) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١١١ ولم ينص.
(٣) ساقط من (أ).
[ ٤ / ٢٦٩ ]
جُعلت بين الساكن والمتحرك وذلك إنما يقع تخفيفًا إذا كانت الهمزة متحركة، أما إذا كانت ساكنة ثم جعلت بين بين فذاك يقع تثقيلًا لا تخفيفًا، وكما لا يكون ذلك إلا في الهَمزة المتحركة لا يكون أيضًا إلا في المتحرك ما قبلها، ضرورة أن الهمزة إذا جُعلت بين بين فقد جُعلت بمنزلة الساكن فإذا كان ما قبلها ساكنًا أيضًا لزم من ذلك اجتماع الساكنين لا على حدّه وذلك لا يجوز (^١).
فأقول: الهمزة المجعولة بين بين على سبعةِ أضرب: وذلك أن الهمزة إذا تحركت وتحرك ما قبلها فإما أن تكون الهمزة مفتوحة وما قبلها مفتوح أو مكسور أو مضموم فيجوز جعلها بين بين [بمنزلة جعلها ألفًا، والألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحًا، ولا يجوز جعلها بين بين] (^٢) فيما إذا كان ما قبلها مكسورًا أو مضمومًا. وإما أن تكون الهمزة مكسورة وما قبلها مكسور أو مضموم أو مفتوح فيجوز في هذه الصور جعلها بين بين وذلك: من عند ابك وسئل وسيم إلا عند الأخفش في المكسورة المضموم ما قبلها فإنه لا يجعلها بين بين وإنما يقلبها ياءً محضةً.
وأما أن تكون الهمزة مضمومة قبلها مضموم أو [مكسور أو مفتوح] (^٣) نحو هذا عبد أختك ويستهزئون ولؤم فيجوز في هذه الصور أيضًا جعلها بين بين إلا عند الأخفش في المضمومة المكسور ما قبلها فإنه يقلبها ياء محضة.
احتج الأخفش (^٤) بأن الألف لما لم تفتح بعد الكسرة والضمة الحقو بالألف في هذا الباب ما يقاربها وهو الهمزة المفتوحة المجعولة بين بين، فلم يوقعوها بعد الضمة والكسرة، وكذلك الواو الساكنة لما لم تقع بعد
_________________
(١) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١١١ شرح هذه الفقرة فقال: "قال الخوارزمي … ".
(٢) ساقط من (ب).
(٣) في (ب) "أو مفتوح أو مكسور".
(٤) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١١١ شرح هذه الفقرة.
[ ٤ / ٢٧٠ ]
المكسورة لم يقع بعدها أيضا ما يقاربها وهي الهمزة المضمومة المجعولة بين بين، وهكذا تقول في الهمزة المكسورة بعد الضمة بأن الياء الساكنة المكسورة لما لم تقع بعد الضمة لم يقع بعدها أيضًا ما يقاربها وهي الهمزة المكسورة المجعولة بين بين.
حجَّةُ سيبويه والخليل أن إيقاع الألف بعد الكسرة والضمة ممتنع، وأمّا إيقاع الواو الساكنة بعد الياء أو الياء الساكنة بعد الواو فغيرُ ممتنع. واحتجاج الأخفش أقوى.
قال جارُ اللَّه: "وأما أن تقع متحركة متحركًا ما قبلها فتجعل بين بين كولك: سأل ولؤم وسئل".
قال المُشَرِّحُ: الهمزة إذا وقعت متحركة متحركًا ما قبلها جعلت بين بين.
فإن سألتَ: فكيف لم تُقلب أو لم تُحذف؟
أجبتُ: لأنَّ الأصلَ في تخفيف الهمزة هو [التليين] (^١) على ما ذكرناه في أول الصنف.
قال جارُ اللَّهِ: "إلا إذا انفتحت وانكسر ما قبلها أو انضم فقلبت ياء أو واوًا محضة كقولك: مير وجون".
قال المُشَرِّحُ: الهمزة (^٢) إذا وقعت مفتوحة وما قبلها مكسور أو مضموم قلبت ياءً أو واوًا، لأنها لو جعلت كما هو مذهب يونس وأكثر النحويين بين بين لصارت بمنزلة الألف، والألف لا يكون قبلها الا مفتوحًا.
فإن سألتَ: فهلًّا كان تخفيف الهمزة في سئل أن تقلبها واوًا كما إذا
_________________
(١) في (أ): "اللين".
(٢) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١١١ شرح هذه الفقرة.
[ ٤ / ٢٧١ ]
كانت مفتوحة في نحو جون والتودة وفي المنفصل هذا غلاموبيك؟
أجبتُ: إنما لزم (^١) قلبها فيما ذكرته من الصور واوًا، لأنك في التخفيف لا تخلو من أن تقلبها واوًا أو تجعلها بين بين، ولم يصح أن تجعلها فيها بين بين، لأن ما قبل الهمزة المجعولة بين بين لا يكون مضمومًا، كما لا يكون ما قبل الألف كذلك فأخلصتها واوًا إذا [انضم] (^٢) ما قلبها وياءً إذا انكسر ما قبلها بخلاف نحو سئل فإنه لم يمتنع فيه أن يجعلها بين بين، لأن في الكلام ياءً مكسورًا ما قبلها. ضمة نحو صيد في هذا المكان وحيى فيه وحيى باللام.
قال جارُ اللَّهِ: "والأخفشُ يقلِبُ المضمومةَ المكسور ما قبلها ياءً فيقول: يستهزيون".
قال المُشَرِّحُ: احتج الأخفش (^٣) بأنه لا حذف ولا تليين للهمزة بجعلها بمنزلة التقاء الساكنين فيلزم التقاء الساكنين.
حجَّة غيره من وجه هو (^٤) بمنزلة يقتضي ومن وجه آخر بمنزلة القوم (^٥) يقتضون فلا يجوز.
قال جار اللَّه: "وقد يُبدل منها حرف اللين فيقال: منساة، ومنه قول الفرزدق:
* فارْعَيْ فَزَارَةَ لا هَنَاكِ المَرْتَعُ *
وقول حسَّان:
_________________
(١) في (ب): "يلزم".
(٢) في (أ): "انكسر".
(٣) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١١٢ شرح هذه الفقرة.
(٤) في (ب): "بمنزلة هو .. ".
(٥) في (ب): "يقوم".
[ ٤ / ٢٧٢ ]
* سألَتْ هُذَيْل رَسُوْلَ اللَّهِ فاحِشَةً *
وقول ابنه عبد الرّحمن:
* يُشَجِّجُ رَأْسُهُ بالفِهْرِواجِيْ *"
قال المُشَرِّحُ: الهمزة إذا وقعت متحركةً متحركًا ما قبلها فإنها (^١) تقلب إلى الحرف الذي منه حركة ما قبلها، لكن الأصل منها هو التَّليين. في قراءَة الحسن (^٢) ﴿أَنْبِيْهُمْ بِأَسْمَايِهْمِ﴾ بمنزلة أعطيهم، وتقول العرب: قريت وتوضيت (^٣) ونحو (^٤) ﴿أن تبويا﴾ قال ابن جني (^٥): وهذا ضعيف في اللغة، لأنه بدل لا تخفيف، والبدل لا يجوز عندنا إلا في ضرورة الشعر.
صدر بيت الفرزدق (^٦):
_________________
(١) في (ب): "فإنما".
(٢) سورة البقرة: آية ٣٣، والقراءة في المحتسب ١/ ٦٦.
(٣) قال أبو الفتح في الخصائص ٣/ ١٥٣: "وحدثنا أبو علي قال: لقي أبو زيد سيبويه فقال له: سمعت العرب تقول قريت وتوضيت فقال له سيبويه كيف تقول في أفعل منه فقال: أقرأ … ".
(٤) سورة يونس: آية ٨٧، والقراءة في البحر المحيط ٥/ ١٨٦.
(٥) الخصائص ٣/ ١٥٣، ونقله الأندلسي في شرحه ٥/ ١١٢ عن الخوارزمي.
(٦) ديوان الفرزدق ٢/ ٥٠٨ وبعده: وَلَقد عَلِمْتُ لئن فَزَارَةَ أُمِّرَت … أن سوفَ تَطْمَعُ في الإِمارَةِ أَشْجَعُ إنّ القِيَامَةَ قَدْ دَنَتْ أشراطُها … حتى أُميَّةَ عن فَزَارَةَ تَنْزَعُ قال ابن المستوفي في إثبات المحصل: "ولما ولى خالد بن عبد الله القسري على عمر بن هبيرة قال رجل من بني أسد يجيب الفرزدق: عجب الفرزدق من فزارة إذ رأى … عنها أمية بالمشارق تنزَعُ فَلَقَدْ رَأَى عجَبًا وأحدث بعده … أمرٌ تضجُّ له القلُوبُ وتَفْزَعُ بَكَتِ المَنَابر من فزارة شجوها … فاليومَ من قَسْرٍ تَذُوْبُ وتَجْزَعُ ومُلوك خِندف أسلمونا للعِدى … للَّه در مَلوكنا ما تَصْنَعُ كُنا كتَارِكَةٍ بنيها جانبًا … سفهًا وغيرهم تَقُوْتُ وتُرْضِعُ والأسدي المذكور: هو إسماعيل بن عمار. الأغاني ١١/ ٣٧٩. والأبيات وقصتها في الكامل للمبرد ص ٦٢٤، ٩٨٤. وما نقله المؤلف هنا في شرح البيت هو عينه كلام ابن السيرافي في شرح أبيات الكتاب =
[ ٤ / ٢٧٣ ]
راحت بمسلمة البغال عشية … فارعي فزارة البيت
قبله:
نزع ابن بشر وابن عمرو قبله … وأخو هراة لمثلها يتوقع
ابن بشرُ: هو عبد الملك [بن بشر] (^١) بن مروان، عزل عن البصرة وكان أميرها، وابن عمرو هو سعيد بن عمرو بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص عزل عن الكوفة وسار مسملة عن العراق إلى الشّام وقد ولى عمر بن هُبيرة الفَزَارِيّ وقال بعضُ الرُّواة: هو محمد بن عمرو بن الوليد بن عقبة أخو هراة سعيد بن الحارث بن الحكم.
تمامُ بين حسان (^٢):
_________________
(١) = ٢/ ٢٩٤. توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢١٧، المنخل ص ٢٠٢، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ١١١. وينظر: الكتاب ٢/ ١٧٠، شرح أبياته لابن السيرافي ٢/ ٢٩٤، المقتضب ١/ ١٦٧، الخصائص ٣/ ١٥٢، المحتسب ٢/ ١٧٣، ضرائر القزاز ص ٢٠٥، أمالي ابن الشجري ١/ ٨٠، نظم الفرائد ص ٢٠٢، ضرائر ابن عصفور ص ١١٧، ٢٢٩، المقرب ٢/ ١٧٩، ويروى صدر البيت: * ومضت بمسلمة البغال عشية * وورد البيت في شعر عبد الرحمن بن حسان ص ٣١.
(٢) عن شرح أبيات الكتاب لابن السيرافي.
(٣) ديوان حسان ص ٤٤٣. توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المُحصل ص ٢١٧، المنخل ص ٢٠٢، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ١١١، ١١٤، شرحه للأندلسي ٥/ ١١٣. وينظر: الكتاب ٢/ ١٣٠، شرحه للسيرافي ١/ ٢٣٤، الكامل ص ٦٢٦، المقتضب ١/ ١٦٧، الخصائص ٣/ ١٥٢، المحتسب ١/ ٩٠، شرح شواهد الشافعية ص ٣٣٩. قال البغدادي في شرح شواهد شرح الشافية: قال صاحب "مختصر أسد الغابة": إن أبا كبير الهذلي الشاعر أسلم ثم أتى النبي -ﷺ- فقال: أحل لي الزنا فقال: أتحب أن يؤتى إليك مثل ذلك؟ قال: لا، قال: فارض للناس ما ترضى لنفسك، قال: فادع الله أن يذهب ذلك عني وقال حسان يذكر ذلك". وأورد بيتين أحدهما الشاهد ثم قال: "وزاد ابن هشام في السيرة بعدهما بيتين آخرين هما ". =
[ ٤ / ٢٧٤ ]
* ضَلَّتْ هُذَيْلُ بما قَالَتْ وَلَمْ تُصِبِ *
أَبو سَعِيْدٍ السِّيرافي: الفاحشة التي سألت هذيل رسول اللَّهِ -ﷺ-: هي أن يُبيح لهم الزّنا.
ما قبل البيت الذي لعبد الرحمن (^١):
فأَمّا ذِكْرُكَ الخُلفاءَ مِنْكُمْ … فَهُمْ مَنَعُوا وَرِيْدَكَ من وِدَاجِي
ولَولاهم لَكُنْتَ كَعَظْمِ حُوْتٍ … هوى في مُظلم الغَمَرَاتِ دَاجِي
وكُنْتَ أذلُّ من وَتِدٍ بقاعٍ … يُشَجَّجُ البيت
يهجو عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص. يقول: لولا أن الخلفاء منكم لَوَدَجْتُ في (^٢) حلقك وإلا (^٣) لكنت كعظم سمكة وقع في البحر لا يشعر به. والغمرة من الماء قدر ما يغمر الرّجل.
_________________
(١) = وأورد الأبيات الأربعة محقق الديوان الدكتور وليد عرفات. وينظر: السيرة النبوية ص ٦٤٦، ٢/ ١٨٠، أسد الغابة ٦/ ٢٦٢، الإِصابة ٧/ ٣٤٣.
(٢) شعره ص ١٨، عن الأخبار الموفقيات ص ٢٥٥. وهي نقض لقصيدة عبد الرحمن بن الحكم التي منها [عن الأخبار الموفقيات]: وللأنصارِ أكلٌ في قراها … لخبث المطعمات من الدجاج وأربي من خميرهم وأبقي … على لؤم الهوان من الرتاج قال المبرد في الكامل ١/ ٣٤٢: "فكتب معاوية إلى مروان أن يؤدبهما وكانا تقاذفا فضرب عبد الرحمن بن حسان ثمانين وضرب أخاه عشرين فقيل لعبد الرحمن بن حسان قد أمكنك في مروان ما تريد فأشد بذكره وارفعه إلى معاوية فقال: إذا -واللَّه- لا أفعل وقد حدني كما يحد الرجال الأحرار وجعل أخاه كنصف عبدٍ، فأوجعه بهذا القول". توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل ص ١١٦، المنخل ص ٢٠٢، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ١١١، ١١٣، شرحه للأندلسي ٥/ ١١٢. وينظر: الكتاب ٢/ ١٧٠، شرح أبياته لابن السيرافي ٢/ ٣٠٦، المقتضب ١/ ١٦٦، الكامل ١/ ٣٤١، ٦٢٦، ٦٢٨، الأضداد ص ٢٩، المحتسب ١/ ٨١، الخصائص ٢/ ١٥٢، نظم الفرائد ص ٢٠١، شرح شواهد الشافعية ص ٣٤١. وشرح هذا البيت بألفاظه عن ابن السيرافي.
(٣) ساقط من (ب) موجود في شرح ابن السيرافي.
(٤) في (ب): "ولكنت".
[ ٤ / ٢٧٥ ]
قال جارُ اللَّهِ: "قال سيبويه: وليس بقياس متلئب، وإنما يحفظ عن العرب كما يحفظ الشيءَ الذي تبدل التاء من واوه نحو أَتْلَجَ".
قال المُشَرِّحُ: يقول [الشيخ] (^١): كما أن إبدال التاء من الواو غير كثير فكذلك الإِبدال من هذه الهمزة.
فإن سألتَ: فكيف تصنع مع هذا التّضييق الشّديد بما حشى به أشعار المتقدمين والمتأخرين من تخفيف الهمزة نحو:
* لَمْ يُنْسِهِ عن عِنَانِ الحالِ أَخبارُ *
إنما (^٢) هو لم ينسئه بالهمز، وبيت السقط (^٣):
* أَدْنَى الفَوَارِسَ مَنْ يُغِيْرُ لِمَغْنَمِ *
وإنما أدنا من الدّناءة، ومنه بيتُ أبي تمام (^٤):
كَلِفٌ بربِّ الحَمْدِ يَزعُمُ أنّه … [لا يُبْتَدَى بدءٌ] إذا لم يُتْمَمِ
وهو من ابتدأ الأمر وفي "الحَمَاسة" (^٥):
وحَسْبُكَ من ذلٍّ وسُوءِ صَنِيعَةٍ … مُناوَاة ذي القُربى وأَنْ قِيْلَ قاطِعُ
وفي الحديث (^٦): "إنه أُتي بأسيرٍ يَرْعُدُ فقال: أَدْفُوْهُ" وعليه
_________________
(١) عن شرح الأندلسي ٥/ ١١٣، ونقل شرح هذه الفقرة.
(٢) في (ب): "إنها".
(٣) شروح سقط الزند ١/ ٣٢٧.
(٤) شرح ديوان أبي تمام للتبريزي ٣/ ٢٥١ وروايته هناك: كلف برب المجد يزعم أنه … لم يبتدأ عرف إذا لم يتمم
(٥) الحماسة ص ١٢٣ (١٣٨) (رواية الجواليقي) ثلاثة أبيات لمحمد بن عبد الله الأزدي وهي: ولا أدفع ابن العم يمشي على شفا … وإن بلغتني من أذاه الجناذع ولكن أواسيه وأنسى ذنوبه … لترجعه يومًا إلى الرواجع وحسبك من ذل وسوء صنيعة … مناواة ذي القربى وأن قيل قاطع
(٦) في غريب الحديث لأبي عبيد ٤/ ٣٣: "ومنه الحديث المرفوع أنه أتى بأسير فقال لقوم منهم: اذهبوا به فأدفوه يريد الدفء من البرد فذهبوا به فقتلوه فواده رسول الله -ﷺ-.
[ ٤ / ٢٧٦ ]
﴿تَأْكُلُ مَنْسَاتَهْ﴾ (^١) على قراءة [من] (^٢) قرأها بقلب الهمزة ألفًا، و﴿قَدْ كَانَ لِسَبَا﴾ (^٣) وفي قراءة الزُّهري (^٤): ﴿وَبَدَا خَلْقَ الإنْسَانَ﴾، ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يَبْدَا﴾ (^٥) كيَسْعَى، وفي لُغة أهل المدينة بَدَيْنَا كسعينا؟.
أجبتُ: ذلك المحصول على لغةِ قريشٍ، وعن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: قرأت القرآن على مُجاهد وسعيد بن جُبير، وهما قرآ على ابن عباس، وقرأ ابن عباس على أُبي بن كعب، وقرأ أُبي على النَّبي -ﷺ-[وسلم] وأُبي ليس يحفظ عن النبي [-ﷺ-] ولا عن أحدٍ من قُريش أنه همز؛ لأنَّ الهمزَ ليس من شأنها وفيه أيضًا من علامة الإِسنادية ترك الهمزة يعني [في المحراب] (^٦).
قال جارُ اللَّهِ: " (فصل) وقد حذفوا الهمزة في كُل ومُر وخُذ حذفًا غير قياسي ثم التزموه في اثنين دون الثالث، ولم يقولوا أوخذ ولا أوكل، قال تعالى (^٧): ﴿وامُرْ أَهْلَكَ﴾.
قال المُشَرِّحُ: المراد "باثنين" "وكل" و"خذ" ونقل، الراء لم يحذف [وحذف] (٨) فيهما، [لأنهما] (^٨) أكثر استعمالًا.
_________________
(١) سورة سبأ: آية ١٤، وهي قرائة أبي عمرو ونافع وأبو جعفر واليزيدي والحسن وزيد ويعقوب في السبعة ص ٥٢٧، التيسير ص ١٨٠، الكشاف ٣/ ٢٨٣، البحر المحيط ٧/ ٢٦٧، النشر ٢/ ٣٤٩.
(٢) في (ب).
(٣) سورة سبأ: آية ١٥، قراءة حمزة وهشام. الكشاف ٣/ ٢٨٤.
(٤) سورة السجدة: آية ٧، وقراءة الزُّهريّ في البحر المحيط ٧/ ١٩٩.
(٥) سورة العنكبوت: آية ١٩، وهي قراءة الزُّهري أيضًا: المحتسب ٢/ ١٦١.
(٦) في (أ) "المحرابات"، وفي (ب) "يعني المحراب" والتصحيح عن شرح الأندلسي.
(٧) سورة طه: آية ١٣٢.
(٨) في (ب).
[ ٤ / ٢٧٧ ]
قال جارُ اللَّهِ: " (فصلٌ) وإذا خففت همزة الأحمر على طريقها فتحركت لام التعريف اتجه [لهم في ألف الوصل] (^١) طريقان حذفها وهو القياس، وابقاؤها لطرو الحركة، فقالوا لحمر والحمر".
قال المُشَرِّحُ: ونظيرها (^٢): رمأتا على لغة من يقول ذاك ورمتا، فمن قال رماتا فقد أجرى العارض مجرى الأصلي (^٣)، ومن قال: رمتا لم يعتد بالعارض.
فإن سألتَ: فهل يجوز على هذا أن تقول في جوب و[جيل] (^٤) مخففي حؤب و[جئل] (^٥) حاب و[جال]؟
أجبتُ: رُوي عن الشَّيخ أبي عليٍّ الفارسي أنه ما أجاز ذلك.
وهذا لأن الواو والياء فيهما إبطاء من إسقاط همزة الوصل. ألا ترى أن استحالة أن لا يعلان وإن قام الموجب للإِعلال وذلك في نحو الجورة، والحركة فلأن همزة الوصل فإنها لا تستبقى مع الموجب للإِسقاط.
قال جارُ اللَّهِ: "ومثل لحمر ﴿عادَلولي﴾ (^٦) في قراءة أبي عَمْروٍ".
قال المُشَرِّحُ: الكلام في هذه المسألة مبني على مقدمتين.
إحداهما (^٧): أن اللام والنون متقاربان ويشهي له أصيلان في جمع أصيل محقرًا كأنهم كسروا أصيلا على أصلان (^٨) كقضيب وقضبان ورغيف
_________________
(١) في (أ): "لهمز اللام".
(٢) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١١٤ شرح هذه الفقرة.
(٣) في (أ): "الأصل" وما أثبته من (ب) هو نص الأندلسي أيضا.
(٤) في (أ): "وحيهلك".
(٥) في (أ): "وحياك".
(٦) سورة النجم: آية ٥٠. وقراءة أبي عمرو في التيسير ص ٢٠٥، الكشف لمكى ٢/ ٢٩٦.
(٧) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١١٤ شرح هذه الفقرة.
(٨) في (أ): "أصيلان".
[ ٤ / ٢٧٨ ]
ورغفان، ثم أبدلوا من النون لامًا حتى صار أصيلالا ثم صغروه، ومن ثم قالوا: لعلي في لعلني، كراهية لاجتماع المتقاربات كما قالوا: إني في إنني فرارًا من اجتماع المتجانسات، وهذا لأن اللام وإن كانت من حافة اللِّسان فهي تَستطيل إلى طرفه (^١).
والثانية: أنه في القراءة المشهورة يلتقي ساكنان، وهما: التنوين الساكن واللام الساكنة فتحرك التنوين كما في سائر المواضع إلى الكسر.
وأمّا أبو عمرو فلا يحرك التنوين ولكنه يخفف الهمزة التي هي بعد اللام ويلقي على اللام حركتها فإذا تحرك اللام أجرى بينها وبين التنوين الإِدغام لتقاربهما، ونون الأول منهما ساكنة والثانية [منهما] (^٢) متحركة.
وإذا ثبت هذا [رقيتك] (^٣) إلى الغرض فقلت: حركة اللام بعد طرح الهمزة الواقعة بعدها إذا لم يكن معتدًا بها لما جرت بينهما إدغام، لأن المدغم فيه ساكن حكمًا، والإِدغام بين الساكنين.
قال جارُ اللَّهِ: "وقولهم: من الان في من الأن، ومن قال: لحمر قال: من لان بتحريك النون كما قُرئ ﴿مِنْ لَرْضِ﴾ و: "مِلْآنَ" (^٤) بحذفها كما قيل: ملكذب".
قال المُشَرِّحُ: من قال: لحمر فاعتد بحركة اللام حتى طرح الهمزة قال: من لان بسكون النون، ومن قال: الحمر فلم يعتد بحركة اللام حتى
_________________
(١) في (أ): "طرفيه".
(٢) في (ب).
(٣) في (أ): "أوميتك".
(٤) لعله يقصد قول أبي صخر الهذلي (شرح أشعار الهذليين): كأنهما ملان لم يتغيرا … وقد مر للدارين من بعدنا عصر ومثله قول الشاعر: أنشده أبو زيد (الخصائص ٣/ ٩١): ألا يا هند هند بني عمير … أرث اَلَانَ وصلك أن جديد
[ ٤ / ٢٧٩ ]
استبقى الهمزة قال: من لان بتحريك النُّون كما قُرئ (^١) ﴿من لرض﴾ أو قال: ملان بحذف النون، لأن النون السَّاكنة لها شبه بحرف العلة، ألا ترى أنها تنقلب ألفًا في نحو رأيت زيدًا، وكذلك سقط النون في نحو لم يك وعليه قوله (^٢):
أَبلغ أَبَا دَخْتَنُوسَ مَاْلَكَةً … غَيْر الّذي قد يُقال مِلْكَذِبِ
وأصله: مِنَ الكَذِب.
تخمير: نظير المذهَب الأول ما أنشده الكسائي -﵀- (^٣):
لَقَدْ كنتَ تُخفي حبّ سَمْرَاءَ حِقْبَةً … فبُحْ لانَ منها بالّذي أنتَ بائِحُ
فأسكن الحاء من قوله: "فبح".
نظير المذهب الثاني قولهم: إلى في [التذكر إذا يتذكر] (^٤) نحو
_________________
(١) سورة الروم: آية ٢٥.
(٢) أنشده المؤلف -الخوارزمي- في شرح سقط الزند (شروح السقط ٣/ ١٣٦٧) عن أبي علي، وأنشده أبو علي في التكملة له ص ٢١٥، وينظر: شرح شواهد الإيضاح (إيضاح شواهد الإيضاح ١/ ٤٠٠). وينظر أيضا: الخصائص ١/ ٣١١، ٣/ ٢٥٧، أمالي ابن الشجري ١/ ٩٧، ٣٨٦، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ١٠٠، ١١٦، ضرائر الشعر لابن عصفور ص ١١٤. وأبو دختنوس: لقيط بني زرارة بن عدس بن زيد بن دارم من سادات بني تميم وفرسانهم شاعر مشهور، قتل يوم جبلة بها يكني، وهي بنته شاعرة أيضا. كما يكنى أبا نهشل. أخباره في الشعر والشعراء ٢/ ٧١٠. وأخبارها في الشعر والشعراء ٢/ ٧١١. وفي دختنوس لغات، وهي أعجمية. ينظر: المعرب ص ١٩٠ (إيضاح شواهد الايضاح).
(٣) البيت لعنترة في ديوانه ص ٢٩٨، وروايته هناك: تعزيت عن ذكرى سمية حقبة … فبح عنك منها بالذي أنت بائح ولا شاهد فيه على هذه الرواية. والشاهد في: الخصائص ٣/ ٩٠، أمالي ابن الشجري ١/ ٧، العيني ١/ ٤٧٨، التصريح ١/ ١٤٧، شرح الأشموني ١/ ١٩٣.
(٤) في (أ): "الذكر إذا أبذل" وما أثبته من (ب) هو نص الأندلسي في شرحه ٥/ ١١٥ عن الخوارزمي.
[ ٤ / ٢٨٠ ]
الخليل (^١) [قال: إلى] فكما لم تحذف الهمزة كذلك لم تحذف في نحو الحمر.
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وإذا التقت همزتان في كلمة (^٢) فالوجه قلب الثانية إلى حرف لين كقولهم: أادم وأيمة وأويدم".
قال المُشَرِّحُ: إذا (^٣) التقت همزتان في كلمة فلا بدّ من تخفيف إحداهما، لأنهم إذا كرهوا الهمزة الواحدة فهم باستكراه التنتين أجدرُ لا سيما عند اصطحابهما، وإنما قُلبت الثانية لأنَّ الاستقبال عندها يقع، ونحو هذه المسألة قولهم في تصغير فرزدق فريزد، ولأنه في نحو آدم لا يمكن تخفيف ما ذكرناه من أن الهمزة الواقعة أولًا (^٤) لا تخفف.
أئمة: جمع إمام، وهي أفعلة ففيه همزة هي فاء الفعل وتزيد عليها همزة أفعلة الزائدة فتجمع همزتان في كلمة لا تستعمل تحقيقهما فبعد ذلك الهمزة التي هي فاء الفعل لا تخلو من أن تكون الحركة تقلب إليها بعد أن كانت ساكنةً أو وقعت في أول حالها متحركة، لا وجه إلى أن تثبت ساكنة ثم تنقل اليها الحركة، لأنها لو ثبتت ساكنة لأبدلت ألفًا كما أبدلت في آزرة وآنية جمع إزار وإناء، ولو أبدلت لجاز وقوع المدغم بعدها ولم يحتج مع وقوع المدغم بعدها إلى القلب، والحركة فيها كالحركة في أوادم.
فإن سألتَ: فلم قلبت الهمزة في أئمة؟
أجبتُ لمجاورة الكسرة التي بعدها، وهذا لأن الحروف كما تعل
_________________
(١) في (أ): "القوم" وفي (ب): "اليوم" والتصحيح عن شرح الأندلسي.
(٢) في (أ): "في كلمة واحدة".
(٣) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١١٥ شرح هذه الفقرة ثم قال "أقول: هذا ينتقض بالمتحركين فإن تخفيف أحدهما ليس بلازم … ".
(٤) ساقط من (ب).
[ ٤ / ٢٨١ ]
لمجاورة بعضها نحو (^١) ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ أعلت الصاد لمجاورة الدال، ونحو: اصطبر أُعلت التاء لمجاورة المطبق كذلك الحركات نزلت منزلة الحروف فأُعلت لمجاورة الحركة التي بعدها كما أُعلت في نحو اجتماع ببدل منها لمجاورة الحركة التي قبلها.
تخمير: ولو حقرت أئمة أو كسرتها لقلت أويمة واوام كما اسقية وأساق (^٢).
قال جارُ اللهِ: "ومنه جاءٍ".
قال المُشَرِّحُ: كما عرفت "جاءٍ" معتل العين مهموز اللام فقياس اسم الفاعل منه جائى بهمزتين، الهمزة الأولى: هي المنقلبة من العين كما في نحو صائم وقائم. وثاني: هي الأصلية وقد خفف.
فإن سألتَ (^٣): فهل يجوز تخفيف هذه [الباقية] (^٤)؟
أجبتُ: لا يجوز، لأن تخفيفها إما أن يكون بتليينها، وذلك لا يجوز [لسكون ما قبلها، وإما إبدالها، وذلك لا يجوز أيضًا] (^٥) لأنه يجمع ياءان غير مدغمتين أولاهما مكسورة، ومن ثم جاز كسر حروف المضارعة عند بعض العرب إلا الياء. وأما بحذفها، وذلك لا يجوز أيضا، لأنه إجحاف بالاسم.
قال جارُ اللهِ: "وخطايا".
قال المُشَرِّحُ: هي جمع خَطِيّة -بالتَّشديد- ومثلها ركايا وسبايا وعشايا ومطايا يا فتى اجتمع بعد ألف الجمع ياءأن فالأولى تكون ياء مشاكلة لصورة [واحد] (^٦) الجمع. وأما الثانية فتَنقلب ألفًا هربًا من التقاء ياءين في الجمع
_________________
(١) سورة القصص: آية ٢٣. ولعله يريد ﴿يزدر﴾.
(٢) في (ب): "أساف".
(٣) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١١٦ شرح هذه الفقرة.
(٤) في (أ): "الثانية".
(٥) ساقط من (أ).
(٦) في (أ): "الجمع واحدة".
[ ٤ / ٢٨٢ ]
أولاهما مكسورة واستبقاء اللام، وذلك نحو مطايا وبرايا وجمال معايا في مطية وبرية وحمل معيى.
قال جارُ اللهِ: "وقد سمع أبو زيدٍ من يقول: اللَّهم إغفر لي خطائيى قال: همزها أبو السّمح ورداد ابن عمه".
قال المُشَرِّحُ: خطائيى في هذه الرّواية جمع خطيئة غير مبدلة فيها الياء من الهمزة.
قال جارُ اللهِ: "وفي القراءة الكُوفيّة ﴿أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ (^١) "
قال المُشَرِّحُ: في القراءة الكُوفيّة: ﴿أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ بتحقيق الهمزتين. والحُجّة فيها (^٢) أن الهمزة من حروف الحلق كالعين والهاء في نحو كع والفهه كذلك يجوز اجتماع الهمزتين، ولأن سيبويه قد قال (^٣): زعموا أن ابن أبي إسحاق كان يحقق الهمزتين وناسًا اعترض عليهم البصريون أنا لا نعلم أحدًا حكى التحقيق فيهما في نحو آجر وآدم وآزر فكذلك ينبغي في القياس أن يكون أئمة.
فإن سألتَ الهمزة الثانية آدم ساكنة وفي أئمة متحركة، والمتحرك أقوى من الساكن؟
أجبت: المتحرك في هذا ليس بأقوى من الساكن؛ لأنك قد رأيت الكسرة توجب فيهما الإِعلال مع أنها متحركة كما في (مئر) (^٤) لما ذكرنا من أن الهمزة الواقعة أولًا لا تخفف.
تَخمير: في أواخر وأويدم إِعلم أنه آخر همزتان فقلبت الثانية منهما ألفا
_________________
(١) سورة التوبة: آية ١٢.
(٢) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١١٧ شرح هذه الفقرة.
(٣) الكتاب ٢/ ٤١٠.
(٤) في (أ): "بين".
[ ٤ / ٢٨٣ ]
فرارًا من تلاقي همزتين، ومجيء الألف في آخر ليس بمنزلة مجيئها في رأس؛ لأن مجيئها في رأس لتخفيف الهمزة لفظًا، وفي آخر لرفض التقاء الهمزتين حقيقة وتقديرًا، بدليل أنهم قالوا: أواخر كضوارب وقد يذكر مع أواخر أو يدم فيحتج بإثبات الواو بعد همزة أفعل، على أن ألف آدم بمنزلة ألف ضارب، وليس فيه دليل من أجل أن الهمزة المفتوحة المضموم ما قبلها إذا حققت قلبت واوًا نحو جؤب وهذا لأن ألف آدم وإن كانت منقلبة عن همزة لسكونها إلا أنه لما وجب تحريك الألف عادت الألف إلى أصلها، ثم كما خففت جعلت واوًا فلا يتأتى هذا.
قال جارُ اللهِ: "وإذا التقتا في كلمتين جاز تحقيقهما وتخفيف أحدهما بأن تجعل بين بين والخليل يختار [تخفيف] (^١) الثانية كقوله تعالى (^٢): ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾.
قال المُشَرِّحُ: ليس في كلامِ العربِ (^٣) أن يلتقي همزتان فيحققا إلا إذا كانت عينًا مضاعفة في الأصل نحو رأَس، ومن كلامهم تحقيق الآخرة، وهو قول أبي عمرو، ومنهم من يحقق الأولى ويخفف الأخيرة، وكان الخليل يستحب هذا، يقول: لأني رأيتهم يبدلون الثانية في كلمةٍ واحدةٍ كآدم.
وجه أبي عمرو أن التّخفيف أليق بآخر الكلمة، كما أن التحقيق أليق بأولها.
قال جارُ الله: "وأهل الحجاز يخففونهما (^٤) معًا".
قال المُشَرِّحُ: عندهم [يجعلونهما] (^٥) معًا بين بين.
_________________
(١) ساقط من (أ).
(٢) سورة محمد آية: ١٨.
(٣) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١١٨ شرح هذه الفقرة.
(٤) في (أ): "يحققونهما".
(٥) في (أ): "تجعلهما".
[ ٤ / ٢٨٤ ]
فإن سألتَ: كيف جاز تليينها مع أن فيه التقاء الساكنين على غير حده حكمًا؟.
أجبتُ: نَعم ولكن لضرورة لأنهما اختان متشابهتان فلا يجوز تخصيص أحدهما بحكم دون الأخرى، فبعد ذلك إما أن يحذفا وذلك (^١) إجحاف، وإما أن يبدلا فيلزم من ذلك اجتماع الساكنين حقيقة للفرار من اجتماع الساكنين حكمًا، وذلك لا يجوز فتعين تليينها.
قال جارُ الله: "ومن العَرب من يقحم بينهما ألفًا، قال ذو الرمة (^٢):
* … آأنت أم أم سالم *
وأنشدَ أبو زَيْدٍ (^٣):
حُزُقٌّ إذا ما القَوْمُ أَبدوا فكاهةً … يُفَكِّر آإيَّاهُ يَعْنُوْنَ أمْ قِرْدَا
وهي في قراءة ابن عامر".
قال المُشَرِّحُ: إقحام (^٤) الألف بينهما إما للفرار من اجتماع المتجانسين وحده وإما للفرار منه ومن التقاء الساكنين.
_________________
(١) في (ب): "وهذا".
(٢) البيت بتمامه: أيا ظبية الوعساء بين جلاجل … وبين النقا آأنت أم أم سالم وقد تقدم ذكره في الجزء الأول.
(٣) أنشده أبو زيد في كتابه "الهمز" كذا قال البغدادي في شرح شواهد شرح الشافية ص ٣٤٩. قال ابن المستوفي في إثبات المحصل: "الذي أنشده أبو زيد قال: أنشدناه الأعراب، وأنشده ابن الأعرابي في نوادره لبعض بني كلاب وأنشده البغدادي عن صاحب العباب لجامع بن عمرو بن مرخية الكلابي. وتوجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٢٠، المنخل ص ٢٠٣، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ١١٨، ١١٩، شرحه للأندلسي ٥/ ١١٨. وينظر: سر صناعة الأعراب ٢/ ٧٢٢ قال: "وقرأت على أبي علي في كتاب الهمز" عن أبي زيد. والهمع ١/ ١٥٥.
(٤) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١١٨ شرح هذه الفقرة.
[ ٤ / ٢٨٥ ]
أمَّا البيت الأول فقد مضى في قسم الأسماء، وأما البيت الثاني:
فالحُزُقُّ: هو القَصِيْرُ الذي يقارب خطوه [كذلك الخرقة] (^١).
قال جارُ الله: "ثم منهم من يُحقق بعد إقحام الألف، ومنهم من يخفف".
قال المُشَرِّحُ: من حقق بعد الإِقحام فقد فر من الشيئين، ومن خفف فقد فر من أحدهما كما في اضربنان.
قال جارُ الله: "وفي اقرأ آية" ثلاثة أوجه، أن تقلب الأولى ألفًا، وأن تحذف الثانية ويلقى حركتها على الأولى، وأن تجعلا معًا بين بين، وهي حجازية".
قال المُشَرِّحُ: أما قلب الأولى ألفًا (^٢) فلأن الهمزة كهمزة رأس. وأما حذفُ الثانية فلأنها مُتحركة وما قبلها ساكنٌ. وأمَّا تليينها فلما ذكرنا.
فإن سألتَ: فلم لا يجوز تَليين الثانية وجهًا رابعًا كما هو مذهب الخليل؟.
أجبتُ: لكون الألف الأولى ساكنة.
_________________
(١) في (ب).
(٢) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١١٩ شرح هذه الفقرة.
[ ٤ / ٢٨٦ ]
[باب التقاء الساكنين]
قال جارُ الله: "ومن أصناف المشترك التقاء الساكنين يشترك فيه الأضرب الثلاثة، ومتى التقيا في الدرج على غير حدهما، وحدهما: أن يكون الأول حرف لين والثاني مدغمًا في نحو داية وخُوَيصَة وتَمُوّد الثَّوبُ، [وقوله تَعالى (^١): ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا﴾] (^٢) لم يخل أولهما من أن يكون مدّةً أو غيرَ مدةٍ، فلئن كان مدةً حذف كقولك: لم يقل ولم يبغ ولم يخف ويخشى القوم ويغزو الجيش ويرمي الغرض، ولم يضربا اليوم، ولم يضربوا الآن، ولم تضربي ابنك إلا ما شذَّ من قولك: ألحسن عندك وأيمن الله يمينك، وما حكي من قولهم: (حَلْقَتَا البِطَان).".
قالَ المُشَرِّحُ: إنما لم (^٣) يَجُز التقاء الساكنين، لأن المُتَكَلَّم به في حكمِ الموقوف (^٤) عليه والمُبتدئ بما بعده، والابتداء بالسَّاكن محالٌ.
فإن سألتَ: [فبين] (^٥) لنا على وجهِ التَّبرع [لِمَ] كان الابتداء بالسَّاكن محالًا؟.
_________________
(١) سورة البقرة: ١٣٩، والقراءة لزيد بن ثابت والحسن … في الكشاف ١/ ٩٨.
(٢) ساقط من (ب).
(٣) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١٢٠ شرح هذه الفقرة ورد على المؤلف.
(٤) في (ب): "الواقف … ".
(٥) في (أ): "فنزل … ".
[ ٤ / ٢٨٧ ]
أجبتُ: وذلك لأن المُتَكَلِّمَ بشيءٍ يشبه بقاطع المسافة ومن ثم إذا كان كلامه أكثر شبه بالمسافر، وجاء في الحديث: "أَفْضَلُ القِرَاءَةِ الحَالّ المُرْتَحِل" [فابتداء قطع المسافة لا يكون إلا بالحركة، إنما جاز التقاء الساكنين إذا كان] (^١) الأول حرف مدٍّ ولين والثاني مدغمًا، لأن حرفَ المدّ يتوهم كالمتحرك ألا ترى أن بعض المدة حركة فيكون كلها بمنزلة [لفظة] (١) معها حركة، ومن ثم لم تختلف الرِّواية عن نافع أنه أسكن الياء من ﴿وَمَحْيَايَ﴾ (^٢) والمُشَدّد أيضًا يتوهم كذلك؛ لأن اللّسان لا يرتفع بالحرف المشدد إلا صدمةً، وكذلك أجرى يونس ﴿مَثْنَى﴾ في النّسبية مجرى ملهى. في قولهم: االحسن عندك التقى ساكنان لا على حده، وهذا لأنه (^٣) لو لم يجز التقاء الساكنين ها هنا لالتبس بالخبر الاستفهام. وأما "حلقتا البطان" فإِنّما استبقي فيها الألف لفظيع الخطب وتشنيع الحادثة بتحقيق التقاء الحلقتين. ونحو نظير التقاء الساكنين ها هنا قولهم اضربان واضربنان على مذهب يونس وجماعة من البصريين ومذهب الكوفيين. في أمثالهم (^٤): "إلتَقَتْ حَلْقَتَا البِطَان" والبطان للقَتَب: هو الحزام الذي يجعل تحت بطن البَعير فيه حلقتان إذا التقتا فقد بلغَ الشَدُّ غايَتَه يضرب في الحادثة إذا بلغ النهاية.
قال جارُ اللَّه: "وإن كان غيرُ مدَّةٍ فتحريكه في نحو قولك: لم أبله واذهب اذهب ومن ابنك ومذ اليوم وألم الله ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ﴾ (^٥) واخشوا الله واخش القوم، ومصطفى الله و﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾ (^٦).".
_________________
(١) ساقط من (أ).
(٢) جزء من آية ١٦٢ من سورة الأنعام: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ ﴾.
(٣) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١٢٢ شرح هذه الفقرة.
(٤) ينظر: أمثال أبي عبيد ص ٣٤٣، الجمهرة ١/ ١٨٨.
(٥) سورة البقرة: ٢٣٧.
(٦) سورة التوبة: ٤٢.
[ ٤ / ٢٨٨ ]
قال المُشَرِّحُ: الفرق بين المدة وغيرها من الصحاح أن المدة أسقط ولذلك تسقط الجوازم المدة بخلاف غيرها من الحروف الصحاح.
قال جارُ الله: "ومنه قولك (^١): [الاسم] والابن والانطلاق والاستغفار".
قال المُشَرِّحُ: التقى في قولك (١): الاسم ساكنان، أحدهما اللام والثاني السين والأول منهما غير مدة فلا جرمَ يحرك ولم يسقط.
فإن سألتَ: فما بالهم حرّكُوا اللام الدّاخلة على الأول دون الثاني مع أن تحريك الثاني تحريكٌ في موضع الضرورة فيكون أولى، ومن ثمّ قال سيبويه -في جحيمر تَصغير جَحْمَرِش- فإنما حذف [الذي] ارتدع عنده.
أجبتُ: إنّما حُرَّكَ الأول ها هنا لأنَّهم جعلوا التلفظ بالحرف بمنزلة حركة المشي فالأشبه أن يكون كل حرف من الكلمة متحركًا إلا أنهم لتعديل الكلمة سكنوا بعض حروفها واعتبروا الساكن مُعتبر المتحرك لكن الساكن إنما يُعتبر مُعتبر المتحرك إذا كان مفردًا [عن] (^٢) ساكنٍ آخر أما إذا تبعه ساكن فلا يردُّ متحركًا عملًا بالأصل.
قال جارُ الله: "أو تحريك أخيه نحو قولك (^٣): انطلق "ولم يَلْدَه" (^٤) و﴿يَتَّقْهِ﴾ (^٥) ".
قال المُشَرِّحُ: إنهم يعاملون طلق من انطلق و"يَلِد" من "لم يلده" ويتقه من ﴿يتقه﴾ معاملة الكبد حيث يسكنون منها الباء كأنهم عاملوا بعض
_________________
(١) في (ب): "قولهم".
(٢) في (أ): "غير".
(٣) ساقط من (ب).
(٤) يشير إلى البيت الآتي بعد.
(٥) في (أ): "ولم يتقه" وهي الآية ٥٢ من سورة النور.
[ ٤ / ٢٨٩ ]
الكلمة معاملة [كلها كما أنهم عاملوا الكلمتين معاملة] (^١) كلمة واحدة. ومنه قراءةُ ابن كثيرٍ (^٢) ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ﴾ بسكون الياء [من ﴿هِيَ﴾ وتشديد التاء] من ﴿تَلْقَفُ﴾ لأن هيت بمنزلة حدث وهجف.
قال جارُ الله: "ورد، ولم يرد في لغة بني تميم، قال (^٣):
* وذِيْ وَلَدٍ لَمْ يَلْدَهُ أبَوَانِ *"
قالَ المُشَرِّحُ: قياس الأمر من باب رَدّ: أردد من باب التضعيف بسكون اللام، وذلك أن قياس المضاعف باللام فمتى سكنها ظهر التضعيف، وإن حركها جازَ الإِدغام، وإنما تحريكها لوجهين:
أحدهما: أن الأمرَ فيه (^٤) مبنيٌّ على السكون (^٥).
والثاني: أنه مبني على تثنية الضمير في قولك: رد إلا أنه لا فرق بين بناء الواحد والاثنين في الصُّورة إلا حذف الألف وإثباتها، والإِظهار لغةُ أهلِ الحِجَاز قال الله تَعالى (^٦): ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ وقال أَبو الأَسود الدُّؤلي (^٧):
اعدُد من الوَجْهيْن فَضْلًا ونِعْمَةً … عَلَيْكَ إذا ما جاءَ للخَيْرِ طَالِبُ
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) قراءة ابن كثير في السبعة لابن مجاهد ص ١٩٠، البحر المحيط ٤/ ٣٦٣، وهي الآية ١٧ من سورة الأعراف، والآية ٤٢ من سورة الشعراء.
(٣) هذا البيت لرجل من أزد السراة، ويقال: إنه لعمرو الجنبي منسوب إلى (جنب) بفتح الجيم وسكون النون قبيلة من اليمن، شاعر جاهلي. توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٢٠، ٢٢١ المنخل، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ١٢٣، ١٢٦، شرحه للأندلسي ٥/ ١٢٤. وينظر: الكتاب ١/ ٣٤١، ٢/ ٢٥٨، شرحه للسيرافي ٣/ ٧٧، الكامل ٣/ ١٠٩٤، الأصول ١/ ٣٦٤، ٣/ ١٥٨، الخصائص ٢/ ٣٣٣ الخزانة ١/ ٣٩٧.
(٤) في (ب): "منه".
(٥) في (ب): "على رد".
(٦) سورة لقمان: ١٩.
(٧) ديوان أبي الأسود ص ١٤٢ (عد) عن نور القبس ص ١٣، وفيه: (وعدد).
[ ٤ / ٢٩٠ ]
والإِدغام لغة [أهل] نَجْدٍ، قال جرير (^١):
* فَغُضَّ الطَّرْفُ إِنَّكّ مِنْ نُمَيْرٍ *
وأهلُ نجدٍ ينقلون ضمة العين إلى الفاء [حتى تضم الفاء] ويسكنون (^٢) العين ثم يجرون بين المتماثلين الإِدغام فتصير رد.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) والأصلُ فيما حُرك منهما أن يحرك بالكسرِ".
قالَ المُشَرِّحُ: الساكن إذا حُرك حُرّك إلى الكسرِ، لأن الكسرةَ أعدلُ الحركات.
فإن سألتَ: الفتحةُ أخفُّ الحركات؟.
أجبتُ: نعِم، لكن له حكم السكون من وجهٍ فلا يزول به التقاء الساكنين وهذا لأنَّ الشيء إذا كان له أصلٌ ثم نقل عنه [فهو] كأنه فيه، لأنه على شرفِ أن يعود إليه، ولهذا المعنى قلنا: بأن عامرًا إذا نقلته عن الجنسية إلى العلمية فهو يعود كأنّه منكر، ولهذا يدخل عليه التنوين، فإذا نقلته نقلًا ثانيًا عن صيغة عامر إلى صيغة عُمر فحينئذ قد أُمن العود.
قال جارُ اللَّه: "فالذي حرك بغيره لأمرٍ نحو [ضَمّهم] في ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ﴾ (^٣)، ﴿وعذابِنُ (٤١) ارْكُضْ﴾ (^٤)، ﴿وَعُيُونِنُ (٤٥) ادْخُلُوهَا﴾ (^٥) للاتباع".
قالَ المُشَرِّحُ: الساكن (^٦) إذا حُرّك هربًا من التقاء الساكنين يكون في موضعين:
_________________
(١) ديوان جرير ص ٨٤١ وسيذكره المؤلف في نص الزمخشري الآتي.
(٢) في (ب): "تسكين".
(٣) سورة يوسف: ٣١.
(٤) سورة ص: ٤١، ٤٢.
(٥) سورة الحجر: ٤٥، ٤٦.
(٦) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١٢٦ شرح هذه الفقرة.
[ ٤ / ٢٩١ ]
أحدهما: الاتباع، ألا تَرى أنّه حُركت التاء بالضم في ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ﴾ وكذلك التنوين في ﴿عَذَابِنُ (٤١) ارْكُضْ﴾ حرك بالضم لضمة الراء والكاف وكذلك (^١): ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ بضم النُّون والواو في قراءةِ الكسائي وغيره (^٢) ونحوه أخرج، ألا ترى أن الهمزة حُركت فيه بالضَمّ لضمة العين فلذلك يَسوغ أن تُضم التَّاء لضمةِ الرّاء.
ومن اتباع الأول (^٣) للثاني قولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ اتبعت الدَّال (^٤) فيه الكسرة اللام، كما أن من قرأ (^٥) ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بضم اللام فقد أتبع اللام الدّال. والثاني واو الضمير في المعتل اللام (^٦).
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وفي نحو: اخشوا القوم للفصل بين واو الضَّمير وواو "لو"".
قال المُشَرِّحُ: يُحتمل أن يكون إنما ضمّ الواو في نحو: اخشوا القوم لأنه كان قبل الواو ياءً مضمومة، ولما سقطت الياء تحملت الواو تلك الضمة، وهذا ينزع إلى باب حذف المُضاف وإقامة المضاف إليه مقامه كقوله تَعالى (^٧): ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ إذا طرحت الهمزة وطُرحت حركتها على ما قَبلها. وعكسه وذلك في نحو قولك مسألة مسلة. وأمَّا مذهبُ النحويين في هذه المسألة فهو ما ذكره الشّيخ ﵀.
_________________
(١) سورة النساء: ٦٦.
(٢) السبعة لابن مجاهد ص ٢٣٤، الحجة لأبي زرعة ص ١٢٤.
(٣) في (أ): "قول الأول" ولا توجد في نص الأندلسي.
(٤) ساقط من (ب) موجودة في النص الذي نقله الأندلسي.
(٥) هي قراءة إبراهيم بن أبي عبلة في المحتسب ١/ ٢١، الكشاف ١/ ٨. والاتباع بالكسر قراءة الحسن البصري وزيد ابن علي وغيرهما في المحتسب ١/ ٣٧، الكشاف ١/ ٨، البحر المحيط ١/ ١٨.
(٦) في (أ):
(٧) سورة يوسف: ٨٢.
[ ٤ / ٢٩٢ ]
قال جارُ الله: "وقد كَسَرَها قوم [كما ضم قوم] الواو في ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾ (^١) تشبيهًا بها".
قال المُشَرِّحُ: نظير هذه المسألة: أن "ما" يشبه بـ"ليس" فيعاملِ معاملته كما أن "ليس" تشبه بـ "ما" فتعامل معاملته. وقُرئ (^٢): ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ قال ابن جني (^٣): في هذه الواو ثلاث لغات الكسر والفتح والضم.
قال جارُ الله: "وقُرِئَ (^٤): ﴿مُرِيبِنَ (٢٥) الَّذِي﴾ بفتح النون هربًا من توالي الكسرات".
قال المُشَرِّحُ: القياس كسر التنوين كما في قولك: مررت بزيدٍ الفاضل. والفتح استحسانٌ.
قال جارُ الله: "وقد حَرَّكُوا نحو رد، ولم يرد بالحركات الثلاث".
قالَ المُشَرِّحُ: أما الفَتْحُ فلأنَّه أخفَّ الحركات، وأما الكسر فعلى أن الساكن إذا حرك حرك إلى الكسرة.
قال جارُ الله: "ولزموا الضم عند ضمير الغائب والفتح عند ضمير الغائبة فقالوا: رده وردها".
قالَ المُشَرِّحُ: إنما فعلوا ذلك لخفاء الهاء.
قال جارُ الله: "وسمِعَ الأَخفش ناسًا من بني عُقَيْلٍ يقولون (^٥) مُدِّهِ وعُضِّهِ بالكسر".
_________________
(١) سورة التوبة: ٤٢ وضمها الأعمش وزيد بن علي. البحر المحيط ٥/ ٤٦.
(٢) سورة البقرة: ١٦.
(٣) المحتسب ١/ ٥٤.
(٤) سورة ق: ٢٥، ٢٦.
(٥) ساقط من (ب)، وهي ساقطة من نسخة ابن النحاس من (المفصل) وذكرها في الهامش على أنها قراءة نسخة أخرى.
[ ٤ / ٢٩٣ ]
وقال المُشَرِّحُ: معناه أن ناسًا يقولون ذلك، وذلك على الأصل.
قال جارُ الله: "ولزموا فيه الكسرة عند ساكن يعقبه، فقالوا ردِّ القوم، ومنهم من يفتح وهم بنو أسد، قال (^١):
* فغضَّ الطَّرْفَ إنّكَ من نُمَيْرٍ *
وقال (^٢):
* ذُمَّ المَنَازِلَ بعدَ مَنْزِلَةِ اللَّوِى *
[وليس في "هَلُمَّ" إلا الفتح] (^٣) ".
[قال المُشَرِّحُ: من قالَه بالكسرِ فقد احتَرز أن يلبس بفعل الاثنين، ومن قاله بالفتح احترز أن يلبس بفعل المؤنث:.
قال جارُ الله:، "وليس في"هلم" إلا الفتح"] (^٤).
قال المُشَرِّحُ: إنما لم يجز فيه إلا الفتح، لأنه خرج عن كونه فعلًا محضًا وصار مع الهاء بمنزلة شيءٍ واحدٍ ولذلك جرى مَجرى الأدواتِ عند من لم يَصرفه، وذلك في نحو قوله تعالى (^٥): ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾.
_________________
(١) البيت لجرير في ديوانه ص ٨٤١. توجيه إعرابه وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٢١، المنخل، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ١٢٨، شرحه للأندلسي ٥/ ١٢٧. وينظر: الكتاب ٢/ ١٦٠، المقتضب ١/ ١٨٥، شرح الشواهد ٤/ ٤٩٤، شرح شواهد الشافية ص ١٦٣.
(٢) البيت لجرير في ديوانه ص ٩٩٠، النقائض ص ٢٦٩. توجيه إعرابه وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٢١، المنخل شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ١٢٨، شرحه للأندلسي ٥/ ١٢٧ وينظر: المقتضب ١/ ١٨٥، الخزانة ٢/ ٤٦٧، وروايته في الديوان والنقائض: (الأقوام).
(٣) ساقط من (ب).
(٤) ساقط من (ب).
(٥) سورة الأنعام: ١٥٠.
[ ٤ / ٢٩٤ ]
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ولقد جدَّ في الهرب من التقاء الساكنين مَنْ قال: دأبّه وشأبّه ومن قرأ (^١) ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ ﴿وَلَا جَأنٌّ﴾ (^٢) وهي عن عَمْرو بن عُبَيْدٍ، ومن لغته النّقر في الوقف على النقر".
قال المُشَرِّحُ: من يحول (^٣) الحركة من (^٤) نحو "النُّقُر" في الوقف من اللام إلى العين فإنه يفر من التقاء الساكنين نحو لا تعدُّوا يريد: لا تفتعلوا من الاعتداء. ومنه يخطَّف ومنه أصيْمٌّ ومديقٌّ ودويبَّه، وهذا لأنَّهم وَضَعُوا موضع حرف اللّين وهو الحرف الذي حَرَكَةُ ما قبله منه غيرَه قال:
خَلِيْلَيَّ عُوْجَا عَلَى رَسْمِ دَارٍ … خَلَتْ مِنْ سُلَيْمَى وَمِنْ مَيَّهْ
وقال: صفيّه هناك "إنْ ذَهَبَتْ عَيْرٌ فَعَيْرٌ في الرِّبَاطِ" وذلك أنه إذا ذهب حرفُ اللّين فقد بقيَ حرفُ التَّشديد. أما ها هنا فقد نَفَضَ اليَدَ عن كِلَيْهِمَا.
عَمْروُ بن عُبَيْدٍ (^٥): كان من رُؤَسَاء المعتزلة، وكان عفيفًا، وهو الذي قِيل فيه:
كلُّكمْ يَمشي رُويد
كُلُّكُمْ يَطْلُبُ صَيْد
غَير عَمْرو بن عُبَيْد
قالَ جارُ الله: " (فصلٌ) وكسروا نون "من" عند ملاقاتها كل (^٦) ساكن
_________________
(١) سورة الفاتحة: ٧، والقراءة فى المحتسب ١/ ٤٦، البحر المحيط ١/ ٣٠.
(٢) سورة الرحمن: ٣٩، والقراءة فى المحتسب ٢/ ٣٠٥، البحر المحيط ٨/ ١٩٥.
(٣) في (ب): "ينقل".
(٤) في (ب): "فى".
(٥) سبق ذكره في الجزء الثالث. ووقفت على جزء لطيف في أخباره جمع الإِمام الدارقطني، طبع في بيروت سنة ١٩٦٧ م بتحقيق د. يوسف فان اس. والأبيات في ترجمته في سير أعلام النبلاء.
(٦) ساقط من (ب).
[ ٤ / ٢٩٥ ]
سوى لام التَّعريف فهي مفتوحة نحو من ابنك، ومن الرّجل".
قالَ المُشرِّحُ: إِنَّما تُكسر وتُفْتَح في المَوضعين لنِيَابَتِهِمَا عن الهَمْزَ مكسورةً ومفتوحةً وعليه قراءَة من قَرأ (^١): ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا﴾ بضمّ النُّون والواو.
فإِن سألتَ: فما تَقولُ في "من" التَّبعيضية ولو الفلك الدّوار.
أجبتُ: النون ها هنا لا تنوب إذ الصّفة والموصوف على كلامين، وأمّا قوله: "لو الفلك" فلنيابتها عن الهمزة على الفعل، وهذا لأن الأصل في "لو" أن تدخل على الفعل، ثم الفعل على ضربين: متحرك الأول وساكنه.
أمّا المتحرك الأول فيكون واوًا عنده ساكنة.
وأمَّا الثاني (^٢) فلا بدّ من أن تلحقه همزةٌ مكسورةٌ فإذا دخل عليه "لو" وقع التقاء السَّاكنين وانسكرت (^٣) الأُولى لنيابَتِها عن الهَمْزَة المَكسورة.
قالَ جارُ الله: "وقد حَكى سيبويه (^٤) عن قومٍ فُصحاء: مِنِ ابنك بالفتح وحكى مِنَ الرّجل بالكسر وهي قليلةٌ خبيثةٌ.
قال المُشرِّحُ: أمَّا "مِنَ ابنك" بالفَتح فلشبهها بـ "من الرّجل".
وأمّا "مِنَ الرجل" بالكسر فلشبهها بـ "من ابنك" وإنما كانت هي قليلة خبيثة، لأنَّها كما لا تنوب عن الهمزة فالكسر تستغرق الكلمة بخلاف من ابنك.
قالَ جارُ الله: "أما نُون "عن" فمكسورة في الموضعين، وقد حكى عن الأخفش: "عِنُ الرّجل" بالضَّم".
_________________
(١) سورة النساء: ٦٦ تقدم ذكرها.
(٢) في (ب): "وأما الساكنة".
(٣) في (ب): "انكسر".
(٤) الكتاب.
[ ٤ / ٢٩٦ ]
قالَ المُشَرِّحُ: إنما كسرت النون في الموضعين فرارًا من توالي الفتحات وهذا لأن العين من الحروف المنفتحة. وأما عِنُ الرجل فعلى الاتباع، إلا أن الأقيس في الاتباع أن يكون الثاني تَبَعًا للأول لا أن يكون الأولُ تبعًا للثاني ومن ثم كان ﴿الحمدُ لُله﴾ بضم اللام أسهل مأخذًا من ﴿الحمدِ لِله﴾ بكسر (اللام) (^١).
_________________
(١) في (أ): "الدال".
[ ٤ / ٢٩٧ ]
[باب حكم أوائل الكلم]
قال جارُ اللهِ: "ومن أصناف المشترك (حكم أوائل الكلم) يشترك فيه الأضرب الثلاثة، وهي في الأمرِ العامّ على الحركة، وقد جاء منها ما هو على السُّكون، وذلك من الأسماء في نوعين.
أحدهما: أسماءُ غيرُ مصادرٍ وهي ابن وابنة وابنم واثنان واثنتان وامرء وامرأة واسم واست وأيمن اللهِ وأيم الله.
والثاني: مصادر الأفعال التي بعد ألفاتها إذا ابتدئ بها أربعةُ أحرفٍ فصاعد نحو انفعل وافتعل واستفعل تقول: انفعال وافتعال واستفعال".
قال المُشرِّحُ: الهمزة في (^١) جميع هذه الأسماء مكسورة إلا في أَيمن وأَيم اللهِ.
فإن سألتَ: الهمزة في هذه الأسامي عوض عن المحذوف فلم دخلت على امرئ وامرأة ولا حذف فيهما؟
أجبتُ: قد تُخفف الهمزة فيقال: مر.
قالَ جارُ اللهِ: "ومن الأفعال فيما كان على هذا الحد"
قال المُشَرِّحُ (^٢): الهمزات أيضًا تكون في أفعال هذه المصادر مكسورة.
_________________
(١) نقله الأندلسي في شرحه ٥/ ١٢٩ شرح هذء الفقرة، وهي مشوشة هناك.
(٢) ساقط من (ب).
[ ٤ / ٢٩٩ ]
قالَ جارُ اللهِ: "وفي أمثلة أمر المخاطب من الثلاثي غير المزيد فيه في نحو: اضرب اذهب".
قال المُشَرِّحُ: الفعل المضارع إذا كان الحرف الثاني منه ساكنًا كان أول أمر المخاطب منه أيضًا ساكنًا فتلحق أوله الهمزة المكسورة.
قال جار اللَّهِ: "ومن الحروف لامُ التَّعريفِ وميمه في لغة طَيِّئٍ".
قال المُشرِّحُ: لام التعريف ساكنة (^١) وكذلك ميم التعريف في لغة طَيِّئٍ.
وقوله: "في لغة طَيِّءٍ" (^٢) لا ينصرف إلى السُّكون حتى كأن ها هنا لغة أخرى غير لغة طيئ يكون فيها ميم التعريف متحركة وإنما ينصرف إلى ميم التعريف. والهمزة في لام التعريف مفتوحة، وفي ميم التَّعريف مكسورة كأنهم كسروها ليفرقوا بينها وبين "أَم" العاطفة.
قال جار اللهِ: "فهذه الأوائل ساكنة كما ترى يلفظ بها كما هي في حال الدرج فإذا وقعت في موضع الابتداء، أو وقعت قبلها هَمزات مزيدةٌ متحركة لأنَّه ليس في لغتهم الابتداء بساكن كما ليس فيها الوقف على مُتحرك".
قال المُشَرِّحُ: التَّكلُّمُ في الكلمة (^٣) بمنزلة المشي والمشي لا يكون إلا بحركة وإتمام الكلمة بمنزلة الاستراحة عن المشي وذلك لا يكون إلا بالسكون.
قال جارُ اللهِ: " (فصل) وتسمى هذه الهمزات همزات الوصل، وحكمها أن تكون مكسورة، وإنما ضمت في بعض الأوامر وفي ما بني من الأفعال الواقعة بعد ألفاتها أربعةُ أحرفٍ فصاعدًا للمفعول للاتباع".
_________________
(١) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١٣٠ شرح هذه الفقرة.
(٢) ساقط من (ب).
[ ٤ / ٣٠٠ ]
قال المُشَرِّحُ: هذه الهمزات تسمى همزات الوصل من حيث أنها يتوصل بها إلى [النطق] (^١) بالساكن، وحكمها أن تكون مكسورة. قال (^٢) ابن السَرَّاج (^٣): أصل حركة كل حرف السكون فكان أصل هذه الهمزة أيضا السكون فحركتها لالتقاء الساكنين بالكسرة، وإنما ضمت في بعض الأوامر في تلك الأفعال المبنية للمفعول، لأنك اتبعت فيها الهَمزة ما بعدها.
فإن سألت (^٤): فلمَ كانت الهَمزة في (أفعل) همزة قطع، وفي افتعل همزة وصل؟
أجبتُ: لأن همزةَ الوصل مزيدةٌ ما اجتلبت إلا للتوصل بها إلى النطق فإذا وقعت بعدها أربعة أحرفٍ فصاعدًا فالأولى أن تكون همزة وصل حتى لا تستثقل الهمزة، لأن دخولها وخروجها حينئذ يكونان بمنزلةٍ، بخلاف ما إذا وقعت بعدها ثلاثة أحرف فإن جعل الهمزة من نفس الكلمة لا يكون مستثقلًا.
قال جارُ اللهِ: "وفُتحت في الحرفين وكلمتي القسم للتَّخفيف".
قال المُشَرِّحُ: عنى بالحرفين (^٥): لام التعريف مع الهمزة، وميم التعريف معها، "وكلمتي القسم" أيمن الله (^٦) وأيم الله لأنها كثيرة الدور في كلامهم.
قال جار اللهِ: " (فصلٌ) وإثبات شيء من هذه الهمزات في الدرج خروجٌ عن كلام العرب ولحنٌ فاحش فلا تقول: الاسم والانطلاق والاقتسام، والاستغفار، ومن ابنك وعن اسمك".
_________________
(١) في (أ): "التعليق ".
(٢) في (ب): "قاله".
(٣) الأصول.
(٤) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١٣٢ شرح هذه الفقرة.
(٥) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١٣٣ شرح هذه الفقرة.
(٦) ساقط من (ب) وهي موجودة في نص الأندلسي المنقول من هنا.
[ ٤ / ٣٠١ ]
قال المُشَرِّحُ: الهمزات (^١) لما كانت للتوصل بها إلى الساكن فإذا وقع التوصل بشيء آخر استُغني عنها.
فإن سألت: لم لا يجوز أن تثبت همزة الابتداء في الوصل كما تثبت حرف الوقف في الوصل؟
أجبت: حرف الوصل أيضًا لا يثبت في الوصل.
فإن سألت: فما تقول في ثلاثهربعة في الهاء.
أجبتُ: لأنَّ الأصلَ في الثلاثة الهاء فجاز أن تبقى على أصلها بخلافِ ما فيه همزة الوصل فليس أصله أن يكون معه همزة الوصل.
قال جارُ اللهِ: "وقوله:
* إذا جاوَزَ الإِثْنَيْنِ سرٌّ. . . *
من ضرورات الشعر".
قال (المُشَرِّحُ: قطع ألف "الإِثنين" وهي ألف وصل، واذا كان قد سمع عن العرب من يقول: "الله" في الشعر فلأن يقطع في الشعر أولى.
تمام البيت (^٢):
_________________
(١) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١٣٤ شرح هذه الفقرة.
(٢) البيت لقيس بن الخطيم في ديوانه ص ١٠٥. توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٢١، المنخل، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ١٩، ١٣٧، شرحها للأندلسي ٥/ ١٣٤. وينظر: النوادر ص ٥٢٥، الكامل ص ٨٨٣، ونسبه إلى جميل، وشرح شواهد الشافية ص ١٨٣. قال ابن المستوفي في إثبات المحصل: "وقال سيبويه في بيت قيس: إنما هو: * إذا جاوز الخلين سر فإنه * ولكنه صنع. والذي في شعره "الإثنين" وهم أعم من الخلين وأتم في الدعوى". =
[ ٤ / ٣٠٢ ]
فإِنَّه … بنَشْرٍ وتَكْثِيْرِ الوُشَاةِ قَمِيْنُ
قال جار اللهِ: "ولكن همزة التعريف وحدها إذا وقعت بعدها همزة الاستفهام لم تحذف وقلبت ألفًا لأدى حذفها إلى الالتباس".
قال المُشَرِّحُ: همزةُ التَّعريف [وحدها] إذا وقعت بعد همزة الاستفهام لم يجز حذفها كقولك: الرجل لالتباس الاستفهام بالخبر.
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وأمَّا إسكانهم أوّلَ "هو" و"وهي" متصلين [بالواو والفاء ولامَ الابتداء وهمزةَ الاستفهام ولامَ الأمر مُتَّصلة] (^١) بالفاء كقولِه تَعالى (^٢): ﴿وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وقوله (^٣): ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ وقوله (^٤): ﴿لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ وقول الشَّاعر:
* فَقُلْتُ أَهْيَ سَرَتْ أَمْ عَاقَنِي حُلُمُ *
وقوله تَعالى (^٥): ﴿فَلْيَنْظُرْ﴾ وقوله (^٦): ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ فليس بأصلٍ، إنما شبه الحرف عند وقوعه في هذا الموضع بضاد عَضْد وباء كَبْد، ومنهم من لا يسكن".
قال المُشَرِّحُ: هذا [أدلُّ] دليل على تنزيلهم حرف العطف ولامي
_________________
(١) = أقول: لم يرد هذا البيت في كتاب سيبويه، ورواية (الخلَّين) هي رواية أبي العباس المبرد في "الكامل". وورد في نوادر أبي زيد (من كلام الأخفش الصغير علي بن سليمان) قوله: "قال أبو الحسن: أخبرنا أبو العباس محمد بن يزيد أنه لا اختلاف بين أصحابه أن الرواية: (ألا لا أرى خلين ..) … ثم قال: وكذلك أخبرنا في البيت الذي يعزي لقيس بن الخطيم وهو قوله: … قال الرواية: (إذا جاوز الخلين سرٌّ).
(٢) في (أ).
(٣) سورة البقرة: ٢١٦.
(٤) سورة البقرة: آية: ٧٤.
(٥) سورة آل عمران: ٦٢.
(٦) سورة الكهف: ١٩.
(٧) سورة الحج: ٢٩.
[ ٤ / ٣٠٣ ]
الابتداء والأمر منزلة واحدة. وأول البيت (^١):
فقُمْتُ للزَّوْرِ مُرْتَاعًا فَأَرَّقَنِي … فَقُلْتُ البيت
_________________
(١) البيت من قصيدة تنسب إلى زياد بن حمل بن سعيد بن عميرة بن حريث. قال ابن المستوفي في إثبات المحصل ص ٢٢٢: "وقال أبو أحمد عبد السلام بن الحسين ابن محمد بن عبد الله بن طيفور البصري فيما رفعه أبو عبيدة هي لزياد بن منقد الحنظلي أخي المرار بن منقذ قال: ولم يقل غيرها وليس لأحد مثلها". وراجعت الجزء المطبوع باسم (قصائد لا مثيل لها) لابن طيفور، ولم أجد القصيدة فهي مما يستدرك. وأوردها أبو تمام في الحماسة ص ٤٣٣ - ٤٣٩، وبعض أبياتها في معجم البلدان (أشي) و(صنعاء). وكان الشاعر قي أتى اليمن فنزع إلى وطنه بوادي الرمة فقال القصيدة والشاهد في الخصائص ١/ ٣٠٥، ٢/ ٣٣٠، الخزانة ٢/ ٣٩١، شرح شواهد الشافعية ص ١٩٠. وفي (ب): "أم عاقني" وأثبتها ابن النحاس في نسخته من (المفصل) وقال في هامش النسخة: "المحفوظ: أم عادني". وفي نسخة الصغاني من المفصل: "في أصل الزمخشري -﵀- "أم عاقني" والرواية: عادني … ".
[ ٤ / ٣٠٤ ]
[باب زيادة الحروف]
قال جارُ اللهِ: "ومن أَصناف المُشترك (زيادة الحروف)، يشترك فيه الاسمُ والفعلُ، والحروفُ الزوائد هي التي يشملها قولك: "اليَوم تنساه" أو "أتاه سُليمان". أو "سألتمونيها" أو "السِّمان هَوْيتُ" ومعنى كونها زوائد أن كلَّ حرفٍ وقعَ زائدًا في كلمة فإنه منها لا أنها تقع أبدًا زوائد".
قال المُشَرِّحُ: "نقل عن المُبرد أنه قال: سألت أبا عُثمان المازني عن حروف الزّيادة فأنشد (^١):
هَوَيْتُ السِّمَانَ فَشَيَّبْنَنِي … وَمَا كُنْتُ قِدْمًا هَوَيْتُ السِّمَانَا
فقلتُ: أسألك عن حروفِ الزِّيادة وتُنشدني بيتًا؟!
فقال: يا أحمق، لقد أجبتُك مرتين. ومعنى كونها زوائد أنه متى زيد في الكلمةِ حرفٌ فلا بد من أن يكون منها -اللَّهم- إلا إذا زدت حرفًا هو في الكلمة، فإنه [يجوز أن] (^٢) لم يكن منها كقولك: قطَّع فإن الطاء ليس من حروف الزيادة (^٣).
_________________
(١) ينظر: المصنف ١/ ٩٨، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ١٤١.
(٢) في (ب): "وإن لم يكن … ".
(٣) ذكر ابن إمام الفاضلية عبارات مختلفة لضبطهم حروف الزيادة في آخر شرحه لمقصورة ابن دريد وهو شرح حافل مفيد جدًا من أوسع شروح المقصورة. وذكر الأندلسي في شرحه ٥/ ١٣٨ كثيرًا من عباراتها ثم قال: "ويتأتى فيها أكثر من هذا، لأنها من الحلق والشفتين والفم فسهل نظمه كثيرًا، والبعض فيه كفاية".
[ ٤ / ٣٠٥ ]
قال جار اللَّهِ: "ولقد أسلفت في قسمي الأسماء والأفعال عند ذكر الأبنية المزيد فيها نُبَذًا من القول في هذه الحروف وأذكر ها هنا ما تَميز له بين مواقع أصالتها ومواقع زيادتها واللَّه الموفق.
(فصلٌ) فالهمزة يُحكم بزيادتها إذا وقعت أولًا بعدها ثلاثة أحرف أصول، كأرنب وأكرم إلا إذا اعترض ما يقتضي أصالتها كإمّعه وامّره".
قال المُشَرِّحُ: "إمّعه" فِعّلة، لأنَّ أَفعله ليست في الصفات ولأن امّره هو الذي يقول لك: مُرني برأيك، فالهَمزةُ فيه فاء كما ترى بالاشتقاق فكذلك في امَّعه، وهو الذي يقول: أنا مَعَك، ولأن باب كَوْكَب [ودَدَن] (^١) قليلٌ، ونظيره دنمة وذنبه للقصير.
قال جارُ اللَّهِ: "أو تجويز الأمرين كأَلوق".
قال المُشَرِّحُ:
* لَعَمْرُكَ بِيْ مِنْ حُبِّ أَسْمَاء أَوْلَقٌ (^٢) *
وهو إما فوعل لقولهم: أَوْلَقَ فهو مُأَوْلِقٌ. وإمّا أَفْعَل، من قولهم: جاءت الإِبل تَلِقُ، أي: تسرع، ويشهد له (^٣) ألق فهو مألوق، وكذلك ما قاله أبو زيدٍ (^٤) امرأة أَلَقَى - بالتحريك، وهي السَّريعة الوثب. كما يشهد للأول قولهم للمجنون مؤولق على مفوعل، أنشد الجوهري (^٥):
_________________
(١) في (أ): "وددت قليل … " والصحيح من (ب) وهي هكذا في شرح المفصل للأندلسي.
(٢) أنشده هكذا في الصحاح ٤/ ١٥٦٨ ولم يذكر له تتمة، وهو في اللسان (ولق) عن الصحاح. وفي شرح المفصل للأندلسي ٥/ ١٤٢ قال: "وأنشدوا".
(٣) ساقط من (ب).
(٤) نوادر أبي زيد ص ٤٨٦، وجاء في تعليق أبي الحسن على ابن سليمان الأخفش الأصغر على النوادر ما يلي: "هكذا روى أبو زيد ألقى، والذي نحفظه عن الأصمعي ولقي، يقال: ناقة ولقي إذا كانت سريعة والمصدر الولق".
(٥) الصحاح ٤/ ١٤٤٧، والبيت لنافع بن لقيط الأسدي كذا في اللسان (ألق). وينظر: مجلس مروان بن سعيد المهلبي مع الكسائي بحضرة يونس في مجالس العلماء =
[ ٤ / ٣٠٦ ]
ومُؤَوْلَقٍ أَنْضَجْتُ كيَّة رأسِهِ … فَتَرَكْتُهُ ذَفِرًا كَرِيْحِ الجَوْرَبِ
قال جارُ اللَّهِ: "وبأصالتها إذا وقعَ بعدها حرفان أو أربعةٌ أصولٌ كأتبٍ وإزارٍ واصطبلٍ واصطخرٍ".
قال المُشَرِّحُ: الأتب: هو البَقير، ثوب أو بردٌ يشقُّ في وسطه فتلقيه المرأة في عنقها من غير كم ولا جيب، وجمعه أتؤُب، وأتبتها تأتيبًا، أي: ألبستها [اياه فأتتبت] (^١). الإِزار: فعال بدليل أُزر. والهمزة في اصطبل أصل، ولأن الزيادة الواحدة قبل الألف في الرباعي لا تكون إلا في نحو مُدحرج، ولأنك تقول في تصغيره أصيطب فلو كانت الهمزة مزيدة لقيل: صُطَيْبل كما يقال في تصغير مدحرج: دحيرج، وكذلك اصطخر، وهي من بلاد فارس (^٢) الهمزة فيها أصلٌ كما ذكرنا في اصطبل.
قال جارُ اللَّهِ: "أو وقعت غير أول ولم يعرض ما يوجب زيادتها (^٣) في نحو شَمْأَل ونئدل وجُرائض وضَيْهَأَةٍ".
قال المُشَرِّحُ: الهمزة في شَمأل زيادة لما مضى في الأبنية، وكذلك في نِئْدَل لقولهم في معناه: النيدلان بالياء وهو الذي يسمى الكابوس (^٤).
فإن سألت (^٥): فلعل الياء في النيدلان في الأصل همزة.
_________________
(١) = للزجاجي ص ٢٤٤، نقله الزمخشري في حواشيه على المفصل ورقة ١٤٨، وعنه أو عنهما نقله الأندلسي في شرحه ٥/ ١٤٣. وفي وزن هذا البناء ينظر: المنصف ٣/ ١٧.
(٢) في (أ): "ألبستها الأتب".
(٣) معجم البلدان ١/ ٢١١.
(٤) في (ب): "أصالتها".
(٥) عن الصحاح ٥/ ١٨٢٨ (ندل)، وكذا نقله الأندلسي في شرحه وأنشد عليه: نفرجه القلب سروب النيل يلقي عليه النيدلان بالليل
(٦) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١٤٣ شرح هذه الفقرة عن الخوارزمي مصرحًا به.
[ ٤ / ٣٠٧ ]
أجبتُ: الهمزة إذا كانت ساكنة وما قبلها [مفتوح] انقلبت ألفًا كرأس وفأس. أمّا أن تنقلب ياء فلا يكون، وكذلك الهمزة في جُرائض لما مر في الأبنية. وضَهْيَأَةٌ للمرأة التي لا تَحيض، سميت بذلك لأنها تُضَاهي الرِّجال.
قال جارُ اللَّهِ: " (فصلٌ) والألفُ لا تزاد أولًا، لامتناع الابتداء بها، وهي غيرُ أوّل إذا كان معها ثلاثةُ أحرفٍ أصول فصاعدًا لا تقع إلا [زائدة] (^١) كقولهم: حاتم وكتاب وحبلى وسرداح".
قال المُشَرِّحُ: ألف حاتم زائدة، لأنه من الحتم، وكذلك ألف كتاب، لأنه من كتب، وكذلك ألف حبلى لأنه من الحبل، وكذلك الألف في سِرداح -بكسر السين- وهي مكانٌ لين ينبت النجم والنِّصِيّ، وناقةٌ كثيرةٌ اللَّحم، وقال الفَرّاء: العَظِيْمَةُ الشَّديدة.
قال جار اللَّهِ: "وحلبلاب".
قال المُشَرِّحُ: الحلبلاب: -بالكسر- النبت الذي تسميه العامة اللبلاب.
ونظيره: السرطراط للفالوذج، وهو من سرطه واسترطه: إذا ابتلعه، وأما أن الألف ليست فيه للالحاق فلأنّه ليس في الأسماء سداسي.
قال جارُ اللَّهِ: "ولا يقع الإِلحاق إلا آخرًا في نحو معزي"
قال المُشَرِّحُ: لأنها لو وقعت للالحاق (^٢) في غير هذا الموضع لا تخلو من أن تنوب (^٣) عن الساكن أو عن المتحرك، لا وجه إلى أن تنوب عن السَّاكن، لأنها استمر نيابتها عن المُتحرك في نحو ناب وباب وباع وقال، فلو نابت عن السّاكن لأورثت لبسة في عين الكلمة أهي ساكنة أم متحركة؟.
_________________
(١) في (أ): "زائد" وفي (ب): "زيادة" والتصحيح من المفصل.
(٢) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١٤٥ شرح هذه الفقرة.
(٣) في (ب): "تكون" وما في (أ) يؤيده نص الأندلسي.
[ ٤ / ٣٠٨ ]
ولا وجه إلى أن تنوب عن متحرك، لأنها إنما تكون إلحاقيةً أن لو وقع الموازنة بين المُلحق والملحق بها، ولا موازنةَ بين الساكن والمتحرك.
فإن سألتَ: فقد وقعت الموازنة بالألف في نحو معزي وسلقي مع أن المحلق ساكن والملحق به متحرك؟.
أجبتُ: وقوع الموازنة بها فيما ذكرته من الصُّور أكثر؛ لأن آخر الكلمة قد يسكن للوقف بخلاف المتحرك غير آخره فإنه البتة لا يسكن.
قال جارُ اللَّهِ: " (فصلٌ) وهي في فَبَعْثَرَى كنحو ألف كتاب لأنّها فيها على الغَاية".
قال المُشَرِّحُ: فبعثري منوَّنُ، وقد مضى البحث فيه في آخر الأبنية من قسم الأسماء.
قال جارُ اللَّهِ: " (فصلٌ) والياء إذا حصلت معها ثلاثة أصول فهي زائدةٌ أَيْنَما وقعت كيَلْمَع".
قال المُشَرِّحُ: هو السَّرابُ، الياء زائدةٌ، لأنه من اللمعان، وهذا الوزن لا يعرف صنفه عن ابنِ السَّراج.
قال جار اللَّهِ: "ويهير".
قال المُشَرِّحُ: اليهيرُّ -بتشديد الراء-: وهو (^١) الباطل وكذلك بتخفيفها وهو يَفعل كيرمع ويلمع.
فإن سألت: لم لا يجوز أن يكون فعيلًا.
أجبت فَعَيلا بفتح الفاء ليس من أبنيتهم، إنما هو بكسر الفاء كعِثْيَر وحِذْيَم.
_________________
(١) في (أ).
[ ٤ / ٣٠٩ ]
قال جارُ اللَّهِ: "ويضرب".
قال المُشَرِّحُ: زيادة الياء فيه ظاهرة، لأنه فعل مضارع من الضرب.
قال جارُ اللَّهِ: "وعِثْيَرُ".
قال المُشَرِّحُ: العِثْيَرُ -بكسر العين- هو الغبار، والياء فيه مزيدة، لأنه من العَثْرة، وهذا لأن الغبار مما يكثر فيه العثرة.
قال جارُ اللَّهِ: "وزِبْنية".
قال المُشَرِّحُ: هو بالكسر، والياء فيه مزيدة، لأنه من الزَّبن [وهو الدفع] (^١).
قال جار اللَّهِ: "إلا في نحو يَأْجَج".
قال المُشَرِّحُ: يَأْجَجُ: اسمُ موضع (^٢)، وهو عند سيبويه (^٣) وزنه (فَعْلَل) بدليل فكّ الإِدغام فيه، ولأن (^٤) من حق المكرر أن ينقل زيادة، ومن ثم قضوا على مأجج لموضع بأصالة الميم، وعند ابن جني والسّيرافي أنه يفعل، لأن أبا عُمر الجرمي قد حكى فيه كَسْر الجيم، وعليه أصحاب الحديث، وهو يَفعل، لأن الياء وَقَعَت معها ثلاثة أُصول.
فإن سألتَ: ما ذكرت من الدّليلُ معارض بما ذكرناه من الوجهين؟
أجبتُ: ليس في الكلام فعلِل - بكسر اللام الأولى، هذا الدّليل راجعٌ على ما ذكرت من الوجهين، ولهذا قضوا على مُحْبَب اسم رجل بأنه مفعَل لئلا يلزم إثبات تركيب مخترع وإثبات وزن مخترع كإثبات تركيب مخترع،
_________________
(١) ساقط من (أ).
(٢) في مكة المكرمة قرب (التنعيم) وهو معروف الآن بـ "وادي ياج". ينظر: معجم ما استعجم ١/ ١١٠، ٤/ ١٣٨٥، معجم البلدان ٥/ ٤٢٤.
(٣) الكتاب ٢/ ٣٤٦.
(٤) في ب: "لأن"، وما أثبته من (أ) يؤيده نص الأندلسي في شرحه ٥/ ١٤٧ عن الخوارزمي.
[ ٤ / ٣١٠ ]
وإذا ثبت المكسور يفعل ثبت أن المفتوحة يفعل فهذا هو الصحيح من الدّليل على زيادة الياء من يَأْجَج.
قال جارُ اللَّه: "ومَريم ومَدين".
قال المُشَرِّحُ: الميم فيهما غير أصلٍ، لأن الميم وقعت أولًا بعدها ثلاثةُ أصولٍ فتكون مزيدةً، ولأن الياء لو كانت مزيدة لانكسر صدر الكلمة كما في عِثْير وحِذْيم، ومن ثم قلنا إن الياء الأولى في سِيْنين -بالتَّخفيف- مزيدة.
قال جارُ اللَّه: "وصِيْصِيَة وقَوْقَيْتُ".
قال المُشَرِّحُ: مضاعف الرباعي أكثر من باب قلق ونحوها كركرة، وكذلك قوقيت، لأنه من باب صَلْصَلْتُ وقَلْقَلْتُ (^١).
قال جارُ اللَّه: " [وإذا حصلت معها أربعة] (^٢) فإن كانت أولًا فهي أصلٌ كيَسْتَعُور، وإلا فهي زائدة كسُلْحَفِيّة".
قال المُشَرِّحُ: أما "يَسْتَعُور" فقد مَضى ذكره في آخر الأَبنية، والياء في سُلْحَفِيّة مزيدةٌ، لقولهم في الجمع: سَلَاحف.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) والواو كالألف لا تزاد أولًا، وقولهم: وَرَنْتَلٌ كجَحَنْفَلٍ".
قال المُشَرِّحُ: الواو في وَرَنْتَل لبلدةٍ وقعت موقع الجيم في جحنفل [فيكون أصلًا] (^٣).
_________________
(١) الصصية: شوكة الحائط التي يساوي بها السداة. وصصية الثور: قرنه. الصحاح ٣/ ١٠٤٤ (صيص). وينظر: الكتاب ٢/ ٣٤٧، المنصف ٣/ ٧٨، شرح الشافية ٢/ ٣٨٦. القوقأة: صوت الدجاجة. وينظر: الكتاب ٢/ ٣٤٧، المنصف ٣/ ٢٧.
(٢) ساقط من (ب).
(٣) في (ب).
[ ٤ / ٣١١ ]
قال جارُ اللَّه: "وأما غير أول فلا تكون إلا زائدة كعوسج وحوقل".
قالَ المُشَرِّحُ: أما العَوْسَجُ: فقد مضى ذكره في الأبنية، وأمَّا الحَوْقَلُ: فكأنه جمع حوقلة، وهو الغرصُولُ اللَّيِّنُ. الجوهري (^١) وقلتُ لأبي الغَوْث: ما الحَوْقَلَةُ؟ قال: هَنُ الشيخِ المُحَوْقل. ابن السراج (^٢): والصّفة حوقل: إذا أدبر عن النساء الواو فيه وقعت موقع الواو من عَوْسجٍ وهي زائدةٌ، فكذلك ها هنا.
قال جارُ اللَّه: "وقسور" (^٣).
قال المُشَرِّحُ: القَسْوَرُ والقَسْوَرَةُ: الأسدُ، والواو فيه مزيدةٌ، لأنه على مثال جَدْوَل، وهو فوعل على ما مضى في الأبنية ولأنَّه من القسر.
قال جارُ اللَّه: "ودَهْوَرٌ" (٣).
قال المُشَرِّحُ: دهورَ اللُّقْمَةَ: إذا عَظَّمها وكبَّرها، ويقال: هو يدهور اللقم، والواو فيه مزيدة، لأنه على مثال جهور وهو من الجهر.
قال جارُ اللَّه: "وتَرْقُوَةٌ".
قال المُشَرِّحُ: التَّرْقُوَةُ: هي العَظْمُ الذي بين ثُغرةِ النَّحر والعاتق، ولا يُقال فيها تُرقوة -بالضَمِّ- والتاء فيها أصلٌ، والواو مزيدةٌ، لأنها على مثال قرنوة الجوهري: حكى أبو يوسف تَرقيتُ الرَّجل (^٤) تَرْقاةً: إذا أصبتَ تَرْقُوَتَهُ، والألف فيها إلحاقيَّة كما في سلقيت (^٥).
قال جارُ اللَّه: "وعُنفُوان".
_________________
(١) الصحاح: ٤/ ١٦٧٢ (حوقل).
(٢) الأصول: ٣/ ٢٠٩.
(٣) في (ب): جمع اللفظتين وشرحهما معًا.
(٤) ساقط من (ب). وينظر: الصحاح: ٤/ ١٤٥٣ (ترق).
(٥) مكانها بياض في (ب).
[ ٤ / ٣١٢ ]
قال المُشَرِّحُ: عُنفوان الشباب لا بدَّ فيه من العنف والحرق وهو ضدّ الرفق.
قال جارُ اللَّه: "وقَلَنْسُوَةٌ".
قال المُشَرِّحُ: كما مضى.
قال جارُ اللَّه: "إلا ما اعترض في عزويت".
قال المُشَرِّحُ: عِزْوِيْتُ بلد (^١)، وهي فعليت، لأنها لا تخلو من أن تكون فعويلًا أو فعليلًا أو فعليتا، وليس بفعويل، لأنه لم يجئ في أبنية العرب هذا البناء ولا بفعليل، لأن الواو في الرباعي لا توجد أصلية إلّا في الوَحْوَحَةُ والوَعْوَعَةُ فلم يبق إلا فعليت.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) (^٢) والميم إذا وقعت أولًا بعدها ثلاثة أصول فهي زائدةٌ نحو مقتل ومضرب ومكرم ومقياس إلا إذا اعترض ما في معد ومعزى ومأجج ومهدد".
قال المُشَرِّحُ: الميم في الأربعة الأولى مزيدة للاشتقاق. معد: الميم فيه أصل، وإحدى الدالين مزيدة لما مضى (^٣) في الأبنية. مَأْجَج (^٤): الميم فيه أصلٌ، وقد مضى في هذا الصنف. مَهْدَد (^٥): فَعلل من المهد، لا [مفعل] من الهد. وقد مر في الأبنية.
قال جارُ اللَّه -﵀-: "ومَنْجَنُون".
قال المُشَرِّحُ: المَنْجَنُوْنُ قد ذكرناه في الأبنية.
_________________
(١) معجم البلدان ٤/ ١٢٠ ونقل عن الزمخشري، وينظر: المنصف ٣/ ٢٨.
(٢) ساقط من (ب).
(٣) ساقط من (ب).
(٤) ماء ماج، أي: مالح ومثله أجاج. وينظر: معجم البلدان ص ٣٢، شرح الكافية ص ٣٩٤.
(٥) اسم امرأة، قال الأعشى: * تناسيت بعد اليوم خلة مهددا *
[ ٤ / ٣١٣ ]
قال جارُ اللَّه: "ومَنْجَنِيْقُ".
قال المُشَرِّحُ: هو معرب، وأصله بالفارسية من جي نيك.
وهو عند سيبويه فنعيل إذ النُّون فيه مزيدةٌ، لقولهم في الجمع: مجانيق، ونظيره عَنْتَرِيْسٌ، وهي الناقلة الصُّلبة الشَّديدة، واشتقاقها من العَتْرَسَة، وهو الأَخذُ بالشِدّة، وهي عند قوم منفعيل لما قال أبو عُبَيْدَةَ: سألت أعرابيًا عن حروف كانت بينهم فقال: كانت بينها حروف عون تفقأ فيها العيون مرة تجنق وأخرى ترشق وقد مضى ذكر المنجنيق في الأبنية.
قال جارُ اللَّه: "وهي غير أول أصلًا إلا في نحو دَلامص والقَمارص".
قال المُشَرِّحُ: فاء (^١) الكلمتين مفتوحة، واللام الأولى مكسورة، والميم غير أول أصل لقلة زيادة [الميم غير أول] (^٢) [القمارص: وهو القارص. والدلامص: هو الدلاص] (^٣).
قال جارُ اللَّه: "وهِرْماس".
قال المُشَرِّحُ: هو بكسر الفاء: الأسد من الهرس وهو الدق، ومنه الهريسة.
قال جارُ اللَّه: "وزُرْقُم".
قال المُشَرِّحُ: الزرقم -بالضم- الأزرق، ونظيره السُّتهم [للاستة] (^٤).
قال جارُ اللَّه: "وإذا وقعت أولًا خامسة فهي أصل كمَرْزَنْجُوْش".
قال المُشَرِّحُ: الميم في "مَرْزَنْجُوش" خامسةً. لأنها وقعت معها أربعةُ
_________________
(١) في (ب): "والكلمتين مفتوحتين".
(٢) ساقط من (أ).
(٣) ساقط من (ب).
(٤) ساقط من (أ).
[ ٤ / ٣١٤ ]
أصولٍ والدَّليل على كونها أصلًا أن الزيادة الواحدة قبل الفاء لا تكون إلا في نحو مُدحرج ولأنَّهم قالوا في معناه: مَرْزَنْجُوش وهو كقَرْطَبُوش وعَظْرَفُوط.
قال جارُ اللَّه: "ولا تزاد في الفعل ولذلك استدل على أصالة ميم معد "تمعددوا" [ونحو تمسكن وتمدرع وتمندل لا اعتداد به" (^١)].
قال المُشَرِّحُ: تمعدد تَفعلل لكثرته وقلة تمفعل.
فإن سألتَ: ما ذكرت من الدَّليلُ إن دل على أنه تفعلل فها هنا ما يدل على أنه تمفعل، وذلك أن الميم في "معد" لا تخلو من أن يكون زيادة أو لا تكون لأن الدليل دل على زيادة الميم كما في مرد ومسد ومهد؟.
أجبتُ: [الميم أصل] (^٢) على ما مر آنفًا.
قوله: "بأنه يلزم من ذلك خلاف الأصل" قلنا: نعم، لكن لمعارض راجح هو الاشتقاق ألا ترى أنا حكمنا على علجن وفرسن بكون النون فيهما زيادة وإن كان القياس يقضي بكونها أصلًا، ألا ترى أن (فعللًا) و(فعللًا) بالفتح والكسر أكثر في الأبنية من (فعلن) و(فعلن) لكن الاشتقاق لما [حكم (^٣)] بكون النون زيادة أخذنا به، بدليل أن العلجن هو العلج والفرسن هو الحافر من الفرس، وهو الدف كذلك ها هنا، ولئن سلمنا أن الميم فيه، أي: في (معد) زيادة لكن لم قلت بأنه يستحيل الاشتقاق بينهما وهذا يجوز أن يكون الشيء زيادة في نفسه، أي: في [معد] أصلًا بالإضافة إلى شيء آخر، وهذا كما قلنا في مصير [المعي] ومصران، ألا ترى أن الميم في مصير زيادة، لأنه مفعل في الصيرورة، لأن الغذاء المستحيل يصير إليه، والميم في مصران أصل، لأنه فعلان.
_________________
(١) في ب.
(٢) في (ب): "من أصلي".
(٣) في (أ): "حكمنا".
[ ٤ / ٣١٥ ]
فإن سألتَ: ما ذكرت من الدليل إن دل على أن معدًا مفعل في نفسه فعل بالإِضافة إلى تمعدد (^١) فها هنا ما يدل على أنه ليس كذلك لأنه خلاف الأصل، وهذا لأن الشيء إذا ثبت فلا بد من أن يكون ثابتًا بالإضافة إلى كل شيء؟.
أجبتُ: ما ذكرت من الدليل إن دل على أن ذلك خلاف الأصل فها هنا ما يدل على أنه ليس كذلك والعلم في هذا الباب ما ذكرناه من المصير والمصران، وكذلك الألف الإِلحاقية زيادة من وجه أصل من وجه آخر (^٢)، وإنما كان كذلك على ذلك تنويعًا للعربية وتوسعة في تصرفاتها كذلك ها هنا، وهذه الكلم الثلاث لا اعتداد بها، والفصيح تسكن وتدرع وتندل.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) والنون إذا وقعت آخرًا بعد ألف فهي زيادة إلا إذا قام دليل على أصالتها في نحو فينان وحسان و"حمار قَبَّان" فيمن صرف".
قال المُشَرِّحُ: ظل فينان، واشتقاقه من الفنن، وفي عراقيات الأبيوردي (^٣):
لَهُم سَطَوَاتٌ يلمعُ الموتُ خَلْفَها … وظلُّ جَنيً من دُونِه الأمنُ فينانُ
حَسّان، و"حمار قَبَّان" قد مَضَيَا في قسم الأسماء.
قال جارُ الله: "وكذلك الواقعة في أول المضارع المطاوع والمطاوع نحو تفعل وانفعل".
قال المُشَرِّحُ: زيادة النون في (تفعل) [و(انفعل)] (^٤) ظاهرة بدليل الماضي في الأول، والثاني المجرد في الثاني.
_________________
(١) في (ب): "إلى العدد".
(٢) ساقط من (ب).
(٣) ديوان الأبيوردي (العراقيات) ١/ ٢٥٤.
(٤) ساقط من (أ).
[ ٤ / ٣١٦ ]
قال جار الله: "والثالثة الساكنة في نحو شَرَنْبَث وعَصَنْصَر وعُرُنُّد [وغَضَنْفَر] ".
قال المُشَرِّحُ: النون في شَرَنْبِثٌ مزيدة لقولهم: شرابث بالضم، وقد مضى تقديره في الأبنية، وكذلك عَصَنْصَر لنبتٍ، لأنَّه على مثال عَقَنْقَل وهو اسمُ رملٍ كثير منعقد، وقد تبين في عقنقل زيادة النون، وذلك بالاشتقاق. النون في عرند مزيدة لما مر في الأبنية.
قال جارُ الله: "وفيما عدا ذلك أصلٌ".
قال المُشَرِّحُ: وذلك لقلة زيادة النون غير أول.
قال جارُ الله: "إلا في نحو عَنْسَلٍ [وعَنْبَس] وعَفَرْنَى وبُلَهْنِيَة وخَنْفَقِيْق ونحو ذلك".
قال المُشَرِّحُ: النون في عَنْسَل مزيدة [لما مر] (^١) في الأبنية وعَفَرْتَى للأسد لأنه من اعتفره الأسد، أي: افترسه، واشتقاقه من العفر، وهو التراب: وبُلَهْنِيَة لقولهم: عيش أَبله أي: ناعم، والمراد به بَلَهُ صاحبه والخَنْفَقِيْقُ بوزن (^٢) الخَنْدَرِيْسُ: [الدَّاهِيَةُ] والخفيفة من النّساء الجريئة (^٣) وأصلها من خَفَق البَرْقُ.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) والتاء اطردت زيادتها أولًا في تَفْعِيْل وتَفْعَال وتَفَعُّل وتَفَاعُل وفعليهما".
قال المُشَرِّحُ: عنى بفعليهما تَفَعَّلَ وتَفَاعَلَ.
فإن سألتَ: كيف خص فعل هذين المصدرين المتأخرين دون فعل المصدرين المتقدمين؟.
_________________
(١) في (أ).
(٢) في (ب): "بمنزلة".
(٣) الصحاح ص ١٤٧٠ (خفق).
[ ٤ / ٣١٧ ]
أجبت: لأن المصدرين المتقدمين ليس في ماضيهما تاء.
[قال جارُ اللهِ: "وآخرًا في التأنيث والجمع".
قال المُشَرِّحُ: هذا نحو مسلمة ومسلمات].
قال جارُ الله: "وفي نحو رَغَبُوت وجَبَرُوت وعَنْكَبُوت".
قال المُشَرِّحُ: الرَّغَبُوْتُ: هي الرَّغبة، والجَبَرُوت: هو التَّجبُّرُ، وأما الدليل على زيادة التاء في عنكبوت فلقولهم في جمعها عَنَاكِب.
فإن سألتَ: نحو أن يقال في فرزدق: فرازد، وهذا يدل على زيادة القاف؟.
أجبتُ: كما يجوز ذلك يجوز أيضًا فرازق، ولا كذلك ها هنا فإنه لا يجوز عَناكب بالتاء المُثَنَّاة، ولقولهم في معنى عنكبوت: عنكباة قال (^١):
كأنّما يسقط من لغامها
بيتُ عنكباة على زمامها
وقولهم -على ما نَقله ابن السرَّاج (^٢) -: العنكباء.
قالَ جارُ الله: "ثم هي أصل إلا في نحو تُرتب وتُولج وسنبتة".
قال المُشَرِّحُ: في حاشية نسختي من (المفصل): تُرتب رأيته في المسائل المشكلة (^٣) "لأبي علي الفارسي بضم التاء على وزن بُرثن وقرأته على صاحب "الكشاف" (﵀) تَرْتُب بفتح التاء الأولى وضم التّاء الثانية. وهذا من فوائد العمراني (^٤) والتاء فيه زيادة، لأنه بمعنى الراتب،
_________________
(١) الصحاح ١/ ١٨٨. والبيتان في شرح الأندلسي ٥/ ١٥٤ عن الخوارزمي.
(٢) الأصول ٣/ ٢٤٢. وينظر شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ١٥٧.
(٣) المسائل المشكلة ص ١٠٠، وينظر: الكتاب ٢/ ٣، وفي اللسان (رتب) "قال أبو عبيدة: الترتب: الأمر الثابت".
(٤) يفهم من هذا أن نسخة المؤلف هي نسخة العمراني ﵀، والعمراني تلميذ الزمخشري =
[ ٤ / ٣١٨ ]
وكذلك في تولج، لأنه من الولوج، وهكذا في سنبتة، لأنه يقال في معناه: منذ سنبتةٍ من الدّهر.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) والهاء زيدت زيادةً مطردةً في الوقف لبيان الحركة أو حرف المد في نحو كتابيه وثمة واو زيداه واغلامهوه، وانقطاع ظهرهيه".
قالَ المُشَرِّحُ: أما لبيان الحركة ففي نحو ثمة وكتابيه. وأما لبيان المد ففي نحو وازيداه واغلامهوه وانقطاع ظهرهيه، وتقول: واظهرهوه إذا أضفت الظهر إلى مذكر واظهرهاه إذا أضفت الظهر إلى مؤنث للفرق بينهما، ومثله (^١): واغلامكاه في الإِضافة إلى مذكر، وواغلامكيه في الإِضافة إلى مؤنث.
قال جارُ الله: "وغير مُطَّرِدَةٍ في جمع "أُمِّ"، وقد جاء بغير هاء، وقد جَمع اللُّغتين من قال (^٢):
_________________
(١) = مترجم فيما سبق. وذكر هذه اللفظة الزمخشري في الأساس ص ٣٢٠، قال: "رتب الشيء: ثبت ودام. وله عز راتب وترتب، قال الكميت: وعمى عمرو بن الخثارم قوله … بني من يفاع المجد ما هو ترتب
(٢) في (ب): "ومثاله".
(٣) توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٢٣، المنخل ص ٢٠٤، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ٣، شرحه للأندلسي ٥/ ١٥٤. وينظر: شرح التصريح ٢/ ٣٦٢، شرح شواهد الشافية ص ٣٠٨، الصحاح واللسان (أمم). في المنخل: "قيل أنشد هذا الشعر في حق مروان بن الحكم وهو لغيره". قال ابن المستوفي إثبات المحصل: "وقرأت على شيخنا أبي الحرم مكي بن ريان مرفوعًا إلى أبي الحسين أحمد بن فارس: وقالوا الأم في الأصل كان أمهة ولذلك يجمع على أمهات، وقالوا أمات، قال: * فرجت الظلام بأماتكا * ونقلت من خط عبد الله بن أحمد بن أحمد [ابن الخشَّاب] وجدت بخط سلمة أن أمهات في الناس، وأمات في البهائم … ووجدته في نسختي من المتن لمروان" يعني نسخته من (المفصل). وقال البغدادي في شرح شواهد الشافية: "والبيت لمروان بن الحكم كذا قال ابن المستوفي وغيره ونص كلام ابن المستوفي عن ابن فارس في المجمل ١/ ٨١.
[ ٤ / ٣١٩ ]
إذَا الأُمَّهَاتُ قَبَحْنَ الوُجُوْ … هَ فَرَجْتَ الظَّلَامَ بِأْمَاتِكَا
وقيل: وقد غلبت الأمهات في الأَناسي والأُمات في البَهَائِم، وقد زادها في الواحد من قال (^١):
* أُمَّهَتِي خِنْدِفُ وَالْيَاسُ أَبِي *
وفي كتاب "العين" (^٢) تأمهت، وهو مسترذل".
قال المُشَرِّحُ: الأم: هي الوالِدَةُ، وجمعها أُمَّات والهمزة فيها فاء بدليل أنه يقال: ما كنت أما ولقد أممت أمومًا، قال:
يَؤُمُّهُمُ ويَأْبُوْهُمْ جَمِيْعًا … كَمَا قُدَّ السُّيُوْرُ مِنَ الأَدِيْمِ
ثم زيدت الهاء في جمعها لتفخيم شأنها فقيل: أمهات وخص بها الجمع لأنه موضع تغيير في كل جمع تزاد الهاء. يقول إذا فتحت الأمهات بمساويهن وجوه أولادهن فأمهاتك يكشفن الدياجي بوضاءة مسافرهن.
قال جارُ الله: "وزيد في أهراق اهراقة".
قال المُشَرِّحُ: الهمزة في أهراق مفتوحة، وفي المصدر مكسورة. والهاء فيه مزيدةٌ بدليل أراق.
_________________
(١) هذا البيت نسبه كثير من الشراح إلى قصي بن كلاب أحد أجداد النبي -ﷺ- وهو جده الأعلى كما هو معروف، وهو من أبيات فيها: إني لدى الحرب رخى اللَّبب مقرم الصولة عالي النسب عند تناديهم بهال وهب وقيل: هو لامرأة من بني عامر. وتوجيه إعراب البيت وشرحه في إثبات المحصل ص ٢٢٢، المنخل ص ٢٠٤، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ٣، شرحه للأندلسي ٥/ ١٥٤. وينظر: المحتسب ٢/ ٢٢٤، شرح التصريح ٢/ ٣٦٢، شرح شواهد الشافية ص ٣٠١.
(٢) الموجود في كتاب العين ٨/ ٤٣٣: "ويقال: تأمم فلان أما، أي: اتخذ لنفسه أما".
[ ٤ / ٣٢٠ ]
قال جارُ الله: "وفي هِرْكُوْلَةٍ وهِجْرَعٍ وهِلْقَامة عندَ الأَخْفَشَ".
قال المُشَرِّحُ: الهِرْكُوْلة (^١): هي المَرأة المُرْتَجَّةُ الأرداف، من رَكَلَ في المَشْيِ، والجامع بينهما الاضطراب. والهِجْرَع مثل الدِّرْهَم: هو الطَّويل من [الأَجرع] وهو الرمل المنقاد. والهِلْقَامَةُ: هو الأسد [من] اللَّقم عند الأخفش.
قال جارُ الله: "ويجوز أن تكون مزيدة في قولهم: فرس سَلْهَب لقولهم: سلب".
قال المُشَرِّحُ: السَّلب: هو الفرسُ الطويلُ على وجه الأرض وربما جاء بالصاد [المهملة]، والهاء فيه مزيدة لقولهم: السلِب -بكسر اللام- وهو الطويل (^٢).
قال جارُ الله: " (فصلٌ) (^٣) والسين اطردت زيادتها في استفعل ومع كاف الضمير فيمن كسكس، وقالوا: استطاع لاهراق.
قال المُشَرِّحُ: زيادة السين في استفعال نحو: استنسخته الكتاب واستغفر الله ذنبه واستوهبه واسترجحه. وأما زيادة الشين في الكشكشة فنحو مررت بكش ونزلت عليكش يزيدون على كاف المؤنث شيئًا لبيان أن الكسرة في الكاف وقد مضى في فصل الحروف. ابنُ جني (^٤): عن سيبويه: السين زيدت عوضًا من سكون عين (^٥) الفعل. وعندي أن الهاء والسين زيدتا فيهما تسهيلًا لكلفة التكرير والإِطلاق.
_________________
(١) سر صناعة الإِعراب ص ٥٦٩، ٥٧٠، ٥٧١، شرح الشافية ٢/ ٣٨٥، وفي سر الصناعة: "وذهب الخليل فيما حكاه عنه أبو الحسن … ". ينظر العين ٤/ ١١٣. والنص بعد ذلك كله من سر الصناعة.
(٢) عن سر الصناعة ص ٥٧٠.
(٣) ساقط من (ب).
(٤) سر صناعة الإِعراب ١/ ١٩٩.
(٥) في (ب): "العين".
[ ٤ / ٣٢١ ]
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) واللام جاءت مزيدة في ذلك وهنالك وأُلالك، قال (^١):
* وهَلْ يَعِظُ الضِّلِيْلُ إلا أُولَالِكَا *
قال المُشَرِّحُ: ذلك بعد من ذاك، وهناك أبعد من هناك وأُلالك أبعد من أُلاك.
قال جارُ الله: "وفي عَبْدَل وزَيْدَل وفَحْجَل".
قال المُشَرِّحُ: عَبدل بمعنى (^٢) عبد وزَيْدل بمعنى زيد، وفَحجل بمعنى أفحج ونحوها فَيْشَلَةٌ بمعنى فَيْشَةٌ.
قال جارُ الله: "وفي هَيْقل احتمال".
قال المُشَرِّحُ: الهَيْقَلُ: هو الظَلِيْمُ، وهو أن جعل من الهَيَق، وهو الفتى من النّعام فاللام زيادة، وأن جعل من الهِقْل وهو الظّليم أيضًا فالياء زيادةٌ.
_________________
(١) البيت لأخي الكلحبة العرني يرد عليه، وبعده: عقوقًا وإفسادًا لكل معيشة … فكيف ترى أمست إضاعة مالكا كذا جاء في نوادر أبي زيد ص ٤٣٨، وعنه في الخزانة ١/ ١٩٠. قال ابن المستوفي: "وجدته يروي للأعشى، ولم أره في ديوانه. قال الصغاني في حاشية نسخته من المفصل: "أنشد ابن السكيت هذا البيت، وصدره عنده: * ألئك قومي لم يكونوا أشابة * وأنشده ابن جني، وصدره عنده: * أولك قومي … * وأنشده ابن الأعرابي في "نوادره"، وصدره عنده: ألم تك قد جربت ما الفقر والغنى … وهل " توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٠٣، المنخل ص ٢٠٥، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ٦، شرحه للأندلسي ٥/ ١٥٥. وينظر: نوادر أبي زيد ص ٤٣٨، إصلاح المنطق ص ٣٨٢، المنصف ١/ ١٦٦، ٣/ ٢٦، سر صناعة الإِعراب ص ٣٢٢.
(٢) في (ب): "بمنزلة".
[ ٤ / ٣٢٢ ]
[باب إبدال الحروف]
قال جارُ الله: "ومن أصناف المشترك (إبدال الحروف). يقع الإِبدال في الأضرب الثلاثة كقولك: أُجوه وأهراق وهلا (^١) فعلت".
قال المُشَرِّحُ: الفرق بين العوض والبدل أن العوض قد يكون من غيرِ جنسِ الحَرف وغيرِ مُقاربه، والبَدَل لا يكون الا في المقارب، وأن العوض قد يكون في غير موضع المعوض والبدل لا يقع إلا في موضع المبدل منه. الأجوه: بمعنى الوجوه، وحكى الفراء: حي الوجوه وحي الأجوه (^٢).
قال ابنُ السِّكِّيْت (^٣): ويفعلون ذلك كثيرًا في الواو إذا انضمت. هَراق الماءَ يُهريقه بفتح الهاءِ هِرَاقة بالكسر أي: صبَّه، قال زهير (^٤):
يُنَجِّمُهَا قومٌ لقومٍ غَرَامَةً … ولَمْ يُهْرِيْقُوا بَيْنَهم مَلْءَ مَحْجَمِ
وأَصْلُهُ: أَراق يُريق إراقةً، ونحو هرحت الدَّابة، أي (^٥) أَرحتها. وهَلَا فعلت بمعنى أَلا فعلت، والإِبدال في هذه الكلم جائزٌ لا واجبٌ.
_________________
(١) في (ب): "ألا".
(٢) سر الصناعة ص ٩٢، ١٠١.
(٣) الإِبدال لابن السكيت.
(٤) شرح ديوان زهير ص ١٧، وهو في الصحاح عن ابن السكيت.
(٥) في (ب): "في أرحتها … ".
[ ٤ / ٣٢٣ ]
قال جارُ الله: "وحروفه حروف الزِّيادة [والصاد والزاي] (^١) والطَّاءُ والدَّالُ والجِيْمُ، ويجمعها قولك: (استنجده يوم صال [زط] ".
قال المُشَرِّحُ: إنهم لم يعدوا السين من حروف البدل، فلست أدري لم عده الشيخ -﵀- فيها، والصواب: انتجدته يوم صال [زط] (^٢).
قال جارُ الله: " (فصلٌ) فالهمزة أبدلت من حروف اللين ومن الهاء والعين فإبدالها من حروف اللين على ضربين: مطرد وغير مطرد، والمطرد على ضربين، واجب وجائز، فالواجب إبدالها من ألف التأنيث في نحو حمراء وصحراء".
قال المُشَرِّحُ: والهمزة في حمراء وصحراء منقلبة عن ألف التأنيث، إما لأنّهم في غير هذا الموضع لم يؤنثوا بالهمزة إنما أنثوا بالألف، وإمّا لأنهم قالوا في جمع صحراء صحاري وأنشد أبو العبَّاس للوليد بن يزيد (^٣):
لَقَدْ أَغْدُوْا عَلَى أَشْقَرَ يَغْتَالُ الصَّحارِيَا
ولو كانت الهمزة فيه غير منقلبة. لثبتت في الجمع كقولهم: دراريء وقراريء ووضاضيء في جمع دريء وقراء ووضاء.
قال جارُ الله: "والمنقلبة لامًا في نحو كساءٍ ورداءٍ".
قال المُشَرِّحُ: الهمزة في كساء منقلبة عن الألف، ثم الألف منقلبة عن الواو وكذلك [الهمزة] في رداء منقلبة عن الألف، ثم الألف منقلبة عن الياء. وهذا لأن الياء المتطرفة والواو إذا كان ما قبلها مفتوحًا انقلب ألفًا، وذلك نحو الرحى والعصا، والرداء والكساء كذلك.
_________________
(١) عن المفصل (خ) نسخة ابن النحاس ﵀.
(٢) في (ب).
(٣) ديوان الوليد ص ٧٤ جمعه (ف غابريلي) من جامعة روما ونشر في دار الكتاب الجديد. والشاهد في: سر صناعة الإِعراب ص ٨٦، الإِنصاف ص ٨١٦، شرح المفصل لابن يعيش ٥/ ٥٨، شرح شواهد الشافية ص ٩٥ الخزانة ٣/ ٣٢٤.
[ ٤ / ٣٢٤ ]
أما الألف الساكنة فهي حاجزٌ غير [حصين، ولذلك أمالوا نحو شِملال ولم يميلوا أكلت عِنَبًا، لأن الساكن] غير معتدٍّ به.
الألف في رداء منقلبة عن الياء لأن أصله من رديت على الخمسين وأَرديت أي: زيدت، لأن الرّداء زيادة على ما ستر العَورة الغَلِيْظة.
قال جارُ الله: "وعِلْباء".
قال المُشَرِّحُ: الهمزة في عِلْباء إلحاقية كحِرْباء، ولذلك تنون، ومن ثم لو جمعته لقلت عَلابِيّ كقراطيس، ولا تقول: عَلَابَى كصحارى، والذي يدل على أن مثله هذه الهمزة منقلبة عن الياء أنه أثبت مثل هذا النوع بالهاء فظهرت فيه الياء وذلك في نحو دِرْحَايَةٍ (^١): رجل سمينٌ ضخمُ البَطْنِ قصيرٌ.
قال جارُ الله: "وعينًا في نحو قائل وبائع".
قال المُشَرِّحُ: أصل قال قول، وأصل باع بيع فأبدل الواو والياء ألفين فلما صرف منه فاعل وقعت الألف بعد الألف فلم يكن النطق بهما، لأنهما ساكنان والألف لا تتحرك، فقلبت همزة. وقيل: إنما همزت لأن أصل الواو والياء السكون ووقعت بعد ساكن فهمزت.
قال جارُ اللهِ: "ومن كلّ واو واقعةٍ أولًا شفعت بأخرى لازمة في نحو أَواصلٍ وأواقٍ جمع واصلةٍ وواقيةٍ قال:
* يا عَدِيًّا لقد وَقَتْكَ الأَوَاقِيْ "
وأُويصل تصغير واصل".
قال المُشَرِّح: إذا اجتمع واوان في أول الكلمة ولم تكن الثانية (^٢) مدّة
_________________
(١) الصحاح ١/ ٣٦١: (درح) وأنشد: عكوك إذا مشى درحايه يحسبني لا أعرف الحدايه
(٢) في (ب): "التاء فيه".
[ ٤ / ٣٢٥ ]
كما في وورى فإبدالها همزة لازمٌ، لأنهم كرهوا اجتماع الواوين (^١) بخلاف ما إذا كانت الثانية مدة فإنها غير منقلبة لتقوي إحدى الواوين بالأخرى ألا ترى أنهم قالوا تِبْحر بكسر التاء، ولم يقولوا يِعْلم، لأنها غير لازمة، ومعنى كونها غير لازمة أنها عارضة يعقبها تصرف لا تبقى فيه، ألا ترى أن المدة في وورى عارضةٌ بهذا التَّفسير، لأن أصله واراه، وليس فيه هذه المدة، ويعقبها تصرف آخر لا تبقى فيه وهو يُوارَى مبنيًا للمفعول.
[صدر البيت (^٢):
ضَرَبَتْ صَدْرَهَا إليَّ وَقَالَتْ … يا عديا البيت
قال جارُ الله: "والجائز إبدالها عن كلِّ واوٍ (^٣) مضمومة وقعت مفردةً فاءً كأجوه أو عينًا غير مدغم فيها كأدؤر ومشفوعة عينًا كالغُؤُورِ والنَّؤُورِ".
_________________
(١) في (ب): "الواو".
(٢) قال ابن المستوفي في إثبات المحصل ص ٢٢٤: "قالوا: إنه لعدي بن زيد بن أيوب العبادي، كذا وجدته … ولعدي قصيدة على وزن هذا البيت أولها: ليسَ شيءٌ على المَنون ببَاقي … غير وَجْهِ المُسبَّح الخلاق ولم أر في ديوانه هذا البيت المستشهد فيها. وأنشده الجوهري في "صحاحه" لمهلهل، والصحيح أنه لعدي أخيه. وجدته في ديوان شعر مهلهل، واسمه امرؤ القيس بن ربيعة بن مرة بن الحارث بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب يرثي مهلهلًا، ويذكر من هلك من قومه من أبيات هي قوله: طفلة ما ابنة المجد بيضاء لعوب لذيذة في العناق ظبية من ظباء وجرة تعطو بيديها في ناعم الأوراق ضربت صدرها إليَّ وقالت يا عديا لقد وقتك الأواق وذكر الأبيات. توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل، المنخل ص ٢٠٥، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ١٠، شرحه للأندلسي ٥/ ١٦٠. وينظر: المقتضب ٤/ ٢١٤، الجمل ص ١٦٦، شرح أبياته (الحلل) ص ٢٠١، المنصف ١/ ٢١٨، أمالي ابن الشجري ٢/ ٩، الخزانة ١/ ٣٠٠.
(٣) ساقطة من (ب).
[ ٤ / ٣٢٦ ]
قال المُشَرِّحُ: أما الواقعة مفردةً فاءً فقد مضى حكمها (^١) في صدر هذا الصنف. كل واو وقعت مفردة وهي عين مضمومة فإنه يجوز إبدالها همزة تقول: أَدْوُر وأَنْوُر بالواو وادؤر وأنؤر بالهمزة.
قال ابنُ السرَّاج (^٢): وكل واو مضمومة لك أن تهمزها إن شئت إلا واحدة فإنهم اختلفوا فيها وهي قوله (^٣): ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ وما أشبهها من واو الجمع فأجاز (^٤) بعض الهمزة وهم قليل. الغُؤُور في الأَصل واو إن أبدلت الأولى همزة وهو مصدر غارت عينه غورًا، ونظير ذلك النَّؤُور بفتح النون وهو النَّيلح، ومعناه (^٥): دُخان الشَّحم يعالج به الوشم حتى يخضرَّ.
قال جارُ الله: "وغيرُ المطرد إبدالها من الألف نحو دآبة وشآبة وابياض وادهام".
قال المُشَرِّحُ: هذا رأي من جد في الهَرب من التقاء الساكنين، [وقد مضى في صنف التقاء الساكنين] من هذا القسم.
قالَ جارُ الله: "وعن العجاج أنه كان يهمز العألم والخأتم، وقال:
* فَخِنْدفٌ هأمةُ هذا العَأْلَمِ *
وحُكِيَ بأزٌ، وقَوْقَأَت الدَّجاجة، وقال:
يا دَارُ مَيٍّ بدَكَادِيْك البُرَقْ
صَبْرًا فقد هَيَّجْتِ شَوْقَ المُشْتَأقْ
_________________
(١) في (ب): "ذكرها".
(٢) الأصول ٣/ ٢٤٥.
(٣) سورة البقرة: ٢٣٧، وينظر: الكشاف ١/ ١٤٦، البحر المحيط ٢/ ٢٣٨.
(٤) في (ب): "فأخر".
(٥) في (ب): "وهو".
[ ٤ / ٣٢٧ ]
قال المُشَرِّحُ: العَجاجُ (^١) كأنَّه همز العالم والخاتم لتسلم القافية من السّناد.
قال سيبويه في (شوق المشتأق) (^٢) همز ما ليس يهمز للضرورة الدِّكداك من الرمل: ما الْتَبَدَ بالأرض ولم يرتفع. وفي الحديث (^٣) أنه سأل جَريرُ بن عبدِ اللهِ عن منزله فقالَ: "سهلٌ ودكداك وسَلْمٌ وأَرَاك" والبُرَقُ: جمع بَرْقَةٍ، وهي غلظ فيه حجارة ورمل [يقال: قُنفذ بَرْقةٍ] كما يقال: ضَبُّ كديه.
قال جارُ الله: "ومن الواو غير المضمومة في أشياخ وإفادة وإشادة
_________________
(١) جاء في إثبات المحصل ورقة ٢٢٥: "وقيل لرؤبة قد ذهب عنك أبا الجحاف ما في هذه أن أباك كان يهمز العألم والخأتم ولا عيب فيه، وهذا كله سناد وهو قليل قبيح، قال الأخفش: وكان رؤبة يعيب هذا وجعل الأخفش بعد ألف التأسيس عن الطرف ووقوع الحرف بين الروي وبينه حجة في اجتماع التأسيس وغيره، وهذا منه احتجاج واه، إذ لا يقع مثل ذلك إلا غلطًا ما شاعره. وقال أبو حاتم أخبرني أبو زيد الأنصاري أن رؤبة كان يهمز العألم والخأتم ليزيل التأسيس، وهذا عيب. وينظر: القوافي للأخفش ص ٦٠ تحقيق أستاذنا أحمد راتب النفاخ حفظه الله. بيت العجاج في ديوانه ١/ ٤٦٢ من أرجوزة أولها: * يا دار سلمى يا اسلمي ثم أسلمي * توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٢٥، المنخل: شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ١٢، شرحه للأندلسي ٥/ ١٦١. وينظر: مجاز القرآن ١/ ٢٢، ٢/ ٩٤، الخصائص ٢/ ١٩٦، سر الصناعة ١/ ٩٠، البحر المحيط ٧/ ٦٩، شرح شواهد الشافية ص ٤٢٨.
(٢) ينسب البيت لرؤبة، وفي ديوانه (١٠٤ - ١٠٨) أرجوزة على وزنه ليى منها. قال الإِمام ابن المستوفي في إثبات المحصل: أنشدهما الفراء ﵀ لرؤبة ومثله: سقيت من ودق السحاب المنبعق يكاد قلبي من هواك يحترق كدار عنك كل صب مشتأق توجيه إعرابه وشرحه في: إثبات المحصل: ٢٢٥، المنخل ص ٢٠٦، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ١٠، شرحه للأندلسي ٥/ ١٦٠ وينظر: الخصائص ٣/ ١٤٥، سر صناعة الإِعراب ١/ ٩١، شرح شواهد الشافية ص ١٧٥.
(٣) النهاية ٢/ ١٢٨.
[ ٤ / ٣٢٨ ]
و﴿إِعَاءِ أخِيْهِ﴾ (^١) في قراءَةِ سعيدُ بن جُبَيْرٍ" (^٢).
قال المُشَرِّحُ: أمَّا إبدال الهمزة من الواو إذا كانت مكسورةً فإن أبا عَمْرٍو يزعم أنه لا يُجاوز به السَّماع. وغيره يذهب إلى أن بدل الهمزة مطَّرد كاطراد البَدَل من المضمومة، والقول في أنه ينبغي أن يكون مطردًا أن الكسرة بمنزلة الياء ولا تخلو الحَركة في الحرف المتحرك من أن تكون مقدرة قبله أو بعده فإن كانت قبله فالواو إذا وقعت قبلها الياء اعتُلت وكذلك إذا وقعت بعدها، فإذا كانت كذلك اعتلت الواو مع الكسرة كما اعتلت مع الياء، ألا ترى أنها إذا تحركت بالفتح لم تعتل، كما لا تعتل الواو إذا كانت بعدها ألف نحو عوالي وطوالي.
فإن سألتَ: لو كان الاعتلال لما ذكر لاعتلت الواو المكسورة غير أول؟.
أجبتُ: أن القلب في المكسورة كالقلب في المضمومة ألا ترى أن الضمة مع الواو كالواوين، كما أن الكسرة مع الياء والواو كالياءين فكما تُعتل الواو مع الياء لذلك أُعلت (^٣) مع الكسرة كما أن الواو كما أعلت (٣) مع الواو كذلك اعتلت (٣) مع الضمة ولم يجب مع هذا أن تُعل الواوان غير أول في أحووي ولووي وكذلك لم يلزم أن تعل الواو مع الكسرة غير أول.
ومن المواضع التي قلبت فيها الكسرة همزة "إحدى" في قولك: إحدى وعشرين. قال الشّيخ أبُو عليٍّ الفارسيُّ: إنما هو اسم وليس بوصف، ولذلك جاء "إحدى" على بناء لا يكون للصفات أبدًا.
_________________
(١) سورة يوسف: آية: ٧٦.
(٢) قراءة سعيد في المحتسب ١/ ٣٤٨، الكشاف ٢/ ٣٣٥، البحر المحيط ٥/ ٣٣٢.
(٣) في (ب): "اعتلت".
[ ٤ / ٣٢٩ ]
قال جارُ الله: "وأناة وأسماء، وأحد، وأحد أحد (^١) فى الحديث، والمازني يرى الإِبدال من المكسورة قياسًا".
قالَ المُشَرِّحُ: أحد: أصلها وحد. في الحديث (^٢) أنه قال لرجل أشار بسبابته في التشهد أحِّد أحِّد. أناة: أصلها الواو من ونى يني، أي: (فتر) أسماء فعلاء عند سيبويه وأفعال عند أبي العباس. حجة المازني ما ذكرتُه آنفًا.
قال جارُ الله: "ومن الياء في قطعَ الله أَدية، وفي أسنانه أَلَل (^٣)، وقالوا الشئيمة".
قال المُشَرِّحُ: أدية: أي يديه. الألل (٣) والأليل (٣): هو مضيء الأسنان ورجل أيل (٣)، وفي شعرِ أبي الطيب (^٤):
* بالنَّاسِ مِنْ تَقْبِيْلِهِ يَلَل (٣) *
ونحوه اسروع في يسروع وألَملم في يَلملم (^٥). وقوله: "ومن الياء … " معطوف على قوله: "ومن الواو غير المضمومة … ".
قال جارُ الله: "وإبدالها من الهاء في ماءٍ وأمواءٍ، قال (^٦):
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) النهاية ١/ ٣٧.
(٣) الجميع في النسختين "ألك … " بالكاف والتصحيح من المفصل (خ) والمصادر.
(٤) ديوان أبي الطيب (الشرح المنسوب إلى العكبري) ٣/ ٣٠٦ وصدره: * وإلى حصى أرض أقام بها *
(٥) ميقات أهل اليمن مشهور.
(٦) أنشده أبو علي الفارسي في الحلبيات ص ٤٠ عن أحمد بن يحيى (ثعلب)، وعن أبي علي في سر الصناعة ص ١٠٠، ولم ينسب. توجيه إعرابه وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٢٧، المنخل ص ٢٠٦، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ١٥، شرحه للأندلسي ٥/ ١٦٣. وينظر: المنصف ٢/ ١٥١، المخصص ١٧/ ٤٤٠، الممتع ص ٣٤٨.
[ ٤ / ٣٣٠ ]
وبَلْدَةٍ قالِصَةٍ أَمْوَاؤُهَا
مَاصِحَةٍ رادّ الضُّحى أَفْيَاؤُهَا
وفي أل فعلت وألا فعلت".
قال المُشَرِّحُ: مَصَحَ الظِلُّ: إذا ذَهَبَ، قال (^١):
* قَدْ كادَ مِنْ طُوْلِ البِلَا أَنْ يَمْصَحَا *
قالَ جارُ الله: "ومن العين في قوله (^٢):
* أُبَابُ بَحْرٍ ضاحِكٍ زَهُوْقِ *
قال المُشَرِّحُ: ضَحِكُ البحرِ كناية عن امتلائه، وفي عراقيات الأَبِيْوَرْدِيّ (^٣):
* الرَّوْضُ يَبْسِمُ والرَّكَائِبُ حُوَّمُ *
وفي شعر بديع الزَّمان الهَمَذَانِيِّ:
يا مسعرا للمنى عندي مواهبه … بيناه مبتسم للأرجاء إذ نصبا
الجَوْهَري (^٤): الزَّهُوْقُ: البئرُ البعيدةُ القَعْرِ.
_________________
(١) الصحاح ١/ ٤٠٥ (مصح) وأنشد البيت. نسب إلى رؤبة في ملحق ديوانه ص ١٧٢. وينظر: الكتاب ١/ ٤٧٨، المقتضب ٣/ ٧٥، الكامل ١/ ٢٥٣ الإِيضاح ص ٨٠، إيضاح شواهد الإِيضاح ص ١١٧، الخزانة ٤/ ٩٠.
(٢) يعزى إنشاده إلى الأصمعي ﵀: قال ابن جني في سر الصناعة ص ١٠٦: "روينا عن قطرب عن أبي عبيدة أنهم يقولون أل فعلت، ومعناه: هل فعلت، فأما ما أنشده الأصمعي من قول الراجز … " وأنشد البيت. توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٢٧، المنخل ص ٢٠٧، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ١٦، شرحه للأندلسي ٥/ ١٦٤. وينظر: المقرب ٢/ ١٦٤، شرح شواهد الشافية ٤/ ٣٤٢.
(٣) ديوان الأبيوردي ص ١٧٠ وهو مطلع القصيدة وعجزه: * والسيف يلمع والصدى يتضرم *
(٤) الصحاح ٤/ ١٤٩٤ (زهق)، ونقل الإِمام ابن المستوفي في إثبات المحصل ص ٢٢٧ كلام =
[ ٤ / ٣٣١ ]
قال جارُ الله: " (فصلٌ) (^١) والألف أبدلت من أختيها ومن الهمزة والنون فإبدالها من أختيها مطردٌ في نحو قال وباع ودعا ورمى وباب وناب مما تحركتا فيه وانفتح ما قبلهما، ولم يَمنع مانعٌ من الإِبدال في نحو رميا ودعوا".
قال المُشرِّحُ: القياسُ إعلال الواو والياء في نحو رميا ودعوا إلا أنه وجد المانع من ذلك وهو وقوع الألف بعدهما.
قال جارُ الله: "إلا ما شذّ من نحو القَوَدُ والصَيَدُ".
قال المُشَرِّحُ: القياس فيهما الإِعلال والاستحسان تركه. أما القياس فظاهره، وأما الاستحسان فليس الصَّيَدُ والعَوَرُ اتبعا في ترك الإِعلال باسم الفاعل. وهذا لأنهم قالوا: أعور وأَصيد وتعاور وتصايد، فإن سألتَ: فكيف لم يُعلُّو عور وصيد؟.
أجبتُ: لأن أصلهما باب الألوان والعيوب، وكذلك القود لأنّه في الأصل شدُّ العنق فمعنى أقدت القاتل بالقتل أي جعلته أقود، وهذا لأنهم كانوا إذا وجؤوا عُنق إنسان شدُّوا بشعره حبلًا ومدُّوه حتى يصير كالأَقود فكان حكمه حكم العور والصيد.
قال جارُ الله: "وغير مطرد في نحو طائي وحاري".
قال المُشَرِّحُ: هذا منسوب إلى طيئ والحيرة، والقياس طيئ وحيري.
_________________
(١) = الخوارزمي ووثقه من الصحاح أيضًا ثم قال: "قال في الحواشي: ضاحك أي: يضحك بالموج، وزهوق: مرتفع. قال المبارك بن أحمد: الزهوق المرتفع أولى بالوصف من البئر البعيدة القعر لأن العباب إذا كان الكبير المرتفع فإنما يكون ذلك لارتفاع ماء البحر ". وما ذكره عن الحواشي للزمخشري موجود في نسختي من الحواشي ورقة ١٤٩ لكن الإِمام العلامة الصغاني لم يرتض هذا التفسير أصلًا، وذلك لأن اللفظة (هزوق) هكذا أثبتها في نسخته من المفصل لا (زهوق). قال في حاشية النسخ: "وقع في نسخة الزمخشري -﵀- (التي بخطه) (زهوق) وهو منقلب. وقال ابن جني -﵀- ليست الهمزة فيه بدلًا … ". وذكر نصًا طويلًا عن سر الصناعة ص ١٠٦.
[ ٤ / ٣٣٢ ]
قال جارُ الله: "ويَأْجل".
قال المُشرِّحُ: الألف في "يَأْجل" بدل من الواو، وهي لغةٌ لبعض العربِ، كأنه يكره الياء مع الواو فقلبها ألفًا.
قالَ جارُ الله: "وإبدالها من الهمزة لازمٌ في نحو أادم وغير لازم في نحو رأَّس".
قال المُشَرِّحُ: إذا التقت همزتان في كلمة فالوجه قلب الثانية إلى حرف على ما مضى في صنف تخفيف الهمزة، وإذا كانت ساكنةً وما قبلها مفتوح فإنه يجوز قلبها ألفًا.
قال جارُ الله: "وإبدالها من النون في الوقف خاصة على ثلاثةِ أشياء المنصوب المنون، وما لحقته النون الخفيفة المفتوح ما قبلها، و"إذن" كقولك: رأيت زيدًا، و﴿لَنَسْفَعًا﴾ (^٢) و﴿فَعَلْتَهَا إِذًا﴾ (^٣) ".
قالَ المُشَرِّحُ: النون الساكنة لها شبه بالألف، لأنه لا مخرج لها من الفم كما أن الألف لا مخرج لها من الحلق، ونون التأكيد الخفيفة لها شَبَهُ [ورحمٌ ماسةٌ بالتَّنوين المفتوح ما قبله على ما ذكرناه، وكذلك النون في "إذا" لها شبه] (^٤) بذلك التنوين.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) والياء أبدلت من أختيها ومن الهمزة، ومن أحد حرفي التضعيف ومن النون والعين والتاء والسين والباء والثاء فإبدالها من الألف في نحو مفيتيح ومفاتيح وهو مطّرد".
قال المُشَرِّحُ: حرف المَدّ إذا وقع رابعًا فإنه ينقلب في التّصغير
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) سورة العلق: ١٥.
(٣) سورة الشعراء: ٢٠.
(٤) ساقط من (أ).
[ ٤ / ٣٣٣ ]
والتَّكسير ياءً، تقول في نحو مفتاح ومصباح: مفيتيح ومصيبيح ومفاتيح ومصابيح.
قال جارُ الله: "ومن الواو نحو مِيقات وعصى وغاز وغازية".
قال المُشرِّحُ: ميقات من الوقت انقلبت فيه الواو ياءً لكسرة ما قبلها ونحوه مِيزان من الوزن، وعصى أصلها عصوى نحو أسد وأسود وفتى وفتو انقلب فيه الواو، لأن الواو والياء إذا اجتمعا … والأصل فيهما ضمة العين وإنما كسرت للاتباع غاز: أصله عازو، وكذلك غازية أصلها غازوة، وإنما قلبت فيها الواو ياءً لانكسار ما قبلها.
قال جارُ الله: "وأَدْلٍ".
قال المُشرِّحُ: أدْلٍ: جمع دَلْوٍ، وأصلها أدلوٌ بضم الواو كفَلْسٍ وأفْلُسٍ، وإنما كسرت لتقلب الواو ياء، لأنه ليس في الأسماء المظهرة اسم آخره واو قبلها ضمة.
قال جارُ الله: "وقيام وانقياد وحياض".
قال المُشَرِّحُ: قيام: أصله قوام، مصدر من قام يقوم، ونحوه ذياد مصدر من ذاد يذود، وكذلك انقياد أصله انقواد من قاده يقوده فانقاد. وإنما قُلبت الواوُ ياءً لكسرةِ ما قبلها.
قال جارُ الله: "وسيّد وليّه".
قال المُشَرِّحُ: سيّد أصله سيوِد فعل من ساد يَسود لكن الواو والياء إذا اجتمعتا … ليه أصلُه: لوُيَه من لوى الحَبل يَلْوِيْه: إذا فَتَلَهُ، والواو والياء إذا اجتمعتا
قال جارُ الله: "وأغزيت واستغزيت وهو مطرد".
قال المُشرِّحُ: [ابن السرَّاج] (^١): أَعزيت واستغزيت لأن أصلها الواو
_________________
(١) في (ب).
[ ٤ / ٣٣٤ ]
من الغَزو إلا أن الواو في المتشعبة كالياء في أنها تكون ياءً.
وقال جارُ الله: "وفي صبية".
قال المُشَرِّحُ: أصلها الواو، وهي من صبوت، وإنما قلبت الواو ياءً لكسرةِ ما قبلها وأما الحاجزُ بينهما فهو غير حصين، لأنه ساكنٌ، ونحوها عليه، وهي من علوت وقنيه وهي من قَنوت وفلان قُدية في هذا الأمر وهو بمعنى القدوة وبلي سفر لقولهم في معناه: بلو وهو من بلوت وغدي، [وهي من قولهم: أرض غداة] وهي من قولهم: أرضون غدات ومنه الرواية عن ابن عامر (^١) ﴿أَنْبِئْهِم﴾ بالهمز وكسر الهاء على اتباع الهاء الياء.
قال جارُ الله: "وثِيَرة".
(قال المُشَرِّحُ): جمعُ ثَوْرٍ، ويقال: ثِوَرَةٌ بالواو، مثل عَوْدٍ وعِوَدَةٍ. قال المُبرد: إِنَّما قلبوا ثِيَرَةً ليفرِّقُوا بينه وبين ثورة الأقط. واشتقاقها من الإِثارة تثير الأرض. وسميت البَقر بقرًا لأنها تَبقر الأرض، أي: تشقه.
قال جارُ الله: "وعِلْيَان ويَيْجل وهو (^٢) غيرُ مطَّرد".
قال المُشرِّحُ: في حاسين نسختي من "المفصل" يقال: جَمَلٌ عَلْيَانٌ أي: مرتَفع فعلان بفتح الفاء من العلو (^٣).
فإن سألتَ: فلم أُعلت الواو من عُيان؟.
أجبتُ: لقربه من الطرف. فأما الأَلف فهو حاجز غير حصين ونحوه (النِّيَّامُ) في البيت (^٤).
_________________
(١) سورة البقرة: ٣٣، والرواية عن ابن عامر في المحتسب ١/ ٦٦، البحر المحيط ١/ ١٤٩.
(٢) ساقط من (ب).
(٣) في نسخة الإِمام ابن النحاس ضبطها بكسر العين، ووضع فوقها ضمة قراءة نسخة أخرى رمز إليها بـ (خ). أما نسخة الصغاني فضبطت بفتحها، وكسرها.
(٤) يشير إلى البيت: ألا طرقتنا مية ابنة منذر … فما أرق النيام إلا سلامها =
[ ٤ / ٣٣٥ ]
قال جارُ الله: "ومن الهَمزة في نحو ذيب ومير على ما قد سَلف في تَخْفِيْفِهَا".
قال المُشَرِّحُ: الهمزة إذا كانت ساكنة [نحو ذئب خففت] وقُلبت إلى الحرف الذي منه حركة ما قبلها، فإن كانت حركة ما قبلها فتحةً جعلت ألفًا وإن كانت كسرةً جُعلت ياءً وإن كانت [ضمة] (^١) جُعلت واوًا وكذلك إن كانت متحركة وما قبلها مكسور أو مضمومٌ فإنها تُقلب إلى الحرف الذي منه حركة ما قبلها نحو ﴿تَسْتَهْزِئُوْنَ﴾ وجُؤت.
قال جارُ الله: "ومن أحد حرفي التضعيف في قولهم: أَمليت وقصّيت أظفاري ولا وربَيك لا أفعل وتسريت وتظنيتُ و﴿لَمْ يَتَسَنَّه﴾ و:
* تقضّى فَقَضِّيَ البَازِيْ … *
وقوله (^٢):
تزور أمرًا أمَّا الإِلهُ فَيَتَّقِي … وأمَّا بِفِعْلِ الصَّالِحِيْن فَيَأْتَمِي
قالَ المُشرِّحُ: أَمليتُ أصله أمللت، قال (^٣):
أَلَا يَا دِيَارَ الحَيِّ بالسَّبُعَان … أَمَلَّ عَلَيْها بالمَلَا المَلَوَانِ
_________________
(١) = يراجع المنصف ٢/ ٥، شرح شواهد الشافية ص ٣٨١، وسيذكره المؤلف.
(٢) في (أ): "واو".
(٣) قال الصغاني في تعليقه على البيت في هامش نسخته من (المفصل): "البيت لكثير يمدح عبد العزيز بن مروان، والضمير في "تزور" لناقة كثير". وقال ابن المستوفي في إثبات المحصل ص ٢٢٨: "أنشده ابن الأعرابي في نوادره ووجدته في ديوان كثير عزة. توجيه إعرابه وشرحه في: إثبات المحصل، المنخل، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ٢٤، شرحه للأندلسي ٥/ ١٦٨. وينظر: الإِبدال لابن السكيت ص ١٣٥، سر الصناعة ص ٧٦٠ الممتع ص ٣٧٤، المقرب ٢/ ١٧١، ضرائر الشعر ص ٢٢٨.
(٤) تقدم ذكره.
[ ٤ / ٣٣٦ ]
ولعل اشتقاقه من المِلال، وقصّيت أظفاري، أصله: قصصت وقوله: "ولا وربيك" أصله: وربك. وتسريت أصله: تسررت من السّر، وهو النِّكاح وتَظَنَّيْتُ أصله: تظننت من الظَنَّ. قوله: ولم يَتسَنَّه أصله يَتَسَنَّن من الحمأ المَسْنُون وهو المتغير المنتن. وكان أَبو عمرو الشَّيباني إِلى هذا يذهب في هذا الحرف فالهاء في ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ (^١) على هذا القول تكون للوقف فينبغي أن تلحق في الوقف وتسقط في الدرج.
و* تَقَضِّي البَازِي … *
أصله تَقَضُّضُ وهو الكَسْرُ وهذا من بيتِ العَجَّاجِ (^٢):
إذا الكِرَامُ ابْتَدَروُا البَاعَ بَدَرْ
تَقَضِّيَ البَازِي إذا البَازِيْ كَسَرْ
يمدح عمر بن مَعْمَر التَّيْمِيّ فيقول: إِذا الكرام ابتدروا فعل المكارم بدرهم عمر وأسرع كانقضاض البازي في طيرانه وذلك أسرع ما يكون من الطيران.
قال جارُ الله: والتّصدية فيمن جعلها من صدّ يصِدُّ".
قال المُشرِّحُ: "في التنزيل ﴿مُكَاْءً وَتَصْدِيَةً﴾ (^٣) التصدية: هي
_________________
(١) سورة البقرة: ٢٥٩.
(٢) ديوان العجاج ١/ ٤١، ٤٢. توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٢٧، المنخل ص ٢٠٧، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ٢٤، شرحه للأندلسي ٥/ ١٦٨. وينظر: مجاز القرآن ٢/ ٣٠٠، إصلاح المنطق ص ٣٠٢، الإِبدال له ص ١٣٣، سر الصناعة ص ٧٥٩، الخصائص ٢/ ٩٠. قال ابن المستوفي: "وأكثر أمثلة الزمخشري من كتاب "الإِبدال" لابن السكيت". أقول: وأكثر شرح الخوارزمي لها من سر الصناعة لأبي الفتح.
(٣) سورة الأنفال: ٣٥.
[ ٤ / ٣٣٧ ]
التَّصفيق وهي إما من قوله (^١): ﴿صاد والقرآن …﴾ أي: صادِ أَمْرك وعلمك (^٢) بالقرآن ومعناه: عارضة به واشتقاقه من الصدى وهو ما يعارض صوتك من الصوت المنعكس، ومن ثمَّ قالوا: فلان صدى مالٍ: إذا كان حسن القياس والتعاهد له، وكأن المراد به أنه يعارض بإصلاحه ما رأى فيه من فساد ألا ترى إِلى قولهم: هو إزاء مال، ومعناه: نقيض الفساد الواقع فيه، وهو من أزى يأزى أزيًا إِذا انقبض، قال (^٣):
* هذا الزَّمان مول خير أزى *
وأمّا من صددت زيدًا عن الشيء فصد عنه، قال (^٤):
* صَدَدْتِ الكَأْسَ عنَّا أمَّ عَمْرٍو *
وقال (^٥):
* صَدَّتْ خُلَيْدَةُ عَنَّا ما تُكَلِّمُنَا *
وهذا لأن التَّصفيق صفعُ الكفّ بالكف، والتشديد فيه للتكثير كما في فتَّحت الأبواب وفتحتها، والمصدر من فعل على تفعيل وتفعلة إلا أن تفعلة في المضاعف كالمرفوض عدلوا عنها إلى التفعيل لما فيها من الفصل بين المثلين كما لم يجعلوا شديدة في النّسب كحَنيفة وقُريضة، وكما لم يجعلوا
_________________
(١) سورة ص: ١، ٢.
(٢) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١٦٨ شرح هذه الفقرة عن الخوارزمي.
(٣) في شرح الأندلسي عن الخوارزمي.
(٤) هو لعمرو بن كلثوم من معلقته، وعجزه: * وكان الكأس مجراها اليمينا *
(٥) هو الأعشى، والبيت في ديوانه ص ٤٢ (الصبح المنير) وعجزه: * جهلًا بأم خليله حبل من تصل * ويروى: (صدت هريرة …)، ورواية المؤلف هي رواية أبي عبيدة، كذا في شرح الديوان، وقال: "هي أم خليد".
[ ٤ / ٣٣٨ ]
شحيحًا وشديدًا في الجمع بمنزلة فقيه وعليم، فلما خرج المصدر على ما هو مرفوض في هذا النحو أبدل من المثل الثاني الياء، والوجه الثاني هو المراد ها هنا.
[قال جارُ الله]: "وتَلَعَيْتُ من اللّعاعة ودَهْدَيْتُ وصَهْصَيْتُ".
قال المُشَرِّحُ: الّلعاع: أول نبتٍ، تعليت: أصله تلفعت، ودَهْدَيْتُ: أصله دهدهت الحجر، وصهصهيت: أصلُهُ صهصهت ومعناه: قُلت له: صَهٍ صَهٍ.
قال جارُ الله: "ومَكَاكِيّ في جميع مكوك ودياجٍ في جمع ديجوج".
قال المُشرِّحُ: المكوك: مكيال (^١)، وهو ثلاث كيلجات، والكيلجة منَىً وسبعة أثمان منًى. [حاشية من الجوهري زيادة على الأصل من كاتبه سليمان أحسن الله خاتمته وتوفيقه والمَنى [الذي يوزن به] رطلان، والرطل اثنتا عشرة أوقية، والأوقية استاد، والاستاد أربعة مثاقيل ونصف، والمثقال درهم وثلاثة أسباع درهم، والدرهم ستة دوانق، والدانق: قيراطان، والقيراط: طسوحان، والطسوح حبتان، والحبة: سدس ثمن درهم وهو جزء من ثمانية وأربعين جزءًا من درهم، والجمع مكاكيك ومكاكي على ما ذكر في البدل … رجع] (^٢). أما قول امرئِ القَيس (^٣):
* كأنَّ مَكَاكِيّ الجَوَاءِ غُذيَّةً *
فجمعُ مُكَّاءٍ، وهو ضربٌ من الطَّيْرِ. الياء الثانية في الدّياجي جيمٌ.
_________________
(١) في شرح الأندلسي ٥/ ١٦٩ عن الخوارزمي.
(٢) تفردت نسخة (ب)، بهذا النص، ولا يوجد في نص الأندلسي الذي نقله عن الخوارزمي مع وجود ما قبله وما بعده لذا فالظاهر لي أنه تعليقة على النسخة أدخلت في الصلب، وليس من كلام المؤلف.
(٣) ديوان امرئ القيس ص ٣٧٦.
[ ٤ / ٣٣٩ ]
قال جارُ الله: "وديوان وديباج".
قال المُشرِّحُ: ديوان: أصلها دوان، لأنه يجمع على دواوين، وهذه الياء معوضة (^١) من الواو؛ ولو كانت الياء أصلية لقالوا: دياوين، ولأنه يقال: دونت، والمراد بالدواوين: الخَرائط التي فيها نُسخ الصكوك والسجلات والمحاضر، ونُصب الأولياء (^٢) والقيمين في أموال الوقوف (^٣) وتقدير النّفقات نقل عن "أدب القاضي" لقاضي بخارى المحنرف (^٤) والديباج فيه وجهان:
أحدهما: أن لا تكون الياء منقلبةً عن أحدِ حرفي التَّضعيف وجمعه على هذا الوجه دبابيج، ومن جعلها منقلبة عن أحد حرفي التضعيف جمعه على ديابيج.
قال جارُ الله: "وقيراط وشِيْراز ودِيْماس فيمن قال شراريز ودماميس".
قال المُشَرِّحُ: القيراط: نصف دانق، وأصله: قُرّاط بالتشديد، وكذلك شيراز أصله شرّاز وديماس: أصله: دمّاس، بدليل جمعه على قراريط وشراريز ودَماميس، وقد مضى في الأَبنية.
قال جارُ الله: "وقوله (^٥):
_________________
(١) في (ب): "بدل".
(٢) في (ب): "الأوصياء".
(٣) في (ب): "الوقف".
(٤) كذا في النسختين، وفي (أ) "أدن القاضي"، ونقل الأندلسي هذا النص، وقال: "نقل عن أداب القاضي".
(٥) قبله: * قامت به تنشد كل منشد * توجيه إعرابه وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٢٨، المنخل، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ٢٦، شرحه للأندلسي ٥/ ١٦٩. وينظر: المقرب ٢/ ١٧٢.
[ ٤ / ٣٤٠ ]
* وايْتَصَلَتْ بمثلِ ضَوْءِ الفَرْقَدِ *
أبدل الياء من التاء الأولى في "اتصلت".
قال المُشَرِّحُ: يقال (^١) وصلتُهُ بكذا فاتصل، ثم أبدل [في] (^٢) قوله: الواو تاء، ثم التاء ياء.
قال جارُ الله: "ومما سوى ذلك في قولهم أَنَاسِيّ وظَرابِيّ".
قال المُشرِّحُ: الياء الثانية في أناسي بدل من النون، لأنَّه جمع إنسان، وقياسه جمع أناسين، وكذلك حكم ظرابي الثانية فيه بدل من النون، لأنه جمع ظربان، والقياس جمعه ظرابين.
قال جارُ الله: "وقوله (^٣):
وَمَنْهَلٍ لَيْسَ لَهُ خَوَازِق
ولِضَفَادِي جَمِّهِ نَقَانِقُ
وقوله (^٤):
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) في (أ): "وقوله".
(٣) يقال: إن هذا البيت من صنع خلف الأحمر، إلا أنه مما يوثق صحته رواية سيبويه له في كتابه ١/ ٣٤٤. توجيه إعرابه وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٢٨، المنخل ص ٢٠٨، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ٢٤، شرحه للأندلسي ٥/. وينظر: المقتضب ١/ ٢٤٧، المقرب ٢/ ١٧١، ضرائر الشعر ص ٢٢٦، شرح شواهد الشافية ٤/ ٤٤١.
(٤) هذا البيت لأبي كاهل اليشكري (النمر بن نولب) والد سويد بن أبي كاهل. توجيه إعرابه وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٢٧، المنخل ص ٢٠٨، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ٢٤، شرحه للأندلسي ٥ /. وينظر: الكتاب ١/ ٣٤٤، المقتضب ١/ ٢٤٧، مجالس ثعلب ص ٢٢٩، المقرب ٢/ ١٦٩، ضرائر الشعر ص ٢٢٦، شرح شواهد الشافية ٤/ ٤٤٣. قال ابن المستوفي: "وجدته بخطى في طرة كتاب "الصحاح" لأبي كاهل اليشكري وكذا هو =
[ ٤ / ٣٤١ ]
لَهَا أَشَارِيْرُ مِنْ لَحْمِ تُتَمِّرُهُ … مِنَ الثَّعَالِي وَوَخْزٌ مِنْ أَرَانِيْهَا
وقوله (^١):
إِذَا مَا عدُّ أَرْبَعَة فَسَالٌ … فَزَوْجُكَ خَامِسٌ وَأبُوْكِ سَادِي
وقوله (^٢):
قَدْ مَرَّ يومان وهذا الثالي
وأَنْتِ بالهِجْرَانِ لا تُبَالِي"
_________________
(١) = في ديوان سويد. وقال أيضًا: "قال المغربي: والبيت ليزيد بن أبي كاهل اليشكري وفي "الحواشي": الأشارير: قطع يصف غرابًا كذا ذكره، والذي في "الحواشي": "لها أشارير" يصف عقابًا أشارير، ووخز: قطع كذا في "الحواشي" وقال الجوهري: الوخز: الشيء القليل، قال الشاعر: لها أشارير من لحم تتمره … وأنشد البيت وفي نوادر أبي الحسن علي بن خازم اللحياني: الوخز الشيء بعد الشيء، وقال: هذه أرض بني تميم وفيها وخز من بني عامر. قال أبو جعفر أحمد بن محمد: هكذا عندي عن أبي إسحاق وأبي الحسن "تتمرة" ويقال: إن محمد بن يزيد صحف فروى تثمره حتى أنكره أحمد بن يحيى وتعجب من ذلك وقال: إنما يتمر اللحم بالبصرة فكيف غلط في هذا. ويروى يتمره: أي: يقدده وتقطعه صغارًا وذكر المغربي أيضًا أن هذا البيت لذي الرمة، ولم أره في ديوانه. وقبله: … ". توثيق مصادره: شرح المفصل للأندلسي (المغربي) ٥/ ١٧٥ وهذا النص مخروم من نسختي في الحواشي، والصحاح ٢/ ٨٩٨ (وخز) الموشح ص ١٥٥، مجالس ثعلب ص ٢٢٩، الانتصار لابن ولاد ص ٢٨٢ (رسالة) التصحيف والتحريف
(٢) ينسب إلى امرئ القيس. توجيه إعرابه وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٢٨، المنخل ص ٢٠٨، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ٢٤، شرحه للأندلسي ٥/ ١٧٥. وينظر: إِصلاح المنطق ١/ ٣٠١، تهذيب الألفاظ ص ٥٩١، ضرائر الشعر ص ٢٢٦، شرح شواهد الشافية ٤/ ٤٤٦.
(٣) البيتان مجهولان. توجيه إعرابهما وشرحهما في: إثبات المحصل ص ٢٢٨، المنخل ص ٢٠٨، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ٢٤، شرحه للأندلسي ٥/ ١٧٥. وينظر: المقرب ١/ ٣١٥، ضرائر الشعر ص ٢٢٧، شرح شواهد الشافية ٤/ ٤٤٨.
[ ٤ / ٣٤٢ ]
قال المُشَرِّحُ: الياء في البيت الأول بدل من العين. والحَزْقُ: هو الشد والحبس والحَازِق: الذي ضاق عليه حقه، [عن ابن السكيت]، ومنه: "لا رأي لحاقن ولا لحازق" والمراد بالحوازق: جوانب الأقط إذا جعلته [على] خصفة ليجف، وكذلك شَرَرْتُ الملح واللحم ونحوه، والإِشرارة: ما يبسط عليه الأقط وغيره، وجمعه أشارير ويقال: أشارير: قطعٌ من قديدٍ، تتمير اللحم والتّمر: تجفيفهما الشيء القليل عن الجوهري (^١). يقول: إنها تصيد لفرخها الثعالب والأرانب.
البيتُ لأَبي كاهِلٍ اليَشْكُرِيّ، [وقبله]:
كأنّ رَحْلِي عَلَى شَعْوَاءَ حاذِرَةٍ … ظَمْيَاءَ قَدْ بُلّ مِنْ طَلٍّ خَوَافِيْهَا
شبَّه راحلته في سرعتها بالعُقاب إذا بلّها الطَلّ أَسرعت. ظمياء: يريد أنّها تضرب إلى السواد.
عنى بالسَّادي: السادس. الفِسَالُ - بالكسر للفاء جمع فَسْلٍ بفتح الفاء وسكون السين وهو الرذل. ومنه فسالة الحَديد لسحالته. عنى بالثَّالي: الثَّالث.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) (^٢) والواو (^٣) تبدل من أختيها ومن الهمزة فإبدالها من الألف في نحو ضوارب وضويرب تصغير ضراب مصدر ضارب".
قال المُشَرِّحُ: الواو في ضوارب بدلٌ من الألف في ضارب بدليل أن
_________________
(١) الصحاح: ٢/ ٦٠٢ (تمر).
(٢) ساقط من (ب).
(٣) نقل ابن المستوفي في إثبات المحصل ص ٢٣٠ نص كلام الخوارزمي ابتداء من قوله: "قال جار الله" إلى آخر شرح الفقرة، ولم يعلق عليه بشيء فهل استحسن كلام الخوارزمي وأراد أن يجمِّل به كتابه؟!.
[ ٤ / ٣٤٣ ]
ألف الجمع تقع ثالثة وذلك في نحو مساجد وجعافر وكذلك في ضويرب؛ لأن ياء التَّصغير تقع ثالثة، والواو في ضويرب بدلٌ من الياء في ضيراب. من قال كلام في: كلم قال: قِيْتَال في قاتل. وفي هذا الكلام زلةٌ جرت على قلم الشيخ ﵀.
قال جارُ الله: "وأوادم وأويدم".
قال المُشَرِّحُ: الواو في أَوادم بدلٌ من الألف المنقلبة عن الهمزة، وكذلك في أويدم.
قال جارُ اللَّه: "ورَحَوِيّ وعَصَوِيّ".
قال المُشَرِّحُ: الواو في رَحَوِيّ وعصوي بدل من الألف في رحىً وعصًا، ثم ألف رحى منقلبة عن الياء، وألف عصا [منقلبة عن الواو] (^١).
قال جارُ اللَّه: "وإلوان تثنية "إلى" اسمًا".
قال المُشَرِّحُ: الواو في إلوان بدل من الألف في "إلى".
قال جارُ الله: "ومن الياء في نحو موقن وطوبى مما سكَّن ياؤه غير مدغمة وانضم ما قبلها".
قال المُشَرِّحُ: الواو في موقن بدل من الياء؛ لأنَّه من أيقن، وكذلك الوافي في طوبى بدل من الياء؛ لأنها من الطيب، وإنما انقلبت الياء واوًا لسكونها وضمه اسم فاعل ما قبلها، وهذا ينصر مذهب الأخفش حيث يقول: بؤض، إذا بنى نحو برد من البياض.
قالَ جارُ اللَّه: "وفي بقوى".
قال المُشَرِّحُ: البَقْوَى: مِن أَبْقَى عليه، وهو من بقى، لأن المَعنى: اشفق عليه، فكأنه طلب بقاؤه، وبقي يائيٌّ بدليل الحَديث (^٢): "بَقِيَنَا
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) الحديث في غريب أبي عبيد ٤/ ١٤٠.
[ ٤ / ٣٤٤ ]
رسولُ الله -ﷺ-"، أي: انتَظَرْنا، فكأنا بقينا على حالنا ننتظره.
قال جارُ الله: "وبَوْطَرَ".
قال المُشرِّحُ: من بيطر، ومنه البيطار، واشتقاقه من بطرت الشيء: شققته (^١).
قال جارُ الله: "وهذا أمر ممضو عليه ونهو عن المنكر".
قال المُشَرِّحُ: مضيت على الأمر مضيًا، ومضيت مضوًا أيضًا نهيته عن كذا، ويقال: نهوته عن الشيء في معنى نهيته.
[قال جارُ الله: "وفي جباوة"].
قال المُشرِّحُ: جبيت الخراج جباية وجبوته جباوة (^٢) ذكره الجوهري (^٣)، والياء هو الكثير (^٤).
قال جارُ الله: "وفي جؤنة وجؤن كما سلف في تخفيفها".
قال المُشَرِّحُ: الهمزة الساكنة إذا كان ما قبلها مضمومًا قلبت للتخفيف واوًا، وكذلك المتحركة إذا انضم ما قبلها.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) والميم أبدلت من الواو واللام والنون والياء، فإبدالها من الواو في فم وحدة".
قال المُشرِّحُ: أصل فم: فوه بوزن سوط، فحذفت الهاء تخفيفًا كما حذفت في سنه فيمن قال: ليست بسنهاء وعملت مسانهة، فصار فو فحصل الاسم على حرفين الثاني منهما لين، فكأنهم كرهوا أن يوزن بوزن يحذفه التنوين فيجحفوا فأبدلوا من الواو الميم لقرب الميم من الواو، لأنهما شفهيتان
_________________
(١) قال الزمخشري في الأساس ١/ ٢٨: "من بيطر الحيوان الذي يعالج مرضه".
(٢) في (أ): "جبوة".
(٣) الصحاح.
(٤) في (أ): "الكسر".
[ ٤ / ٣٤٥ ]
وفي الميم هوى في الفم يضارع امتداد الواو، ويدل أن الفم مفتوح الفاء وجودنا إياها في اللفظ مفتوحة.
قال جارُ اللَّه: "ومن اللام في لغة طيئٍ في نحو ما روى النّمر بن تولب عن رسول الله -ﷺ- وقيل: إنه لم يروَ غير هذا - "لَيْس من امبرامصيام في امسفر".
قال المُشَرِّحُ: يريد: ليس من البر الصيام في السفر (^١).
قال جارُ الله: "ومن النون في نحو عَمْبَر وشَمْبَاء مما وقعت فيه النون ساكنةً قبل [الباء".
قال المُشَرِّحُ: لم يكن إلا ميمًا فإذا تحركت ظهرت نونًا، وذلك قولك شنب وعنابر وقنابر.
قال جارُ اللَّه] "وفي قولُ رؤبة (^٢):
_________________
(١) تقدم ذكره، وفي إثبات المحصل أسانيد كثيرة لرواية النمر لحديث آخر غير هذا من رواية النمر بن تولب الشاعر، وراوي الحديث "ليس من أمبر … " هو النمر ابن تولب … غير الشاعر. ينظر تفصيل ذلك وتخريجه في كتاب السير الحثيث إلى الاستشهاد بالحديث من تأليف صديقنا الدكتور محمود فجال وفقه الله فقد أتى بما فيه كفاية الجزء ٢/ ٣٨٠ - ٣٨٧.
(٢) ديوان رؤبة ص ١٤٤، من أرجوزة يمدح بها مسلمة بن عبد الملك. قال الإِمام محمد بن إبراهيم بن النحاس -﵀- فيما علقه على نسخته من كتاب (المفصل) عند هذا البيت "حاشية الذي رويناه عن شيوخنا ﵏ (التمتام) بتاءين كل واحدة منهما منقوطة باثنتين من فوق. ووجدت في نسخة بـ (أراجيز رؤبة) صنعة أبي سعيد السكري ﵀ بخط أبي العباس أحمد بن أبي مؤاس -﵀- (النمنام) وضبطه بنونين، وقال في شرحه والنمنام: الحسن، والمنمنم: المزين". قال ابن المستوفي في إثبات المحصل: "ولم أجد ما نسبه -﵀- إلى رؤبة في ديوانه. توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٣٠، المنخل ٢٠٨، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ٣٣، ٣٥، شرحه للأندلسي ٥/ ١٧٢. وينظر: سر صناعة الإِعراب ص ٤٢٢، شرح الشواهد للعيني ٤/ ٥٨٠، شرح شواهد الشافية ص ٤٥٥.
[ ٤ / ٣٤٦ ]
يا هَالَ ذاتَ المَنْطِق التِّمْتَامِ
وكفُّك المُخَضَّبِ البَنَامِ
قال المُشَرِّحُ: التِّمتام: هو الذي فيه تَمتمة، أي: تردد في كلامه. البَنَام: هو البنان.
قال جارُ الله: "وطامه الله على الخير".
قال المُشَرِّحُ: أي: طانة.
قال جارُ الله: "وفي الباء في "بَنَاتِ مَخْرٍ"، وما زلت رَاتِمًا على هذا وَرَأَيْتُهُ من كثم".
قالَ المُشَرِّحُ: "بَناتُ مَخْرٍ" (^١) سحائبُ يأتين قُبَيْلَ الصَّيْف رقاقًا، والميم فيه بدل من الباء واشتقاقه من البُخار، وقد يقال: نبات بَحر أيضًا بالحاء المهملة، ولو ذهب ذاهب إلى أن الميم في "مخر" أيضًا أصل غير مبدل على أن يجعله من قوله ﷿ (^٢): ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ يقال: مخرت السّفينة تمخر وتمخر مخرًا ومخورًا: إذا جرت تشق الماء مع صوت، وذلك أن السحاب كأنها تمخر البحر، لأنها فيه تنشأ ومنه تبدأ لكان عندي مصيبًا هذا محصول كلام ابن جني. وكذلك الميم في قولهم (^٣): "ما زلت راتمًا" على هذا يحتمل أن تكون أصلًا غير بدل من الرتمة، وهي شيء كان أهل الجاهلية يرونه بينهم، وذلك: أن الرجل منهم كان إذا أراد سفرًا عمد إلى عصنين من شجرتين فقرب أحدهما من الآخر فعقد أحدهما بصاحبه
_________________
(١) ثمار القلوب ص ٢٧٦، الإِبدال لأبي الطيب ١/ ٤١، والنص من سر الصناعة ص ٤٢٤.
(٢) سورة النحل: ١٤.
(٣) هذا القول حكاه عن العرب أبو عمرو الشيباني. قال أبو الفتح في سر صناعة العرب ص ٤٢٤: "وأخبرنا أبو علي أيضًا يرفعه بإسناده إلى أبي عمرو الشيباني، قال يقال: ما زلت راتمًا على هذا وراتبًا أي: مقيمًا". وينظر: الإِبدال لابن السكيت ص ٧٣، الإِبدال لأبي الطيب ١/ ٤٨.
[ ٤ / ٣٤٧ ]
فإذا عاد من السّفر ورأى [الغصنين معقودين بحالهما قال: إن امرأته لم تخنه بعده، وإن رأى] الغصنين قد انحلا قال: إن امرأته قد خانته، قال الرّاجز (^١):
هَلْ يَنْفَعَنْكَ اليَوْمَ إن هَمَّتْ بِهَمْ
كَثْرَةُ [ما تُوصِيْ وتَعِقَادُ الرَّتَمْ]
والرّتمة أيضًا: خيط يشدّ في الأصبع ليذكر. وكلا هذين الموضعين تأويله الإِقامة والثبوت، فيجوز أن يكون راتمٌ من هذا المعنى، هذا محصول كلام ابن جني أيضًا.
قال جارُ الله: "وقوله (^٢):
فَبَادَرَتْ شَاتَهَا عَجْلَا مُثَابِرَةً … حتَّى استَقَتْ دونَ مَحْنَى جِيْدَهَا نَغَمَا
قال ابن الأعرابي: أراد: نغبًا".
قال المُشَرِّحُ: كأنه يريدُ بالاستقاء ها هنا الحَلْبُ. وفي قوله: "دون مَحْنَى جِيْدَهَا". لطيفةٌ، وهى أنه كان من حقّها أن يذبحها فيحلبها دمًا فما ذَبَحَتْها ولكن حَلَبْتهَا لَبَنًا.
قال جارُ الله: " (فصلٌ): والنُّون أبدلت من الواو واللام في صنعاوي وبهراني ولعن بمعنى "لعل".".
قال المُشَرِّحُ: القياس في النَّسب لصنعاء وبهراء قبيلة: صنعاوي وبهراوي، فقيل: صنعاني وبهراني، فابدل النون فيهما من الواو، وكذلك النون في لعن.
_________________
(١) ما زال النص من سر الصناعة والبيتان مخرجان هناك عن معاني القرآن للفراء ١/ ٢١٧ … وغيره.
(٢) توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٣٠، المنخل ص ٣٠٩، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ٣٣، شرحه للأندلسي ٥/ ١٧٣. وينظر: الممتع ص ٣٩٣، المقرب ٢/ ١٧٧. ونقل الأندلسي وابن المستوفي وصاحب المنخل كلام الخوارزمي.
[ ٤ / ٣٤٨ ]
قال جارُ الله: " (فصلٌ) والتّاء أبدلت من الواو والياء والسّين والصّاد والباء، فإبدالها من الواو هاء في نحو اتَّعد أتْلَجَهُ قال:
* مُتْلِجٌ كَفَّيْهِ في قَتَرِهْ *
وتُجَاه، وتُيْقور، وتُكْلان وتُكَأَة وتُكلةَ وتُخَمَة وتُهَمَة.
قال المُشَرِّحُ: التَّاء الأولى في: (اتعد) بدل من الواو وأصله: أو تعد وكذلك التاء في تُجاه، أصله: وجاه، وهو من المواجهة. وكذلك التاء في (تُبقر)، وهو من الوقار، وأصله: ويقور، قال العَجّاج (^١):
* فإنْ يكن أَمسى البَلى تَيْقُوري *
وكذلك التاء في [تُكلان] اسم من التَّوكل، وهو إظهار العجز والاعتماد على غيرك، ومنه اتكلت على فلان في أمري: إذا اعتمدته. وكذلك التاء في [تُكأةٍ] على مثال هُمَزَةٍ، وهو الكثير الاتّكاء. والنُّكأة أيضًا: ما يُتكأ عليه، والذي يدل على أن التَّاء فيه واو قولهم: تَوَكَّأتُ على العصا وكذلك التاء في تُكلة [يقال: فلان] وُكلة تُكلة، أي: عاجز يكل أمره إلى غيره فيتكل عليه، وكذلك التّاء في تُهمة وأصلها: وهمة، وهي من الوهم.
صدر البيت (^٢):
_________________
(١) ديوان العجاج ١/ ٣٤٠. وينظر: الكتاب ٢/ ٣٥٥، المعاني الكبير ٣/ ١٢٢٣، الإِبدال لأبي الطيب ١٥٠/ ١، سر الصناعة ص ١٤٦.
(٢) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص ١٢٣. توجيه إعرابه وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٣٢، المنخل ص ٢١٠، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ٣٦، ٣٧، شرحه للأندلسي ٥/ ١٧٤. وينظر: الموشح ص ٢٨، ضرائر الشعر ص ٢٣، شرح شواهد الشافية ص ٤٦٦. وما ذكره البغدادي في شرح هذا الشاهد في أغلبه عن ابن المستوفي. وجدت في كتاب "إثبات المحصل" في شرح هذا البيت كلامًا قل أن يوجد مثله إفادة وتوثيقًا ومتابعة للفوائد من بطون المصنفات وأردت أن لا أحرم بعض قراء هذا الكتاب من تلك الفوائد: قال: " … ووجدت في نسخة من نسخ شعره قرئت على أبي الحسن على بن =
[ ٤ / ٣٤٩ ]
ربَّ رامٍ من بَنِي ثُعَلٍ … مُتْلِجٌ البيت
بنو ثْعل (^١) فيهم الرّماية. وبعده (^٢):
* فهو لا تَنْمِي رَمِيَّتَهُ *
قال جارُ الله: "وتقيّة تَقْوَى وتَتْرَى".
قال المُشَرِّحُ: التاء في (تَقِيّة) مبدلة من الواو، وأصله وقية وهي من اتقى، وأصله: أو تقي كأنه وقى نفسه. وكذلك التاء في (تَقوى) من هذا الاشتقاق، والواو في تقوى ياء، لأنها من وقى يقي وقاية ونحوها شروى، وهي من شريت وكذلك التاء في (تَترى) وأصلها: وترى، قال الله تَعالى (^٣): ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ أي: وترًا بعد وترٍ، ينون ولا ينون من لم ينونها جعل ألفها للتأنيث، ومن نونها جعل ألفها للإِلحاق.
قال جارُ اللَّه: "وتوراة".
_________________
(١) = سليمان الأخفش يوم الثلاثاء لست ليال خلون من شعبان سنة إحدى عشرة وثلاثمائة وفيها: قال أبو سعيد قرأتها على الرمادي وأبي حاتم، قال ابن الكلبي: الرامي هو عمرو بن المسبح بن كعب … قال: وروى الأصمعي: (متلج كفيه في قتره) أي: مدخل كفيه في بيت الصائد. أي: أدخل كفيه في قتره لئلا تعلم به الوحش فتهرب. ومتلج: مولج فأبدل التاء من الواو. وقال أيضًا: في بعض نسخه: (متلج كفيه في ستره) يعني قتره وهو بيت الصائد، وهو أصح، لأن الصياد إذا أخرج يديه من ستره نفرت الوحش. قال أبو سعيد: من ستره: من كميه، ولا تكون السترة القترة، لأنه لا يخرج يده أبدًا من القترة إنما هو مستتر فيها لئلا تراه الوحش فكيف يخرج يده، والكم ستر اليد والذراع. وقال: أيضًا: ورأيت في حاشية كتاب "المجمل" عن ابن الجواليقي: (هب) وروى بيت امرئ القيس … " و(هب) تعني اسم الجواليقي موهوب بن أحمد.
(٢) بنو ثعل: ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيئ. نسب معد لابن الكلبي ص ٢٣٢، الجمهرة لابن حزم ص ٤٠١.
(٣) هذا البيت في الديوان لم يأت بعد البيت السابق، بينهما خمسة أبيات، وعجزه: * ما له لا عد من نفره *
(٤) سورة المؤمنون: آية ٤٤.
[ ٤ / ٣٥٠ ]
قال المُشَرِّحُ: في وزن (توراة) ثلاثة أقوال (^١):
قيل: هو تفعلة مثل تتفلة لغة في تنفلة، وهو قليل جدًا، وهذا قول الكُوفيين.
وقيل: هو تفعلة إلا أنه صرف إلى الفتح استثقالًا للكسرة في المعتل وهو بناء يكثر نحو توقيه وتوصيه.
وقيل: فَتْح كفتح ناصياه. قال الزّجاج: وهو رديء، لأنه يجب منه في توقية توقاة. وهذا لا يجوز. قال البصريون: توراة: فوعلة قلبت الواو الأولى تاء لئلا يجتمع واوان في أول الكلمة نحو تولج وولج. وفوعلة في كلام العرب كثير.
ابن جني: وقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها [واشتقاقها] من ورى، وهذا كتسميتهم القرآن [فُرقانًا] وتاوها للتأنيث، لانقلابها في الوقف هاء، وتأنيثها كتأنيث الصحيفة والمجلدة، وتذكيرها على إرادة الكتاب.
قال جارُ الله: "وتَولج".
قال المُشَرِّحُ: وكذلك التاء في "تَولج" واو، وهو كناس الوحش التي تلج فيه (^٢)، قال -يصف ثورًا يكنس في عضاه (^٣) -:
* مُتَّخِذًا في ضَعَوَات تَوْلَجَا *
قال سيبويه (^٤): التاء مبدلة من الواو، وهو فوعل، لأنك لا تكاد تجد تفعل في الكلام اسمًا، وفوعل كثير. والشيخ -﵀- قد حكم ها هنا بأن التاء مبدلة من الواو. وفي صنف الزيادة قد عده معد الزيادة مثل تولج وولج أيضًا.
_________________
(١) عن معاني القرآن للزجاج ١/ ٣٧٤.
(٢) ساقط من (ب) موجود في الصحاح ص ٣٤٨ (ولج)، وهو مصدر المؤلف وفي شرح الأندلسي ٥/ ١٧٥ الذي نقل عن المؤلف.
(٣) البيت لجرير يهجو البعيث، ديوانه ١/ ١٨٧.
(٤) الكتاب ٢/ ٣٥٦، سر الصناعة ص ١٠٤، ١٠٥، ١٤٦.
[ ٤ / ٣٥١ ]
قال جارُ الله: "وتُراث وتِلاد".
قال المُشَرِّحُ: التّاء في تراث بدل (^١) من الواو أصلها وراث من وَرِثَ المالَ، وكذلك التَّاء في تِلاد؛ لأنه المال القديم الذي وُلد عندك، وهو والتّالد بمعنى ونقيضه الطارف.
قال جارُ اللَّه: "ولامًا في أخت وبنت وهنت".
قال المُشَرِّحُ: أما "أخت" فلأنك تقول في جمعها: أخوات، وأما هنت فلقولهمِ: هنوات، وأما بنت فلأنَّا لم نر هذه التاء لحقت مؤنثًا إلا وقد وقعت فيه بدلًا عن واو كما في أخوات وهنوات، والتاء فيهما ليست للتأنيث، ومن ثم قال سيبويه: لو سمَّيْتَ رجلًا ببنت وأخت لصرفته.
قال جارُ الله: "وكلتا".
قال المُشَرِّحُ: قد ذكر في صنف المنسوب اختلاف الناس في (كلتا) فيمن قال بأن وزنه فعتل لم يكن من قبيل ما نحن فيه ومن قال بأنها منقلبة فحينئذ تكون بدلًا من الواو.
قال جارُ الله: "ومن الياء في نحو اتسر".
قال المُشَرِّحُ: اتسر: افتعل من اليسر، وأصله: ايتسر بالياء.
قال جارُ الله: "ولامًا في أَسْنَتَوُا".
قال المُشَرِّحُ: أسنت القومُ: إذا وقعوا في السنة، وهي القَحط ولام السنة ذات وجهين: هاء مرة كقولهم (^٢): "ليست بسنهاء"، واستأجرت الأجير مسانهةً. وواو أخرى لقولهم في جمعها سنوات. [واستأجرت الأجير مساناة]. كان القياس أن يقال: أسنى القومُ، فيكون الياء بدلًا من واوٍ في أغزيت واستغزيت، ثم التاء بدلًا من الياء، قال ابن الزِّبَعْرَى (^٣):
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) هو بيت شعر: * لَيْسَتْ بِسَنْهَاءَ ولا رَجَّبيَّةٍ *
(٣) شعر ابن الزبعري ص ٥٣، وتخريجه هناك، وينسب إلى مطرود بن كعب الخزاعي.
[ ٤ / ٣٥٢ ]
عَمْرُو العُلا هَشَمَ الثَّرِيْدَ لِضيْفِهِ … ورِجَالُ مكَّة مُسِنتُون عِجَافُ
وإنما أبدلوا التّاء من الياء ليفرقوا بينه وبين أسنى القوم: أقاموا سنةً.
فإن سألتَ: لم لا يجوز أن تكون التاء بدلًا من الهاء كما هو مذهب الفراء، يقال لرجل سنت أصابتهم السنت توهموا أن الهاء أصلية، إذ وجدوها ثالثة؟ وكذلك لم لا يجوز أن تكون التاء بدلًا من الواو بغير واسطة، وهذا لأن التاء تبدل من الواو في أخت وهنت وبنت ويجب أن يكون كذلك حتى يكون التغيير أقل؟.
أجبتُ: السنة بمعنى القَحط لا تكون إلا واويةً، تقول في جمعها سنوات ولا تقول سنهات فإن شئت فاستأنس في هذا الباب ببيت العراقيات (^١):
وتَدمى عَرَاقِيْبُ المُطِيِّ إذا خدَتْ … إِلَيْهِم أعَارِيْبُ الفَلَا سَنَوَاتُها
فكأن السنة بمعنى الحول. [سنتان] (^٢) سنة في تقدير سنهة وسنة في تقدير سنوة، فالسنة التي هي في تقدير سنوة غلبت على سنة القحط، والسنة التي هي في تقدير سنهة انصرفت إلى غيرها.
أمَّا الثاني: فلأنَّ أسنى متى كان من الواو ثم جعل من باب أفعل فلا بدّ من أنّ يكونَ بالياء لا بالواو.
[قال جارُ الله: "وثنتان".
قال المُشَرِّحُ: لأنه من ثنيت] (^٣).
_________________
(١) ديوان الأبيوردي (العراقيات) ١/ ٢٨١.
(٢) ساقط من (أ) وفي (ب) "الاستنان" والتصحيح من نص شرح الأندلسي ٥/ ١٧٦ المنقول عن الخوارزمي.
(٣) في (أ) جعلهما الناسخ نصًا واحدًا وحذف شرح الفقرة الأولى.
[ ٤ / ٣٥٣ ]
قال جارُ اللهِ: "وكَيْتَ وذَيْتَ".
قال المُشَرِّحُ: في كَيْت وذَيْت: بدلٌ من الياء لقولهم في معناه كيّة وذيّة بتشديد الياء.
قال جارُ الله: "ومن السين في طست وست، وقوله (^١):
يَا قَاتل الله بني السَّعلاتِ
عَمرُو بن يَربوع شرار النَّاتِ
غَيْر أَعِفَّا ولا أَكْيَاتِ
قال المُشَرِّحُ: الأصل: طيس، دل على ذلك تصغيرها طسيسة، وطسوس، وكذلك تصغير ستّ على سديسة، وتقول سدس وأَسداس وسداس.
قال جارُ اللهِ: "ومن الصّاد في لَصت، قال (^٢):
* … كاللُّصُوتِ المُرَّدِ *.
_________________
(١) الأبيات لعلباء بن أرقم اليشكري، شاعر جاهلي مترجم في معجم الشعراء ص ٣٠٤، الخزانة ٤/ ٣٦٤. توجيه إعراب الشاهد وشرحه في المنخل ص ٢١٠، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ٣٦، شرحه للأندلسي ٥/ ١٧٦، ١٧٧، وذكره ابن المستوفي في إثبات المحصل ص ٢٣٣ وبيض له ولم يشرحه. وذكرها أبو زيد في نوادره ص ٣٤٤، وهو الذي نسبها، وينظر: الإِبدال لابن السكيت ص ١٠، ٣٦، الجمهرة لابن دريد ٣/ ٣٣، سر صناعة الإِعراب ص ١٥٥، قال: قرأت على محمد بن الحسن عن أبي العباس أحمد بن يحيى، الخصائص ٢/ ٥٣، الممتع ص ٣٨٩، شرح شواهد الشافية ص ٤٦٩.
(٢) نسبه الصغاني في العباب إلى عبد الأسود بن عامر بن جوين الطائي شاعر جاهلي أبوه عامر بن جوين مشهور الشعر والشعراء ص ١١٧. ونقل البغدادي في شرح شواهد الشافية ص ٤٧٥ هذه النسبة عن العباب. توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل، المنخل ص ٢١٠، شرح المفصل لابن =
[ ٤ / ٣٥٤ ]
قال المُشَرِّحُ: التَّاء في لِصْتٌ بدل من الصَّاد، بدليل اللُّغة المشهورة لِصّ.
قالَ جارُ اللهِ: "ومن البَاءِ في الذّعالتِ في معنى الذّعالب، وهي الأخلاق".
قال المُشَرِّحُ: في "الصِّحاح" (^١) والذّعاليب: قطع الخرق، قال:
* مُسْتَرْخِيًا عنه ذَعَالِيْب الخِرَقْ *
وعن أبي عمروٍ: أطرافُ الثَّياب يقال لها الذّعاليب، واحدها ذُعلوب، وأصلها من الذّعلب والذِّعلبة -بالكسر- وهي الناقة السَّريعة. والتّذعلب: الانطلاق، وذلك لأن الثياب المختلفة كالذّاهبة (^٢).
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) والهاء أبدلت من الهمزة والألف والياء والتاء فإبدالها من الهمزة في هرقت الماء وهرحت الدّابة بمعنى أرحتها وهنرت الثوب [وهردتُ الشيء عن اللّحياني".
قالَ المُشَرِّحُ: هنرتُ الثوب] (^٣). بمعنى أنرته من النّير -بالكسر- وهردت الشيء بمعنى أردته.
_________________
(١) = يعيش ١٠/ ٤١، شرحه للأندلسي ٥/ ١٧٧. وينظر: جمهرة ابن دريد ص ١٥٦، سر صناعة الإِعراب ص ١٥٦، شرح شواهد الشافية ص ٤٧٥. والبيت بتمامه: فتركت نهدًا عيّلًا أبناؤها … وبني كنانة كاللصوت المرد نهد: قبيلة يمنية مشهورة. ينظر: نسب معد واليمن الكبير ص ٣٢٨، جمهرة ابن حزم ص ٤٠٦. ويروي (جرمًا) وجرم: قبيلتان، إحداهما طائية، والأخرى قضاعية. قال ابن السكيت في كتاب الإِبدال: "قال الفراء: وطيء يسمون اللصوص اللصوت، ويسمون اللص لصتا، وهم الذين يقولون للطس: طست". وأنشد البيت، ومثله في الإِبدال لأبي الطيب اللغوي ١/ ١٢٣ وأنشد البيت أيضًا، ولم يعز اللغة لطيء؟!.
(٢) الصحاح ١/ ١٢٨ (ذعب) وأنشد البيت، وهو لرؤبة في ديوانه ص ١٠٥.
(٣) كله في الصحاح.
[ ٤ / ٣٥٥ ]
[قال جارُ اللهِ] (^١) "وهيّاك".
قال المُشَرِّحُ: هو بمعنى إِياك.
قال جارُ اللهِ: "ولَهِنَّك".
قال المُشَرِّحُ: قولهم: لَهِنّك" بفتح اللام وكسر الهاء: كلمة تستعمل عند التّوكيد، وأصلها "لأنّك" فأبدلت الهمزة هاءً، كما قالوا في إياك هِيّاك، وإنما جاز أن يجمع بين اللام و"أن" وكلاهما للتوكيد، لأنه لما أبدلت الهمزة زال لفظ "أن" فصار كأنه شيءٌ آخر. وعن أبي عُبَيْدٍ أنشدنا الكِسَائي (^٢):
لَهِنَّكِ من عَبْسِيَّةٍ لَوَسِيْمَةٍ … عَلَى هَنَوَاتٍ كاذِبٌ مَنْ يَقُوْلُهَا
أراد: للَّه إنك من عَبْسِيَة فحذف اللام الأولى من لله والألف من إنك، كما قالَ الآخر (^٣):
* لاهِ ابن عمّك والنّوى تَعْدُو *
أراد: للَّه ابن عمك، أي: واللَّه، قال سيبويه (^٤): هذه كلمةٌ يتكلم بها العَرب في حال اليمين، وليس كل العرب تتكلم بها فتقول: لَهِنَّك رجلُ صدقٍ يريدون: إن، ولكنَّهم أَبدلوا الهاء مكان الألف كقولهم: هَرَقْتُ، ولحقت هذه اللام "أن" كما لحقت "ما" حيث قلت: أن زيدًا لما لينطلق (^٥).
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) في النسختين: "وعن أبي عبيدة"، والصواب أنه أبو عبيد القاسم بن سلام، كذا هو في الصحاح ٦/ ٢١٩٧ (لهن) وفي اللسان: (لهن)، قال: "وأنشد الكسائي"، وقبله فيه: وبي من تباريح الصبابة لوعة … قتيلة أشواقي وشوقي قتيلها وورد في غريب الحديث لأبي عبيد -﵀- في موضعين ٤/ ٧٤، ٢٥ يقول: "أنشدنا الكسائي". والشاهد في الإِنصاف ص ٢٠٩، التبيين للعكبري ص ٣٥٥، همع الهوامع ١/ ١٤١.
(٣) ما زال النص من الصحاح وأنشد البيت، وعنه في اللسان ولم يتماه، ولا نسباه.
(٤) الكتاب ١/ ٤٧٤.
(٥) إلى هنا عن الأصول لابن السراج ١/ ٢٥٩، وعن الخوارزمي نقل الأندلسي في شرحه =
[ ٤ / ٣٥٦ ]
وعن أبي أَدهم الكِلَابي (^١): له ربّي لا أَقول، ففتح اللام وكسر الهاء في الادراج. قال (^٢) أبو زيد: معناه: والله ربي لا أقول، وأنشد أبو زيد (^٣):
* لَهِنَّا لأَشْقَى النَّاسِ إن كُنْتُ غَارِمًا *
وأَنشد أيضًا (^٤):
* لَهِنّا لمَقْضِيُّ عَلَيْنَا التَهَاجُرُ *
_________________
(١) = ٥/ ١٧٧، والنص في شرح الكافية للرضي ٤/ ٣٦٢، مع بعض الاختلاف الذي لا يخفى أثر أصله.
(٢) النص من هنا لأبي علي في الإِغفال، وهو الذي نسب هذا إلى أبي زيد ولم ينشد أبو زيد من الأبيات إلا البيت الأخير كما سيأتي، وقد أتعبت نفسي كثيرًا في تقليب صفحات النوادر. دلني على ذلك البغدادي في الخزانة ٤/ ٣٣٤، ثم راجعت نسختي من الإِغفال وهي نسخة شهيد علي فوجدت النص فيها. إلا أنه قال عند إنشاد البيت الأخير: "وأنشد في كتاب آخر".
(٣) ساقط من (ب).
(٤) عجزه في الإِغفال، شرح الكافية ٤/ ٣٦٢، الخزانة ٤/ ٣٣٧ * لدومة بكرًا ضيعته الأراقم * والأراقم: هم جشم ومالك وعمرو وثعلبة والحارث ومعاوية، وإنما سُمُّوا الأراقم لأنها شبهت عيونهم بعيون الأراقم (الاشتقاق لابن دريد ص ٣٣٦). وروى البغدادي لصدر هذا البيت عجزين، لشاعرين مختلفين. أحدهما: خِداشُ بن زهير العامري الصحابي (ديوانه ص ٨٠) ورواته: (وانى). لهنى لأشقى الناس إن كنت غارمًا … لعاقبة قتلي جذيمة والخضر والثاني: قال: "ما رأيته في كتاب "اللصوص" للسكري في شعر تليد الضبي بفتح المثناة الفوقية وكسر اللام، كان أحد اللصوص على عهد عمر بن عبد العزيز أخذ وأقيم للناس بأمره ليدفع ما أخذه منهم فقال في ذلك: ولو أن بعض الناس يفقدُ أُمَّه … لقيل احتواها في الرِّحال تَلِيْدُ لهنى لأشقى الناس إذ كنت غارمًا … قلائص بين الجهلتين ترود
(٥) صدره في الإِغفال وشرح الكافية ٤/ ٣٦٢، الخزانة ٤/ ٣٣٦ وقال: "وأعلم أن المصراع الشاهد عجز بيت، وصدره ما أورده أبو علي، وهو: * أبائنة حبي نعم وتماضر * ولم أر من ذكره غيره، ولم أقف على قائله.
[ ٤ / ٣٥٧ ]
وأنشد أيضا (^١):
وَأَمَا لَهِنَّك مِنْ تَذَكُّرِ عَهْدِهَا … لَعَلَى شَفَا يَأْسٍ وإنْ لَمْ تَيْأَسِ
قال الشيخ: أبو علي الفارسي: اللَّام في قوله: "له" على قول أبي زيد هي اللام التي هي عين الفعل في الاه، وكان الأصل لله، فحذفت الجارة والتي للتعريف فبقيت "له" وأما ألف (فعال) فحذفت كما حذفت (في) الممدود إذا قصر، وقد قالوا الحصد والحصاد. قال اليَزِيْدِيُّ: وقد حذفت من هذا الاسم في غير هذا [الموضع] قال (^٢):
أَلَا لا بَارَكَ الله في سُهَيْل … إذَا مَا الله بَارَكَ في الرِّجَالِ
وقال (^٣):
أقْبَلَ سَيْلٌ جادَ مِنْ أَمْرِ اللَّهْ
يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ (^٤) المُغِلّةْ
_________________
(١) ورد في نوادر أبي زيد ص ٢٠١، خزانة الأدب ٤/ ٣٣٣، ٣٣٤ عرضًا ولم يشرحه. ونسبه أبو زيد إلى المرار الفقعسي، شعره ص ٤٦١ (شعراء أمويون القسم الثاني) تحقيق ودراسة الدكتور نوري حمودي القيسي - بغداد ١٣٩٦ هـ.
(٢) البيت في إصلاح المنطق ص ٤٧، ٢٦٦، الخصائص ٣/ ١٣٤، المحتسب ١/ ١٨١، سرّ صناعة الإِعراب ص ٧٢٠، ضرائر الشعر ص ١٣١، شرح الجمل ٢/ ٥٧٣، شرح الكافية ٤/ ٣٦٣، الخزانة ٤/ ٣٤١.
(٣) جاء في الكامل للمبرد ص ٧٤، ٦١٠، وفي هامشه: قال أبو حاتم: هذه صنعة من لا أحسن الله ذكره، يعني: قطربا". وفي الجمهرة ١/ ١١٥ الحنظلة بن مصبح، ويقال: مصنوع من صنعة قطرب. وينظر: معاني القرآن ٣/ ١٧٦، مجاز القرآن ٢/ ٢٦٦، وما اتفق لفظه لليزيدي ص ٢٠، إصلاح المنطق ص ٤٧، ٢٦٦، سر صناعة الإِعراب ص ٧٢١، أمالي ابن الشجري ٢/ ١٦، ضرائر الشعر ص ١٣٢، شرح الجمل ٢/ ٥٧٣، الخزانة ٤/ ٣٤٣.
(٤) كذا في (أ) وفي (ب) "النخلة" وفي أغلب مصادره: "الجنة" وقال ابن السيد: " … ورواه بعضهم: "حرد الحية المغلة" بالحاء غير المعجمة والياء، ويجوز أن يرد بالحية: الأرض المخصبة، يقال: " [في الخزانة قال] حييت الأرض: إذا أخصبت. وماتت: إذا أجدبت فيكون مثل رواية من روى "الجنة" ويكون معنى المغلة: ذات الغلة" الخزانة ٤/ ٣٤٣. (عن هامش الكامل ١/ ٧٤). جزى الله محققه خيرًا.
[ ٤ / ٣٥٨ ]
والذي يرجح قول أبي زيدٍ في هذه المسألة أنه لو كانت اللام بدلًا من الهمزة كان ذلك جمعا بين الهمزة واللام معنى وذلك لا يجوز، ومن ثم قال الأخفش: لو سميت بـ (أصيلال) باللام لكان غير منصرفٍ كما لو سميته بـ (أصيلان) ولذلك لم تصرف العرب نحو صحراء وحمراء لما أبدلوا الهمزة من ألف التأنيث، كما لم يصرفوا نحو رَضْوى وتَتْرى؛ ولأن الكلام لو حمل على ما قال سيبويه فاللام فيه لا تخلو من أن تكون هي المنقلبة للقسم، أو غيرها. لا وجه إِلى أن تكون هي المنقلبة؛ لأنها لو كانت المنقلبة لكانت زائدة، واللام لا تُزاد في نحو هذا الموضع إنما تُزاد في نحو ما أنشده أحمد ابن يحيى (^١):
مَرُّوا سِرَاعًا فَقَالُوا كَيْفَ صَاحِبُكُمْ … قَالَ الذي سَأَلُوا أَمْسَى لَمَجْهُودَا
وهي قليلةٌ. وأما المثال الذي اعتلق به سيبويه فالفرق بينه وبين ما نحن فيه ظاهر؛ لأن "أن" واللام وإن اتفقا معنى لم يتفقا صورة بخلاف اللامين فإِنهما متفقان صورة ومعنى.
قال جارُ اللهِ: "وهما واللهِ لقد كان كذا. وهن فعلت فعلت في لغة طيئ. وفيما أَنشده أَبو الحَسَن (^٢):
_________________
(١) مجالس ثعلب ص ١٢٩، الخصائص ١/ ٣١٦، ٢/ ٢٨٣، ضرائر الشعر ص ٥٨، الخزانة ٤/ ٣٣٠. وأنشد بعده أبو العبَاس: يا ويحَ نفسِيَ من غبراء مظلمة … قِيْسَت على أَطول الأَقوام ممدُودًا
(٢) عن أبي الحسن أيضًا في سر الصناعة ص ٥٥٤. توجيه إعراب البيت وشرحه في المنخل ص ٢١١، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ٤٣، شرحه للأندلسي ٥/ ٧٧ ولم يذكره ابن المستوفي. وينظر: المحتسب ٢/ ٩٤ (الفهرس)، الممتع ص ٤٠٠، المقرب ٢/ ١٧٨، شرح شواهد الشافية ص ٤٧٧، وقال: "وقائله مجهول، ويشبه أن يكون من شعر عمر بن أبي ربيعة المخزومي". وجاء في تاج العروس للزبيدي: (هذا) أن اللحياني أنشده عن الكسائي لجميل. وعنه أورده جامع شعره في ديوانه ص ٢١٨، وفي المحتسب: (وقلانا).
[ ٤ / ٣٥٩ ]
وأَتَى صَوَاحِبَهَا فَقُلْنَ هَذَا الّذي … مَنَحَ المَوَدَّةَ غَيْرَنَا وَجَفَانَا
أي: [أَذا الّذي …؟] ".
قالَ المُشَرِّحُ: هما واللَّه بمعنى: أَمَا واللَّهِ، وهن فعلتَ فعلتُ معناه: إِن فعلتَ فعلتُ.
قالَ جارُ اللهِ: "ومن الألف في قوله (^١):
* إن لم يُرْوِّهَا فَمَهْ *
وفي: "أَنَهْ" و"حَيْهَلَهْ".
قالَ المُشَرِّحُ: "ما" ها هنا هي الاستفهامية، والوجه في قلب الفها هاءً هو الوجه في قوله: "فقلت مَهْ" وقد سَلَفَ في قسم الأسماء الوَقف على ما فيه الألف من غير المتمكنة يكون بالهاء على ما مضى في صنف الوقف.
الضَّمير في "يروها" للإِبل.
قالَ جارُ اللهِ: "و(في) قوله:
"وَقَدْ رَابَنِي قَوْلُهَا يا هَنَاه … *
هي مبدلةٌ من الألف المنقلبة عن الواوِ في هَنَوَاتٍ".
قالَ المُشَرِّحُ: الهاء الأخيرة (^٢) في "هناه" ليست أصلًا إنما هي بدل عن
_________________
(١) هذا البيت من رواية ابن جني: أورده في بعض مؤلفاته قال في سر الصناعة ص ١٦٣: " … فقال فيما أخبرنا به بعض أصحابنا يرفعه بإسناده إلى قطرب … وهو في المحتسب ١/ ٢٧٧، المنصف ٢/ ١٥٦. توجيه إعرابه وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٣٣، المنخل ص ٢١٠، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ٤٣، شرحه للأندلسي ٥/ ١٧٨. وينظر: شرح التصريف الملوكي ص ٣١٢، الممتع ص ٤٠٠، شرح الأشموني ٤/ ٣٣٤، شرح شواهد الشافية ص ٤٧٩.
(٢) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١٧٨ شرح هذه الفقرة مع حذف كلام الشيخ عبد القاهر.
[ ٤ / ٣٦٠ ]
الألف المنقلبة عن الواو، قالَ الإِمامُ عبد القاهر الجُرجاني: الأصلُ (^١) هناوٌ فَعَالٌ من هنوت. أمّا أنها ليست أصلًا؛ فلأنها إذا قلبت: شددت كالفهة فهي من باب سلس أجدر [بالقله] (^٢). وأما أنها بدل عن الألف المُنقلبة عن الواو لا عن الواو؛ فلأنَّها بمنزلة الكِسَاءِ، والهمزة في كساءٍ بدل عن الألف المُنقلبة عن الواو فكذلك ها هُنا. وتحقيق هذا الكلام قد مضى في هذا القسم.
فإن سألتَ: كيف (^٣) لم تُقلب الألف ها هُنا كما في كساءٍ ورداءٍ [همزةً]؟
أجبتُ لئلا يُظن أنه فعال من التَّهنئة، وفيه مذهبان آخران:
أحدهما: أن الهاء بدل من الواو.
والثاني: أن الهاء للوقف، والأصل هنا، إلا أنه أجرى الوصل مجرى الوقف، وكلاهما مخالف للقياس من وجهين:
أما الأول: فلأن القياس في حرفِ العلةِ الواقِع طرفًا أن يَنقلب ألفًا لفتحة ما قبلَ الألفِ، إلا أن سكونَ الألفِ يَمنع من انقلابه.
وأمَّا الثَّاني: فلأنَّ إجراء الوصل مجرى الوقف على مخالفةِ الدليل.
قالَ جارُ اللهِ: "ومن الياء في هذه أمة الله، ومن التاء في طلحة وحمزة في الوقف. وحكى قُطرب (^٤) أن في لغة طيئ كيف البنون والبناه، وكيف الإِخوة والأخواه".
قالَ المُشَرِّحُ: لأنَّ الوصلَ مما تَجري (^٥) فيه الأشياء على أصولها، وأن
_________________
(١) في (ب): "أن الأصل".
(٢) في (أ): "بالقلب" وما أثبته يؤيده نص الأندلسي.
(٣) في (ب): "فكيف" وفي شرح الأندلسي: "فإن قلت لم لم تقلب … ".
(٤) حكاية قطرب في سرّ الصناعة ص ٥٦٣ … وغيره.
(٥) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١٧٩ شرح هذه الفقرة.
[ ٤ / ٣٦١ ]
الوقف من مواضع التغيير، ألا ترى أن من قال من العرب: هذا بكُر ومررت ببكِر فنقل الضمة والكسرة إلى الكاف في الوقف، فإنه إذا وصل أجرى الأمر على حقيقته ذكره ابن جِنّى، وكذلك ينقلب التنوين ألفا في الوقف وهي في الأصل تنوين، ومن ثم تقول طيءٌ في الوقف: طلحت وجارثت وقرئ: ﴿التَّابُوتِ﴾ بالهاء والتاء. وحكى سَلَمَة بن عاصمٍ عن بعض النَّحويين: أنها في المُؤنث هي الأصل فرقًا وبين الأفعال، وربما قَال الفَرّاءُ بهذا. ثم إنما أبدل الهاء من التاء ذكره ابن جِنّى، وهو أن كلّ واحدٍ من التاء والهاء حرفٌ مهموسٌ من حروف الزّيادة.
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) واللام أُبدلت من النون والصاد في قوله (^١):
* وَقَفْتُ فِيْها أُصَيْلَالًا أُسَائِلُهَا *
وقوله (^٢):
* مالَ إلى أَرْطَاةَ حِقْفٍ فَالْطَجَعْ *
_________________
(١) هو النابغة الذبياني، ديوانه ص ٢ (صنعة ابن السكيت) وعجزه: * عَيَّتْ جَوَابًا وما بالرَّبْع مِنْ أَحَدِ * توجيه إعرابه وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٣٥، المنخل ص ٢١١، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ٤٥، ٤٦، شرحه للأندلسي ٥/ ١٧٨. وينظر: الكتاب ١/ ٣٦٤، معاني القرآن ١/ ٢٨٨، المقتضب ٤/ ٤١٤، الإِنصاف ص ١٧٠، ٢٦٩، ٦٣٧، شرح شواهد الشافية ص ٤٨٠.
(٢) البيت لمنظور بن مرثد الأسدي. توجيه إعرابه وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٣٣، المنخل ص ٢١٢، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ٤٦، شرح الأندلسي ٥/ ١٧٩. وينظر: معاني القرآن ١/ ٣٨٨، إصلاح المنطق ص ٩٥، سر الصناعة ص ٣٢١، الخصائص ١/ ٦٣، ٢٦٣، ٢/ ٣٥٠، ٣/ ١٦٣، المنصف ٢/ ٣٢٩، المحتسب ١/ ١٢٤، ضرائر الشعر ص ٣٠٠، شرح شواهد الشافية ص ٢٧٤. قال ابن المستوفي: وقبله: يا رب أبا زمن العفر صدع تقبض الذئب إليه واجتمع =
[ ٤ / ٣٦٢ ]
قالَ المُشَرِّحُ: الْطَجَع، أي: اضْطَجَعَ قلبوها كراهية التقاء المطبقين، وأبدَلُوا مكانها أقربُ الحروف إليها وهو الّلام.
فإن سألتَ: [قلب تاء الافتعال] طاءً إنما كان لمكان الضّاد فإذا زَالت الضَّاد وجب أن تعود التاء؟
أجبت: ترك الطاء بحالها تنبيهًا على أنه يريد الضاد ونظيره (^١):
* وَكَحَّل العَيْنَيْن بالعَوَاوِرِ *
صحح الواو الثانية وإن كانت تلي الطرف وقلب الألف التي قبلها واوًا؛ لأنَّه جعل الصّحة في الواو دليلًا على [أن العَوَاوِر] (^٢) العواوير. وقُرئ (^٣): ﴿لَا تُضَارَّ﴾ بتَخفيف الرًاء وسكونها وإبقائها على السكون إيذانا بأنه أراد التضعيف ويشهد لذلك قوله (^٤):
* أرهَنْ بَنِيْكَ عَنْهُمْ أَرْهَنْ بَنِيْ *
لم يرد النُّون في "بني" دلالة على أنه يريد بني.
قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ) والطاء أبدلت من التاء في اصطْبَر وفَحَصْطُ برجلي".
_________________
(١) = لما رأى ألَّا دعه ولا شبع مال إلى أرطاة حقف فالطجع أنشد ذلك ابن خالويه. أجرى هاء التأنيث في (دعه) وصلا مجراها وقفًا ولم يقلبها تاء … ".
(٢) البيت لجندل بن المثني الطهوي، وربما نُسب إلى العجاج. ينظر: الكتاب ٢/ ٣٧٤، شرح أبياته لابن السيرافي ٢/ ٤٢٩، فرحة الأديب ص ١٧٢، التكملة ص ٥٨٧، ٥٩٤، إيضاح أبيات الإِيضاح: ٨٩٦، سر الصناعة ص ٧٧١، الخصائص ٣/ ٣٢٦، المنصف ٢/ ٤٩، المحتسب ١/ ١٠٧، ١٢٤، التمام ص ٢٥٤، شرح التصريف المُلوكي ص ٤٢٦، الممتع ص ٣٣٩، ضرائر الشعر ص ١٣١، شرح شواهد الشافية ص ٣٧٤ وسيذكره المؤلف.
(٣) في (أ): "على أنه العواوير".
(٤) القراءة في المحتسب ١/ ١٢٣، ١٢٤، البحر المحيط ٢/ ٢١٥. (البقرة: ٢٣٣).
(٥) البيت في المحتسب ١/ ١٠٨، ١٢٤.
[ ٤ / ٣٦٣ ]
قالَ المُشَرِّحُ: قالُوا: فحصطُ بِرجلي، كما قالوا: اصطَبَر، ووجه شبه تاء فعلت بتاء افتعل أنها ضمير الفاعل، وضمير الفاعل قد أُجري في كثير من أحكامه من الفعل مُجرى بعض أجزاء الفعل، وذلك نحو تسكينهم لامُ الفعل إذا اتصلت به علامة ضمير الفاعل، وذلك نحو ضربتُ، بخلاف ما إذا اتصلت به ضمير المفعول نحو ضربك. وأما شبه الطّاء بالتاء فظاهر.
قال جارُ اللهِ: " (فَصْلٌ) والدَّالُ أبدلت من التاء في ازدجرَ وازدَان وفزدُ واذدكر غير مدغم فيما رواهُ أبو عمرو واجدَ مَعُوا واجدّر في بعض اللُّغات قال:
* … واجْدَرَّ شِيْحَا *
وفي دَوْلج"
قالَ المُشَرِّحُ: إبدال الدّال من التاء في ازدجر وازدان وفزد لقرب الدّال من الزاي، وذلك لأن كل واحدٍ منهما حرفٌ مجهورٌ. يقارب صاحبه في المخرج بخلاف التاء فإنه مهموس، وكذلك الدال والذال مجهوران متقاربا المخرج. اجْدَرَّ: عكس ازدجر إنما قلبت التاء دالًا لما بين الجيم والتاء من التنافر؛ لأن التاء مهموسة والجيم مجهورة، بخلاف الدال فإنه مجهورٌ أيضًا.
وصدر البيت (^١):
فقُلْتُ لصاحبي لا تحبَسانا … بنزع أُصوله واجْدَرَّ شِيْحا
_________________
(١) ينسب هذا البيت إلى يزيد بن الطثرية، ملحق شعره ص ٦٥ ونسبه ابن المستوفي في إثبات المحصل ص ٢٣٧ مع أبيات لمضرس بن ربعي وتبعه العيني في شرح الشواهد ٤/ ٥٩١، والبغدادي في شرح شواهد الشافية ص ٤٨١. توجيه إعرابه وشرحه في: إثبات المحصل، المنخل ص ٢١١، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ٤٩، شرحه للأندلسي ٥/ ١٨٠. وينظر: معاني القرآن ٣/ ٧٨، تأويل مشكل القرآن ص ٢٢٤ شرح القصائد السبع ص ١٧، سر صناعة الإِعراب ص ١٨٧، الممتع ص ٣٥٨، المقرب ٢/ ١٦٥.
[ ٤ / ٣٦٤ ]
خاطب واحدًا خطاب الاثنين، ونظيره (^١):
* فإن تَزْجُرَانِي يا بنَ عفَّان ازْدَجِرْ *
وعليه (^٢):
خَلِيْلَيَّ مُرَّا بِي على أمِّ جُنْدبٍ … نقضّ لُبَانَاتِ الفُؤَإدِ المُعَذَّبِ
اَلَمْ تَرَيانِي كُلَّمَا جِئْتُ طَارِقًا … وَجَدْتُ بِهَا طِيْبًا وإنْ لَمْ تُطَيَّبِ
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) والجيم أُبدلت من الياء المُشددة في الوقف، قال أبو عمرو (^٣): وقلت لرجلٍ من بني حنظلة: ممن أنت؟ فقال: فُقْيمِجٌّ فقلت: من أيّهم؟ فقال: مرجُّ. وقد أجرى الوصل مجرى الوقف، قال (^٤):
خالِي عويفٌ وأبو عَلِجِّ
المُطْعِمَانِ اللَّحْمَ بالعَشِجِّ
وبالغَدَاة كُتَلَ البَرْنِجِّ
_________________
(١) هو سويد بن كراع العكلي شعره ص ١٥٦، مجلة المورد العراقية ١/ ٨/ ١٣٩٩ هـ. وتمام البيت: وإن يزجراني يا بن عفان أنزجر … وإن ترعاني أحمِ عِرْضًا ممنَّعًا أبيت على باب القوافي كأنما … أصادي بها سربًا من الوحش نُزَّعًا وينظر: الأغاني ١١/ ١٢٣، شرح القصائد السبع ص ١٧. وابن عفان: سعيد بن عثمان بن عفان (المعارف ص ١٩٨).
(٢) ديوان امرئ القيس ص ٤١.
(٣) الحكاية في سر صناعة الإِعراب ص ١٧٦.
(٤) جاء في سر صناعة الإِعراب ص ١٧٥: "قرأت على أبي علي عن أبي بكر عن بعض أصحاب يعقوب بن السكيت عن يعقوب قال: قال الأصمعي: حدثني خلف، قال: أنشدني رجل من أهل البادية - وقرأتها عليه في الكتاب. أنشدها أبو علي في تكملة الإِيضاح ص ٢٢، وأبو بكر في الأصول ٣/ ٢٧٤، وابن السكيت في الإِبدال ص ٩٥، وسيبويه في كتابه ٢/ ٢٨٨. توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل، المنخل ص ٢١٣، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ٥٠، شرحه للأندلسي ٥/ ١٨١. وينظر: الإِبدال لأبي الطيب ١/ ٢٥٧، المحتسب ١/ ٧٥، المقرب ٢/ ٢٩، ١٦٤، الممتع ص ٣٥٣، شرح شواهد الشافية ص ٢١٢.
[ ٤ / ٣٦٥ ]
يُقَلّع بالوُدِّ وبالصِّيْصِجِّ
وأنشدَ ابنُ الأعرابي (^١):
كأن في أذنابِهِن الشُّوُّلِ
من عَبَسِ الصَّيْفِ قُرُوْنَ الأَجِّلِ
قالَ المُشَرِّحُ: إنما أبدلت الجيم من الياء المشددة في الوقف؛ لأنها خَفِيّة (^٢)، والوقف يزيدها خفاءً، فأبدلوا منها حرفًا أظهر فقالوا: تَمُيْمِجٌّ، في تَمِيْمِيُّ، وهي لغةٌ غيرُ شاذَّةٍ.
قالَ جارُ اللهِ: "وقد أُبدلت من غير المشدَّدة في قوله (^٣):
لاهُمَّ إن كنت قبلت حَجّتِجْ
فلا يَزال شاجح بأسك بجّ
أَقْمَرَ نَهّات يُنَزّي وافرتِجْ
وقوله (^٤):
_________________
(١) البيتان لأبي النجم في ديوانه ص ١٩١. توجيه إعرابهما وشرحهما في إثبات المحصل ص ٢٣٨، المنخل ص ٢١٣، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ٥٠، شرحه للأندلسي ٥/ ١٨١. وينظر: الإبدال ص ٩٦، الجمهرة ٣/ ٧١، إبدال أبي الطيب ١/ ٢٥٩، سر الصناعة ص ١٧٦، عن ابن الأعرابي، وشرح التصريف الملوكي ص ٢٣٨، الممتع ص ٣٥٤، شرح شواهد الشافية ص ٤٨٥.
(٢) في (ب): "خفيفة" و"حفة".
(٣) الأبيات في نوادر أبي زيد ص ٤٥٦ وغيره من غير نسبة. توجيه إعرابها وشرحها في: إثبات المحصل ص ٣٣٨، المنخل ص ٢١٤، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ٥٠، شرحها للأندلسي ٥/ ١٨١. وينظر: إبدال ابن السكيت ص ٩٦، مجالس ثعلب ص ١١٧، الأصول لابن السراج ٣/ ٢٧٤، إبدال أبي الطيب ١/ ٢٦٠، سر صناعة الإِعراب ص ١٧٧، المحتسب ١/ ٧٥، ضرائر الشعر ص ٢٣١، الممتع ص ٣٥٤، شرح شواهد الشافية ص ٢١٦.
(٤) ينسب هذا الرجز إلى العجاج، ولا يوجد في ديوانه. =
[ ٤ / ٣٦٦ ]
* حتّى إذا ما أمسَجَتْ وأَمْسَجَا *
قال المُشَرِّحُ: عنى بـ "أبي عَلِجّ" أبا علي، وبـ "العَشِجّ" العشِيَّ وبـ "البَرِنِجْ" البرنِيَّ، وهو ضربٌ من التَّمرِ. الكتل جمع كُتلة، وهي القِطعة المُتجمعة من [الصَّمغ] (^١) وغيره. الود هو الوتد. العبس: ما يَبُس على هِلْب الذَّنب من البَعر والبَول، وعبس الوسخ على يَده: إذا يبس. عنى بـ "الأجّل" الأيل بكسر الهمزة وضمها وهو الذَّكر من الأوعال، عنى بـ "شاحج" حمارًا، وشحيج البغل والغراب: صوته وكذلك الشُّحاجُ بالضم. "الأقمر": هو الأبيض يقال: حمارٌ أقمرُ، وفي قصة خالد بن سنان العبسي (^٢): فإذا دفنتموني فامكثُوا ثلاثًا فإنه ستجيئ عانةٌ يقدمها عيرٌ أقمر يطوف حول قبري. "النَّهيت" كالزَّئير إلا أنه دونه، نهت ينهِت بالكسر، نهّات، أي: زجَّارٌ. وأسد نَهَّات وحمارٌ نهَّات. التَّنزيه: التحريك، وهو من نَزَا: إذا وثب. وأمسجت وأمسجا: أي: أمست وأمسى. قال ابنُ جِنّي -﵀- في هذا أجد ما يدل على ما ندعيه من أن أصل رمت رميت وعزت عزوت وأعطت أعطيت. قال الشَّيخ (^٣) أبو علي الفارسي: إن ما حذف لالتقاء الساكنين في حكم [الحاضر] (^٤) الملفوظ به، ألا ترى أنه أبدل من لام أمست بعد أن قدره ملفوظًا.
_________________
(١) = توجيه إعرابه وشرحه في إثبات المحصل ص ٢٣٨، المنخل ص ٢١٤، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ٥٠، شرح الأندلسي ٥/ ١٨١. وينظر: التكملة لأبي علي ص ٢٤٤، إيضاح شواهد الإِيضاح ص ٨٩٣، الأصول ٣/ ٢٧٥، المحتسب ١/ ٧٤، التمام ص ١٣٣ سر صناعة الإِعراب ص ١٧٧، ضرائر الشعر ص ٢٣١، الممتع ص ٣٥٥، شرح التعريف الملوكي ص ٣٢٩، ٣٣١، شرح شواهد الشافية ص ٤٨٦.
(٢) في (أ): "التمر". ونقل ابن المستوفي في إثبات المحصل ص ٢٣٨، والأندلسي في شرحه ٥/ ١٨١ عن الخوارزمي وفي نص ابن المستوفي "الصمغ". والمناسبة هنا "التمر".
(٣) خبره مفصّل في الأصابة وغيرها، وقصته طويلة.
(٤) في (أ)
(٥) ساقط من (أ).
[ ٤ / ٣٦٧ ]
قال جارُ الله: " (فصلٌ) والسّين إذا وقعت بعد عين أو خاء أو قاف أو طاء جاز إبدالها صادًا كقولك: صالغ، وأصبغ نعمه، وصخر، وصلخ، ومسَّ صَقَر، ويصاقُون وصت وصيقت، وصويق، والصملق، وصراط وصاطع ومصيطر".
قال المُشَرِّحُ: إنما تبدل السّين صادًا في هذين الموضعين تعديل الكلمة بالاستعلاء والإِطباق، إذ الطاء المطبقة مستعلية، والصاد توافقها بذلك وتوافق السين بالمخرج فتكون قلبت السين صادًا مع هذه الحروف بفاصل وبغير فاصل، أمَّا بغير فاصل فنحو (^١): ﴿مَسّ صقر﴾ وصفت، وأما بفاصل فيكون بحرف وبحرفين. المصيطر: بالياء المثناة التحتانية.
قال جارُ الله: "وإذا وقعت قبل الدّال ساكنة أبدلت زايًا خالصة كقولك في يسدر: يزدر، وفي يسدل يزدل".
قالَ المُشَرِّحُ: إنما تبدل السين زايًا لطلبِ المشاكلة، وذلك لأنَّ السينَ مهموسةٌ والدال مجهورةٌ فلا مشاكلة بينهما، بخلاف الزاي والدال، فإنَّ كلًا منهما مجهورٌ.
قال جارُ الله: "قال سيبويه: ولا يجوز المضارعة يعني إشراب صوت الزاي".
قال المُشَرِّحُ: إنما لا يجوز إشرابُ صوتِ الزّاي [فلأن صوت الزاي] مجهورٌ فكان ذلك بمنزلةِ الجَمع بين الضدين، ولأنه شيء لا يطاوع به اللسان.
فإن سألتَ: فما تقولُ في إشرابِ الصّادِ صوتُ الزاي في نحو صدر وصدف؟.
_________________
(١) سورة القمر: ٤٨، وينظر سر صناعة الإِعراب ص ١٩٦.
[ ٤ / ٣٦٨ ]
أجبتُ: لما مر (^١) في الإِشراب من كسر كلفة الأطباق.
قال جارُ الله: "وفي لغة كَلْبٍ (^٢): تُبدل زايًا مع القاف خاصة يقولون: ﴿مسّ زَقَر﴾.
قال المُشَرِّحُ: هذا أيضًا [لطلب] (^٣) للمُشاكلة وذلك لأن السينَ مهموسةٌ والقافَ مجهورةٌ فيقع بينهما التنافر [بخلاف الزاي].
قال جارُ الله: " (فصلٌ) والصّاد الساكنة إذا وقعت قبل الدال جاز إبدالها زايًا خالصةً في لغة فُصحاء من العرب، ومنه: "لَمْ يُحْرَمْ مَنْ فُزِدْ لَهُ" (^٤)، وقولُ حاتِمٍ: "هَذا قردي أَنَهْ".
قَال المُشَرِّحُ: فُزِدْ له: بضم الفاء وسكون الدال. هذا لما ذكرنا من أن الضاد مهموسة والدَّال مجهورةٌ.
فإن سألت: فلمَ لا تُبدل الضَّادُ المتحركةُ زايًا؟
أجبتُ: لأن الحركةَ تعلق الحرف عن (^٥) موضعه ومستقره وتحل به إلى جهةِ الحرف الذي هو بعضه، وحينئذ لا يظهر كون الصاد مهموسةً. أنه: تأكيد
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) سر صناعة الإِعراب ص ١٩٦.
(٣) في (أ): "لطول".
(٤) أمثال أبي عبيد ص ٢٣٥، وينظر: الكتاب ٢/ ٢٥٨، سر الصناعة ص ٥٠، قال ابن المستوفي في إثبات المحصل ص ٢٣٩: "وكان حاتم مأسورًا فقال له آسره: أقصد هذا البعير فنحره، فقال: ما صنعت؟! فقال: هكذا فصدي أنه أي: فصدى أنا، و"أنا" تأكيد الضمير، وأبدل من الألف هاء في الوقف، كان أصله فصد على فعل على ما لم يسم فاعله فأسكن الصاد ثم قلبها زايًا قال أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري في كتاب "الغرائز" له ويقال: "لم يحرم من قصد له بخير" يقول: من قصد له بخير لم يحرم يضرب لم أصاب خيرًا. وفي الطرة: ويروى: "فصد له" أي: فصد العرق ليخرج منه دم ليقرى، وذلك أدنى ما يكون من القرى. ووجدت في كتاب "المنظوم والمنثور" بخط قديم ابن الأعرابي كان حاتم أسيرًا في عنزه فقال له نسوة … " وبقية القصة مشهورة في كتاب الأمثال حول "لو ذات سوار لطمتني".
(٥) في (ب): "غير".
[ ٤ / ٣٦٩ ]
المضمر في "فَصْدى"، وأبدلت الألف هاءً للوقف.
قالَ جارُ اللهِ: وقال الشَّاعر (^١):
ودَعْ ذَا الهَوَى قَبْلَ القِلَى تَرْكُ ذِيْ الهَوَى … مَتِيْنَ القُوَى خَيْرٌ مِنَ الصَّرْمِ مَزْدَرَى
قَال المُشَرِّحُ: (ترك ذي الهوى البيت) جملة استئنافية وقعت موقع التّعليل لقوله: (ودع ذا الهوى).
قال جارُ اللهِ: "وأن يضارع بها الزّاي".
قَال المُشَرِّحُ: إنما يُصار إلى ذلك لتحصل المُشاكلة مع استبقاءِ الأصلِ من وجهٍ وهذا بمنزلة تليين الهمزة على ما ذكرنا.
قالَ جارُ اللهِ: فإن تحركت لم تُبدل ولكنهم يضارعون بها الزّاي فيقولون صدر وصدق والمصادر والصراط، قال سيبويه: والمُضارعة أكثر وأعرف من الإِبدال والبيان أكثر".
قَال المُشَرِّحُ: إنما تُبدل إذا تحركت لما مر آنفا، ها هنا أقلُّ، إذ الحاجة تندفع بأدنى الأمرين، وهو المضارعة.
_________________
(١) قال الصغاني في حاشية نسخته من (المفصل: "الرواية بالفاء "فدع … " وهكذا أنشده ابن الأعرابي في نوادره وقبله: إذا المَرْءُ لم يَبْذُل لك الود مُقبلًا … يد الدهر لم يَبذل لَكَ الود مُدْبِرَا [فلا تَطْلُبَنّ الألف بالود مدبرًا … عليكَ وخَذ من عَفْوِهِ ما تَيَسَّرَا] (ودع ذا الهوى). وقال: معناه: قبل أن يصدر عن وده وقد صرمك". الزيادة من التكملة للصغاني. ونقل ابن المستوفي في إثبات المحصل ص ٢٤٠ عن نوادر ابن الأعربي. توجيه إعرابه وشرحه في إثبات المحصل ٢٣٨، المنخل ص ٢١٤، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ٥٢، شرحها للأندلسي ٥/ ١٨٣. وينظر: سر صناعة الإِعراب ص ١٩٦، الممتع ص ٤١٢.
[ ٤ / ٣٧٠ ]
تَخمير (^١): في قوله (^٢): ﴿إهدنا الصّراطَ المُسْتَقِيْمَ﴾ لغاتٌ (^٣) روى [ابن كثير ويعقوب] (^٤) بالسّين، وحمزة بإشمام الزّاي. وأبو حمدون عن الكِسَائي بإشمام السّين، فالسين أصلها من سرط الشّيء واسترطه: إذا بلعه وابتلعه لأن السرط [هو الحائلة يسترط أرمله] إذا سلكوه، وكما سمي [لقمًا]، لأنه يلتقمهم الصّاد أفصحها (^٥)، لأنها قرشِيّةٌ ثابتةٌ في (الإِمام) (^٦)، وأخفها على اللسان وأحسنها في السّمع والبيان لاستواء الصاد والطاء في الإِطباق وإشمام الزاي [لغة قيس، دعت] (^٧) إلى زيادة المشاكلة، لأن الصاد والطاء وإن استويا في الإِطباق فقد افترقا في الجهر لأن الصاد مهموسة فأُشربت زايًا لكونها مجهورة.
قال جارُ اللهِ: "ونحو الصاد في المضارعة الجيم والشين، تقول: هذا أجدر وأشدق".
قَال المُشَرِّحُ: الدال مخرجها ما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا، (أمَّا الزّاي فما بين الثنايا وطرف اللسان. والجيم والسين وسط اللسان (^٨) وما يحاذيه من الحَنك، فالمقاربة بين الدال والزاي أكثر من المقاربة بينهما وبين الجيم والشين.
_________________
(١) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١٨٣ نص كلام المؤلف هنا دون إشارة بدأه بقوله: "وفي قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط﴾ لغات … ".
(٢) سورة الفاتحة: ٥.
(٣) ينظر: السبعة ص ١٠٥، المحتسب ١/ ٤١، البحر المحيط ١/ ٢٥.
(٤) ساقط من الأصل وهو كذلك ساقط من شرح الأندلسي ولا بد من ذكره، لذلك فإن هذا يدل على أن نسخة الأصل تلتقي مع نسخة الأندلسي.
(٥) في (ب): "فصحاها".
(٦) في (أ): الإشمام وهو خطأ ينظر نص الأندلسي، ويقصد بـ (الإِمام) مصحف عثمان ﵁ وفي شرح الأندلسي "في خط الإِمام".
(٧) ساقط من (ب).
(٨) ساقط من (ب).
[ ٤ / ٣٧١ ]
[باب الاعتلال]
قال جارُ اللهِ: "ومن أَصناف المُشترك الاعتلال، حروفة الألف والواو والياء، وثلاثتها تقع في الأضرب الثلاثة، كقولك: مال وناب وسوط وبيض وقال وباع وحاول وبايع، و"لا" و"لَوْ" و"كَيْ"، إلا أن الألف تكون في الأسماء والأفعال زائدة، أو منقلبة عن الواو والياء لا (^١) أصلًا، وهي في الحروف أصل ليس إلا؛ لكونها جوامد غير متصرف فيها".
قَال المُشَرِّحُ: الألف إذا كان في اسمٍ أو فعلٍ فإنه لا يخلو من أن تقع في مقابلة بعض الحروف التي هي الفاء والعين واللّام أو لا تقع، فلئن لم تقع فهو الزّائد، وإن وقعت فهو الأصل، لكنه لا بدّ من أن يكون منقلبًا كما في باع وقال ورمى ودعى. وأما الحروف فإنها أصل لئن كونها زيادة إنما يُعرف بتصريفه من حالٍ إلى حالٍ، كما في قولك: ضاربٌ، يحكم عليه بكون ألفه زائدة لأنك تقول: ضرب فترى الألف فيه ساقطة والحرف جوامد (^٢) لا تقبل التَّصريف.
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) والياء والواو غير مزيدتين يتفقان في مواقعهما ويختلفان، فاتفاقهما إن وقعت كلتاهما فاءً كَوعد ويُسر، وعينًا كقَول وبَيع،
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) في (ب): "جامدة".
[ ٤ / ٣٧٣ ]
ولامًا كغزو ورمي، وعينًا ولامًا معًا (^١) كقوّة وحيّة، [وإن تقدمت كلُّ واحدةٍ منهما على أختها فاءً أو عينًا في نحو ويل ويوم] " (^٢).
قَال المُشَرِّحُ: اِعلم أن كل واحدة من الياءين في حيّة غير منقلب عن الواو. فأما الحَيوان فالواو فيه منقلبة من الياء. وقد مضى في أول هذا الكتاب.
[قال جارُ اللهِ: "واختلافهما أن الواو تقدمت على الياء في وقيت وطويت، ولم تتقدم الياء عليها".
قَال المُشَرِّحُ: فيه دليلٌ على أن آخر الكلمة يجب أن يكون بحرفٍ ضعيف] (٢).
قالَ جارُ اللهِ: "وأما الياء في الحَيَوان وحيوة [فكواو] جباوة في كونهما بدلًا من الياء والأصل: حييان وحيية".
قَال المُشَرِّحُ: الحيوة والحيية بمعنى. حَيوة (^٣): اسمُ رجلٍ، وأصل حيوان: حَيَيَان، وإنما قلبت الواو إلى الياء فيه لما مر في أول قسم الأسماء وأصل حيوة حيية، وإنما قلبت الياء فيه واوًا ليقع ذلك فرقًا بين المنقول والمنقول عنه، ولهذا لم تُدغم الواو في الياءِ، لأنه بالإِدغام يدهب الفرق.
قال جاُر اللهِ: و[اختلافهما] (^٤) أن الياء وقعت فاءً وعينًا معًا، وفاءً ولامًا معًا في يَيْن اسمُ مكانٍ، وفي يديت، ولم تَقع الواو كذلك".
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) ساقط من (ب)، وفي نسخة الإِمام ابن النحاس -﵀- من (المفصل) كتب النص على هامش نسخته على أنه قراءة نسخة أخرى. ونسخة ابن النحاس منقولة من نسخة الإِمام المطرزي الخوارزمي المسمى (خليفة الزمخشري) (ت ٦١١ هـ) وهو شيخ الخوارزمي. والنص ثابت في نسخة الإِمام الصغاني المعارصة بخط الزمخشري رحمهما الله.
(٣) رجاء بن حيوة (معروفٌ).
(٤) في (ب).
[ ٤ / ٣٧٤ ]
قَال المُشَرِّحُ: يَيْن بفتح الياء الأولى، وسكون الياء الثانية، ويديت عليه: أنعمتُ عليه. وفي الحماسة (^١):
* يَدَيْتُ على ابن حَسْحَاسَ بنِ وَهْبٍ *
قال جارُ اللهِ: "ومذهبُ أبي الحسن في الواوان تأليفهما من الواو، فهي على قوله: [موافقة] للياء فى يَيَّيْتُ، وقد ذَهب غيره إلى أن ألفها عن ياءٍ فهي على هذا موافقتها في يَدَيْتُ".
قَال المُشَرِّحُ: اختلف الناس في ألف الواو فقال بعضهم: إنها ياء، وقال أبو الحسن الأخفش: إنها واوٌ، واحتجوا له بأنه ليس في العربية كلمة فاؤها وعينها ولامها من جنس واحد إلا الياء، وحمل الشيء على الكثير هو الأصل.
ججّةُ أبي الحَسَن: أن الواو أخت الياء، والياء من الياءات فكذلك الواو من الواوات.
قال جارُ اللهِ: "وقالوا ليس في العربية كلمةٌ فاؤها واوٌ ولامها واوٌ إلا الواو، ولذلك آثروا أن يكتب بالياء في الوَغَى".
قَال المُشَرِّحُ: الوَحَى والوَغَى يكتب -بديهة- بالياء، لأنه ليس في العربية كلمة فاؤها واوٌ ولامها واوٌ إلا الواو، فلو كتبت بالألف لكانت لامها كفائها واوًا.
_________________
(١) شرح المرزوقي ١/ ١٩٣ قال بعض بني أسد، وفي هامشها: هو معقل بن عامر الأسدي. ويراجع شرح التبريزي، وفيه سبب الشعر، وعجز البيت: * بأسفل ذي الجداة يدا الكريم *
[ ٤ / ٣٧٥ ]
[القول في الواو والياء فاءين]
قالَ جارُ اللهِ: "الواو تثبت صحيحة وتسقط وتقلب، فثباتها على الصحة في نحو وعد وولد والولد والوعد. وسقوطها فيما عينه مكسورة من مضارع فعل أو فعل لفظًا أو تقديرًا، فاللفظ في يعد ويمق، والتقدير في يضع ويسع، لأن الأصل فيهما الكسر والفتح لحروف الحلق".
قال المُشَرِّحُ: إنما سقطت الواو في يعد ويمق (^١) لكونهما أجنبية بين أختين حقيقة، وفي يضع ويسع لكون الواو أجنبية بين أختين تقديرًا، [وذلك أن الأصل في مضارعهما الكَسْر، إذ الأصل أن تكون عين المضارع مخالفًا لعين الماضي، والفتح فيه لحرف الحلق] (^٢).
فإن سألتَ: فما تقولُ في أعد وتعد ونعد؟.
أجبتُ: حذفوا الواو ها هنا لئلا يختلف المضارع في فعل واحد ونظيرها أكرم على المضارع، والأصل فيه أأكرم فحذفوا الهمزة لاستثقال الهمزتين، ثم قالوا يكرم وتكرم ونكرم وإن لم يوجد فيهما الهمزتان طردًا للباب. [كذلك ها هنا] (^٣).
_________________
(١) في (ب): "يثق".
(٢) في (ب)
(٣) في (أ).
[ ٤ / ٣٧٧ ]
قال جارُ الله: "وفي نحو العِدَة والمِقَة من المصادر".
قال المُشَرِّحُ: التاءُ التي تكون عوضًا من محذوف ما تصير في الوقف عليها هاءً زيدت في كلمةٍ عوضًا مما حُذِفَ منها، وذلك نحو زِنَةٍ وعِدَةٍ وإقامة واستقامة.
[قال جارُ الله: "والقلب في ما مر من الإِبدال".
قال المُشَرِّحُ: سبق الإِبدال فيما قد مضى] (^١).
قال جارُ الله: "والياء مثلُها إلا في السقوط، تقول: ينع يينع ويسر ييسر فتثبتها حيث أسقطت الواو".
قالَ المُشَرِّحُ: كنتَ تحذف الواو إذا وقعت بين الياء والكسرة، لأن الواو في تلك الصورة أجنبي وقع بين أختين، ولا كذلك الياء.
قال جارُ الله: "وقال بعضُهم بَئِسَ يَئِسُ كوَمِقَ يَمِقُ فأجروها مُجرى الواو وهو قليلٌ".
قال المُشَرِّحُ: كأنَّه استوحش هذا القائل من اجتماع الهمزة المكسورة والياءين فأسقط الياء.
قال جارُ الله: "وقلبها في نحو اتّسر".
قال المُشَرِّحُ: أصلها: ايْتَسَرَ فقلبت الياءُ تاءً كما قلبت الواو [كذلك] في اتعد وأصله: أو تعد.
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) والذي فارق به قولهم: وجع يوجَع ووجل يوجَل وقولهم: وسع يوسَع ووضَع يضَع حيث ثبتت الواو في أحدهما وسقطت في الآخر، وكلا القبيلين فيه حرف الحلق أن الفتحة في يَوجع أصلية بمنزلتها في
_________________
(١) ساقط من (ب).
[ ٤ / ٣٧٨ ]
يَوجل وفي يَسَع عارضة مجتلبة، لأجل حرف الحلق فوزانهما وزان كسرتي الرَّاءين في التجاري والتجارب".
قال المُشَرِّحُ: الفَتحة في (يَوجع) أصلية، لأنها لو كانت عارضة لسقطت الواو كما في (يَسع)، الكسرة في (التجاري) عارضة لمكان الياء الواقعة بعدها، وأصلها الضَمّ كما في التّسارع، وفي (التّجارب) أصلية، لأن تفعله تكسر على تفاعل بكسر العين.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ومن العرب من يقلب الواو والياء في مضارع افتعل ألفًا فيقول: يأتعد ويأتسر، ويقول في ييبس وييأس يابس وياأس".
قال المُشَرِّحُ: في الأول بعد [الياء] (^١) من الألف موحدة، وفي الثاني بعدها همزة كان يقلبها ألفًا لفتحة ما قبلها.
قال جارُ الله: "وفي مضارع [وَجِلَ] (^٢) أربعُ لغاتٍ يَوْجَلُ ويَأْجَلُ ويَيْجَل يِيْجَل".
قال المُشَرِّحُ: أجودهن وأكثرهن يَوْجَلْ، وهي الأصل، وفي التَّنزيل (^٣): ﴿قَالُوا لا تَوْجَل﴾ ومن قال: ياجل جعل الواو ألفًا لفتحة ما قبلها فرارًا من اجتماع الواو والياء ومن ثم قلبوا الياءَ في بوائِع جمع فاعِلةٍ من البيع همزةً، ولذلك قالوا: [الواو] والياء إذا اجتمعتا …، ومن قال ييجل فكأنه رآه قلبًا فعله تقويةً لإِحدى الياءَين بالأُخرى كما تُقوى إحدى الوَاوين بالأُخرى في قولهم: سووق وعوور، ومن قال: ييجل بكسر الياء فهو على لغةِ بني أسد (^٤) فإنهم يقولون: أنا اِيجل، ونحن نِيجل وأنت تيجل بالكسر، ونحوه قولهم: يِينا بياءين.
_________________
(١) في (أ): "الألف".
(٢) في (أ): "يجل".
(٣) سورة الحجر: آية: ٥٣.
(٤) الصحاح ٥/ ١٨٤٠ (وجل).
[ ٤ / ٣٧٩ ]
قال جارُ الله: "وليست الكسرة في لغةِ مَن يقول: تِعلم".
قال المُشَرِّحُ: جميع العرب غير أهلِ الحجاز يكسرون أول الفعل المضارع غير الياء فيما كان ماضيه كسرة، وهو على وجهين: (فَعِل)، وما في أوله همزة الوصل الوصل أو ما يقوم مقامها. أما (فَعِلَ) فنحو عَلِمَ. وأما ما في أوله همزة الوصل فنحو انفعل وافتعل واستفعل. وأما ما في أوله ما يقوم مقام همزة الوصل (^١) فنحو تفاعل؛ لأن هذه التاء في موضع الهمزة عند سيبويه وذلك للإِيذان بالكسرة في الماضي فيقولون: أنا اِعلم واِستخرج، ونحن نِعلم ونِستخرج وأنت تِعلم وتِستخرج. هذه كلُّها بالكسر، فإذا جاؤوا الياء قالوا هو يَعلم ويَستخرج بالفتح، لثقل الكسرة على الياء. وقوم من كَلْبٍ تكسر الياء أيضًا، لا طلبًا للكسرة في الماضي ولكن لتنقلب الواو ياءً فتقوى إحدى الياءين بالأخرى.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وإذا بُنِيَ افتُعل من أَكَلَ وأَمَرَ فقيل ايتَكَلَ وايْتَمَرَ لم تدغم الياء في التاء كما أدغمت في اتّسر، لأن اليَاءَ ها هنا ليست بلازمةٍ. وقول من قال: اتزر خطأٌ".
قال المُشَرِّحُ: الدّليل على أن الياء غيرُ لازمةٍ أنها منقلبة عن الهمزة، والتّاء لا تكاد تبدل من الياء فكيف إذا كانت الياء منقلبة عن همزةٍ فإنما يكثر إبدالها من الواو، وإنما أبدلوها في (اتسر) لاجراء الياء مجرى الواو كما ألحقت الواو بالياء في خطْوات -ساكنة الطاء- تشبيهًا بمُديات وكِلْيات، ولذلك لو حركتها للزم انقلاب الياء واوًا لانظمام ما قبلها.
وإنما كان اتّزر خطأً؛ لأنَّ الياء فيه منقلبة عن همزة.
_________________
(١) في (ب): "الهمزة".
[ ٤ / ٣٨٠ ]
(القول في الواو والياء عينين)
قال جارُ الله: "لا يخلو من أن يعلا أو يحذفا أو يسلما، فالإِعلال في قال وخاف وباع وهاب وناب وباب ورجل مال، وهاع، ولاع ونحوها مما تحركتا فيه وانفتح ما قبلهما".
قال المُشَرِّحُ: العين إذا تحركت وانفتح ما قبلها فإنها تُقلب ألفًا. أما إذا سكنت فإنها لا تقلب ألفًا وإن انفتح ما قبلها كما في بَيْع وقَوْل. رجلٌ مال أي: كثير المال، ومال الرجل يمول ويمال (^١). أتان لاعية الفؤاد إلى جحشها (^٢). قال الأصمعي: هي التي كأنها وَلْهَى من الفزع (^٣). ورجل هاعٌ لاعٌ (^٤) جبان جزوع، وقد لاعَ يليع، وحكى ابن السكيت (^٥): لعت ألاع، وهعت أهاع.
قال جارُ الله: "وفي ما هو من هذه الأفعال من مُضارعاتها وأسماء فاعليها ومفعوليها".
_________________
(١) عن الصحاح ٥/ ١٨٢١ وأنشد أبو عمرو: إذا كان مالًا كان مالًا مؤزرا … ونال نسداه كل دان وجانب
(٢) عن الصحاح ٣/ ١٢٨٠.
(٣) بعده في الصحاح: "وأنشد للأعشى: ديوانه ص ٨. ملمع لاعن الفؤاد إلى جحش فلاه عنها فبئس الغالي
(٤) لا زال النص من الصحاح، وينظر الاتباع لأبي الطيب ص ٨٢ وأنشد بيت الأعشى.
(٥) لا زال النص من الصحاح، وينظر: تهذيب إصلاح المنطق ص ٤٩٠.
[ ٤ / ٣٨١ ]
قال المُشَرِّحُ: أعلّ عين المضارع من هذه الأفعال بالإِسكان في أسماء الفاعلين (^١) بالقلبِ، وفي اسم المفعول بالحذفِ على رأي الأخفش، وعند سيبويه بالإِسكانِ.
قال جارُ الله: "وما كان منها على مَفْعَلٍ ومَفْعَلَةٍ ومفعِلٍ ومَفعِلَةٍ ومَفْعُلَةٍ كمَعاد ومَقالة ومَسِير ومَعِيشة ومَشُورة".
قال المُشَرِّحُ: هذه الأسماء - وإن لم تقلم فيها علة الإِعلال لكونها ساكنةً إلا أنها أعلت لما يأتي.
قال جارُ الله: "وما كان نحو أَقام واستقام من ذوات الزوائد التي لم يكن ما قبل حرف العلة منها ألفًا أو واوًا أو ياءً نحو قاول وتقاولوا، وزايل وتزايلوا، وعود وتعوّدوا، وزيّن وتزيّن وما هو منها أُعلت هذه الأشياء وإن لم تقم فيها (^٢) علةُ الإِعلال اتباعًا لما قامت العلة فيه لكونها منها وضَربها يُعرف منها".
قال المُشَرِّحُ: أُعلت هذه المشبعات وإن لم يقم فيها علة الإِعلال () (^٣) أمَّا نحو قاول وتقاوَلُوا فلم يُعل، لأنه لم يكن إعلالها لسكون ما قَبل حرف الإِعلال.
فحاصلُ المسألةِ أن هذه الأفعال على ضربين:
ما قامَ فيه علّة الإِعلال. وما لَم تَقم فيه، على صحة معنيين:
أحدهما: ما أُعل وإن لم تقم فيه علة الإِعلال لكون أصولها معتلة.
والثاني: لم يعل، لأنه لم يمكن إعلالها.
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) ساقط من (ب).
(٣) في (أ) بياض يتسع لأربع كلمات، وبعده: " … مما قام فيه علة الإِعلال وأما ما لم يقم فيه قاول وتقاولوا … ". ونقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١٩١ نص الخوارزمي هذا ابتدأه بقوله: "قال الخوارزمي: أما نحو قاول وتقاول … ".
[ ٤ / ٣٨٢ ]
قال جارُ الله: "والحذف في قل وقلن وقلت، ولم يقل ولم يقلن، وبع وبعنا وبعت ولم تبع ولم يبعن، وما كان من هذا النوع في المزيد فيه".
قال المُشَرِّحُ: الواو في (قُل) ونحوه حذفت لالتقاء الساكنين لا على حده وكذلك في نحو لم (^١) يقم ولم يستقم.
قال جارُ الله: "وفي سَيِّدٍ وميّتٍ وكَيْنُونَةٍ وقَيْلُولَةٍ".
قال المُشَرِّحُ: أصل سيّد وميّت سيْوِد وميْوِت، ثم سيّد وميّت لأن الياء والواو إذا اجتمعا …، ثم سيّد وميّت تحذف الياء تخفيفًا. وكذلك كَينونة وقَيلولة: أصلها كيونونة وقيلولة ثم يكنوه وقيلوة بالتّشديد. والذي يدل على ذلك أنه لو لم يكن كذلك لكان اللفظ كونونة لأنه ليس في الكلام فعلول. ثم كينونة وقيلولة، بحذف إحدى الياءين للتخفيف.
وقال جارُ الله: "وفي الإِقامة والاستقامة ونحوهما مما التقى فيه الساكنان أو طلب تَخفيف أو اضطّر إعلال".
قال المُشَرِّحُ: الأصل في الإِقامة والاستقامة أقوام واستقوام إلا أن الواو ربّما قد كانت ألقيت حركتها في الفعل على ما قبلها وقلبت ألفًا فقلبت في المصدر ألفًا فاجتمع (^٢) ألفان إحداهما المنقلبة، والثانية ألف إفعال، فأسقطت إحداهما لاجتماع الساكنين، والساقطة على قول الخليل وسيبويه الألفُ الثانية، لأنّها زائدةٌ، وجعلت التاء عوضًا عن المحذوف، فإذا أضافوا حذفوا التاء، لأنهم أقاموا المضاف إليه مقامها في العوض.
قال جارُ الله: "والسَّلامة فيما وراءَ ذلك مما فقدت فيه أسباب الإِعلال والحذف".
_________________
(١) في (ب): "قم".
(٢) كتبت مرتين في (ب).
[ ٤ / ٣٨٣ ]
قال المُشَرِّحُ: الذي فقد فيه أسباب الإِعلال: أن لا يكون معتلًا متحركًا فيه حرف العلة مفتوحًا ما قبله، ولا مضارعًا لفعل ماض معتل. هذا النوع من الاعتلال، ولا اسم فاعل ولا مفعول لذلك الفعل المعتل، ولا على مفعل ومفعلة ومفعل ومفعلة من ذلك المعتل، ولا فعلًا مزيدًا فيه لثلاثي مُعتل، وذلك الاعتلال فقد فيه أسباب الحذف مما لم يلتق فيه ساكنان لا على حده، ولم يطلب فيه (^١) تخفيف ولم يضطر إعلال.
قال جارُ الله: "أو وجدت (خلا) أنه وجد ما يصد عن إمضاءِ حكمها كالذي اعترض في صَوَرَى وحَيَدَى والجَوَلَان والحَيَكَان والقُوباء والخُيَلَاء".
قال المُشَرِّحُ: اعلم أن الأصل في هذا الباب هو الفعل (^٢)، لأنه شيء كثير التصرف والانقلاب، وأما المعتل العين من الأسماء فإنه لا يخلو من أن يكون ثلاثيًا محضًا، أو لا يكون، فلئن كان ثلاثيًا محضًا فإنه لا يخلو من أن يوافق الفعل في وزنه أو لا يوافق، فلئن وافقه أُعلّ، لقيام الشبهة بينه وبين الفعل ولئن لم يُوافقه لم يعلّ إعلال كحوت وتوت وعور وحول، وإن لم يكن ثلاثيًا محضًا لا يخلو من أن تكون الزيادة فيه سابقة أو لاحقة. فأمّا إذا كانت الزيادة سابقة فحكمه عما قَليل يُساق إليك في هذا الصنف.
وأمّا إذا كانت لاحقة فإنها لا تخلو من أن تكون لازمة له أو لا تكون، فلئن لم تكن لازمةً له أعلت نحو شجرة شاكة، وأتان لاعة، لأن هذه زيادة.
وأما نحو الجَوْزة والحَوْكة والخَونة. فللفرق (^٣) بين صيغتي المفرد والجمع.
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ١٩٣ نص كلام المؤلف قال: "وقد ذكر الخوارزمي تقسيمًا جامعًا لهذه الأقسام فقال: الأصل في هذا هو الفعل، لأنه كثير … ".
(٣) في (ب): "فلا فرق" والتصحيح عن شرح الأندلسي.
[ ٤ / ٣٨٤ ]
فإن سألتَ: فكيف أعل المفرد دون الجمع؟.
أجبتُ: لأن المفرد سابق فأجريناه على القياس، وهو الإِعلال والجمع متأخر وعنده وقعت الحاجة إلى الفرق فبقّيناه على الأصل، ولم نغير المفرد. ضرورة أن حكم الإِعلال قد نفذ فيه سابقًا، فلا يمكن نسخه. وإن كانت الزيادة سابقة لم يعل وذلك أن لزوم هذه الزيادة قد أخرجته عن شبهة الفعل وذلك نحو حمار حَيَدَى أي يحيد عن ظله لنشاطه، ولم يجئْ في نعوت المذكر على فَعَلَى غيره والجَوَلَان. وهذا لأن مبنى تاء التأنيث على المفارقة بخلاف ألف التأنيث، والألف والنون فإن مبناهما على اللزوم. وأمّا القُوباء والسِّيَرَاء فلا يخلو من أن تكون الألف فيه لازمة، أو لا تكون فلئن كانت حصل الغرض، ولئن لم تكن فما وراءه من الاسم غيرُ موافقٍ للفعل قد أبعد فهذا ضبط هذا الفصل. وكان أبو العباس يقول: القياس إعلال الجَوَلَان والحَيَكَان، لأن الألف والنون عنده بمنزلة تاء التأنيث ومن ثم قال بعض العرب: حادان وداران ودالان وهامان من حاد يحيد، ودار يدور، ودال يدول، من الدّولة، وهام يهيم. وليس الأمر كذلك، لأن الألف والنون قد يكسر عليهما [فيعتد بهما] في الجمع وكذلك حبالى في تكسير حبلى، وسراحين في جمع سرحان بخلاف هاء التأنيث.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وأبنية الفعل في الواو على فَعَلَ يَفْعُلُ نحو قال يقول، وفَعِلَ يَفْعَلُ نحو خاف ويخاف، وفَعُلَ يَفْعُلُ نحو طال يطوُلُ وجاد يجوُدُ، إذا صار طويلًا وجوادًا، وفي الياء على فَعَلَ يَفْعِلُ نحو باع يبيع، وفَعِلَ يَفْعَلَ نحو هاب يهاب. ولم يجئ في الواو يفعِل بالكسر ولا في الياء يفعُل بالضم".
قال المُشَرِّحُ: إنما لم يجئ ذلك في هذا ولا هذا في ذاك لئلا يلزم من ذلك خلاف الأصل بغير ضرورة.
[قال جارُ الله: "وزعم الخليل في طاح يطيح وتاه يتيه أنهما فعل يفعل
[ ٤ / ٣٨٥ ]
كحَسِبَ يَحْسِبُ وهما من الواو لقولهم طوَّحت وتوّهت، وهو أطوَح منه وأتوَه، ومن قال: طيّحت وتيّهت فهما على باع يبيع".
قال المُشَرِّحُ: احتج الخليل بأن كونه واويًا قد صح، فلو حُمل على فعل بالفتح لما بقي في يطيح البتة عُذرٌ بخلاف ما لو حمل على الكسر، لأنه ليس في الكلام فعل يفعل بكسر الأول وضم الثاني.
حجة غيره: أنه كما صح من الواو صح كونه من الياء فهو بمنزلة باع يبيع] (^١).
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وقد حوَّلوا عند اتصال ضمير الفاعل فَعَل من الواو إلى فَعُل ومن الياء إلى فَعِلَ، ثم تقلب الضَّمة أو الكسرة إلى الفاء فقيل: قُلتُ وقلن وبعت وبعن".
قال المُشَرِّحُ: إذا قلت فعلت نقلت ما كان من بنات الواو إلى فعلت -بالضم-، وما كان من بنات الياء إلى فعلت -بالكسر- ثم حولت الضمة الطارئة على العين، والكسرة الطارئة عليها إلى الفاء فقلت: قمت وبعت فكان التقدير: قومت وبيعت فلما نقلت عن العين حركتها إلى الفاء سكنت، وأسكنت اللام من أجل التاء في فعلت، فحذفت العين لالتقاء الساكنين فصار قمت وبعت وشبهوا ما اعتل عينه بالمعتل لامه إلا أنهم ألزموا (يغزو) وبابه يفغل بالضم، كما ألزموا يرمى وبابه يفعِل بالكسر، وأحسن منه [في المعتل لازمه] (^٢) أن يقال: الواو والياء متى وقعا في الماضي عينًا ثم أبدلا ألفًا نظر في عين المضارع فإن كانت في الواو واوًا وفي الياء ياءً فالعبرة لنفس الحرفِ وتحرُّك الفاء بأخي الواو، وهو الضَمّ إن كان الساقط هو الواو، وبأخي الياء
_________________
(١) ساقط من (أ).
(٢) ساقط من (أ).
[ ٤ / ٣٨٦ ]
وهو الكسر إن كان الساقط هو الياء، وإن لم يكن عين المضارع في الواو واوًا ولا في الياء ياءً فالعبرةُ للحركة، وذلك مثل خاف وهاب تُحرك الفاء منهما بالكسر عند سقوط العين فيقال: خفت وهبت.
[قال جارُ الله]: "ولم يحولوا في غير الضمير إلا ما جاء في قول ناسٍ من العرب كَيد يفعل ذاك (^١) وما زيل يفعل ذُلك".
قال المُشَرِّحُ: قال سيبويه (^٢): وحدّثني أبو الخطاب أن ناسًا من العرب يقولون: كيد زيد يفعل كذا، ويريدون: كاد وما زيل يفعل كذا، يريدون: [ما زال] (^٣). فنقلوا الكسر إلى الكاف في فعل كما نقلوا في فعلت.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) (^٤) وتقول في ما لم يُسم فاعله قِيل بالكسر وبِيع وقول وبيع بالإِشمام، وقول وبوع بالواو، وكذلك اختير وانقيد له يُكسر ويُضم وتقول: اختور وانقود له".
قال المُشَرِّحُ: إذا قلت (فُعِلَ) في هذه الأشياء كسرت الفاء وحولت عليها حركة العين كما فعلت ذلك في فعلت، لتعيين حركة الأصل، وذلك قولهم: قيل، وبيع وخيف وهيب. ومن العرب من يشم الضمة أراد أن يبين أنها (فَعُلَ)، ومنهم من يضم فيقول: قول وبوع وخوف وهوب يتبع الياء ما قبلها كما قال: موقن.
قال جارُ الله: "وفي (فعلت) من ذلك عُدِت يا مريض واختُرت يا رجل بالكسر والضم الخالصين والإِشمام".
_________________
(١) في (ب): "كذا".
(٢) الكتاب ٢/ ٣٦٠.
(٣) ساقط في (أ) "كاد وزال".
(٤) ساقط من (ب).
[ ٤ / ٣٨٧ ]
قال المُشَرِّحُ: إنما لم تضم الفاء ها هنا لئلا يلتبس المبني للفاعل بالمبني للمفعول.
قال جارُ اللهِ: "وليس فيما قبل ياء قيم واستقيم إلا الكسر الصريح".
قال المُشَرِّحُ: وذلك لأن الهمزةَ والقاف حرفان صحيحان، واحتمل الأول منهما الضم والثاني الكسر، وكذلك الياء والقاف بخلاف الثاني في قِيل وبِيع فإنه حرف علة لا يحتمل الحركة.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) وقالوا: عود وصيد وأود وخول واجتور فصححوا العين؛ لأنها في معنى ما يجب فيه تصحيحها وهو أفعال وتفاعلوا".
قال المُشَرِّحُ: إنما صحت العين فيهما؛ لأنهما في معنى اعوارة عينه واصياد عنقه، وهناك لا يعل لسكون ما بعده فكذلك ها هنا، [وأما ازدَوجوا واجتَوروا فلأنهما في معنى تجاوروا وتزاوجوا] (^١).
قال جارُ الله: "ومنهم من لم يلمح الأصل فقال: غار يغار قال:
* أغارت عَيْنُهُ أم لم تغارا *"
قال المُشَرِّحُ: صدر البيت (^٢):
وسَائِلَةٍ بِظَهْرِ الغَيْبِ عَنّي … أَغَارَتْ [عَيْنُه]
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) البيت لعمرو بن أحمر الباهلي، ديوانه ص ٧٦، وتخريجه هناك. توجيه إعرابه وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٤٠، المنخل ص ٢١٤، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ٧٥، شرحه للأندلسي ٥/ ١٩٣. وللبيت روايات مختلفة، وهل (عار) بالمعجمة أو بالمهملة مفصل في إثبات المحصل، وشرح شواهد الشافية ص ٣٥٣. وينظر: جمهرة اللغة ٢/ ٣٨٩، المنصف ١/ ٢٦٠، أمالي ابن الشجري ٢/ ٣٠٢، ضرائر الشعر ص ٤٧.
[ ٤ / ٣٨٨ ]
أرادَ: أم لم تغار فوقف بالألف.
قال جارُ الله: وما لحقته الزيادة من نحو عور في حكمه تقول: أعور الله عينه وأصيَد بعيره لو بنيت منه استفعلت لقلت: استَعورت".
قال المُشَرِّحُ: الفرع يتبع الأصل، والعين صحيحةٌ في الأصل فكذلك في الفرع، ولذلك لما أُعلت عين الفعل أعلوا اسم الفاعل، وعين مفعَله ومفعِله في مقالة ومعيشة.
قال جارُ اللَّه: "و(ليس) مسكنة من لَيِسَ كَصَيِدَ، كما قالوا: عِلْمَ في عَلِمَ، ولكنهم ألزموها الإِسكان لأنها لم تصرّف تصرُّف أخواتها، لم يجعل على لفظ صَيِدَ ولا هاب، ولكن على لفظ ما ليس من الفعل نحو "لَيْت" ولذلك لم ينقَقوا حركة العين إلى الفاء في لست".
قال المُشَرِّحُ: هذا التّخفيف قياس على ما ذكره الشيخ (﵀) وقد مضى الكلام في تخفيف "ليس" في قسم الأفعال.
قال جارُ الله: "وقالوا في التعجب (^١): ما أقوله، وما أبيعه".
قال المُشَرِّحُ: هذه الصّيغة من التّعجب اسمٌ غير مأخوذ به مأخذ الفعل، لأنّه على ما ذكرته منقولٌ عن أفعل التفضيل، وأفعل التّفضيل كذلك.
قال جارُ الله: "وقد شذَّ عن القياس نحو أجودت واستروح واستحوذ واستصوب، وأطبَيت وأغيَلت وأخيَلت وأغيَمت واستقْيَل".
قال المُشَرِّحُ: الصّحيح في هذه الأفعال لأحد شيئين. أما لإِيضاح معنى المشترك نحو استروح فإنه أوضح من استراح.
وأما لأنَّ اللفظَ مع فقد الإِعلال أدلُّ على معناه نحو أخيلت السّحابة فإنه أدلُّ على معنى المخيلة من أخالت. يقال: أجدت الشيء فجاد، وقد
_________________
(١) في (ب): "وقد قالوا في فعل التعجب".
[ ٤ / ٣٨٩ ]
قالوا أجودت كما قالوا: أطال وأطول. وأجودت أدل على معنى الجود (^١) من أجدت ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ (^٢) أي: غلب. وهذا جاء بالواو على أصله كما جاء استروح، وهو أدل على معنى الجود وهو السوق السريع من استجاد، استصوب فعله واستصابه أدل على الصواب من استصاب يقال: أطاب وأطيب، وأطيب أدل على معنى الطيب من أطاب. أغالت المرأة وأغيلت، وأغيلت أدل على معنى الغيل من أغالت. وأخالت السحابة وأخيَلت، وقد ذكرناهما. أغامت السماء وأغيمت وأغيمت أدل على معنى الغيم من أغامت. استقيل نحو استبشر وهو أدل على معنى القيل من استقال.
قال أبو زَيْدٍ: هذا الباب كله يجوز أن يتكلم به على الأصل، تقول العرب: استجاب واستحوب واستصاب واستصوب وهو قياس [مطرد].
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وإعلال اسم الفاعل من نحو قال وباع أن تقلب (^٣) عينه همزة كقولك قائل وبائع".
قال المُشَرِّحُ: قد ذكرنا العلة في إعلال اسم الفاعل في أول هذا الصنف.
قال جارُ اللهِ: "وربما حذفت في نحو قولك شاكٍ، ومنهم من يقلب فيقول: شاكي".
قال المُشَرِّحُ: الشوكة: شدة البأس والحدة، وأصلها من الشوكة النابتة، وقد شاك الرجل يشاك شوكًا: إذا ظهرت حدته وشوكته فهو شائك السلاح وشاكي السلاح أيضًا مقلوب منه.
_________________
(١) في (ب): "الجودة".
(٢) سورة المجادلة: ١٩.
(٣) في الأصل: "تنقلب".
[ ٤ / ٣٩٠ ]
قال الشّيخ أبو علي الفارسي: ويجوز في العين إذا قلبت همزةً في هذا النحو ضربان:
أحدهما: أن يعل بالحذف [كما أعلت بالقلب] فيقال: هارٍ وشاكِ السّلاح.
والآخر: أن يُعل بقلبها إلى موضع اللام فيصير في التقدير فالِع ويجوز في قولهم (^١):
* ضُرِبَتْ على شُزُنٍ فَهُنَّ شَوَاعِي *
أن تكون فوالع من الشّيء الشّائع، ويكون المعنى أنها متفرقة، وتكون فواعل من قولهم (^٢) غارة شعواء، وكذلك يجوز في قوله (^٣):
* خَفَضُوا أَسِنَّتَهُم فَكُلُّ نَاعِي *
ضربان، أحدهما: أن يكون مقلوبًا (٢) من النايع الذي يراد به العطشان، ومن قوله (^٤):
* … الأَسَلَ النِّيَاعَا *
_________________
(١) البيت للأجدع بن مالك الهمداني، شاعر جاهلي أدرك الإِسلام وأسلم وبقي إلى زمن عمر بن الخطاب ﵁. أخباره في: المؤتلف للآمدي ص ٦١، وأنشد البيت وصدره * وكأن عقراها كعابُ مقامرٍ * وينظر: الأصمعيات ص ٦٥، المعاني الكبير ص ٥٤، المقتضب ١/ ١٤٠، المقرب ٢/ ١٩٧، ضرائر الشعر ص ١٩٠، أراد: شوائع فقلب.
(٢) ساقط من (ب).
(٣) هو للأجدع بن مالك من قصيدته التي منها الشاهد السالف الذكر، وصدره: * خيلان من قومي ومن أعدائهم *
(٤) هو القطامي، ديوانه ص ١٨٢. (ملحق الديوان) وهو بلا شك من شوارد القصيدة التي أولها: (ديوانه ص ٣١). * قفي قبل التفرق باضباعا * =
[ ٤ / ٣٩١ ]
أي: العطاش إلى دماء من يغزوه. ويجوز أن يكون ناع من قولك: نَعى ينعى، أي: يقول: يا لِثَارات فلان. ويجوز في ﴿هارٍ﴾ الذي في الآية أن يكون على قول من حذف ويجوز أن يكون على قول من قلب. فأمّا جوازه على الحذف فلأن هذه الهمزة قد حذفت [من] نحو هذه الكلمة. وجوازه على القلب أن يكون مثل قاض وداع، وقد سقطت اللام لالتقاء الساكنين. قال الأَخفش: [يقال] هرت تهار مثل خفت تخاف. قال الشيخ أبو عليٍّ الفارسي: ويجوز في قولهم: "يوم راح" أن يكون فاعلًا على الحذف وفعلًا على غير الحذف. والأخر: أن تعل بقلبها إلى موضع اللام فيصير في التقدير فالع.
قال جارُ اللهِ: "وفي جائي قولان، أحدهما: أنه مقلوب كالشاكي والهمزة لام الفعل، وهو قولُ الخليل" (^١).
والثاني: وهو أن الأصل جائي فقلبت الثانية ياء، والباقية هى نحو همزة قائم".
قال المُشَرِّحُ: احتجوا بأن الإِبدال - وإن كان خلاف الأصل لكن القلب أكثر مخالفة للأصل، فيوخذ بالأدنى.
حجة الخليل: أن هذه الياء لو كانت منقلبةً عن الهمزة لجاز ردُّها إلى الأصل كما في خطائي.
قال جارُ الله: "وقد قالوا في عور عاور وصايد كمقاوم ومباين".
_________________
(١) = ونسبه ابن قتيبة في أدب الكاتب ص ٤٧، والجوهري في الصحاح (نيع) إلى دريد بن الصمة، ديوانه ص ٩٢. والبيت بتمامه: لعمر بني شهاب ما أقاموا … صدورَ الخَيْلِ والأسلَ النّياعا وينظر: المنصف ٢/ ٣٢٦، شرح الجواليقي لأدب الكاتب ص ٣١٠.
(٢) الكتاب ٢/ ٣٧٨.
[ ٤ / ٣٩٢ ]
قال المُشَرِّحُ: إنما لم يعل عاور وصايد بناء على الفعل حيث لم يُعل، إلا أن العين في مقاوم ومباين لم تعلّ حيث لم تعل في فعليهما.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وإعلال اسم المفعول منهما أن تسكن عينه ثم أن المحذوف منهما واوُ مفعول عند سيبويه (^١)، وعند الأخفش العين (^٢) ويزعم أن الياء في مخيط منقلبة عن واوِ مفعول".
قال المُشَرِّحُ: احتج الأخفش بأن حذف العين أولى، لأنه أخفى وهذا لأن اسم المفعول مركب من حروف البناء ومن الصيغة، والصيغة آخرهما وجودًا فيكون شيء منهما أظهر بخلاف حروف البناء.
أمّا مخيط: فلاتساع اسم المفعول المبني للمفعول.
حجّةُ سيبويه: بأن واو مفعول بالحذف أولى، لأنه زيادة وحتى لا يلزم من ذلك الخلاف مع القلب في مَخِيْط. الضمير في "منهما" من قوله: "وإعلال اسم المفعول منهما" ينصرف إلى قال وباع المذكورين في أول الفصل المتقدم، وذلك قوله: "وإعلال اسم الفاعل في نحو قال وباع".
قال جارُ الله: "وقالوا مَشيب بناء على شيب بالكسر. ومهوب بناءً على لغة من يقول: هوب".
قال المُشَرِّحُ: شبْتُ الشيء أشوبه فهو مشوب، وأما قوله (^٣):
* وماءُ قُدُوْرٍ في القِصَاعِ مَشِيْبُ *
_________________
(١) الكتاب ٢/ ٣٦٣.
(٢) المقتضب ١/ ١٠٠.
(٣) البيت للسليك بن السلكة في شعره الذي جمعه حميد آدم ثويني وكامل سعيد عواد ونشراه في بغداد سنة ١٤٠٤ هـ، ص ٤٥. وروايته هناك: سيكفيك فقد الحي لحم مغرض … وماء قدور في الجفان مشوب وربما نسب إلى المخبل السعدي (إصلاح المنطق ص ١٤٣).
[ ٤ / ٣٩٣ ]
فقد بناه على شيب بالكسر، ومعنى "مشيب" في البيت مخلوط بالتوابل والصباغ.
قال جارُ الله: "وقد شذّ نحو مخيوط ومزيوت ومسموع وتفاحة مطيوبة، وقال:
* يومُ رَذَاذٍ عَلَيْهِ الدّجن مَغْيُوْمُ *
قال سيبويه (^١): ولا نعلمهم أتموا في الواوات؛ لأن الواوات أثقل عليهم من الياءات، وقد روى بعضهم: ثوب مصوون".
قال المُشَرِّحُ: في التّصريفين من يقيس الواو فيقول: قول مقول مقوول [وفرس] مقود قياسًا مطردًا [خطت الثوب] (^٢) فهو مخيوط على التمام ومخيط على النقصان. ويقال: طعام مزيت على النقصان، ومزيوت على التمام: إذا جعل فيه الزيت. وقد زت الطعام أزيته زيتًا، وزِتُّ القوم: جعلت أدمهم الزيت.
أول البيت (^٣):
حَتَّى تَذَّكر بيضاتٍ وهيَّجَهُ … يومُ رَذَاذٍ [عَلَيْه الدّجن مَغْيُوْمُ] (^٤)
على الإِقامة، والرّذاذ: هو المطر الضعيف.
_________________
(١) الكتاب ٢/ ٣٦٣.
(٢) في (أ): "خطيب العرب".
(٣) قائله علقمة الفحل، ديوانه ص ٥٩. توجيه إعرابه وشرحه في إثبات المحصل، المنخل شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ٧٨، ٨٠، شرح الأندلسي ٥/ ٧٧، (ملاحظة: في شرح الأندلسي تقدمت بعض ملازمه على بعض في هذا الجزء). وينظر: المقتضب ١/ ١٠١، الخصائص ١/ ٢٦١، المنصف ١/ ٢٨٦، ٣/ ٤٧، أمالي ابن الشجري ١/ ٢١٠، الخزانة ٤/ ٥٢٠.
(٤) ساقط من (ب).
[ ٤ / ٣٩٤ ]
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ورأى صاحب الكتاب في كل ياء هي عين ساكنة مضموم ما قبلها هي أن تقلب الضمة كسرة لتسلم الياء، فإذا بني نحو برد من البياض قيل: بيض، والأخفش يقول بوض، ويقصر القلب على الجمع في نحو بيض جمع أبيض".
قال المُشَرِّحُ: احتج الأخفش (^١) في نحو الطُّوبى من الطيب، وقد مضى في الإِبدال وبنحو المصوفة.
حجة سيبويه (^٢): بيض في جمع أبيض. والأخفش يفرق بين الواجد والجمع بأن الجمع أثقل من الواحد فهم يخففونه لثقله أكثر من تخفيف الواحد والياء أخف من الواو فهم في الجمع إلى سلامة الياء أحوج منهم في الواحد ألا تراهم قد قالوا في جمع صائم صوّم وصيّم، وفي جمع قائل قوّل وقيّل، ولم يقولوا في فعّل لرجل حسن الحيلة حيّل، لأنه واحد، والرِّواية حلّ، ورأى صاحب الكتاب على الفعل الماضي.
قال جارُ الله: "ومعيشة [عنده و] (^٣) [يجوز أن تكون مفعلة ومفعلة] (^٤) وعند الأخفش [هي] (^٥) مفعلة [بالكسر - ليس إلا. أمَّا عند سيبويه فيحتمل] (^٦) [ولو كانت مفعلة لقلت معوشة] " (^٧).
[قال المُشَرِّحُ: معيشة عند الأخفش مفعلة بالكسر ليس إلا وأما عند
_________________
(١) المقتضب ١/ ١٠١.
(٢) الكتاب ٢/ ٣٦٩.
(٣) عن المفصل (خ).
(٤) ساقط من (ب).
(٥) ساقط من (أ) موجود في المفصل.
(٦) موجود في النسختين، ساقط من المفصل (خ).
(٧) ساقط من (أ) موجود في المفصل (أ).
[ ٤ / ٣٩٥ ]
سيبويه فيحتمل أن تكون مفعلة، و] (^١) أن تكون مفعلة بالضم إلا أنه قلبت فيه الضمة كسرة لتسلم الياء فيه.
قال جارُ الله: "وإذا بني من البيع مثل تُرتب قال تُبيع وقال الأخفش: تُبُوع".
قال المُشَرِّحُ: هذه المسألة من تفاريع المسألة المتقدمة، سيبويه يبقي التاء على الضم ويكسر الياء التي من حقها أن تضم لتسلم الياء. والأخفش يقول: تُبُوع بضم التاء والباء معًا لأنه -كما ذكرنا- لا يرى سلامة الياء في المفرد.
قال جارُ الله: "والمضوقة في قوله:
* وكنتُ إذا جَارى دَعا لمَضُوقَةٍ *
كالقود والقصوى عنده، وعند الأخفش قياس".
قال المُشَرِّحُ: النحويون يقولون: الباب إذا كان مغيرًا عن أصله تركوا فيه مثالًا أو مثالين على الأصل ليكون دليلًا على الأصل، ونحو ذلك القَود، فإن جميع ما تحرك عينه من المعتل العين [معتلًا]، سوى هذا، والقود والصيد، وكذلك: ما كان على فعلى بالضم من الأسماء فواوها تقلب ياءً نحو الدنيا والعليا والقصيا وترك القصوى على الأصل تنبيهًا على الأصل. المضوقة: الأمر يُشفق منه، ومن أَضيقت من الأمر، أي: أشفقت قال أبو سعيد السِّيرافي: البيت يُروى على المضوقة والمضيقة والمضاقة، والبيت لأبي جندب الهذلي، وتمامه (^٢):
* أُشَمِّرُ حتى يَنصف السّاق مِئْزَرِي *
_________________
(١) ساقط من (أ).
(٢) شرح أشعار الهذليين ١/ ٥٨٨. توجيه إعرابه وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٤٣، المنخل ص ٢١٥، شرح المفصل =
[ ٤ / ٣٩٦ ]
قال جارُ الله: " (فصلٌ) والأسماء الثلاثة المجردة إنما يعمل منها ما كان على مثال الفعل نحو باب ودار وشجرة شاكة ورجلٌ مالٌ، لأنها على (^١) فعل أو فعل".
قال المُشَرِّحُ: هذا الفصل قد شرحته شرحًا شافيًا في هذا الصِّنف عند قوله: "كالذي اعترض في صَوَرَى وحَيَدَى، قوله: لأنها على فعل وفعل يقول: لأن هذه الأمثلة على فعَل بالفتح وهي باب ودار وشاكة أو فعِل بالكسر وهو رجلٌ مالٌ.
قال جارُ الله: "وربما صح ذلك نحو القَوَد والحَوَكة والجَوَرَة والخَوَنَة، ورجلُ وَرع وحَوَل".
قال المُشَرِّحُ: أما القَوَد (^٢) فإنما صح، لأنه من باب الألوان والعيوب على ما تقدم شرحه أما الحَوَكة والخَوَنة والجَوَرة فإنما صحت العين فيها فرقًا بين فَعَلَة جمعًا كهذه، وبينها فردًا نحو كارة وجارة، ونظيرها أفعل من المعتل العين إذا كان اسمًا فإنه يصح وإن كان فعلًا أعلّ فرقًا بينه وبينه، وذلك أبيض وأسود وأهاب وأخاف، وقد جاءت الحاكة والخَانة. ابنُ جنّي أنشد الأصمعي:
فإذا نُصاحبهم نصاحب خَانَةً … وإذا نُفارقهم نُفارق عن قِلَى
والإِعلال قياس، والتصحيح استحسان. وأما روع للجبان وحول من حولت عينه واحولت أيضًا بتشديد اللام وأخواتها لما حكاه الكسائي فقد جعل من باب الألوان والعيوب.
_________________
(١) = لابن يعيش ١٠/ ٨١، شرحه للأندلسي ٥/ ٧٧. وينظر: المعاني الكبير ص ٧٠٠، ١١١٩، المنصف ١/ ٣٠١، الخزانة ٣/ ٣٢١، شرح شواهد الشافية ص ٣٨٣.
(٢) ساقط من (ب).
(٣) النص في شرح الأندلسي ٥/ ٨٠ مع حذف بعض عباراته، حتى آخر شرح هذه الفقرة.
[ ٤ / ٣٩٧ ]
قال جارُ الله: "وما لَيس على مثالِه ففيه التصحيح كالنَّومة واللُّوَمَة والعُيَبَة والعِوَض والعِوَدَة".
قال المُشَرِّحُ: لأنه ليس في الأَفعال فعل على فعل أو فِعُل.
قال جارُ الله: "وإنما أعلوا قيمًا لأنه مصدر بمعنى القيام، ووصف به في قوله ﷿ (^١): ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ والمصدر يعل باعتلال الفعل.
قال المُشَرِّحُ: ﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: دينًا ثابتًا قائمًا لا ينسخ كما تُنسخ الشرائع التي قبلها، وهذا لأن قيام الشيءِ يرادُ به ثَبَاتُهُ ودوامه، وأنشد أبو زيدٍ: في قوله:
* يَدُومُ الفُرات فوقها ويَمُوْجُ *
ومنه ماء دائم، وقوله [تَعالى] (^٢): ﴿مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ أي: ثابتًا في اقتصائك له ومطالبتك إياه. وقوله (^٣): ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: يُديمونها ويحافظون عليها. قال الأخفش (^٤): في ﴿قيام﴾ ثلاث لغات قيام وقيم وقوام.
فإن سألتَ: لمَ لا يجوزُ أن يكون "قيم" صفة ها هنا؟.
أجبتُ: لقلة مجيء هذا البناء في الصفة، ألا تَرى إنه إنما جاء في قولهم: مكان سُوى، وقوم عُدى. وفِعل في المصادر كثير كالشِّبع والرّضى والصّغر والكِبر.
فإن سألتَ: فكيف اعتلت هذه الكلمة ولم يعل العَوَض والحَوَل؟.
_________________
(١) سورة الأنعام: ١٦١.
(٢) في (ب) سورة آل عمران: ٧٥.
(٣) سورة إبراهيم: ٣١.
(٤) قال في معاني القرآن ١/ ٢٩٢: "وقال: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ أي مستقيمًا، وهي قراءة العامة، وقال أهل المدينة: ﴿قِيَمًا﴾ وهي حسنة، ولم أسمعها من العرب".
[ ٤ / ٣٩٨ ]
أجبتُ: قد ورد فيه الواو كما ورد فيه الياء، ومن ثم قال الشَّيخ أبو علي الفارسي (^١): ويدلك على ذلك أنه مصدر وأنه عوض حكاية أبي الحسن: قِوَمًا وقِيمًا، فمن قال: قومًا فهو مقصور من قوام، ومن قال: قيمًا فهو مقصور من قيام.
قال جارُ الله: "وقولهم: حال حولًا كالقود".
قال المُشَرِّحُ: إنما أعل "قيم" لمعنيين:
أحدهما: أنه مصدر، والمصدر يتبع الفعل إعلالًا وتصحيحًا.
والثاني: أنه مقصورٌ من قيام، بخلاف حالَ حوَلًا، وعادني حبها عِوَدًا فإنه ما أعل أحدهما.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) إن كان من الواو سكنت عينه لاجتماع الضمَّتين والواو فيقال: نور وعون في جمع نوار وعوان".
قال المُشَرِّحُ: الشيخُ ﵀ قد أشار إلى أن أصلَ هذا أن يكون بالتَّحريك إلا أنه سكنت عينه لاجتماع الضمتين والواو. وجه التّفصيل: أعراضهم في نحو كساء ورداء عن تكسيره على (فُعُل) مع أنهم كسروا كتابًا ورغيفًا وقذالًا على (فُعُل) وهذا لأنه لو كسر على ذلك لا يخلو من أن يخففَ، أو لا يخفف، فلئن لم يخفف فذاك، وإن خفف فالأصل فيه التثقيل فهو بمنزلة المثقل وكذلك لم تعد الألف الساقطة بحكم التقاء الساكنين في رمتا، لأنه لما كان الأصل فيها السكون فكأنها ساكنة، وكذلك لم تزد الواو والياء في رضا وقضو الرجل. والذي يدل على أن أصلها التَّحريك أنه لو كان أصله السكون لما رفض جمع ما كانت اللامُ فيه واوًا بالواو كما لم يرفض ذلك في جمع ما أصله (فَعْل) بالسكون وذلك نحو عَمْرو، وما أسكن فهو
_________________
(١) ينظر: الحجة ٣/ ٤٣٩، ٤٥٠.
[ ٤ / ٣٩٩ ]
بطريق التَّخفيف، وهذا إنه لما خُفف الآحاد، وذلك في نحو طنب وكتف وعنق فلئن يخفف الجمع مع أنه أثقل من الآحاد أولى. النَّوارُ: هي المرأة التي تنور عن القبيح، أي: تنفر. يقال: امرأة عوان.
قال جارُ الله: "ويثقل في الشّعر، قال عديُّ بن زيد:
* وفي الأَكفّ اللّامعات سُؤُرْ *"
قال المُشَرِّحُ: قال أبو زَيْدٍ: قوم قول بالضم، وأنشد الشيخ أبو علي الفارسي - (﵀) -:
* تَمْنَحُهُ سُوُك الإِسحِلِ * (^١)
ما قبل البيت (^٢):
قد جاءنا لو صَحوت أن تقصُرْ … وقد أتى لما عهدت عُصُرْ
عن مبرقات بالبُرِيْنَ وتبدو … بالأكف اللَّامعات سُؤرْ
رفع "أن" بـ "قصر" بأن، وهي لغة لبعض العرب على ما مضى في قسم الحروف "عن مبرقات" في صلة "بقصر". "المبرقات" بالقاف: جمع مبرقة، وهي التي تظهر حليها بها حتى ينظر إليها الرجال وتميل إليها. قوله:
* وفي الأكف اللامعات سؤر *
يريد: وفي أذرع الأكف، لأن السِّوار يكون في الذراع لا الكف.
_________________
(١) في المنصف ١/ ٣٣٨ من نص كلام المازني: "أنشدنا أبو زيد قال أنشدني الخليل بن أحمد: أغر الثنايا أحم اللثا … ت تمنحه سوك الأسحل وهو لعبد الرحمن بن حسان في شعره. وينظر: المخصص ١١/ ١٩٢، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ٨٤، شرح الشواهد للعيني ٤/ ٥٣٠.
(٢) ديوان عدى بن زيد: ١٢٧.
[ ٤ / ٤٠٠ ]
قال جارُ اللهِ: "وإن كان من الياء فهو كالصَّحيح. من قال كُتُب ورسل قال غُيُر وبُيُض، ومن قال كُتُب ورُسُل قال: غُيْرٌ وبيْضُ".
قال المُشَرِّحُ: عُيُرٌ: من الغيرة. وبيض: من البيضة.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وأمَّا الأسماء المزيد فيها فإنما (^١) يُعل منها ما وافق الفعل في وزنه وفارقه [إما] بزيادة لا تكونُ في الفعل كقولك: مقال ومسير ومعونة" (^٢).
قال المُشَرِّحُ: الأسماء المزيد فيها [إنما يعمل] (^٣) منها ما وافق الفعل في وزنه وفارقه بزيادة [لا تكون في الفعل كقولك مقال، ومسير، ومعونة] (^٤) ألا ترى أن أصل مقال ومسير ومعونة. لأن مقول ومسير ومعونة بسكون القاف والسين والعين وهي بمنزلة يفتح ويضرب ويقول: إلا أنها بهذه الميم خالفت الفعل، لأنها لا توجد في الفعل، وكذلك لا يتبع أصله السكون وهو موافق للفعل إلا في هذه الكسرة. وأما المصيدة (^٥) فقد اجتمعت المخالفتان فما كان من الأسماء المزيد فيها على موافقة الفعل مع ما ذكرناه من [المفارقة] (^٦) أعل.
فإن سألتَ: ما بالهم [قد] أعلوا من الثلاثية المجردة ما (وافق) (^٧) الفعل بدون هذه المفارقة، وامتنعوا في المزيد فيها (عن) (^٨) إعلال ما وافقه بدون المفارقة؟.
_________________
(١) في (أ): إنما.
(٢) في (أ): يعد هذا: "ألا ترى أن أصل مقالٌ ومسيرة ومعونة". وهذه الزيادة غير موجودة في المفصل وشروحه فلعلها سهو من الناسخ.
(٣) ساقط من (ب).
(٤) ساقط من (ب).
(٥) من هنا إلى آخر الفقرة نقله الأندلسي في شرحه ٥/ ٨٣.
(٦) في (أ): "الموافقة" وما أثبته من (ب) يوافق ما ورد في نص الأندلسي.
(٧) في (أ): "فارق".
(٨) في (أ): "من".
[ ٤ / ٤٠١ ]
أجبتُ: لأن الموجب للإِعلال في الثُّلاثية المُجَرَّدةِ قائم، والمانع معدوم، أمَّا قيامُ الموجب فهو الشبه القائم بينها وبين الفعل، وأما عدمُ المانع فلأن وزن الثلاثي من الفعل غير واجب الرعاية، لأنه مما يشترك فيه الاسم والفعل ولذلك لم يُعد من أسباب امتناع انصرف بدليل أنك لو سميت بـ (ضرب) فإنه ينصرف بخلاف، وزن المزيد فيه فإنه واجب الرّعاية ولذلك لو سميت بيضرب فإنه يمنع الصرف.
قال جارُ الله: "وقد شذ نحو مَكْوَزَة ومَزْيَد ومَرْيَم ومَدْيَن ومشوَرة ومصيَدَة، و"الفكاهة مقوَدة إلى الأذى" وقرئ (^١) ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
قال المُشَرِّحُ: أما مَزيد، ومَريم، ومَدين، فقد فرقوا بينها أعلامًا وبينها (أجْنَاسًا).
فإن سألتَ: فما بالهم لم يفرّقوا بين زيدٍ وعمرٍو وبكرٍ أعلامًا وبينها أجناسًا؟.
أجبتُ: لأن هذه الأعلام مصدرها لا عن واحدٍ، والناس فيها لا عن وتيرة واحدة، فمنهم من يتحاشى عن أدنى شبهة، ومنهم من لا يتحاشى، وكذلك (مُشوَرَةٌ) لمعتل فرقًا بينها وبين مَشارة.
فإن سألتَ: فكيف أعلوا (مُشوَرَةَ) بالضم، ولم يبقوها على الأصل فرقًا بينها وبين (مَشوْرَة) اسم مفعولة من شار العسل؟.
أجبتُ: لا حاجة إلى الفرق، لأنها هي، وأمّا (المَصْيَدَة) فلأنها لو
_________________
(١) سورة البقرة: ١٠٣ قراءة أبو السمال وقتادة وعبد الله بن بريدة في المحتسب ١/ ١٠٣، الكشاف ١/ ٨٦، البحر المحيط ١/ ٣٣٥. وينظر: الخصائص ١/ ٣٢٩، شرح المفصل ١٠/ ٧٦.
[ ٤ / ٤٠٢ ]
أعلت لا وهمت أنها (فعال) من المصد وهو الرضاع، والمصاد وهو أعلى الجبل (^١)، قال:
إذا أَبْرَزَ الرَّوْعُ الكَعَاب فإنّهم … مَصَادٌ لمن يَأْوِي اليهم ومَعْقِلُ
وأمَّا قولُهُ: "الفُكاهة مَقْوَدَةٌ إلى الأَذى" فإن للتَّصحيح فيه زيادةُ دلالةٍ على معنى القود، ونحوه: أَغْيَمَت السَّماء في أغامَت وأمَّا (المَثْوَبَةُ) فإنما صحت فرقًا بينها وبين المثابة وهي الموضع [الذي يُثاب إليه، أي] (^٢): يُرجع إليه مرةً بعد أخرى قال الله تعالى (^٣): ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ وإنما قِيل للمَنزل مثابةً، لأن أهله ينصرفون في أمورهم، ثم يثوبون إليه.
قال جارُ الله: " [وقولهم]: مقول محذوف من مقوال، كمخيط من مخياط".
قال المُشَرِّحُ: كان القياس أن يعلّ مقول، لأنه على وزن أعلم أمره للمخاطب، [إلا أنّه] لم يُعل، لأنه على وزن مقوال حكمًا ونحوه أرددِ الرجل فإنه - وإن تحركت الدال الثانية إلا أنه لم يعتد بها حكمًا، ألا ترى أنه لو اعتد بها لوجب أن يقال رد الرجل وأن لا يجوز فيه سوى ذلك.
قال جارُ الله: "وأما تِمثال لا يكون فيه كبنائك مثل تِحْلِئ من باع يبيع تقول تِبْيِع بالإِعلال، لأن تِفْعِل بكسر التاء ليس من أمثلة الفعل".
قال المُشَرِّحُ: إنما أعلت تِبِيْع، لأن هذه الكسرة ليست في الأفعال.
فإن سألتَ: لم قلتَ بأن هذه الكسرة ليست في الأفعال والدّليل على كونها فيها أنك تقول: تِعلم ونِستعين بكسر التاء في الأول وكسر النون في الثاني؟.
_________________
(١) الصحاح ١/ ٥٣٦ (مصد) وأنشد البيت ولم ينسبه.
(٢) في (أ).
(٣) ساقط من (ب) والآية من سورة البقرة: آية: ١٢٥.
[ ٤ / ٤٠٣ ]
أجبتُ: بأن هذه الكسرة لغةُ قومٍ، وهي مع ذلك لا تكون في كلّ فعلٍ، إنما تكون في فعلٍ يكون ماضيه فيه كسرة كما في علم واستعان، وها هنا ليست في الماضي كسرة.
قال جارُ الله: "وما كان مماثلًا للفعل صُحح فرقًا بينه وبينه كقولهم: أَبيض وأَسود وأَدور وأَخونة وأَعينة، وكذلك لو بنيت تفعل ويفعل من زاد يزيد قلت: تزيد وتزيد على التصحيح".
قال المُشَرِّحُ: ما كان من الأسماء مماثلًا للفعل صحح ولا فارق بينها وبين الفعل فالتصحيح فيه لازم حتى يقع به التفرقة بينها وبين افعل. أعينة -فيما أظن- تكسير عيان وهي حديدة تكون في متاع الفدّان.
قال جارُ الله: "وقد أعلوا قِياد وعِياد واجتياز وانقياد لإِعلال أفعالها مع وقوع الكسرة قبل الواو، والحرف المشبه للياء بعدها وهو الألف".
قال المُشَرِّحُ: الدّليل على أن الألف تشبه الياء من وجهين:
أحدهما: فصلُ الإِمالة.
والثاني: أنك تقلب الألف ياء في نحو مصباح في التصغير والتكسير (^١) فتقول: مصيبيح ومصابيح. قوله: "واحتياز" إنما هو بالحاء المهملة والزاي.
قال جارُ الله: "ونحو ديار ورياح وجياد تشبيهًا لإِعلال وحدتها بإعلال الفعل مع الكسرة والألف".
قال المُشَرِّحُ: المفرد أصلُ الجمعِ، والجمعُ فرعٌ عليه، كما أن الفعل أصل أسماء الفاعلين والمفعولين وسائر الأسماء في الإِعلال. يقول: والفعل إذا أُعل أُعل أتباعه ولواحقه وكذلك المفرد إذا أعل فالأصل أن يعل به جمعه.
_________________
(١) في (أ).
[ ٤ / ٤٠٤ ]
قال جارُ الله: "ونحو سِياط وثِياب ورِياض لشبه الإِعلال في الواحد، وهو كون الواو ميتة ساكنة فيه كألف دار، وياء ريح مع الكسرة والألف".
قال المُشَرِّحُ: الواو في سوط وثوب وروض ساكنة، كالألف في دار والياء في ريح.
قال جارُ الله: "وقالوا تِيَر ودِيَمٌ لإِعلال الواحد والكسرة".
قال المُشَرِّحُ تير: جمع تارة، والعين فيها واو لقولهم تاورته من المتاورة، وهما يتتاوران. وكذلك دِيم واوي، لأنه جمع ديمة، وهي المطر يدوم أيامًا.
قال جارُ الله: "وقالوا: ثِيَرَةٌ، لسكون الواو في الواحد والكسرة وهذا قليل".
قال المُشَرِّحُ: يقال في جمع ثور من الأقط ثورة، وفي جمع ثور من الحيوان ثِيَرَة نقله ابن جني عن محمد بن يزيد.
قال جارُ الله: "والكثير عِوَدَةٌ وكِوَزَةٌ وزِوَجَةٌ".
قال المُشَرِّحُ: إنما كان عدم الإِعلال ها هنا كثيرًا لفوات الحرف المشبه للياء بعد الواو، وفقد الإِعلال في الواحد بخلاف تير وديم فإنه إن فات الحرف المشبه للياء بعد الألف لم يَفُت الإِعلال في الواحد.
تخمير: الشيخ -﵀-: قد خَصّ في هذه المواضع انقلاب الواو المُتحركة إلى الياء، وذلك على ضربين:
لازمٌ، وغيرٌ لازمٍ.
أمَّا اللازم ففي أربعة:
أحدها: أن تكون الواو متحركة مكسورًا ما قبلها في مصدر قد أعل فعله.
[ ٤ / ٤٠٥ ]
والثاني: أن تكون الواوُ متحركةً مكسورًا ما قبلها في جمع قد أعل مفرده. وهو على ضربين:
أحُدهما: أن يكون كثيرَ الوقوعِ.
والآخرُ: أن يكون قليلَ الوقوعِ.
فهذه ثلاثة.
الرابع: أن تكون الواوُ متحركةً مكسورًا ما قبلها في جمع لم تعل الواو في مفرده، لأنها سكنت فيه فهذه مواضع انقلاب الواو متحركًا مكسورًا ما قبلها انقلابًا لازمًا.
وأما غير اللازم فهو أن تكون الواو متحركًا مكسورًا ما قبلها في ضرب الواو [في] (^١) الجموع تكون ياءً (^٢) في مفرده ساكنةً.
قال جارُ اللَّه: وقالوا: طوال لتحرك الواو في الواحد وقوله (^٣):
_________________
(١) في (أ): "من".
(٢) في (أ).
(٣) صدره: * تَبَيَّنَ لِيْ أَنَّ القَمَاءَةَ ذِلَّةٌ * هو من قصيدة لأنيف بن زبان، ويقال: حكيم أو حكم النبهاني الطائي. شاعر إسلامي على ما ذكر ابن المستوفي في إثبات المحصل ص ٢٤٤ وعنه نقل البغدادي في شرح شواهد الشافية ص ٣٨٥. قال ابن المستوفي أيضًا: "هو من أبيات تروى في بعض نسخ الحماسة … (وقال) وأولها في بعض نسخ الحماسة: جمعنا لهم من حي عوفٍ ومالكٍ … كتائبَ يردي المقرفين نكالها وقبله في بعض نسخ الحماسة: -وليس في الأصل الذي سمعته- قوله: فلما أتينا السفح من بطن حائل … بحيث تلاقي طلحها وسيالها وأورد أبياتًا ووازن بينها وبين روايته، ثم قال: وترتيب أبيات الحماسة على غير ما هي في هذه القصيدة، ولم أجد فيها قوله: تبين لي أن القماءة ذلة … قال: وأنشد المبرد قوله: تبين لي أن القماءة ذلة … وأن أعزاء الرجال طوالها =
[ ٤ / ٤٠٦ ]
* وإن أَعزَّاءَ الرّجالِ طِيَالُها *
ليس بالأَعراف".
قال المُشَرِّحُ: بينُ سياط وطيال فرق، وذلك أن الواو في واحد (سياط) ساكنة ميتة بخلاف (طوال) فإن الواو في واحدة متحركة.
قال جارُ اللَّه: "وأمَّا قوله: رِوَاء مع سكونها في ريان وانقلابها فلئلا تجمع بين إعلالين، قلب الواو التي هي عين ياء وقلب الياء التي هي لام همزة".
قال المُشَرِّحُ: بين (سِياطٍ) و(رِوَاءٍ) فرقٌ، وذلك أنه لو أعل العين في (رواء) لوقع في كلمة واحدة إعلالان بخلاف (سياط).
قال جارُ اللَّه: " (ونِواء) ليس بنظيره، لأن الواو في واحدة صحيح، وهو قولك: ناو".
قال المُشَرِّحُ: [نواء ليس بنظير لرواءٍ، وذلك، لأن القياس أن لا يُعلّ نواء لأن الواو لم تعل في واحدة] (^١) بخلاف رواء فإن الواو قد أعلت في
_________________
(١) = لأعرابي، قال: خبرت إنه من بني سعد. وقد تمثل في هذا البيت الخنوت وهي توبة بنت مضرس، أحد بني مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم". وكلام ابن المستوفي طويل وفيه فوائد كثيرة. يقول الفقير إلى الله تعالى عبد الرحمن بن سليمان بن عثيمين: والقصيدة التي منها الشاهد كاملة في الجزء الخامس من منتهى الطلب نشرها صديقنا الدكتور حاتم بن صالح الضامن الأستاذ في كلية الآداب بجامعة بغداد جزاه الله خيرًا في مجلة المورد ٨/ ٣/ ٢٦١ ثم نشرها في مجموع له سماه (قصائد نادرة من كتاب منتهى الطلب) في مؤسسة الرسالة سنة ١٤٠٣ هـ. والأبيات التي أشار إليها ابن المستوفي -﵀- من الحماسة موجودة في رواية الجواليقي ص ٥٥، ٥٦، ١٧٩، ورواية المبرد له في الكامل ص ١٢١، ١٠٤٤، وقد ورد في الكامل ص ١٢٥، ١٢٦ عشرة أبيات مصدر لها بـ "قال أبو الحسن، أنشدني أبو العباس محمد بن الحسن الوراق … " وأبو الحسن هو الأخفش الصغير (علي بن سليمان … ت ٣١٥ هـ) معلق على الكامل.
(٢) ساقط من (ب).
[ ٤ / ٤٠٧ ]
واحدة وهو ريّان فلم يبلغ بينهما المجانسة، إنما نواء بمنزلة طوال. لعلّ بعضَ النّحوييين أجرى نواء مجرى رواء في أنه لم يعل فيه الواو لئلا يجمع بين إعلالين فقال الشيخ -﵀-: لا حاجةَ فيه إلى العُذر، لأن واحدة غير معتل.
ناو ونواء مثل جائع وجياع، وأصله من الني، وهو الشّحم، قال:
* حَتّى نَوَى الأَعْجف واسْتَمَرّا *
فكأنها أكلت ونوى التّمر فسمنت ألا ترى إلى بيت الدرعيات (^١):
* نَوى قَسْبٍ يُرَضَّخُ للنَّواجِي *
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) ويمنع الاسم من الإِعلال بأن يسكن ما قبل واوه ويائه أو ما بعدهما إذا لم يكن نحو الإِقامة والاستقامة مما يُعتل بإعلال (^٢) فعله، وذلك قولهم: حوَّلٌ وعُوَّارٌ ومِشوارُ، وتَقوال".
قال المُشَرِّحُ: المصدر يعتل باعتلال الفعل نحو قام قيامًا وقاد قيادًا فقد أعل مع سكون ما [بعد الواو. وما إذا لم يكن مصدرًا فإنه يُعل مع سكون ما] (^٣) قبله أو بعده نحو حوّل فإن الواو الثانية فيه لم تعل لسكون ما قبلها. أما عوار ومشوار وتقوال له فعدم الإِعلال فيها لسكون ما قبلها وما بعدها. العُوَّارُ -بالضم والتشديد-: القذى. يقال للمكان الذي فيه يعرض الدواب مشوار،
_________________
(١) شروح سقط الزند ص ١٧٣٣، وصدره: * كأن كعوبها متناثرات * قال الخوارزمي في ضرام السقط: "رضح النوى ورضحه: إذا كسره ودقه، الرضخ في المصمت والفضخ في الأجوف. النواجي: جمع ناجية، الناقة السريعة". أما القسب فقد شرحه في أوائل السقط ص ١٩٥ قال: "تمر تتفتت في الفم صلب النوى".
(٢) في (ب): "باعتلال" وفي (أ): "بالإعلال" والتصحيح من المفصل (خ).
(٣) ساقط من (ب).
[ ٤ / ٤٠٨ ]
يقال: سرت الأوان الدابة: عرضتها على البيع. يقال: إياك والخطر فإنه مشوار كثير العثار.
قال جارُ اللَّه: "وسووق وعوور وطويل ومقاوم وأهوناء وشيوخ هَيام وخيار ومعايش وأبْيِنَاء".
قال المُشَرِّحُ: سووق وعوور بواوين، كذا الرّواية عن الشيخ -﵀- ها هنا، وإنما لم تُعل الواو الأولى منهما لسكونِ ما بعده. ومقاوم: بفتح المِيم: جمع مقامة، لم تُعل الواو فيه لسكون ما قبلها. أَهْوِنَاء: جمع هين، لم تعل الواو فيه لسكون ما قبلها. [هَيَامٌ: -يفتح الهاء]-: رملٌ منقادٌ، لم تُعل فيه (^١) الياء لسكون ما بعدها. خيار: جمع خيرة، اسم من الاختيار، وهو أيضًا خلاف الأشرار. لم تُعل فيه الياء لسكون ما بعدها. معايش بياء مثناة تحتانية بعد الألف. لم تُعل فيه الياء لسكون ما قبله. أبيناءُ: جمع بين فيعل من بان الشَّيء، ونحوه أهيناء في جمع هَيّن.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) وإذا اكتنفت ألف الجمع الذي بعده حرفان واوان أو ياءان أو واو وياء قلبت الثانية همزة كقولك في أول: أوائل، وفي خَيِّرٍ: خياير وفي سيقه: سيايق وفي فعوله من البَيع بوايع. وقولهم: ضَياون شاذة كالقود".
قال المُشَرِّحُ: إنما تقلب الثانية همزةً فرارًا من التقاء متجانسين. أمّا الواوان والياءان فظاهر. وأما الواو والياء فلأنهما مستثقلان، وكذلك فَرُّوا من الواو والياء. من قال: يأجل وييجل. ولذلك قالوا: الواو والياء إذا اجتمعتا وأما الألف بينهما فحاجز غير حصين ومن ثم قالوا: معايش ومقاول ومقاوم فتركوها على الأصل حيث لم يوجد فيها المتجانسان وإنما قلبت الثانية فيما نحن فيه لقربها من الطرف. سَيَايق: جمع سَيِّقةٍ، إنما لم
_________________
(١) في (ب): "فيهما".
[ ٤ / ٤٠٩ ]
تعل الواو في ضياون، لأنها لم تعل في المفرد فلا تعل في الجمع بخلاف سيايق. الضيون: هو (^١) السنور.
قال جارُ اللَّه: "وإذا كان الجمع بعد ألفه ثلاثة أحرف [فلا قلب] (^٢) كقولك: عواوير وطواويس".
قال المُشَرِّحُ: إنما لم تُقلب الواو في عواوير وطواويس لبعدها عن الطرف.
قال جارُ اللَّه: وقوله:
* وكحّل العَينين بالعَواوِر *
إنما صح لأن الياء مزادة، وعكسه قوله (^٣):
* فيها عيائيل أسودٌ ونُمُر *
لأن الياء مزيدة للإِشباع، كياء [صياريف] ".
قال المُشَرِّحُ: المراد به العواوير فعامله معاملة ما فيه الياء، وهذا لأن الشيء إذا ترك للضرورة فكأنه غير متروك ألا ترى إلى قوله (^٤):
* ولا ذاكر اللَّهَ إلا قليلًا *
فإنه ترك اسم اللَّه على النصب وإن كان قد سقط التنوين من الأول لكن سقوطه إنما كان لضرورة التقاء الساكنين جاز كذلك هذا.
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) في (ب)
(٣) ساقط من (ب).
(٤) صدره. * فألفيته غير مستعتب * وهو لأبي الأسود الدؤلي، ديوانه ص ١٢٢، وقد تقدم ذكره في الجزء الأول.
[ ٤ / ٤١٠ ]
وأمَّا عياييل فلأن (^١) الياء فيها زائدة فقد عاملها معاملة ما ليس فيها الياء ألا ترى أنه قلبت فيه الهمزة كما في بايع.
فإن سألتَ: فلمَ زاد فيها الياء؟.
أجبتُ: العرب قد تزيد في الجمع الرباعي ياءً في الشعر على التشبيه بالجمع الخماسي فتقول في مسجد ودرهم مساجيد ودراهيم وفي صَيرف صَيَاريف، قال (^٢):
تَنْفِي يَدَاهَا الحَصَا في كلِّ هاجرةٍ … نَفْيَ الدَّراهيم تَنْقَاد الصَّياريفِ
البيت لجندل الطهوي، وقبله (^٣):
غرّك أن تَقاربت أبا عرِي
وأن رأيتَ الدَّهر ذَا الدّواوِرِ
حتّى عظامي وأراه ثاغري
وكحّل العين البيت
يخاطب (^٤) امرأته يقول (لها) (^٥): غرك حتى اجترأت على مخالفتي إني
_________________
(١) في (ب): "لأن".
(٢) هو الفرزدق، والبيت في ديوانه ص ٥٧٠. وينظر: الكتاب ١/ ١٠، الكامل ص ٣٢٩، ٦٧٦، الخصائص ٢/ ٣١٥، المحتسب ١/ ٩٦، أمالي ابن الشجري ١/ ١٤٢، ٢٢١، ٢/ ٩٣، ١٥٧، الإنصاف ص ١٦، ٧٩، الخزانة ٢/ ٢٥٥ ويروى: "الدنانير".
(٣) توجيه إعراب البيت وشرحه في إثبات المحصل ص ٢٤٥، المنخل ص ٢١٧، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/. . . .، شرحه للأندلسي ٥/ وينظر: الكتاب ٢/ ٢٧٤، شرح أبياته لابن السيرافي ٢/ ٤٢٨، الرد على ابن السيرافي (فرحة الأديب) ص ١٧٢، وأكثر أبو الفتح ابن جني من إنشاده في الخصائص ١/ ١٩٥، ٣/ ١٦٤، ٣٢٦، المنصف ٢/ ٤٩، ٣/ ٥٠، سر الصناعة ص ٧٧١، المحتسب ١/ ١٠٧، ٢٩٠، التمام ص ٢٥٤، الإنصاف ص ٧٨٥، ضرائر الشعر ص ١٣١، شرح شواهد الشافية ص ٣٧٤.
(٤) الشرح بحروفه منقول عن ابن السيرافي دون إشارة.
(٥) في (ب).
[ ٤ / ٤١١ ]
كبرت وتقاربت أبا عري، يريد: أنه ترك السفر إلى الملوك فإبله مجتمعة لا يفارق بعضها بعضًا.
والمعنى: أنّ الزمان حنى ظهره وقصر خطوه وأفسد ثغره وبصره.
عياييل تكسير عيل، والمراد به المتبختر المازني (^١): سألت الأصمعي: عن عيل تكسّره العرب فيقال: عيائل، يهمزونه كما يهمزون في الواوين. يعني في أول. المحفوظ في (المفصل) (أسودٌ) بالرّفع، وهو عطف بيان لقوله عياييل، وفي شعره: (أُسودٍ) -بالجر- بإضافة عياييل إلى أسود وقبله (^٢):
حُفّت بأطواد جبال وسمر
في أَشيب الغِيطان مخفوف الخطر
فيها عيَاييل البيت
يصف قناة نبتت في موضع محفوف بالجبال والشجر، يريد (^٣) حفت
_________________
(١) نقل الأندلسي في شرحه ٥/. . . شرح هذه الفقرة ورد عليه فيها ابن المستوفي في إثبات المحصل ص ٢٤٧.
(٢) البيت لحكيم بن معية الربعي، من بني سعد بن زيد مناة بن تميم. توجيه إعرابه وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٤٦، المنخل ص ٢١٧، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ٩١، شرحه للأندلسي ٥/ وهو من شواهد الكتاب ٢/ ١٧٩، شرح أبياته لابن السيرافي ٢/ ٣٩٦، الرد عليه (فرحة الأديب). . . .، المقتضب ٢/ ٢٠٣، الأصول ٢/ ٤٣١، الصاحبي ص ٣٨٢، شرح شواهد الشافية ص ٣٧٦.
(٣) هذا الشرح مأخوذ في غالبه من ابن السيرافي كما هي عادة الخوارزمي دون إشارة وقد رد أبو محمد الأعرابي على ابن السيرافي وأساء معه أدبًا فقال: " … صحف ابن السيرافي في قوله: (عياييل) أنه بالعين غير المعجمة فكذب، والصواب: (غياييل) بالغين المعجمة، جمع الغيل على غير قياس. وقوله: "وصف قناة" فإنه يهوس الإنسان فيتوهم أنه أراد بالقناة ها هنا رمحًا طعن به، وإنما أراد بالقناة هنا العزة القعساء … " ثم ذكر أبياتًا من القصيدة. وقد أورد الإِمام أبي البركات المبارك بن أحمد بن المستوفي كلامهما معًا في إثبات المحصل ص ٢٤٦ ثم قال: قلت: ارتكب أبو محمد الأعرابي في هذا الرد خطأين: أحدهما: أخذه من عرض ابن السيرافي. =
[ ٤ / ٤١٢ ]
القناة بأطواد الجبال. الخطر: الموضع الذي فيه الشجرة وحوله كالحظيرة. "فيها": أي: في هذه الأطواد.
قال جارُ الله: "ومن ذلك إعلال صيم وقيم للقرب من الطَّرف مع تصحيح صوّام وقوّام. وقولهم: فلان من صيابه قومه وقوله (^١):
* فَمَا أَرَّق النِّيام إلا سَلَامُها *
قال المُشَرِّحُ: أعلوا صيمًا وقيمًا، ولم يعلوا صوامًا وقوامًا لقرب الأول من الطرف وبعد الثاني [من الطرف] (^٢). الفراء: [هو من] صيابة قومه. وصوابة قومه أي: في صميم قومه، من أعل صيابة والنيام لم يعتد بالألف، لأنه حاجز غير حصين، ومن لم يعل اعتد به، لأنه في الجملة حاجز.
فإن سألتَ: فما الفرق بين إعلال صيم وقيم وبين نحو صيّام؟.
أجبتُ: الفرقُ بينهما حسن الإِعلال في نحو صيم وقيم وعدم حسنه في نحو قيام.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ونحو سيّد ميّت وديار ويام وقيوم قلبت فيه الواو ياءً، ولم يفعل ذلك في نحو (^٣) سوير وبويع وتسيوير وتيبويع لئلا يختلط بفعل وتفعل".
قال المُشَرِّحُ: أصل سيد سيوِد، وأصل ميت ميوِت. وأصل دياد:
_________________
(١) = والآخر: حمله (غياييل) بالغين المعجمة على جمع لا قياس له، ولم يرد وتحميله الغيطان جمع غائط إلى العيصان جمع عيص، وتفسيره بما هو بعيد من معنى هذا الشعر غير دال عليه مفهومة. وجميع ألفاظه أولى بالدلالة على ما ذكره ابن السيرافي وغيره من العلماء في باب عياييل بالعين المهملة جمع عيل على ما تقدم ذكره وسبق تفسيره".
(٢) تقدم ذكره.
(٣) في (أ).
(٤) في (أ).
[ ٤ / ٤١٣ ]
ديوَار، وأصل قيام (قيوم) قيوام وقيووم، إلا أنه قلبت فيه الواو ياءً لأن الواو والياء اجتمعتا
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وتقول في جمع مقامة ومعونة ومعيشة: مقاوم ومعاون ومعايش مصرحًا بالواو والياء ولا تهمز كما همزت رسائل وعجائر وصحائف ونحوها مما الألف والواو والياء في وحدانه مدات لا أصل لهن في الحركة".
قال المُشَرِّحُ: حق هذا الفصل أن يلي الفصل الذي أوله: "وإذا اكتنف ألف الجمع الذي بعده حرفان" حتى يظهر أن قلب الثَّانية هناك هربًا من التقاء المُتجانسين. اعلم أن مطايب ومعايس غير مقلوب إلى الهمزة، بل هو ياءٌ صريح، وكذلك مقاول ومقاوم غير معلٍّ، بل هو كما ترى واو بخلاف نحو قائل وبائع فإن اسم الفاعل يتبع مضارعه ألا ترى أنه في معناه ولذلك يعمل عمله، ومن ثم أتبعوه إياه تصحيحًا، وذلك نحو مقاول ومبايع كما أتبعوه إياه إعلالًا. أمَّا نحو عشائر وقبائل فالفرق بينه وبين معايش ظاهر، وذلك أن الإِعلال اطُّرح من وجه، والزائد بالطرح أولى.
فإن سألتَ: فكيف أعلوا مصائب؟.
أجبتُ: فرقًا بين جمع مصيبة وبين جمع مصاب من الصواب.
فإن سألتَ فكيف لم تعكس هذه القضية فتجمع بالهمز مصاب ويترك على لأصل [جمع مصيبة] (^١)؟.
أجبتُ: جمع مصاب سبق من جمع مُصيبة فأُجري على الأصل، فلما مست الحاجة إلى التفرقة في جمع مصيبة همز، فاعرفه فرقًا واضحًا.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) و(فعلى) من الياء إذا كانت اسمًا قلبت ياؤه
_________________
(١) في (ب).
[ ٤ / ٤١٤ ]
واوًا كالطُّوبى والكُوسى من الطِّيب والكَيَس، ولا تقلب في الصفة كقولك: مشية حِيْكَى وقِسْمَةٌ ضِيْزَى".
قال المُشَرِّحُ: صاحبُ الكتاب وافق أبا الحَسن الأخفش على ترك التغيير وقلب الياء واوًا في الفعلى مما (^١) عينه ياءً إذا كانت تأنيث الأَفعل كالأَفضل والفُضلى، وكذلك الطُّوبى والكُوسى في مؤنث الأَطيب والأَكيس. فإن كانت (فِعْلى) مما لا يلزمه لاستعماله بالألف واللام وذلك إذا لم يكن تأنيث الأفعل عاد الحكم فيه إلى ما مضى، وذلك قولهم: قسمة ضيزي. وصاحب الكتاب يجعل هذا فعلى -بالضم- لا محالة، لأنه ليس في كلامهم فعلى صفة، إنما هي فعلى كأنثى وحبلى، وكان القياس على قول أبي الحسن ضوزى. [وقد حكى أيضًا ضُوزى] (^٢) بقلبها واوًا فعلى إذا كان فيها ألف ولام استعملت استعمال الأسماء وإن كانت مشتقة ألا ترى أنك تقول: الصغرى والكبرى، فلا تحتاج [إلى] أن تقول: المرأة الصغرى والمرأة الكبرى.
_________________
(١) في (ب): "فيما".
(٢) في (ب).
[ ٤ / ٤١٥ ]
([القول] (^١) في الواو والياء لامين)
قال جارُ الله: "حكمهما أن يعلا أو يحذفا أو يسلما، فإعلالهما متى تحركتا وتحرك ما قبلهما إن لم يقع بعدهما ساكنٌ قلبا إلى الألف، وإن كانت حركة ما قبلهما فتحة نحو غزا ورمى وعصا ورحى أو لأحدهما إلى صاحبتهما كأغزيت والغازي ودعي ورضي وكالتَّقوى والشَّروى والجِباوة، أو إسكانًا كيَغزو ويَرمي، وهذا الغازي وراميك وحذفهما في نحو: لا ترم ولا تغز وارم واغز".
قال المُشَرِّحُ: الواو والياء إذا وقعتا موقع المتحرك وما قبلهما [مفتوح قلبتا ألفًا كغزى ورمى، واستغزى، وإن وقعتا موقع المتحرك وما قبلهما] مكسور فكلاهما ياء كالغازي والرامي ودُعي ورَضي، وإذا وقعتا موقع الساكن فإن كان ذلك في فعل ثلاثي رد إلى أصله، تقول: غزوت ورميت، وإن كان في فعل مزيد فيه فهو ياء نحو أغزيت وغازيت وذلك أن الواو مستثقل لا سيما على آخر المزيد فيه، إما لأنه ثقيل على ثقيل، وإما لأنَّه قطع آخر الكلمة بحرف قوي، وذلك خلاف الأصل فعلى -من الياء- تقلب ياؤه واوًا في الأسماء كالبقوى ولم تقلب في الصفات [كالخزيا] البقوي والشّروى يائيان، وقد مضيا. يقال: جبيت الخراج وجبوته، والياء أكثرُ. الواو والياء المتحرك ما قبله يسكن في الرفع والجر، تقول: هو يغزو ويرمي، وهذا الغازي والرامي
_________________
(١) في (ب) كتبت على هامش الصفحة مصححة، غير موجودة في المفصل (خ).
[ ٤ / ٤١٧ ]
ومررت بالغازي والرامي الواو والياء إذا وقعا موقع المجزوم سقطتا نحو لا يغزو ولا ترم واغز وارم.
قال جارُ الله: "وفي يد ودم".
قال المُشَرِّحُ: اليَد محذوفة اللام، وهي ساكنة العين، لأن جمعها أيد ويُدى، وهذا جمع فعل مثل فلس وأفلس وفلوس، ولا يجمع فُعُل بالتحريك على أفعل إلا في حروف يسيرة معدودة مثل زمن وأزمن وحبل وأحبل وعصا وأعص. الدم: أصله دَمَوٌ بالتحريك، ومنه قول بعض العرب في تثنيته: دموان أو دمى كقوله (^١):
* جَرَى الدَّمَيَان بالخَبَرِ اليَقِيْنِ *
وعليه المُبرد. وقال سيبويه أصله: دمى على فعل بالتسكين، لأنه يجمع على دماء ودمى مثل ظبي وظباء و(ظبي) ودلو ودلاء ودلي.
قال جارُ الله: "وسلامتهما في نحو الغزو والرمي، ويغزوان ويرميان، وغزوا ورميا".
قال المُشَرِّحُ: الواو والياء إذا سكن ما قبلهما فهما في تحمل الحركات بمنزلة الصحيح، وكذلك الواو والياء إذا وقعتا في آخر الفعل الثلاثي المجرد، ثم اتصل به ضمير الاثنين فهو جار مجرى الصحيح تقول غزوا ورميا كما تقول: قعدا وضربا ويغزوان ويرميان كما تقول: يقعدان ويضربان.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ويجريان في حركات الإِعراب مجرى الحروف الصحاح إذا سكن ما قبلها في نحو دلو وظبي وعدو وعدي وواو (وزاي) وآي" (^٢).
_________________
(١) صدره: * ولو أنا على حجر ذبحنا * تقدم ذكره في الجزء الأول.
(٢) بعدها في (أ): "وبحورًا" ولم أجد له ذكرًا في نسخ المفصل.
[ ٤ / ٤١٨ ]
قال المُشَرِّحُ: فصل الشيخ -﵀- ها هنا ما أجمله في الفصل المتقدم من أن الياء والواو إذا سكن ما قبلهما جرتا مجرى الصحيح، سواء كان الساكن حرفًا صحيحًا أو حرفًا مدغمًا أو حرف علة.
قال جارُ الله: "وإذا تحرك ما قبلهما لم يتحملا إلا النّصب نحو لن يغزوَ ولن يرميَ وأريد أن أستقي وتستدعيَ، ورأيت الرامي والعمى والمضوضى".
قال المُشَرِّحُ: الأصمعي (^١): الضوة: الصوت والجلبة، يقال سمعت ضوة القوم والضوضاء: أصوات الناس وجلبتهم، يقال: ضوضوا بلا همز.
قال جارُ الله: "وقد جاء الإِسكان في قوله:
* أَبى اللهُ أن أَسْمُوا بأمِّ ولا أبِ*
وقال الأعشى:
فَآلَيْتُ لا أَرْثِيْ لَهَا مِنْ كَلَالَةٍ … وَلا مِنْ حَفًى حَتَّى تُلاقِي مُحَمَّدًا
وقوله:
* يا دارُ هندٍ إلَّا أَثَافِيْهَا *
وفي المثل (^٢): "أعطِ القَوْسَ باريها".
_________________
(١) نقل الأندلسي في شرحه ٥/ ٩٦ شرح هذه الفقرة كلها دون إشارة. والخوارزمي إنما نقلها من الصحاح ٦/ ٢٤١٠ (ضوا).
(٢) ينظر أمثال أبي عبيد ص ٢٠٤، المستقصي ١/ ٢٤٨، مجمع الأمثال. قال ابن المستوفي: "قوله: "أعط القوس باريها" يضرب مثلًا في أن يستعين الرجل في عمله بأهل الحذق به والمعرفة له، وأنشدوا: يا باري القوس بريًا ليس يحسنه … لا يفسدنها وأعط القوس باريها وقرأته على شيخنا أبي الحرم مكي بن ربان ﵀ في الأمثال لأبي الفضل أحمد بن محمد الميداني "أعط القوس باريها". بفتح الياء " ونصه مفيد جدًا. مجمع الأمثال ٢/ ٣٤٥.
[ ٤ / ٤١٩ ]
قال المُشَرِّحُ: أصل السكون في [هذا إنما هو] (^١) للألف، لأنها لا تتحرك أبدًا، ثم شبهت الياء بالألف لقربها منه، فجاء عنهم مجيئًا كالمستمر نحو قوله (^٢):
كأنَّ أيديهن بالمَوماةِ
أيدي جوارٍ بُتْن ناعِمَاتِ
وقوله (^٣)
كأن أيديهن بالقاع القرق
أيدي جوار يتعاطين الورق
ابن جني (^٤): وكان أبو العباس يذهب إلى أن إسكان هذه الياء في موضع [النَّصب] من أحسن الضرورات، ثم شبهت الواو بالياء في ذلك. قال الأخطل (^٥):
* إذا شئت أن تلهو ببعض حديثها *
وعليه قراءة من قرأ (^٦): ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي﴾ ساكنة اللام.
_________________
(١) ف (أ): "في هذه الأسماء هي الألف".
(٢) المحتسب ١/ ١٣٥، ٢/ ٧٤، اللآلئ للبكري ٢/ ٧٥٥.
(٣) في (ب): "وقال"، والبيتان لرؤية في ديوانه ص ١٧٩ (ملحقات). وينظر: الخصائص ١/ ٣٠٦، ٢/ ٢٩١، المحتسب ١/ ١٢٦، أمال ابن الشجري ١/ ١٠٥. الخزانة ٣/ ٥٢٩.
(٤) المحتسب ١/ ١٢٦، وينظر: ضرائر الشعر ص ٩٠.
(٥) ديوانه ص ٣٠٣، وعجزه: لله * رفعن وأنزلن القطين المولدا * وهو في المحتسب ١/ ١٢٦، الخصائص ٢/ ٣٤٢، ضرائر الشعر ص ٩٠.
(٦) سورة البقرة: ٢٣٧. وهي قراءة الحسن والشَّعبي وأبي نهيك. (المحتسب ١/ ١٢٥، البحر المحيط ٢/ ٢٣٦، ٢٣٧).
[ ٤ / ٤٢٠ ]
البيت الأول لعامر بن الطفيل، وقبله (^١):
وإني وإن كنتُ ابنَ سيّدِ عامرٍ … وفارِسَها المَشْهُور في كلّ موكبِ
فَمَا سوّدتني عامرٌ عن وِرَاثَةٍ … أبى الله أَنْ أسمو بأمٍّ ولا أَبِ
حتى تلاقي محمدًا" (^٢) يحتمل أن يكون على حكاية الحال المستقبلة كما في قوله (^٣): ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ ويحتمل أن يكون الخطاب لناقته وحينئذ يستفحل المعنى، وهذا كقوله تعالى (^٤): ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ [وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾]، بعد قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾.
الأخفش (^٥): في قولهم [أثاف: لم يسمع من العرب بالتثقيل وقال الكسائي وقد سمع فيها التثقيل، وأنشد] (^٦):
* أَثَافِيَّ سُفْعًا في معرّس مُرْجلٍ *
_________________
(١) ديوانه ص ٢٨. قال ابن المستوفي: ويروى: إني وإن كنت ابن سيد عامر … وفي السر منها والصريح المهذب توجيه إعرابه وشرحه في إثبات المحصل ص ٢٤٩، المنخل ص ٢١٨، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ١٠٠، ١٠٢. وينظر: الخصائص ص ٣٤٢، المحتسب ١/ ١٢٧، ضرائر الشعر ص ٩٠، المغني ص ٦٧٧، الخزانة ٣/ ٥٢٧ شرح شواهد الشافية ص ٤٠٤.
(٢) البيت في ديوان الأعشى ص ١٠٢ (حتى تزور محمدًا). توجيه إعرابه وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٤٩، المنخل ص ٢١٨، شرح المفصل لابن بعيش ١٠/ ١٠٠، ١٠٢. وينظر: أمالي ابن الشجري ١/ ١١٢.
(٣) سورة النحل: ١٢٤.
(٤) سورة الفاتحة: ٤.
(٥) هذا النقل عن الأخفش لم أجده في مصادره وهو فى شرح شواهد الشافية ٤١٠ عن ابن المستوفي عن الخوارزمي.
(٦) البيت لزهير بن أبي سلمى في شرح ديوانه ص ٧ وعجزه: * ونؤيا كجذم الحوض لم يتثلم *
[ ٤ / ٤٢١ ]
وقرئ (^١): ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ و﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (^٢) الياء فيه (كله) (^٣) خفيفة ساكنة، وهي جمع أثفية فعليه عند من قال أَثَّفْتُ، وأفعولة عند من قال: ثَفَّيْتُ. يحتمل أن يكون قوله: "ألا أثافيها" (^٤) من باب الحمل على المعنى، كأنه قال لم يَبق إلا أثافيها.
قال جارُ الله: "وهما في حال الرَّفع ساكنان، وقد شذَّ التَّحريك في قوله (^٥):
* موالىٍ كَكِبَاشِ العُوْس سُحَّاحِ *
قال المُشَرِّحُ: العُوس -بالضم- ضربٌ من الغنم، يقال: كبشٌ
_________________
(١) سورة البقرة: ٧٨. والقراءة في معاني القرآن للفراء ١/ ٤٩، المحتسب ١/ ٩٤، البحر المحيط ١/ ٢٧٦.
(٢) سورة النساء: ١٢٣.
(٣) في (أ): "كلمه".
(٤) قال ابن المستوفي في إثبات المحصل ص ١٤٩. "ذكره أبو محمد يوسف بن الحسن السيرافي للحطيئة، وذكره السيرافي لبعض السعديين ووجدته في بعض حواشي الكتاب لبعض السعديين أيضًا. ورواه سيبويه لرجل سعدي في نسخة أبياته. ولم أره في ديوان الحطيئة جرول بن أوس ابن جرية" وهو للحطيئة في ديوانه ص ١١١. * بين الطوى فصارات فواديها * توجيه إعرابه وشرحه في: إثبات المحصل: ٢٥٠، المنخل ص ٢١٨، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ١٠٣. وينظر: الكتاب ٢/ ٥٥، شرح أبياته لابن السيرافي ٢/ ٣١٩، الخصائص ١/ ٣٠٧، ٢/ ٢٩١، ٣٤١، ٣٦٤، المحتسب ١/ ١٢٦، ٢/ ٣٤٣، ضرائر الشعر ص ٩٢، شرح شواهد الشافية ص ٤١٠.
(٥) البيت لجرير، ولم يرد في ديوانه، وصدره: * قد كان يذهب بالدنيا ولذتها * توجيه إعرابه وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٥٠، المنخل ص ٢١٩، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ١٠١. وينظر: فرحة الأديب ص ١٢٩، ضرائر الشعر ص ٢٢٤، شرح شواهد الشافية ص ٤٠٢. قال ابن المستوفي: "أنشده أبو بكر محمد بن السري بن السراج في كتابه لجرير وبعده: ما منهم واحد إلا بحجرته … لبابة من علاج القين مفتاح
[ ٤ / ٤٢٢ ]
عوسِيٌّ. لحم سَحّاح: -بالحاء المهملة- سمين، قال الأصمعي: كأنه [من سِمَنه] يصب الوَدَك. وغنم سُحاح: سمان.
قال جارُ الله: "ولا يقع في المجرور إلا الياء، لأنه ليس في الأسماء المتمكنة ما آخره واوٌ قبلها حركة".
قال المُشَرِّحُ: لأن ما آخره واو متحركٌ ما قبلها وهو مجرور، ولا [وجود له] (^١) رأسًا، وأَمَّا في الأسماء فظاهرٌ، وهذا لأنَّه ليس فيها ما آخره واوٌ متحرك ما قبلها إلا كلمة "هو" و"هي" مرفوعة. وأما في الفعل فلأنه وإن كان كثيرًا [ما] يقع في آخر الفعل الواو المتحرك ما قبلها نحو يغدو ويعزو، لأنه (^٢) يستحيل الجو على الفعل.
قال جارُ الله: "وحكمُ الياءِ في الجَرّ حكمها في الرفع، وقد روى لجرير:
فيومًا يجارين الهَوى غير ماضِيٍ … ويومًا ترى منهنّ غُولًا تَغَوّل
وقال ابن الرقيات (^٣):
لا بَارَكَ الله في الغَوَاني هَلْ … يُصْبِحْنَ إلّا لهن مُطَّلَبُ
وقال آخر (^٤):
_________________
(١) في (أ): "لا وجه له".
(٢) في (أ): "لكنه".
(٣) ديوانه ص ٦٨. توجيه إعرابه وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٥١، المنخل ص ٢٢٠، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ١٠٣. وينظر: الكتاب ٢/ ٥٩، شرح أبياته لابن السيرافي ١/ ٥٩٦، الرد عليه للأسود (فرحة الأديب) ص ١٢٩، الأصول ٣/ ٤٤٢، الخصائص ١/ ٢٦٢، المنصف ٢/ ٦٧، المحتسب ١/ ١١١ المقرب ١/ ٢٠٩، أمالي ابن الشجري ٢/ ٢٢٦، المغني ١/ ٢٤٣، شرح أبياته للبغدادي ٤/ ٣٨٦.
(٤) توجيه إعرابه وشرحه في إثبات المحصل ص ٢٥٢، المنخل ص ٢٢٠، شرح المفصل لابن =
[ ٤ / ٤٢٣ ]
ما أَنْ رَأَيْتُ ولا أَرى في مدَّتي … كَجَوَارِىٍ يَلْعَبْنَ في الصَّحراءِ"
قال المُشَرِّحُ: أبو العباس (^١): كان أبو عثمان ينشده:
* فيَومًا تُوافيني الهوى ليس ماضيًا *
يقول: أنى يكون (^٢): ومعنى "غير ماضي" جامد لا مضي له ولا استمرار، اطّلب: تكلف الطلب، كما أن ادَّخل: تكلف الدخول يريد يطلبهن الرجال (^٣) أو يطلبن الرجال. قائلو هذه الأبيات لم يستثقلوا الكسرة عليها لضرورة الشّعر كما لا تستثقل الفتحة.
قال جارُ الله ويَسقطان في الجزم سقوط الحركة، وقد ثبتا في قوله (^٤):
_________________
(١) = يعيش ١٠/ ١٠١. وينظر: أمالي الزجاجي ص ٦٥٤، ضرائر الشعر ص ٤٤، الخزانة ٣/ ٥٢٦، شرح شواهد الشافية ص ٤٠٣.
(٢) البيت لجرير في ديوانه ص ١٤٠. توجيه إعرابه وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٥٢، المنخل، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ١٠١، ١٠٤. وينظر: الكتاب ٢/ ٥٩، نوادر أبي زيد ص ٥٢٤، المقتضب ١/ ١٤٤، ٣/ ٣٥٤، الأصول ٣/ ٤٤٣، الشعر لأبي علي ص ٢٠٦، الخصائص ٣/ ١٥٩، المنصف ٢/ ٨٠، ١١٤، أمالي ابن الشجري ١/ ٨٦، ضرائر الشعر ص ٤٢. وما نسبه المؤلف هنا إلى أبي العباس مأخوذ من المنصف ٢/ ٨٠ وعبارته: "وحكى أبو علي عن أبي العباس أن أبا عثمان كان ينشده … ". ونقله ابن المستوفي عن أبي سعيد السيرافي قال: فيما قرأته على إبراهيم بن عرفة من شعر جرير … وينظر شرح أبي سعيد ١/ ٢٠٩ (مخطوط).
(٣) في (ب): "أي تلوى".
(٤) ساقط من (ب).
(٥) قائله أبو عمرو بن العلاء، واسمه زبان على الأصح. توجيه إعرابه وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٥٢، المنخل، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ١٠٤، شرحه الإِيضاح ٢/ ٤٥٨. وينظر: معاني القرآن ١/ ١٦٢، ٢/ ١٨٨، المنصف ٢/ ١١٥، ضرائر الشعر ص ٤٥، شرح شواهد الشافية ص ٤١٦.
[ ٤ / ٤٢٤ ]
هَجَوْتَ زَبَّان ثم جِئْت مُعْتَذِرًا … من هَجْوِ زَبَّان لم تَهْجُو وَلَمْ تَدَعِ
وقوله:
أَلَمْ يَأْتِيْكَ والأَنْبَاءُ تَنْمِي … بِمَا لَاقت لبونُ بَنِي زِيَادِ"
قال المُشَرِّحُ: أثبت الواو في "لم تهجو" والياء في "ألم يأتيك" ساكنةً في الجَزم، لأنه اكتفى بحذف الحركة المقدرة [فيه] (^١) علامةً للجزم، وهذا هو القياس كما في الوقف والاستحسان أن تسقط الياء، لأنه لا بد أن يسقط الجازم شيئًا، ولا حركة ها هُنا فيسقطها فيَسقط الحرف الذي هو محلّ الحركة يقول: لم تَهْجُ، لأنك اعتذرت، ولم تترك الهجو لأنك هجوت.
ما بعد البيت الثاني (^٢):
ومَحْبِسُها على القُرَشِيّ تُشْرَى … بأَدْرَاعٍ وأسْيَافٍ حِدَادِ
يقول: ألم يأتيك خبر لبون بني زياد بما لاقت، ويحتمل أن تكون الباءُ مزيدةً، كقولك: "بحسبك درهم" و(^٣) ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ويحتمل أن يكون على التضمين. [قال ابن جني]: زاد الباء في "بما لاقت" لما كان معناه: ألم تسمع بما لاقت. وبنو زِيَادٍ: الرَّبيع بن زياد العَبْسِيّ وإخوته. وعنى
_________________
(١) أسقط الناسخ في (أ) هذه الكلمة وكرر الكلمة التي قبلها.
(٢) البيت لقيس بن زهير العبسي في شعره ص ٢٩ وفيه: (ألم يبلغك). توجيه إعرابه وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٥٢، المنخل ص ٢٢٠، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ١٠٤، شرحه الإِيضاح ٢/ ٤٥٨. وينظر: الكتاب ٢/ ٥٩، شرحه للسيرافي ١/ ٢٠٩، شرح أبياته لابنه ١/ ٣٤٠، معاني القرآن ١/ ١٦١، نوادر أبي زيد ص ٥٢٣، الأصول ٣/ ٤٤٣، الجمل للزجاجي ص ٢٥٧ الحجة لأبي علي ١/ ٢٤٤، الشعر لأبي علي ص ٢٠٤، المحتسب ١/ ٦٧، المنصف ٢/ ٨١، سر الصناعة ص ٧٨، ٦٣١، الخصائص ١/ ٣٣٣، ٣٣٦، الإِنصاف ص ٢٤، ضرائر الشعر ص ٤٥، شرح شواهد الشافية ص ٤٠٦.
(٣) سورة النساء: ٧٩.
[ ٤ / ٤٢٥ ]
باللبون ها هنا جماعةُ النُّوق التي لها لبن. والقرشي عبد الله بن جدعان التَّيمي. وتُشرى: تُباع ويؤخذ بثمنها دروع وسيوف.
وسبب هذا الشِّعر (^١) أن الرَّبيع بن زياد طلب من قيس بن زهير درعًا فبينا هو يخاطبه والدّرع مع قيس إذ أخذها الرَّبيع وذهب بها فلقي قيس أم الربيع وهي فاطمة ابنة الخرشب فأسرها ليرتهنها حتى يرد عليه درعه الربيع فقالت له: يا قيس: [أين] عزب عقلك؟ أترى بني زياد مصالحيك وقد أخذه أمهم فذهبت بها وقد قال النَّاس ما قالوا، و"يكفيك من شر سماعه" (^٢) فخلى عنها وأخذ إبل الرَّبيع. فسار (^٣) إِلى مكة فاشترى بها من عبد الله بن جدعان سلاحًا.
قال جارُ الله: "وفي بعض الروايات عن ابن كثير (^٤): ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِر﴾.
قال المُشَرِّحُ: هذه رواية ابن مجاهد عن قنبل عن القواس ان ابن كثير والوجه فيه أن تجعل ﴿مَنْ يَتَّقِ﴾ الذي يتقي، لاتحاد معنيهما.
فإن سألتَ: فلم انجزم المعطوف؟.
أجبتُ: لشيئين:
(أحدهما) (٥): أن "الذي" وإن لم يتضح شأنه في الشرط عند دخوله عليه [اتضاح معناه عند دخوله] (^٥) فبعد تمام الشرط قد اتضح شأنه فيه لو
_________________
(١) القصة مشهورة في كتب الأدب والأمثال يراجع: الفاخر ص ٢٦٥، جمهرة الأمثال ١/ ٣٤٤، فصل المقال ص ٨١، المستقصي ص ٢٠٤، مجمع الأمثال ١/ ١٣١.
(٢) لفظه: (حسبك من شر سماعه).
(٣) في (أ): "فساقها".
(٤) سورة يوسف: ٩٠. ينظر: السبعة لابن مجاهد ص ٣٥١، التيسير ص ١٣١، البحر المحيط ٥/ ٣٤٢.
(٥) ساقط من (أ).
[ ٤ / ٤٢٦ ]
أتيت بجملة اسمية في مقام الجزاء لـ "الذي" لأدخلت عليه الفاء، كما تدخله عليها إذا أتيت بها في مقامِ الجزاء لـ "من" فمتى عطفت على الشرط الذي دخل عليه"الذي" جازَ أن لم تجزمه، [لأنه] (^١) قد ظهر الأول في مقامِ الجَزْم.
والثَّاني: أن يكون من باب المزاوجة كما في "أتيتك بالغَدايا والعَشايا" وهذا لأن الأول ساكن فكذلك ينبغي يكون الثاني.
فإِن سألتَ: فهل يجوز تقدر في الياء الحركة حتى يسقطها الجازم فتَبقي الياء كما في سائر الحُروف صحيحة (^٢)؟.
أجبتُ: قال الشَّيخ أَبو عليٍّ الفارسي: وهذا لا يُحمل (^٣) عليه لأنه مما يجيء في الشعر دون الكلام.
قال جارُ الله: "أما الألف فتثبت ساكنة أبدًا إلا في حالة الجزم فإنها تَسقط سقوطها نحو لم يخشَ ولم يَدع، وقد أثبتها من قال:
* كأنْ لَم تَرَىْ قَبْلِي أَسِيْرًا يَمَانِيا *
ونحوه:
ما أَنْسَ لا أنساهُ آخر عِيْشَتِي … ما لاحَ في المَعْزَاءِ (^٤) رَيع سَرَابِ
ومنه:
* ولا تَرضَّاها ولا تَمَلّقِ *"
_________________
(١) في (أ): "وقد ظهر … ".
(٢) ساقط من (ب).
(٣) في (ب): "يحتمل".
(٤) في (ب): "العزاء" قال البغدادي في الخزانة: "المعزاء -بفتح الميم وسكون العين المهملة بعدها زاي معجمة- الأرض الصلبة الكثيرة الحصا". والريع تموج السراب.
[ ٤ / ٤٢٧ ]
قال المُشرِّحُ: أثبت الألف في "ترى". وصدر البيت (^١):
وتَضْحَكُ منّي شَيْخَةٌ عَبْشمِيَّةٌ … كأنْ [لم تَرَىْ] (^٢) البيت
"ما" في البيت الثاني للمُجازاة، وهي جازمةٌ، وقد بقى الألف في "لا أَنْسَاه" (^٣).
الريع: -بالفتح- الفضل والزيادة. وأثبت الألف في "ولا ترضاها" في مقام النهي. "ترضاه" طلب رضاه. وقبله (^٤):
إذا العَجُوْزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقْ
ولا تَرَضَّاهَا ولا تَمَلّقْ
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) ولرفضهم في الأسماء المتمكنة أن تتطرف الواو بعد متحرك قالوا في جمع دَلْو وحَقْو على أفعل وجمع عَرْقُوَة وقَلَنْسُوَة على حدِّ تَمرة وتمر أدل وأحق وعرق وقلنس قال (^٥):
_________________
(١) هو عبد يغوث بن وقاص الحارثي، ومناسبة الشعر الذي منه الشاهد ذكرتها في الجزء الأول. توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل ص ١٤، المنخل ص ٢٢١. وينظر: سر الصناعة ص ٧٦، ضرائر الشعر ص ٤٧.
(٢) في (أ)
(٣) البيت لحصين بن قعقاع بن معبد بن زرارة من بني دارم ابن تميم. توجيه إعرابه وشرحه في: إثبات المحصل ص ١٤، المنخل ص ٢٢٢، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ١٠٤، ١٠٧. وفي موضعه خرم في إثبات المحصل، ونقل عن إثبات المحصل في هذا الموضع البغدادي في شرح شواهد الشافية ص ٤١٤. وينظر: الشعر لأبي علي ص ٢٠٤، أمالي ابن الشجري ١/ ٨٦.
(٤) هو رؤبة، والبيتان في ديوانه ص ١٧٩. توجيه إعرابه وشرحه في: إثبات المحصل ص ١٤، المنخل ص ٢٢٢، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ١٠٦، شرحه الإِيضاح ٤٦٠٢. وينظر: الشعر لأبي علي ص ٢٠٥، الخصائص ١/ ٣٠٧، سر الصناعة ص ٧٨، أمالي ابن الشجري ١/ ٨٦، الإِنصاف ص ١٦، الخزانة ٣/ ٥٣٣، شرح شواهد الشافية ص ٤٠٩، شرح أبيات المغني ٢/ ٣٥٥.
(٥) توجيه إعرابه وشرحه في: المنخل ص ٢٢٢، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ١٠٧. =
[ ٤ / ٤٢٨ ]
لا صَبْرَ حَتَّى تَلْحَقِي بِعَنّسِ
أَهْلِ الرِّياطِ البِيْضِ والقَلَسْ
فأبدلوا من الضمة الواقعة قبل الواو كسرة لتنقلب ياء مثلها في ميزان وميقات".
قال المُشرِّحُ: اعلم أنه ليس في الأسماء المظهرة اسم آخر واو وما قبله مضموم فإذا اتفق مثل ذلك في الجمع كسر ما قبله حتى تنقلب الواوُ ياءً وذلك في نحو أدل وأحق. عَنْسٌ -بالنون-: وهي قبيلة من اليمن (^١). الرّياط: بالياء المثناة التحتانية.
قال جارُ الله: "وقالُوا: قَلَنْسُوةٌ وقَمَحْدُوَةٌ وأُفْعُوَان وعُنْفُوان حيث لم تتطرف الواو ونظير ذلك الإِعلال في الكساء والرّداء، وتركه في نحو النّهاية والعظاية والصلاية والشقاوة والأبوة والأخوة والثِّنَايَيْن والمَذْرَوَيْن".
قال المُشَرِّحُ: وأمَّا قَلَنْسُوَةٌ وقَمَحْدُوَةٌ فالواو فيهما وإن وقعت لامًا إلا أنها لم تتطرف، والكلام في المتطرف. وقَلَنْسُوَةُ من أدلٍ بمنزلة الشّقاوة من الكساء [وكذلك الثنايان والمذروان: القياس فيهما قلب الياء واوًا، كما في الكساء] (^٢) إلا أنهما لم ينقلبا، لأنهما في حكم ما لم يتطرف. وأما الأبوة والأخوة فسيأتي الكلام فيه في الفصل الثاني. القَمَحْدُوَةُ: ما خَلْفَ الرَّأس، وجمعها قَمَاحِدٌ.
قال جارُ الله: "وسأل سيبويه الخليل (^٣) عن قولهم: صلاة وعضاة وعباة
_________________
(١) = وينظر: الكتاب ٢/ ٦٠، المقتضب ١/ ١٨٨، الخصائص ١/ ٢٣٥، المنصف ٢/ ١٢٠، ٣/ ٧٠.
(٢) نسب عدنان واليمن الكبير ص ٣٣٧، جمهرة أنساب العرب ص ٤٠٥.
(٣) ساقط من (أ).
(٤) الكتاب ٢/ ٣٨٣.
[ ٤ / ٤٢٩ ]
فقال: إنما جاؤوا بالواحد على قولهم: صلاء وعضاء، وأمَّا مَنْ قال: صِلَايَة وعَبَاية فـ[ـإنه] لم (^١) يجئ بالواحد على الصلاء والعباء كما أنه إذا قال: خصيان لم يثنه على الواحد المُستعمل في الكلام".
قال المُشَرِّحُ: يريد: إن الواحد ها هنا مبني على الجمع.
فإن سألتَ: الجمع أبدًا مبني على واحد فعكس ذلك عكس الحقيقة؟.
أجبتُ: الجمع ها هنا جنسٌ، والواضع أبدًا يضع الاسم بإِزاء الجنس أولًا، لأنه المُقدم في نظيره، ثم بإزاء المفرد بخلاف رجلٍ ورجال لأنَّ قولنا: رجلٌ جنسٌ، ورجال -وإن كان جنسًا أيضًا- إلا أن الأول جنس أفراده أفراد، والثاني جنس أفراده جماعات، والجنس الذي أفراده أفراد مقدم عندنا في نظر (^٢) الواضع على الجنس الذي أفراده جماعات أما ها هنا فبخلافه، لأن الجمع جنسٌ، والفردُ فردٌ، ولأنَّ الفردَ ها هنا (^٣) محتَوٍ على الياء وذلك مُقتضى تأخره (^٤) عما لا ياءَ فيه. فأمّا خصيان فقد مضى في صِنف المثنى.
قال جارُ اللَّه: "وقالوا عُتِيّ وجُثِيّ وعُصِيّ (^٥) ففعلوا بالواو المتطرفة بعد الضمة في فعول مع حجز المدة بينهما ما فعلوا بها في أدل وقلنس، كما فعلوا في الكساء نحو فعلهم (^٦) في العصا، وهذا الصنيع مُستمر فيما كان جمعًا إلا ما شذَّ من قول بَعضهم: إنّك لتنظر في نُحُوٍ كثيرةٍ ولم يستمر فيما ليس بجمع قالوا عُتُو ومغزوّ، وقد قالوا: عتى ومغزى. قال:
_________________
(١) في (أ): "فلم يجيء … ".
(٢) في (ب): "في نظير".
(٣) في (أ)
(٤) في (ب): "تأخيره".
(٥) ساقط من (ب).
(٦) في (ب): "قولهم".
[ ٤ / ٤٣٠ ]
وَقَدْ عَلِمَتْ عُرْسِي مُلَيْكَةُ أَنّنِي … أَنَا اللَّيْثُ معدِيًّا عَلَيْهِ وَعَادِيَا
وقالوا: أرض مسبئة، ومرضى، وقالوا: مرضو على القياس".
قال المُشَرِّحُ: أصلُ عُتُي وجُثُي عُتُوّ (وجُثُو) وتَوهموا الواو الأَخيرة مع اليَاء المضمومة قبل الواو وإن حجز بينهما المدّة وهي الواو الأُولى إلا أنها لسكونها حاجزةُ غير حصينة بمنزلة أدلو ففعلو بها ما فعلوا بأدلو وذلك أنهم كسروا [التاء كما كسروا] اللام هناك حتى انقلبت الواو ياء وهذا الفعل منهم في الجمع دون المفرد على ما يأتي. الواو في العصا إنما تُقلب ألفًا لوقوعها طرفًا، وفتحة ما قبلها بلا فاصل والواو في الكساء قلبت ألفًا [عن الهمزة] لفتحة ما قبلها وإن حجز بينهما الألف، لأنه حاجزٌ غيرُ حصينٍ ثم قلبت الألف همزة.
البيت لعبدِ يَغوث بن وقّاص (^١) الحارثي. عرس الرجل: زوجته، يقول: من عدا عليه فهو بمنزلة من عدا على الأسد، فهو يهلك من قصده وإذا قَصد شيئًا هو أهلكه.
قال جارُ الله: "قال سيبويه: والوجه في هذا النحو الواو والأخرى عَربية كثيرةٌ، والوجه في الجمع الياء".
قالَ المُشَرِّحُ: الوجهُ في المفرد إجراؤُهُ على الأصل، وإجراؤه بمنزلةِ الجَمع أيضًا عربي. والوجهُ في الجمع الياء لأنه أثقل من المفرد، ومن ثم كان الأخفش يقصر القلب في نحو بيض في الجمع.
_________________
(١) بيت عبد يغوث هذا من القصيدة التي أشرت إليها آنفًا أنها في الجزء الأول من هذا الكتاب. توجيه إعرابه وشرحه في: إثبات المحصل ص ١٤، المنخل ص ٢٢٣، شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ١١٠. وينظر: الكتاب ٢/ ٣٨٢، المنصف ١/ ١١٨، المحتسب ٢/ ٢٠٧، سر صناعة الإِعراب ٢/ ٦٩١، شرح شواهد الشافية ص ٤٠٠.
[ ٤ / ٤٣١ ]
قال جارُ الله: " (فصلٌ) والمقلوب بعد الألف يشترط فيه أن تكون الألف مزيدةً مثلها في كساءٍ ورداءٍ، فإن كانت أصلية لم تُقلب كقولك: واو وزاي وآية وثاية".
قالَ المُشَرِّحُ: اللام في مثل هذا المقام حيث تنقلب ألفًا تنقلب لفتحة ما قبل الألف، وعدم الاعتداد بالألف، فإذا كانت الألفُ مزيدةً فهي أولى بأن لا يعتد بها من أن تكون أصلية ولذلك ترى الزوائد يطرحها الجمع.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) والواو المكسورة ما قبلها مقلوبة لا مَحالة نحو غازية ومحنية، وإذا كانوا ممن يقلبها وبينها وبين الكسرة حاجز فى نحو قنية وهو ابن عمي دُنيا فهم لها بغير حاجز أقلب".
قال المُشَرِّحُ: هو ابن عمي دُنيا، أي: دانيًا لاصقَ النَّسب، وانتصابه على الحال كما في قولهم: هو ابن عمي لَحًّا، وتقول: هو ابن [عم] دنى ودنيا ودنيا: إِذا ضممت الدال لم يجز الإِجراء وإذا كسرت فلك فيه الأمران.
قنوتُ الغنمَ وغيرها قنوًا وقنوةً وقنيتها أيضًا قنيةً وقنيةً: إذا اقتنيتها لنفسك لا للتجارة. الياء في قنية على معتقد الشَّيخ -﵀- منقلبةً عن الواو للكسرة ما قبلها. وأمَّا الحاجزُ فهو غيرُ حصينٍ لسكونه، وهكذا الياء في دُنيا لأنَّه من الدُّنُوِّ.
فإن سألتَ: فلمَ قُلبت الواو ياءً في هذين المثالين لكسرة ما قبلهما، ولم تقلب الياء واوًا لضمة ما قبلها في قولهم: صبية وصبيان على لغة من ضم [الصاد] (^١) فيهما؟.
أجبتُ: أنه تحاشى ما تحاشى عنه من كتب ضحا بالألف.
فإن سألتَ: فما تقول في عروة وعدوة؟.
_________________
(١) في (أ): "الدال".
[ ٤ / ٤٣٢ ]
أجبت عنه من وجهين:
أحدهما: أنه لم يتطرف الضعف إلى اللام بالقلب فيها فجاز أن لا يعمل ما ذكرناه من الموجب بقلب الواو ياء بخلاف قنية ودنيا فإِنه قد تطرق الضعف إليهما بقلب لاميهما ياء.
الثاني: أنه لو قلب الواو ياء في صبية وصبيان للزم من ذلك اجتماع المتقاربين بغير ادغام، وذلك عندهم مكروه وهذا لأن الباء شفهية [والياء شفهية] (^١).
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وما كان (فَعلى) (^٢) من الياء قلب ياؤه واوًا في الأسماء كالتقوى والبقوى والرعوى والشروى والعوا، لأنه من عويت، والطغوى لأنها من الطغيان، ولم تقلب في الصفات نحو (خزى وصدى) (^٣) وريا".
قال المُشَرِّحُ: أعلم أنهم لما قصدوا الفرق بين الاسم والصفة بقلب الياء واوًا في أحدها جعلوا القلب في الاسم دون الصفة، وذلك أن الواو أثقل من الياء والاسم أخف فجعلوا الأثقل على الأخف تعديلًا، ولأن الصفة لا تخلو عن نوع ملاحظة للفعل المضارع قلبًا وتصحيحًا ولذلك أعل نحو قائم وبائع، ولم يعل نحو مقاوم ومبايع.
فإن سألتَ: الاسم أحمد من الصفة فلا يليق به أيضًا القلب؟.
أجبتُ: الاسم إذا كان أحمد من الصفة فالقلب به أولى؛ لأنه يكون الفرق به (^٤) أدوم وأبقى. العواء: كوكب. وفي "الصحاح" (^٥) يقال: إنها ورك
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) في (ب): "على فلعى" وهي غير موجودة في المفصل.
(٣) في (أ): "حديا وصديا".
(٤) ساقط من (ب).
(٥) الصحاح ٦/ ٢٤٤٢ (عوى).
[ ٤ / ٤٣٣ ]
الأسد وفي (شيرزيات) الشيخ أبي علي: زعم أبو إسحاق أنها سميت بذلك للانعطاف الذي فيها كأنها الف معطوفة الذنب، وهو من عويت الحبل، أي: فتلته ومد بعضه فقال: العواء. قال الشيخ أبو علي الفارسي: وهذا عندنا غلط، لأن اللام التي هي ياء إنما يتدل منها الواو في (فعلى) نحو بقوى وشروى ورعوى، وأما (فعلاء) الممدود فلا يبدل من لامها التي هي ياء الواو، بل قد أبدلت من الواو والياء في نحو العليا، أنشد الشيخ -﵀-:
سَقَا الإِله دارُهَا فَرَوّى
نجم السّماك بعد نجم العوا
قال جارُ الله: "ولا يفرق فيما كان من الواو نحو دعوى وعدوى (^١) وشهوى ونشوى".
قال المُشَرِّحُ: إنما لم يفرق ها هنا بين الاسم (والصفة) (^٢) تعديلًا، وذلك أنه لو فرق بينهما لقلبت الواو ياء في الصفة تعديلًا، وذلك غير ممكن ها هنا، ضرورة أن المؤنث إما أن يستتبع المذكر في ذلك أو لا يستتبعه، فلئن استتبعه لزم من ذلك عكس الحقيقة ولئن لم يستتبعه لم يكن المؤنث على نهج المذكر.
قال جارُ الله: "و(فُعلى) (^٣) تقلب واوها ياءً في الاسم دون الصّفة فالاسمُ نحو الدُّنيا والعُليا والقُصيا، وقد شذ القُصوى وحُزوى. والصفة قولك -إذا بنيت فعلى من غزوت- غزوى".
قال المُشَرِّحُ: ابن جني في "شرح تصريف المازني" إنما ذكر الدُّنيا والعليا والقصيا، لأنها -وإن كانت أصلها صفات فإنها الآن خرجت إلى
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) في (ب)
(٣) في (ب): "قال جار الله: فصل … " وهذا غير موجود في المفصل أيضًا (خ).
[ ٤ / ٤٣٤ ]
مذهب الأسماء كما تقول في الأجرع والأبرق والأبطح أنها الآن أسماء لكنَّهم [قد] استعملوها استعمال الأسماء. وإن كانت في الأصل صفات، ألا تَراهم قالوا: أبرق وأبارق وأجرع وأجارع فصرفوا أبرقًا وأجرعًا وجمعوها على مثال محمد وأحامد. وأما (القصوى) و(حزوى) فهما في الأصل وصفان لكن القصوى مما استغنى فيه الصفة عن الموصوف كالصاحب، بل يجوز لك أن تقول: الغاية القصوى. وأما (حزوى): فمنقولة عن الصفة كأحمر، وإذ ذاك فلا شذوذ.
فإن سألتَ: فلمَ حمل الأخف ها هنا وهو الياء - على الاسم؟.
أجبتُ: لأنهم لما راموا الفرقَ بقلب الواو ياء ولا سبيل إلى ذلك في الوصف اضطروا إلى القلب في الاسم.
قال جارُ الله: "ولا يفرق في (فُعلى) من الياء نحو الفُتيا والقُضيا في بناء (فعلى) من قصيت".
قال المُشَرِّحُ: لا يفرق في (فُعلى) -بالضم- من الياء كما لا يفرق في (فعلى) بالفتح من الواو.
فإِن سألتَ: فلمَ وَقَعَ التَّغيير في اللام؟.
أجبتُ: قال ابنُ جِنّي: لأنه محل التغيير كما هو محل الإِعراب لأن الإِعراب تغيير.
قال جارُ الله: "وأمَّا (فعلاء) فحقها أن تنساق على الأصل صفة واسمًا".
قال المُشَرِّحُ: الموجب للقلب في الموضعين، هو الفرق والتعديل كلاهما ولا حاجة إلى التعديل ها هنا، لأن المكسورة معتدلة.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وإذا وقعت بعد ألف الجمع الذي بعده حرفان
[ ٤ / ٤٣٥ ]
همزة عارضة في الجمع (وياء) قلبوا الياء ألفًا والهمزة ياء، وذلك قولهم: مطايا وركايا، والأصل: مطائي وركائي على حد صحائف ورسائل".
قال المُشَرِّحُ: مطايا وركايا قد مضيا في صنف تخفيف الهمزة. عنى بالهمزة العارضة ما لم تكن في الواحد.
قال جارُ اللهِ: وكذلك (شوايا) و(حوايا) في جمع شاوية وحاوية فاعلتين من شويت وحويت، والأصل: شواوي وحواوي، ثم شوائي وحوائي على حد أوائل، ثم شوايا وحوايا".
قال المُشَرِّحُ: إذا [اكتنفت] (^١) ألف الجمع الذي بعده [حرفان] (^٢) واوان وياءان أو واو وياء قلبت الثانية همزة كأم مضى فرارًا من اجتماع متجانسين أما ها هنا (فـ) قلبت الهمزة ياء فرارًا من الهمزة المكسورة والياء بعدها في الجمع، كأنه فتحت الهمزة ثم قلبت الياء ألفًا، ثم الهمزة ياءً، وبهذه الطريقة قلبت الألف في نحو ركايا.
قال جارُ الله: "و[قد] (^٣) قال بعضهم: هداوا جمع هدية وهو شاذٌّ".
قال المُشرِّحُ: لعلّ هذا القائل قد (^٤) أراد الإِشعار بأن الياء الواقع بعد الألف في الجمع غير الياء الواقع بعدها في المفرد و[ذلك: لأن الياء الواقع بعدها في المفرد] (^٥) هي المدة التي عليها بنيت الكلمة وفي الجمع هو الحرف المنقلب عن الهمزة بخلاف ركايا ومطايا فإنهما واويتان فقلبت الياء فيهما واوًا توهمًا (^٦).
_________________
(١) في (أ): "التقت".
(٢) ساقط من (أ).
(٣) ساقطة من (أ) موجودة في المفصل (خ).
(٤) ساقط من (ب).
(٥) ساقط من (ب).
(٦) في (أ).
[ ٤ / ٤٣٦ ]
قال جارُ الله: "وأما نحو إداوة وعِلاوة وهِراوة فقد ألزموا في جمعه الواو بدل الهمزة فقالوا: إداوى وعلاوى وهراوى كأنهم أرادوا مشاكلة الواحد الجمع (^١) في وقوع واو بعد ألف".
قالَ المُشَرِّحُ: هذه الواو [بدل من الألف] (^٢) الزائدة في إداوة، والألف التي في آخر إداوى بدل من الواو في إداوة فألزموا الواو ها هنا، كما ألزموا الواو في مطايا.
قال جارُ الله: "وإذا لم تكن الهمزةُ عارضةً في الجمع كهمزة جواء وشواء جمع جائية وشائية فاعلتين من جاء وشاء لم تقلب".
قال المُشرِّحُ: لأنَّ الهمزةَ الأصليَّة ألزمُ. لفظ الشيخ أبي عليّ في "تَكْمِلَة الإِيضاح" شائية: بالشِّين المُعجمة.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وكل واو وقعت رابعةً فصاعد ولم ينضم ما قبلها قلبت ياءً نحو أغزيت وغازيت ورجيت وترجيت واسترشيت، ومضارعها ومضارعة غزى ورضى وشأى في قولك: يغزيان ويرضيان ويشأيان".
قال المُشرِّحُ: [غزى] (^٣) -وحده- مبني للمفعول. قلبت الواو ياء [فيها] للتّواخي بين الماضي والمضارع.
قال جارُ الله: "وكذلك مَلْهَيَان ومصطفيان وموليان ومستدعيان".
قال المُشَرِّحُ: الرِّواية في هذه الأمثلة كافةً فتح العين.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) (^٤) وقد أجروا نحو حييى وعيى مجرى لقي
_________________
(١) في (أ): "في الجمع".
(٢) ساقط من (أ).
(٣) ساقط من (أ)، وهي كذلك مبنية للمفعول في نسخة الشيخ بهاء الدين ابن النحاس ﵀.
(٤) ساقط من (ب).
[ ٤ / ٤٣٧ ]
وفني فلم يُعلوه، وأكثرهم يُدغم فيقول حي وعي - بفتح الفاء وكسرها، كما قيل: لي ولي في جمع الوي، قال الله تعالى: ﴿ويحيى من حيى عن بينة﴾ وقال عبيد:
عَيَّوا بأمرِهِمُ كَمَا … عيّت ببيَضتِهَا الحَمَامَهْ"
قال المُشَرِّحُ: أذكر أولًا [في هذه المسألة] (^١) بعض الأقوال الواردة فيه (^٢)، ثم اعترض عليه ثم أعود إلى كلام الشيخ -[﵀] (^٣) - فأفسره.
قالَ الشَّيخ أبو علي الفارسي: ومما يقوي البيان فيه أن مثال الماضي قد أجرى حركته مُجرى حركة المعرب فلم تلحقه الهاء في الوقف كما لم تلحق المعربة كما أجريت مجرى المعرب في هذا كذلك يجري مجراه في ترك الإِدغام فيها. ومما يقوي ذلك أن حركة اللام في حيى فيمن بين تزول لاتصاله بالضمير فصار زوال الحركة عن اللام في هذا البناء بمنزلة زوال حركة النصب عن المعرب، بحدوث إعراب آخر فيه، ويقوي ذلك قولهم أعيياء فيبين مع أن الحركة غير مفارقة فإذا لم يدغموا ما لم تُفارقه الحركة فلأن لا يُدغموا ما تفارقه الحركة أولى. هذا كلُّه كلامه.
فأقول: لو كان هذا غير موجب للإِدغام ها هنا [لكان] غيره (^٤) موجب له في نحو فر ومر وأنه ليس غير [موجب له فكذلك الأفعال كما هو ثابت في الماضي فكذلك في المستقبل] (^٥) ولا كذلك ها هنا، لأن اجتماع المتجانسين ها هنا.
عدت إلى كلام الشَّيخ -﵀- فقلت: فرق بين اجتماع
_________________
(١) في (ب).
(٢) في (أ): "في هذه".
(٣) في (ب).
(٤) في (ب): "غير".
(٥) ساقط من (أ).
[ ٤ / ٤٣٨ ]
المتجانسين ها هنا وبين اجتماعهما في سائر المواضع وذلك أن في سائر المواضع التي وقع فيها الإِدغام اجتماع المتجانسين لا يكون بمنزلة العارض، أما ها هنا فبخلافه، وهذا لأن اجتماع المتجانسين [في سائر الأفعال كما هو ثابت في الماضي فكذلك في المستقبل ولا كذلك ها هنا، لأن اجتماع المتجانسين] وإن كان ثابتًا في الماضي فهو غير ثابتٍ في المضارع فكان بمنزلة العارض فلا يجري بينهما الإِدغام كأنه لم يجتمع في [هذه] الكلمة ياءان، بل ياءٌ واحدةٌ، وأما من أدغم فلأن الياء قد لزمه الحركة وصار بلزوم الحركة له مشابهًا للصحيح، ألا ترى أن من حذف الياء من جوار وعوار في الجر والرفع لم يحذفها إذا تحركت بالفتح لمشابهتها بالحركة سائر الحروف الصحاح وقالوا في الوقف: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ (^١) فلم تحذف كما حذفت من نحو قوله: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (^٢). من قال: حَي بفتح الفاء فقد مضى على الأصل، ومن قال حِي بكسر الحاء فقد نقل كسرة العين إلى الفاء كما أن من قال: لي بالضم فقد مضى على الأصل، ومن قال: لي فقد اعتبر وقوع الياء في العين. بعد البيت (^٣):
جَعَلَتْ لَهَا عُوْدَيْنِ مِنْ … نَشَمٍ وآخرَ من ثُمَامَةْ
قالُوا: الحَمامة أبرّ بالبيض، والحمامُ أبرّ بالفرخ، ويقال (^٤): "أَخْرَقُ من حَمَامَةٍ" ويروى:
_________________
(١) سورة القيامة: ٢٦.
(٢) سورة الرعد: ٩.
(٣) قال ابن المستوفي في إثبات المحصل ص ١٤، ١٥: "البيت لعبيد بن الأبرص بن جشم الأسدي من أبيات أنا ذاكرها جمع، قالها لما طرد حجر بن الحارث أبو امرئ القيس الشاعر بني أسد وحلف أن لا يساكنوه … " وأورد الأبيات وهي في ديوان عبيد ص ٢٩.
(٤) قال ابن المستوفي: "قال أبو جعفر محمد بن حبيب في كتابه: "أفعل من كذا" يقال: هو أخرق من حمامة" وذلك أنها تجيء إلى الغصن في الشجرة فتبني عليه عشًا … ". توجيه إعرابه وشرحه في: المنخل ص ٢٢٣، شرح المفصل لابن يعيش. =
[ ٤ / ٤٣٩ ]
خَرَقُوا بأَمرهم كَمَا … خَرَقَتْ
النَشَمُ: -بالتحريك- شجرٌ يتخذ منه القِسِيّ.
قال جارُ الله: "وكذلك أحيى واستحيى وحيى وحوى [في] أحيى واستحيى [وحوييى] وكل ما حركته لازمة".
قالَ المُشرِّحُ: في هذه الكلم المذهبان جائزان، لزوم الحركة [ومعنى لزوم الحركة] (^١) أن آخر الماضي -أبدًا- يكون (متحركًا).
فإن سألتَ: فكيف جاء أحيى واستحى الإِدغام، وما قبل المدغم (ساكن)؟.
أجبتُ: لأنه عند الإِدغام تنقل حركة العين إلى الفاء حتى تتحرك، ثم يجري الإِدغام.
قال جارُ الله: "ولم يدغموا فيما لم تلزم حركته نحو لن يحيى ولن يستحي ولن يحاييى".
قال المُشَرِّحُ: الياء الثانية ها هنا هي في الأصل ساكنة فاستحال الإِدغام وأما انتصابها ها هنا فشيءٌ عارضٌ لم يُعتد به.
قال جارُ الله: "وقالوا في جمع حياء وعيى أحية وأعياء وأحييه وأعيياء".
قال المُشَرِّحُ: من أدغم ها هنا فلاجتماع المتجانسين ولزوم الحركة، ومن لم يدغم قال بأن اجتماع المتجانسين ها هنا عارضٌ، بدليل أنه غير موجودٍ في الماضي فوزان الأمرين ها هنا وزان الأمرين في حَيى وعَيى.
_________________
(١) = وينظر: الكتاب ٢/ ٣٧٨، المقتضب ١/ ١٨٢، أصول ابن السراج ٣/ ٢٤٨، المنصف ٢/ ١٩١، شرح شواهد الشافية ٣/ ٢٤٩.
(٢) ساقط من (ب).
[ ٤ / ٤٤٠ ]
قال جارُ الله: "وقوي مثل حيي في ترك الإِعلال ولم يجيء فيه الإِدغام إذا لم يلتق فيه مثلان لقلب الكسرة الواو الثانية ياء".
قال المُشَرِّحُ: الياء في قوي وإن كان أصلها الواو إلا أنه لا يجوز الإِدغام لأنَّها لم تبق على الأصل.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ومضاعف الواو مختص بفعلت دون فعلت وفعَلت، لأنهم لو بنوا من القوة نحو عزوت وسروت للزمهم أن يقولوا: قوَوت وقوِوت، وهم لاجتماع الواوين أكره منهم لاجتماع الياءين، وفي بناء نحو شقيت تنقلب الواو ياءً".
قال المُشَرِّحُ: لا يجوز بناء المضاعف الواوي في فعِلت وفَعلت كراهةً الواوين غير المدغمين فترك الإِدغام فيهما لسكون الثانية. أما في بناء شقيت فلا يلزم اجتماع الواوين ضرورة أن الواو الثانية تنقلب لكسرة ما قبلها.
قال جارُ الله: ""وأما القوة والصوة والنو والحو فمحتملات للإِدغام".
قال المُشَرِّحُ: الصوة: بالصاد المهملة المضمومة. الحُّو بالحاء المهملة المضمومة أيضًا. قوله: فمحتملات صح كذا الرّواية: "فمحتملات للإِدغام" لكون الأولى ساكنة وكون الثانية متحركة.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وقالوا في إفعالٌ من الحوة احواوى فقلبوا الواو الثانية ألفًا ولم يدغموا، لأن الإِدغام كان يصيرهم إلى ما رفضوه من تحريك الواو بالضم في نحو يغزو ويسرو، ولو قالوا: احواو ويحواو".
قال المُشَرِّحُ: في هذا الكلام نوع نظر. وذلك لأن رفع الواو في يعزو مستثقل، بخلاف يحواو لكونه مشددًا. وإن شئت فاعتبره بالياء، بل هو من النطق بمنزلة الكساء من العصا.
قال جارُ الله: "وتقول في مصدره احويواء واحوياء".
[ ٤ / ٤٤١ ]
قال المُشَرِّحُ: أما الأول فعلى الأصل، وأما الثاني فلأن الواو والياء إذا اجتمعا …
قال جارُ الله: "ومن قال: اشهاب قال: احوواء".
قال المُشَرِّحُ: من أسقط الياء في اشهاب أسقط الياء ها هنا.
قال جارُ الله: "ومن أدغم اقتتالًا فقال: قتال قالوا حواء".
قال المُشَرِّحُ: إدغام اقتتال يجيء في آخر الإِدغام إن شاء الله تعالى.
[ ٤ / ٤٤٢ ]
[باب الإِدغام]
قال جارُ الله: "ومن أصنافِ المُشترك.
(الإِدغام) ".
قال المُشَرِّحُ: أدغمت اللِّجام في الفَرَسِ: إذا أدخلته في فيه. عن ابن دُرَيدٍ (^١)، ومنه الإِدغام في النحو؛ لأنه إدخال الحرف في الحرف ألا ترى أنه [حرف] جمع بين حرفين متماثلين جمعًا غير مرتفع فيه اللّسان بهما إلا دفعة.
قال جارُ الله: "ثقل التقاء [المتجانسين] على ألسنتهم فعمدوا بالإِدغام إلى ضربٍ من الخفة".
قال المُشَرِّحُ: الخفة في الإِدغام من حيث أن التباعد المفرط بين الحرفين يجعل التَّلفظ بهما بمنزلةِ الوَثبة فلذلك أجيز الإِبدال والتقارب المُفرط يجعل التَّلفظ بهما بمنزلة حجلان المقيد.
قال جارُ الله: "والتقاؤهما على ثلاثةِ أضربٍ.
أحدهما: أن يسكن الأول ويتحرك الثاني فيجب الإدغام ضرورة كقولك: (لم يبرح حاتم)، و(لم أقل لك).
والثاني: أن يتحرك الأول ويسكن الثاني فيمتنع الإِدغام كقولك: (ظللت)، و(رسول الحسن) ".
_________________
(١) الجمهرة: ٢/ ٢٨٨، قال: " … ومنه إدغام الحروف بعضها في بعض".
[ ٤ / ٤٤٣ ]
قال المُشَرِّحُ: الإِدغام: أن يلتقي مثلان أولهما ساكن والثاني متحرك فحينئذ يجب الإِدغام، فإن انعكس هذه القضية امتنع الإِدغام ضرورة.
قال جارُ الله: "والثالث: أن يتحركا، وهو على ثلاثة أوجه:
ما الإِدغام فيه واجبٌ، وذلك أن يلتقيا في كلمة وليس أحدهما للإِلحاق نحو ردّ ويردُّ.
وما هو فيه جائز وذلك أن ينفصلا وما قبلهما متحرك، أو مدة نحو (أنعت تلك) و(المال لزيد)، و(ثوب بكر).
أو يكونان في حكم الانفصال نحو اقتتل، لأن تاء الافتعال لا يلزمها وقوع ياء بعدها فهي شبيهة بتاء تلك".
قال المُشَرِّحُ: إدغام إحدى التاءين في الأخرى من اقتتل يجيء في آخر الصنف.
فإن سألتَ أينَ المدّة في (ثوب بكر)؟.
أجبتُ: حرف العلة الساكن المفتوح ما قبله جار مجرى المدة بدليل استوائها في الإِدغام في خطية وأُفَيْسٍ.
قال ابن السرَّاج: أما ثوبُ بكرٍ فالبيان ها هنا أحسن منه في الألف لأن الواو في ثوب لا تشبه الألف لأن حركة ما قبلها ليست منها وكذلك جيب بكر.
قال جارُ الله: "ومِمّا هو مُمتنع فيه على ثلاثةِ أُضْرُبٍ:
أحدها: أن تكون للإِلحاق نحو قَردد وجَلبب.
والثاني: أن يُؤَدِّي فيه الإِدغام إلى لَبس مثال بمثال نحو سرر وظلل وجدد.
[ ٤ / ٤٤٤ ]
والثالث: أن ينفصلا ويكون ما قبل الأول حرفًا ساكنًا غير مدة نحو قوم مالك وعدد وليد".
قال المُشَرِّحُ: الدّال الثانية من (قردد) للإِلحاق بنحو (ثَعلب) وكذلك الباء الثانية في (جلبب) للإِلحاق بنحو (دحرج) ومن ثم لم تجز فيه العرب الإِدغام، ولولا ذلك لجرى فيه الإِدغام كما في مرد وسارة.
فإن سألتَ: فقد قالوا (قص) في قصص بمعنَى الصَّدرِ، والإِدغام ها هنا ملبس؟.
أجبتُ: ما الدَّليل على أن قصًّا أصله قصص؟ بل هما لغتان مختلفتان كشعر وشعر ومعز ومعز وشمع وشمع. ما قبل الأول في (قرم مالك) هو الراء وهو ليس بمدة.
فإن سألتَ: ليس ما قبل آخر عدو مدة، وهذا لأن المدة حرف علة ساكن ويكون ما قبله من جنسه نحو باع يبيع بوع فكيف حكمت عليه بأنه غير مدة؟.
أجبتُ: قال الشَّيخُ أبو عليٍّ الفارسي (^١): مذهب سيبويه أنك إذا قلت: هذا ولي يزيد وعدو وليد لم يجز إدغام الياء التي هي لام في ياء يزيد لأنك حيث أدغمت الياء في ولي الواو في عدو ذهب المد للإِدغام، فصارت الواو بمنزلة غيره من الحروف التي لا تكون للمد، واستدل على ذلك بجواز (لَيِّا) في القافية مع (ظَبْيًا) و(دوًا) مع (غزوًا).
فإن سألتَ: هب أن ما قبل آخر ولي وعدو ليس بمدةٍ لمكان الإِدغام فيه، لكن لو فكّ فيه الإِدغام حتى وقع الإِدغام بين الحرف الثاني والثالث عاد
_________________
(١) التكملة: ٦١٢.
[ ٤ / ٤٤٥ ]
الثاني (^١) في المد إلى ما قبل آخرهما فوجب أن يجوز إدغام الثاني في الثالث.
أجبتُ: لا يجوز لأن ذلك بمنزلة تحريك الساكن في (قرم مالك) و(اسم موسى) فكما لا يدغم ذلك أحد كذلك ما نحن فيه. والذي يدل على أن المدَّ قد قام مقام الحركة قولهم: دابة، وتمود الثوب وتضربيني.
قال جارُ الله: "ويقع الإِدغام في المتقاربين كما يقع في المتماثلين، فلا بد من ذكر مخارج الحروف ليعرف متقاربيها من متباعديها".
قال المُشَرِّحُ: الإِدغام كما يقع بين المتماثلين يقع أيضًا بين المتقاربين لكن بعد أن يجعلا متماثلين.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ومخارجها ستة عشر فللهمزة والهاء والألف أقصى الحلق، وللعين والحاء أوسطه، وللغين والخاء أدناه".
قال المُشَرِّحُ: بعضهم: في هذا الكلام نظرٌ، وذلك أن الألف قبل الهاء، وهذا مما اتفق عليه الكلُّ، وحروف الحلق هي هذه التي عدّها الشيخ -[﵀] (^٢) - سوى الألف.
قال جارُ الله: "وللقاف أَقصى اللسان وما فوقه من الحنك وللكاف من اللسان والحنك ما يلي مخرج القاف، وللجيم والشين والياء وسط اللسان ويحاذ به من وسط الحنك، وللضاد أول حافة اللسان [وما يليها من الأضراس. واللام ما دون أول حافة اللسان] (^٣) إلى مُنتهى طرفه وما يحاذي ذلك من الحَنك الأعلى فويق الضاحك والناب والرُّباعية والثنية".
_________________
(١) في (أ).
(٢) في (ب).
(٣) في (ب).
[ ٤ / ٤٤٦ ]
قال المُشَرِّحُ: الأسنان أربع ثنايا ثم أربع رباعيات -بالتخفيف-[ثم أربعة أنياب] (^١) ثم أربع ضواحك، ثم اثنتي عشرة رحى، ثم النواجذ وهي أضراس الحلم.
قال جارُ الله: "وللنون ما بين طرف اللسان وفويق الثنايا وللرَّاء ما هو أدخل في ظهر اللسان قليلًا من مخرج النون، وللطاء والدال والتاء ما بين طرف اللسان وأصول الثنايا، وللصاد والزاي والسين ما بين الثنايا وطرف اللسان، وللظاء والذال والثاء ما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا، وللفاء: باطنُ الشفة السُّفلى وأطراف الثنايا العُليا، وللباء والميم والواو ما بين الشفتين".
قال المُشَرِّحُ: بعضهم: في هذا الكلام سهوٌ، وذلك أنه افتتح هذا الفصل بأن مخارجها ستة عشر، والذي عده من المخارج ليس إلا خمسة عشر، وقد ذكر المحققون فيها النُّون الخفية، ولعله قد نَسِيَها.
قال المُشَرِّحُ: وذلك نحو سهلب وسفرجل، معنى الأول اللام والياء، وفي الثاني الفاء والراء واللام، أما نحو عسجد فقليل.
قال جارُ الله: "واللَّينة حروف اللين".
قال المُشَرِّحُ: هي الثلاثة المسماة بحروف العلة، وحروف الاعتلال، قال ابن السراج (^٢): وهذه الثلاثة أخفى الحروف لاتساع مخرجها، وأخفاهن الألف ثم الياء ثم الواو، وإن شئت فاستأنس في هذا الباب بقول الفاضل أبي العلاء -يصف مهمها- (^٣):
وتَكْتُمُ فيهِ العاصِفَات نُفُوسُهَا … فَلَوْ عَصَفَتْ بالنَّبْتِ لم يَتَأَوَّدِ
_________________
(١) في (ب).
(٢) الأصول لابن السراج: ٣/ ٤٠٤.
(٣) شروح سقط الزند: ١/ ٣٧٧، وينظر شرح صدر الأفاضل له: ٣٧٨، وأنشد بيت رؤبة الآتي.
[ ٤ / ٤٤٧ ]
وقول رؤبة (^١):
* يَكِلٌ وَفْدُ الرِّيْحِ من حيثُ انْخَرَقْ *
قال جارُ الله: "والمُنحرف اللام، قال سيبويه (^٢): هو حرف شديد جرى فيه الصوت لانحراف اللسان مع الصوت".
قال المُشَرِّحُ هذه على التَّسمية المجازِيّة، وذلك أن الانحراف اللّسانِ لا للحَرْفِ.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ويرتقي عدد الحروف إلى ثمانية وأربعين حرفًا، فحروف العربية الأصول تلك التسعة والعشرون وتتفرع منها ستة مأخوذ بها في القرآن وكل كلام فصيح، وهي الهمزة بين بين، والنون الساكنة التي هي غنة في الخيشوم وتسمى النون الخفية والخفيفة، وألفا الإِمالة والتفخيم نحو عالم والصلوة والشين التي كالجيم في نحو أشدق، والصاد التي كالزاي في نحو مصدر".
قال المُشَرِّحُ: الترتيب فيها: الهمزة بين بين، وألفا الإِمالة والتفخيم، والسين التي كالجيم والنون الخفية، والصاد التي كالزاي، ليكون على وفق مخارج الحروف، ولأن المجهورة أغلب على طباعهم نكبوا عن الشين المهموسة إلى الجيم وعن الصاد المهموسة وخاصة عند مجاورة الدال إلى الزاي، وهذا مما يبين لك أن المجهورةَ أحبُّ إليهم.
قال جارُ الله: "والبواقي حروفٌ مستهجنةٌ، وهي الكاف التي كالجيم، والجيم التي كالكاف، والجيم التي كالسين، والصاد الضعيفة، والصاد التي كالسين والظاء التي كالثاء والباء التي كالفاء".
_________________
(١) ديوان رؤبة: ١٠٤.
(٢) الكتاب: ٢/ ٤٠٦.
[ ٤ / ٤٤٨ ]
قال المُشَرِّحُ: هذه الحروف التي (^١) لا يؤخذ بها في القرآن ولا في الشعر ولا (^٢) تكاد توجد إلا في لغة مرذولة غير متقلبة.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وتنقسم إلى المجهورة والمهموسة والشديدة والرخوة وما بين الشديدة والرخوة، والمطبقة والمنفتحة والمستعلية والمنخفضة وحروف القلقلة، وحروف الصفير، وحروف الذلاقة، المصمتة واللينة وإلى المنحرف والمكرر. والهاوي والمهتوت".
قال المُشَرِّحُ: قد ذهب على الشيخ [﵀] (^٣) أن يأتي بحروف الغُنة، وهي النُّون والميم، في هذه القسمة.
قال جارُ الله: "فالمجهورة ما عَدا المجموعة في قولك: (ستشحثك خصفة) وهي المهموسة، والجهر إشباع الاعتماد في مخرج الحروف ومنع النَّفس أن يجري معه والهمس بخلافه. والذي يتعرف به تباينها أنك إذا كررت القاف فقلت: ققق وجدت النفس محصورًا لا يحصل معها الشيء منه، وتردد الكاف فتجد النفس مقاوذًا لها ومساوقًا لصوتها".
قال المُشَرِّحُ: ابن جِني: وسبيلك إذا أردت صدى الحرف أن تأتي به ساكنًا لا متحركًا، لأن الحركة تقلق الحرف عن موضعه ومستقره وتجذبه إلى جهة الحرف الذي هو بعضه ثم تدخل عليه همزة الوصل مكسورة من قبله، لأن الساكن لا يمكن الابتداء به، وهذه الطريقة أجدى من التي ذكرها الشيخ ﵀.
قال جارُ الله: "والشديدة ما في قولك: (أجدت طبقك) أو (لم ترعونا)، وهي التي بين الشديدة والرخوة، والشدة: أن ينحصر صوت الحرف
_________________
(١) في (أ).
(٢) في (ب): "ولا المهموسة تكاد "
(٣) في (ب).
[ ٤ / ٤٤٩ ]
في مخرجه. فلا يجري، والرخاوة بخلافها وتتعرف تباينهما بأن تقف على الجيم والشين فتقول: الحج والطش فإنك تجد صوت الجيم راكدًا محصورًا لا تقدر على مدّه، وصوت الشين جاريًا تمده إن شئت، والكون بين الشدّة والرّخاوة أن لا يتم لصوته الإِنحصار ولا الجري كوقفك على العين وإحساسك في صوتها بشبه الإِنسلال من مخرجها إلى مخرج الحاء".
قال المُشَرِّحُ: [لم ترعونا: وقع في نسخ (المفصل)] بالتاء المثناة الفوقانية وهذا سهوٌ، ألا ترى أن التاء من الحروف المجهورة (^١)، والحرف الواحد لا يكون من الحروف الشديدة ومن الحروف التي هي بين الشديدة والرخوة، والصواب فيه: الياء المثناة التَّحتانية (^٢). والفرق بين المجهور والشديد أن المجهور هو الذي يَقوى فيه الاعتماد بشدة الوَقع، والشَّديد هو يشتد فيه الاعتماد بلزوم موضعه لا بشدة الوقع.
عبارةٌ أُخرى: سوى ما ذكره الشيخ -﵀- في تعريف ما بين الشديدة والرخوة وهي أن العين تجري فيه الصوت ويصل إلى التردد فيه (^٣) لشبهه بالحاء، ولم يمتنع امتناع غيره، واللام تجري في حافتي الصوت فلا هو مثل الرخوة، لأن طرف اللسان لا يتجافى عن موضعه، ولا مثل الشديدة فيمتنع الصوت. قال ابن جني: ولولا بحة في الحاء لكانت عينًا.
قال جارُ الله: "والمطبقة الضاد والظَّاء والصّاد والطاء. والمُنفتحة ما عداها. والإِطباق: أن تطبق على مخرج الحرف من اللسان ما حاذاه من الحنك. والانفتاح خلافه".
قال المُشَرِّحُ: ابنُ جني: ولولا اطباق في الصاد لكانت سينًا ولولا
_________________
(١) في (أ): "الشديدة".
(٢) رسمها ابن النحاس ﵀ بخطه في المفصل بنقطتين من فوق ونقطتين من تحت وأشار إلى قراءة نسخة أخرى.
(٣) في (ب).
[ ٤ / ٤٥٠ ]
اطباق في الطاء لكانت دالًا، ولولا اطباق في الظاء لكانت ذالًا.
قال جارُ الله: "والمستعلية الأربعة المطبقة، والخاء والغين والقاف، والمنخفضة ما عداها. والاستعلاء: ارتفاع اللسان إلى الحنك أطبقت أو لم تطبق، والانخفاض بخلافه".
قال المُشَرِّحُ: هذه السبعة المتسعلية هي التي تمنع الإِمالة.
قال جارُ الله: "وحروف القلقلة ما في قولك: (قد طيخ) والقلقلة: ما تحس به إذا وقفت عليها من شدة الصوت المتصعد من الصدر مع الحفك والضغط".
قال المُشَرِّحُ: الطيخ: هو الضرب على الشيء المجوف مثل البطيخة والرأس والجوف.
قال جارُ الله: "وحروف الصفير الصاد والزاي والسين لأنها يصفر بها".
قال المُشَرِّحُ: هو من الصفير للفرس.
قال جارُ الله: "وحروف الذّلاقة (^١) ما في قولك (مرتفل) والمصمتة ما عداها، والذلاقة الاعتماد بها من ذلق اللسان وهو طرفه، والاصمات أنه لا يكاد يبنى فيها كلمة رباعية أو خماسية معراة من حروف الذلاقة فكأنه قد (^٢) صُمت عنها".
فإن سألتَ: لم سماه سيبويه شديدًا وهو ليس من الحروف الشديدة؟.
أجبتُ: يريد لولا جرى الصّوت فيه لكان شديدًا، وهذا بمنزلة قولهم (^٣): لولا بُحة في الحاء لكانت عينًا.
_________________
(١) في (ب): "الذلالة".
(٢) ساقط من (ب).
(٣) قول ابن جني كما تقدم.
[ ٤ / ٤٥١ ]
قال جارُ الله: "والمكرر الراء، لأنك إذا وقفت عليه تعثر طرف اللسان بما فيه من التكرير".
قال المُشَرِّحُ: عنى بالتعثر ها هنا انحراف اللسان مع نوعة اضطراب بخلاف اللام فإنه وإن كان فيه انحراف اللّسان إلا أنه ليس فيه اضطراب.
قال جارُ الله: "والهاوي: الألف، لأن مخرجه اتسع لهواء الصوت أشد من اتساع مخرج الياء والواو".
قال المُشَرِّحُ: ذكروا في تسميتهم الألف بالهاوي وجهين:
أحدهما: أنه يَهوي من ناحية الحلق حتى يتصل بمخرج الهمزة.
والثاني: أنه في الهواء لا يعلق به شيء، وإلى الثاني ذهب الشيخُ -﵀- ويشهد لكون مخرج (^١) الألف متسعًا لهواء الصوت أشدّ من اتساع مخرج الياء والواو أنك تضم شفتيك في الواو وترفع لسانك في الياء قبل الباء بخلاف الألف.
قال جارُ الله: "والمهتوت التاء لضعفها وخفائها".
قال المُشَرِّحُ: الهت: شبه الغض للصوت، وهت البكر هتيتًا.
قال جارُ الله: " [وصاحب العين يسمى الكاف والقاف لهويتين لئن مبتدأهما من اللهاة، والجيم والشين والضاد شجرية، لأن مبتدأها من شجر الفم منفرجة] (^٢). والصاد والسين والزاي أسلية لأن مبتدأها من أسلة اللسان، والطاء والتاء والدال نطعية، لأن مبتدأها من نطع الغار (^٣) الأعلى، والظاء والثاء والذال لثوية لأن مبتدأها من اللثة، والراء واللام والنون ذولقية، لأن
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) ساقط من (أ) وهو في (ب) وبعده: قال المشرح: "شجرية: بسكون الجيم" ثم بدأ فقرة جديدة بقوله: قال جار الله: "والصاد والزاي … ".
(٣) في (أ): "اللسان" وما أثبته توافقه نسخة المفصل (خ).
[ ٤ / ٤٥٢ ]
مبتدأها من ذولق اللّسان والواو والفاء والباء والميم شفوية أو شفهية وحروف المد واللين جوفا".
قال المُشَرِّحُ: سميت هذه الحروف جوفًا، لأنه لا مماسة فيها ولا مصادمة فكأنها جوف، فجميع الحروف خمسة وعشرون صحاح، لها أحواز وأربعة أخر جوف الواو والياء والألف اللينة والهمزة.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وإذا ريم إدغام الحرف في مقاربة فلا بدَّ من قلبه إلى لفظه ليَصير مثلًا له، لأن محاولة إدغامه كما هو محال، فإذا أرمت إدغام الدّال في السين من قوله ﷿: (^١) ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ فاقلب الدال أولًا سينًا، ثم ادغمها في السين فقل: ﴿يَكَادْ سَّنَا بَرْقِهِ﴾، وكذلك الطاء في التاء في قوله (^٢): ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ﴾ ".
قال المُشَرِّحُ: وكذلك لا يُفَرَّقُ في اللَّفظ بعد إدغام بين أن يكون الدال هو المدغم في السين وبين أن يكون اللام فيها، وكذلك لا يفرق بعد الإِدغام بين أن تكون التاء هو المدغم في الطاء، وبين أن تكون اللام فيها.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ولا يخلو المتقاربان من أن يلتقيا في كلمة، أو كلمتين،. فإن التقيا في كلمة نُظر، فإن كان إدغامهما مما يؤدي إلى لَبْسٍ لم يجز نحو وتد وعتد وَتَد يَتِدَ وكنية وشاة زَنْمَاء وغنمٌ زُنْمٌ، ولذلك قالوا في مصدر وطد ووتد: طِدة وتِدة وكرهوا وطدًا ووتدًا، لأنهم من بيانه وإدغامه بين ثِقَلٍ ولَبْس".
[قال المُشَرِّحُ] (^٣): لو أَدغم التاء في الدّال لأوهم أن أصله من الواو
_________________
(١) سورة النور: آية: ٤٣، وفي نسخة (أ) أتم الناسخ الآية: ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ وهي غير كاملة في (المفصل).
(٢) سورة آل عمران: آية: ٧٢.
(٣) ساقط من (أ).
[ ٤ / ٤٥٣ ]
والدالين وكذلك لو أدغم الطاء في الدال. وأما كنية وشاة زَنماء وغنم زُنْمٌ فقد قال سيبويه (^١): لأن إدغامها ها هنا في الياء والميم يوهم أن الأصل ليس بنون. فرس عتد: معد للجري. كنية: واحدة الكنى. الخليل (^٢): الزّنم يكون للمعز في حلوتها متعلقة كالقرط، ولها زنمتان. فإن كانت في الأذن فهي زلمة. والنعت أزلم وأزنم. والأنثى زلماء وزنماء.
قال جارُ الله: "وفي وتد يتد مانع آخر، وهو: أداء الإِدغام إلى إعلالين وهما: حذف الفاء في المضارع والإِدغام، ومن ثم لم يبنوا نحو وددت بالفتح (^٣) لأن مضارعه كان يكة ن فيه إعلالان، وهو قولك: يد".
قال المُشَرِّحُ: ودّ من باب فعل يفعل بكسر العين في الماضي وفتحها في المستقبل.
قال جارُ الله: "وإن لم يُلبس جاز نحو امّحى وهمُّرِش، وأصلها: انْمَحَى وهَنْمُرِشٌ لئن أفعل وفعلل ليس في أبنيتهم فأمن الإِلباس".
قال المُشَرِّحُ: انمحى: مطاوعُ محى، الهَنْمُرِشُ: الكَلْبُ أنشدني بعض الأدباء اليابسة (^٤):
إن الجرَاء تخترش … في بطن أمّ الهَمُّرِش
قال جارُ اللَّه: "وإن التقيا في كلمتين بعد متحرك أو مدة فالإِدغام جائز لأنه لا لبس فيه ولا تغيير صيغة".
قال المُشَرِّحُ: أما بعد متحرك فنحو: ﴿خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ [مِنْ مَاءٍ﴾] (^٥)
_________________
(١) الكتاب
(٢) العين: ٧/ ٣٧٥، والصحاح: ١٩٤٥ (زنم).
(٣) في (ب): "بالفتح لا غير".
(٤) أنشده في الصحاح: ١٠٠٣ (خرش) وفي اللسان: أنشد بعدهما: * فيهن حرو نخورش *
(٥) ساقط من (ب).
[ ٤ / ٤٥٤ ]
وأمَّا بعد مدة فنحو قوله تعالى: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وليس بمطلق أن كل متقاربين في المخرج يدغم أحدهما في الآخر، ولا أن كل متباعدين يمتنع ذلك فيهما، فقد (^١) يعرض للمقارب من الموانع ما يحرمه الإِدغام، ويتفق للمباعد من الخواص ما يسوغ إدغامه، ومن ثم لم يدغموا حروف ضوى مشفر فيما يقاربها، وما كان من حروف الحلق في الفم في الأدخل في الحلق، [وأدغموا النون في الميم. وحروف طرف اللسان في الضاد والسين واللام"] (^٢).
قال المُشَرِّحُ: إنهم لم يدغموا حروف: (ضوى) (^٣) وحروف الشفة وهي مشفر فيما سواهما اللهم إلا عند أبي عمرو فإنه يدغم الراء في اللام كقولك تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَّشَاءُ﴾ (^٤) احتجوا: بأن إدغام الراء في اللام يذهب بتكريره.
حجَّةُ أبي عمرو: أنَّ الراء وإن كان فيها تكرير فإن للام سعة مخرج وزيادة مسلك حتى أدغمت في النصف (^٥) من حروف المعجم فصارتا كأنهما اعتدلتا في القوة واستوتا في المنزلة، ومنهم من يخرج الضاد منها، ويقول: قد أدغموا الضاد في الطاء في بعض اللغات فقالوا: اضطجع اطجع.
حجة من لا يُدغم الضاد أن فيها طولًا وتفشيًا فلو أدغمت في غيرها لذهب (^٦) ما فيها من التفشي، ولذلك لم يجز إدغام حروف الصّفير في الطاء
_________________
(١) في (ب): "وقد".
(٢) ساقط من (أ).
(٣) في (أ): (ضم شفر) وأشار إلى هذه الإِمام بهاء الدين ابن النحاس إلى أنها قراءة نسخة أخرى من (المفصل).
(٤) في (أ): سورة البقرة: آية: ٢٨٤.
(٥) في (أ): "التصريف".
(٦) في (أ): "ذهب".
[ ٤ / ٤٥٥ ]
ولا في [أختيها الذال والثاء] (^١)، لأن لا يسليهن الإِدغام ما فيهن من الصفير، وأما الواو والياء فلضعفهما، هذا لأن المدغم فيه تقوية مستغرقة كل الاستغراق فيصير كالمدغم فيه، ولهذا كره بعضهم إدغام الفاء في الياء، لأن الياء حرف ضعف أخرس لا صوت له والفاء حرف قوي متين له نفخة. وأما الميم فلحقتها (^٢) لكونها من حروف الشفة. وأما الفاء فلنحفها وخفتها.
قال جارُ اللَّه: "وكذلك ما كان من حروف الفَم أدخل في الفم في الأدخل في الحلق، لأن ذلك يكسبه مزيد ثِقلٍ، كما لم يدغموا حروف الشّفة إلا في أمثالها".
قال المُشَرِّحُ: الميم لكونه من حروف الشفة لا يدغم في النون ولكن النون تدغم فيه.
فإن سألتَ: النون الخفيفة حرف أغن فكيف جاز إدغامها فيما ليست بها؟.
أجبتُ الميمُ أيضًا أغنّ، ولكن لا يظهر معه غنة النون، وذلك قولك: من محمد. الطاء، والدال، والتاء، والضاد، والذال والثاء، واللام مما يدغم في السين فكذلك في الصاد. يقول: قد تكون القرابة بين الحرفين وافية ثم لا يجري بينهما إدغام لمانع كما في القسم الأول، وهي حروف (ضوى مشفر) وما يقاربها، وقد يكون في القرابة قصور لم يجر بينهما إدغام النون في الميم إدغام حروف طرف اللسان في الصاد والسين. أما الميم فإنما أدغموا النون فيه لكون كلّ واحدٍ منهما أغن ولتكتسب النون في الإِدغام فيه خفة. وأما إدغام حروف طرف اللسان في السين والصاد فلأن العرب توسعت إدغامًا في حروف طرف اللسان فوق ما توسعت في سائر الحروف، ولأن أصل الإِدغام لحروف اللسان والفم، وأكثر حروف الفم من طرف اللسان، وهو أكثر حروفًا من طرف
_________________
(١) في (أ): "في أختها الدال".
(٢) في (أ): "لختفها".
[ ٤ / ٤٥٦ ]
الثنايا، وطلب الخفة فيما كان أكثر أولى (^١).
قال جارُ اللَّه: "وأنا أفضّل لَكَ بيان الحروف واحدًا فواحدًا وما لبعضها مع بعض في الإِدغام لأقفك على حدّ ذلك عن تحقيق واستبصار [بتوفيق اللَّه وعونه] (^٢) (فصلٌ) (^٣): فالهمزة لا تدغم في مثلها إلا في نحو قولك: سآل ورآس، والدآث في اسمِ وادٍ (^٤) فيمن يرى تحقيق الهمزتين".
قال المُشَرِّحُ: يقول الشيخ -[﵀] (^٥) - إدغام الهمزة في مثلها لا يكون إلا في موضعين:
أحدهما: أن يكون اجتماع الهمزتين متفقًا عليه، وهو ما إذا وقعتا عينًا في نحو رآس.
والموضع الثاني: أن يكون اجتماع الهزتين مختلفًا فيه (^٦)، وهو ما إذا وقعتا في كلمتين، فإن الوجهَ تخفيفهما، أو تخفيف إحداهما فلا إدغام على هذا، وقد تحقق الهمزتان على قول بعضهم فحينئذ يكون الإِدغام. سآل: مبالغة في سائل، اسمُ فاعلٍ من السُّؤال، وفي أبيات السقط (^٧):
مَتَى سَألَتْ بَغْدَادُ عني وأَهْلُهَا … فإنِّيَ عَنْ [أَهْلِ العَوَاصِمِ] (^٨) سَأَلُ
قال جارُ اللَّه: " [قال سيبويه] (^٩): وأما الهمزتان فليس فيهما إدغام من
_________________
(١) في (ب).
(٢) ساقط من (ب) وهو موجود في (المفصل).
(٣) في (أ): "قال جار الله"، والصحيح أنه لا حاجة إليها لأنه متصل بكلام جار الله الأول لم يفصل عنه.
(٤) معجم البلدان: ٢/ ٤١٦.
(٥) في (ب).
(٦) في (ب).
(٧) شرح سقط الزند: ٣/ ١٢٥٣.
(٨) في (ب): "أهليها المدائن".
(٩) في (ب).
[ ٤ / ٤٥٧ ]
قولك: قرأ أبوك، واقرأ إياك، قال: زعموا أن أبن أبي إسحاق كان يحقق الهمزتين وناسٌ معه، وهي رديئة، فقد يجوز الإِدغام في قول هؤلاء، ولا تدغم في غيرها، [ولا غيرها فيها] (^١) ".
قال المُشَرِّحُ: من القراء من توهم أن سيبويه أنكر إدغام الهمزة، وليس الأمر على ما توّهمه، إنما أنكر مذهب من لا يخفف الهمكة، ومن ثم قال: وزَعموا أن ابن أبي إسحاق كان يحقق الهمزتين وناس معه وهى رديئة.
هو عبد الله بن أبي إسحاق المُقرئ، أستاذ عيسى بن عمر الثقفي أستاذ الخليل.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) والألف لا تدغم البتة، لا في مثلها ولا في مقاربها ولا يسطاع أن يكون مدغمًا فيها".
قال المُشَرِّحُ: وذلك لضعف الاعتماد فيها وأنها تخرج بهواء الصوت.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) والهاء تدغم في الحاء وقعت بعدها أو قبلها كقولك في اجبه حاتمًا واذبح هذه: اجبحاتما واذبحاذه ولا يدغم فيها إلا مثلها نحو اجبه هلالًا".
قال المُشَرِّحُ: الشيخ (^٢) ها هنا قد حافظ على ترتيب المخارج فقدم الألف على الهاء، لأن الهاء في الحلق من الحاء فلذلك تدغم الهاء في الحاء، ولا تنعكس، أنشد سيبويه -[﵀] (١) -:
كأنّه بعدَ كلالِ الزَّاجِرِ
ومَسبِحي مرُّ عقابٍ كاسرِ (^٣)
_________________
(١) في (ب).
(٢) ساقط من (ب).
(٣) الكتاب: ٢/ ٤١٣، والمحتسب: ١/ ٦٢، والمخصص: ٨/ ١٣٩. وفي الكتاب: "كأنها".
[ ٤ / ٤٥٨ ]
قال جارُ اللَّه "والعين تدغم في مثلها كقولك: ادفع عليًا وقوله (^١): ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾، وفي الحاء وقعت بعدها أو قبلها، كقولك: (ارفع حاتمًا) و(اذبح عتودًا): (ارفحاتما) و(اذبحتودا) ".
قال المُشَرِّحُ: هذا أيضًا من قبيل ما ذكرناه من أن العين أدخل في الحلق من الحاء.
قال جارُ اللَّه: "وقد روى اليَزِيْدِيُّ عن أبي عمرو (^٢): ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ بإدغام الحاء في العين، ولا يدغم فيها إلا مثلها".
قال المُشَرِّحُ: روى اليزيدي عن أبي عمرو أن من العرب من يدغم الحاء في العين كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ قال اليَزِيْديّ وكان أبو عمرو ولا يَرى ذلك وعليه سيبويه وأصحابه، وهو الوَجه وذلك أنَّ العين فيما يهرب منه إلى الحاء إذا اجتمعت مع الهاء تقلب الهاء حاء.
قال جارُ اللَّه: "فإذا اجتمع العين والحاء جاز قلبهما حاءين وإدغامهما نحو قولك: (معهم) و(احبه عتبه) (محم و(واجبحّتبه).
قال المُشَرِّحُ: جاز ذلك لتكون الحاء وسطًا بين الحرفين لموافقتهما العين في المخرج والهاء في الهمس لأن التقاء الحاءين عليهم أسهل من الجهر والشدة مهموسة وهي رخوة، والهمس والرخاوة أسهل من الجهر والشدة.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ): والحاء تُدغم (^٣) في مثلها نحو (اذبح حَملًا) وقوله تعالى (^٤): ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى﴾ وتدغم فيها الهاء والعين".
_________________
(١) سورة البقرة: آية: ٢٥٥.
(٢) سورة آل عمران: ١٨٥.
(٣) ساقط من (ب).
(٤) سورة الكهف: آية: ٦٠.
[ ٤ / ٤٥٩ ]
قال المُشَرِّحُ: هذا مبني على ما ذكرناه من أن ما كان من حروف الحلق أدخل في الفم فإنه لا يدغم فيما كان أدخل في الحلق.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) والغين والخاء كل واحدة منهما تدغم في مثلها أو في أختها [كقراءة أَبي عمرو] (^١): ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ وقولك: و(لا تمسخْ خَّلقك)، و(ادفعْ خَّلفا) و(اسلخْ غَّنمك).
قال المُشَرِّحُ: قوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ من باب إدغام العين في الغين و(تمسخ خلقك) من باب إدغام الخاء في الخاء، (وادمغ خلفًا) من باب إدغام الغين في الخاء و(اسلخ غنمك) من باب إدغام الخاء في الغين.
فإن سألتَ: كيفَ جاء إدغام الخاء في الغين مع أن الغين أدخل في الحلق؟.
أجبتُ: من العرب من يجريهما مُجرى حروف الفم فتخفى عندهما النون الخفية فتقول: منخل ومنغل، ولأنهما لما قربا من الفَم نزِّلا نزَّيل حروفِ الفَم ومن ثمَّ كان الإِدغام في هذين الحرفين أَقوى من الإِظهار.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ): والقاف والكاف كالغين والخاء قال الله تعالى (^٢): ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ﴾ وقال (^٣): ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ وقال (^٤): ﴿خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ وقال: ﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا﴾ ".
قال المُشَرِّحُ: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ﴾ من باب إدغام القاف في مثل (^٥)، وفي
_________________
(١) ساقط من (أ). وهي من سورة آل عمران: آية: ٨٥.
(٢) سورة الأعراف: آية: ١٤٣.
(٣) سورة طه: الآيتان: ٣٣، ٣٤.
(٤) سورة النور: آية: ٥٤.
(٥) سورة محمد (-ﷺ-) (القتال): آية: ١٦.
[ ٤ / ٤٦٠ ]
﴿نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ من باب إدغام الكاف في مثله (^١) وكذلك: ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ وقوله: ﴿خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾ من باب إدغام القاف في الكاف و﴿مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا﴾ من باب إدغام الكاف في القاف. ابن السَرَّاج (^٢): وإدغام الكاف فيها أحسن من إدغامها هي في الكاف، وهذا لأن القاف أقرب إلى حروف الحلق من الكاف.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) والجيم تدغم في مثلها نحو (أخرج جابرًا) وفي الشين نحو (أخرج شيئًا)، قال الله تعالى (^٣): ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ وروى اليَزِيْدِيُّ عن أبي عمرٍو إدغامها في التاء في قوله تعالى (^٤): ﴿ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ﴾ ".
قال المُشَرِّحُ: هذا كما تدغم التاء في الجيم نحو: ﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ (^٥).
قال جارُ اللَّه: "وتدغم فيها الطاء والدال والتاء والضاد والذال والثاء نحو (اربط حملًا) و(أحمد جّابرًا) و﴿وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ (^٦) و(احفظْ جَّارك)، و﴿إِذْ جَاءُوكُمْ﴾ (^٧) و(لم يَلْبَثْ جّالسًا) ".
قال المُشَرِّحُ: حمزة والكسائي: لا يدغمان الذال في الجيم لأن بينهما بوادي ومفاوز لكون الذال لثوية، وكون الجيم شجرية وإنما أدغمها أبو عمرو فيها لأن الدال والذال أختان فلما حسن إدغام الدال في الجيم حسن إدغام الذال فيها.
_________________
(١) في (أ) في "القاف".
(٢) الأصول: ٣/ ٤١٦.
(٣) سورة الفتح: آية: ٢٩.
(٤) سورة المعارج: الآيتان: ٣، ٤.
(٥) سورة غافر: آية: ٤٩.
(٦) سورة الحج: آية: ٣٦.
(٧) سورة الأحزاب: آية: ١٠.
[ ٤ / ٤٦١ ]
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) (^١) والشين لا تدغم إلا في مثلها نحو قولك (اقمش شَّيحا) ويدغم فيها ما يدغم في الجيم، والجيم واللام كقولك: (لا تخالط شَّرًا)، و(لم يرغِ شَّيئًا) و(أصابت سَّرًّا) و(لم يحفظ شِّعرًا) و(لَمْ يَتَّخِذْ شَّرِيكًا) و(لم يرث شِّفْعًا) و(لم يُخرج شَّيئًا) و(دنا الشَّاسع) ".
قال المُشَرِّحُ: الشين لا تدغم إلا في مثلها حتى لا يذهب ما فيها من المدة والتفشي.
قال جارُ اللَّه: (فصلٌ) والياء تدغم في مثلها متصلة كقولك: حي وعي، وشبيهة بالمتصلة كقولك: قاضي ورامي".
قال المُشَرِّحُ: الياء الأولى في (قاضي) و(رامي) شبيهة بالمتصلة لعدم انفكاك الياء الثانية عن الاسم الذي تتصل به.
قال جارُ اللَّه: "ومنفصلة إذا انفتح ما قبلها كقولك: (أخشىْ يَّاسر) وإن كانت حركة ما قبلها من جنسها [كقولك: (اظلمي يّاسرًا) لم تدغم".
قال المُشَرِّحُ: إنما لم تدغم] (^٢) إذا كانت حركة ما قبلها من جنسها إبقاء على ما فيها من المدة، وهذا دليل على أن الإِدغام يسلب المدة (^٣)، وقد مضى.
فإن سألتَ: لم جاز الإِدغام في (عدو وليد) مع أن الإِدغام فيه يسلب مدة الأولى؟.
أجبتُ: الإِدغام هناك أوجب، لأن المتماثلين في كلمة واحدة وترك المدة لأوجب الإِدغامين، لا يدل تركه لغير أوجبهما.
_________________
(١) ساقط من (أ) موجودة في المفصل.
(٢) ساقط من (أ).
(٣) في (أ): "تسلب الإِدغام".
[ ٤ / ٤٦٢ ]
قال جارُ اللَّه: "ويدغم فيها مثلها والواو نحو "طيا" والنون نحو (من يّعلم) ".
قال المُشَرِّحُ: الواو والياء إذا اجتمعا وسبق أحدهما بالسكون قلبت الواو ياء، [وفي الكتاب: وسألت الخليل عن سُوير وبُويع ما منعهم أن يقلبوا الواو ياء] (^١)؟ فقال هذه الواو ليست بلازمة ولا بأصل ولئلا يؤدي إلى ليس وزن بوزن (^٢).
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) والضاد لا تدغم إلا في مثلها نحو: [اقبض ضعفها] (٣) ".
قال المُشَرِّحُ: لئلا يذهب ما فيها من الطول والتفشي.
قال جارُ اللَّه: "وأما ما رواه أبو شُعيب السُّوسي (^٣) عن اليَزِيْديّ أن أبا عمرو بن العلاء كان يدغمه في الشين في قوله تعالى (^٤): ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ فما برئت من عيب رواية أبي شعيب".
قال المُشَرِّحُ: حجة أبو عمرو أن الضاد وإن كان فيها طول وتفش ففي الشين مدة وتفش [أيضًا فاستوياه] (^٥)، وها هنا بحث وهو أن الحرفين من الكلمتين متى اجتمعا وما قبل الأول منهما ساكن (^٦) ليس بحرف مد ولين كقوله ﷿ (^٧): ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ و(العلم من بعد ما) فالخليل وسيبويه وأصحابهما
_________________
(١) ساقط من (أ).
(٢) سر الصناعة: ٢/ ٧٣٥.
(٣) هو صالح بن زياد بن عبد الله السوسي الرقي: (١٧٣ - ٢٦١ هـ) روى عن اليزيدي عن أبي عمرو. أخباره في: غاية النهاية ١/ ٣٣٢.
(٤) سورة النور: آية: ٦٢.
(٥) ساقط من (أ).
(٦) في (أ).
(٧) سورة البقرة: آية: ١٨٥.
[ ٤ / ٤٦٣ ]
لا يجيزون فيه الإِدغام، لأنه إما أن يبقي ما قبل الحرف المدغم على سكونه، أو تنقل إليه حركة ما بعده وكلاهما غير جائز. أما إبقاء الحرف المدغم على سكونه فلأنه يلزم التقاء الساكنين لا في حده، وأما نقل حركة ما بعده إليه فإنه مما يوجب تغيير الكلام للعارض، لأنه تغيير نفس الكلمة للإِدغام العارض بين الكلمتين، والكوفيون يجيزون فيه الإِدغام على الوجهين على الالتقاء، لأن اللسان يرتفع بالحرف المشدد دفعه وهو في اللفظ متحرك فكأنه خرج من ساكن إلى متحرك، وهو مذهب أبي عمرو ويقرأ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ و﴿عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ (^١) ونحو ذلك بالإِدغام ليسلم الحرف المدغم الرفع والخفض، ويترك في جميع القرآن ما قبله على سكونه، وعلى الثقل، وكان سيبويه وأصحابه يحملون ذلك منه على الإِخفاء. ابن السراج: وكل ما يجوز أن تدغمه ولا تدغمه فلك الإِخفاء، قالوا: لأنه كان يخفي حركة الحرف فيخف بعض الخفة ويشبه الإِدغام وليس بإدغام.
قال جارُ اللَّه: "ويدغم فيها ما يدغم في الشين إلا الجيم كقولك (حط ضّمانك) و(زد ضّحكًا) و(شدت ظّفائرها) و(احفظ ضّأنك) و(لم يلبث ضّاربًا) و(الضَّاحك) ".
قال المُشَرِّحُ: وأما أنه لا يدغم فيا الجيم فلأن الجيم والشين أختان، والشين لا تدغم في الضاد فكذلك الجيم. وأما إدغام الضاد في الضاد فلأن الضاد والظاء من مخرج واحد بدليل أنهما من الحروف المطبقة. وأما إدغام اللام فيها فها هو ذا يأتي في الفصل الثاني.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ): واللام إن كانت المعرفة فهي لازم إدغامها في مثلها وفي الطاء، والثاء، والدال، والظاء والذال، والثاء، والصاد، والسين
_________________
(١) سورة الذاريات: آية: ٤٤.
[ ٤ / ٤٦٤ ]
والزاي، والسين، والضاد والنون، والراء. وإن كانت غيرها نحو لام (هل) و(بل) فإدغامها فيها جائز".
قال المُشَرِّحُ: لام المعرفة يدغم في ثلاثة عشر حرفًا فلا يجوز فيها (^١) إلا الإِدغام لكثرة لام المعرفة في الكلام، وكثرة موافقها لهذه الحروف إذ اللام من طرف اللسان، و(^٢) هذه الحروف أحد عشر حرفًا منها [حرف] من طرف اللسان وحرفان مخالطان طرف اللسان أما المخالطان فالسين ثم الضاد، لأن الضاد قد استطالت حتى بمخرج الطاء، واللام فيها بمنزلة الجزء من الكلمة، ولذلك لا يمنع الاسم إعرابه الذي كان فيه قبل دخوله عليه، ومن ثم لا يوقف على اللام دون ما دخل عليه. وإن كانت غير لام المعرفة فالإِدغام فيها غير لازم.
قال جارُ اللَّه: "ويتفاوت جَوَازه إلى حسن، وهو إدغامها في الرَّاء، كقولك: (هل رّأيت) وإلى قبيح، وهو إدغامها في النون كقولك: (هل نْخرج)، وإلى وسط وهو إدغامها في البواقي، وقرئ (^٣): ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ﴾.
قال المُشَرِّحُ: إنما كان إدغام اللام في الراء حسنًا كقولك: ﴿هل رّأيت) لأن الراء أقرب الحروف إلى اللام، وإدغام اللام في النون أقبح من جميع هذه الحروف، ولذلك لا تدعم أخت اللام وهي الراء في النون.
فإن سألتَ: الراء فيه تكرير ولا كذلك اللام فلذلك إدغامه فيه؟.
_________________
(١) في (أ).
(٢) بعده في (أ): "أما المخالطان … وهذه الحروف" اشتبهت على الناسخ في العبارة التي تليها.
(٣) سورة المطففين: آية: ٣٦. ينظر: الكتاب: ٢/ ٤١٧، والأصول لابن السراج: ٣/ ٤٢١، والقراءة في السبعة: ٦٧٦، والكشاف: ٤/ ٢٣٣، والبحر المحيط: ٨/ ٤٤٣.
[ ٤ / ٤٦٥ ]
[أجبتُ: الراء وإن كان فيه تكرير ففي اللام سعة مخرج وزيادة مسلك] (^١)، وقد أدغم أبو عمرٍو الراء في اللام إلا أنها أدغمت في النُّون كما تدغم النون فيها.
قال جارُ اللَّه: "وأنشدَ سيبويه (^٢):
فَذَرْذَا ولَكِنْ هتُّعِيْنُ مُتَيَّمًا … على ضوءِ برقٍ آخِرَ اللَّيْلِ ناصِبِ
وأنشد:
تَقُوْلُ إذا أَهلكتُ مالًا لِلَذَّةٍ … فُكَيْهَةُ هَلشَّيءٌ بِكَفَّيْكَ لائِقُ"
قال المُشَرِّحُ: في البيت الأول أدغم اللام في الثاء، وإليه استند قراءة أبي عمرو (^٣): ﴿تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. وفي البيت الثاني: أدغم اللام في الشين، (ناصب) أي: ذو نصب.
البيت الثاني: لطريف العنبري اللائق واللازق: متقاربان، وبعده (^٤):
_________________
(١) ساقط من (أ).
(٢) الكتاب: ٢/ ٤١٧. والبيت لمزاحم العقيلي في شعره: ٩٧ مجلة معهد المخطوطات بالقاهرة ٢٢/ ١/ ١٩٧٦ م. ولم يخرج تخريجًا كافيًا. توجيه إعرابه وشرحه في إثبات المحصل: ١٦، المنخل: ٢٢٣، وشرح المفصل لابن يعيش: ١٠/ ١٤١، ١٤٢. وينظر: شرح أبيات الكتاب: ٢/ ٤٤٢، وسر صناعة الإِعراب: ١/ ٣٤٨. قال ابن المستوفي: "قال أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل، أنشده سيبويه لمزاحم العقيلي، ولم يذكره أبو سعيد السيرافي في شرحه، وناصب: ذو نصب، كقولهم: لابن وتامر، على من جعله من أنصبة السهم أي: أتعبه " ونقل كلام الخوارزمي وغيره.
(٣) سورة الأعلى: آية: ١٦، وينظر: الكتاب: ٢/ ٤١٧، والأصول: ٣/ ٤٢١، وسر صناعة الإِعراب: ١/ ٤٣٨.
(٤) قال ابن المستوفي في إثبات المحصل: ١٦: "البيت الثاني لطريف بن تميم العنزي، وكذا أنشده أبو تمام في الحماسة القبائلية له، وأنشد أبو تمام معه البيتين الآخرين. وأنشده السيرافي لطريف بن ربيعة العنبري". وفي نسخة إثبات المحصل تقديم وتأخير في الأوراق بقية النص، ص ٢٥٣. =
[ ٤ / ٤٦٦ ]
فقلتُ لها إنَّ المَلَامَةَ نَفْعها … قليلٌ ولَيْسَت تُستطاع الخَلَائِقُ
يقول: إن ملامتي نفعها قليلٌ، لأنها لا تقبل.
قال جارُ اللَّه: "ولا تدغم فيها إلا مثلها والنُّون كقولك: من لَّك، وإدغام الراء فيها لحن".
قال المُشَرِّحُ: يريد لا يدغم في اللام إلا مثلها، والنُّون كما تدغم اللَّام في النُّون.
[قال جارُ اللَّه: وإدغام الراء [فيها] لحن".
قال المُشَرِّحُ: حتى لا يذهب ما فيها من فضيلة التكرير"] (^١).
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ): والراء لا تدغم إلا في مثلها كقوله تعالى (^٢): ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾ وتدغم فيها اللام والنون كقوله تعالى (^٣): ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ و﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾ (^٤) ".
قال المُشَرِّحُ: اللام قريبة من الراء، ولا كذلك النون.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ): والنون تدغم في حروف (يرملون) كقولك: من يقول، ومن راشد، ومن محمد، ومن لك، ومن واقد ومن نكرم".
قال المشَرِّحُ: إنما جاز إدغامها في هذه الحروف لأن لها قرابة من كل واحد منها بوجه أما الراء واللام فلقرب المخرج لأن مخرجيهما من طرف
_________________
(١) = أرابك أقوامٌ تغطُّ وطابهم … عراض الثّمال إذ سقاؤك خافق سيكفيك من مالي قلائص أربع … وأجمالنا يلحقننا بالخرائق وطريف بن تميم يقول عنه ياقوت الحموي في معجم البلدان (مبايض) جـ ٥/ ٥١: (فارس بني تميم)، ومع هذا فإن أخباره في الكتب قليلة جدًا.
(٢) ساقط من (أ).
(٣) سورة الكهف: آية: ٢٤.
(٤) سورة الفيل: آية: ١.
(٥) سورة الأعراف: آية: ١٦٧.
[ ٤ / ٤٦٧ ]
اللسان. وأما الميم فلكونه وكون النون مجهورين مشتركين في الغنة، وأما الواو فلأنها من مخرج الميم وأما الياء فلأنها من جنس الواو، وأنها تدغم فيها، وأنها مثلها من حروف المد واللين. قال سيبويه: ولئن الياء تقرب من الراء، وهي من مخرج النون، والدليل على ذلك أن الألثغ يجعل الراء ياء لقربها.
قال جارُ اللَّه: "وإدغامها على ضربين: إدغام بغنة، وبغير غنة".
قال المُشَرِّحُ: تدغم النون على ضربين، بغنة إلا في الميم لأن الميم غنة، وبغير غنة. وجه إدغامها بغير غنة: أنها إذا أدغمت في هذه الحروف فقد صارت من جنسها، ولأن ترك الغنة أخف، وجه إدغامها بغنة أن الغنة فضيلة فيها فلا يجوز إهدارها ولهذا كان الأقيس في المطبقة تبقية الإِطباق.
قال جارُ اللَّه: "ولها أربع أحوال:
أحدها: الإِدغام مع هذه الحروف.
والثانية: البيان مع الهمكة، والهاء والحاء والعين والغين والخاء كقولك: من أجلك، ومن هاني، ومن عندك، ومن حملك، ومن غبر، ومن خانك، إلا في لغة قوم أخفوها مع الغين والخاء فقالوا: منخل ومنغل.
والثالثة: القلب إلى الميم قبل [الياء كقولك]: شمباء وعمبر.
والرابعة: الإِخفاء مع سائر الحروف، وهي خمسة عشر حرفًا كقولك: من جابر، ومن كفر، ومن قبلج وما أشبه ذلك. قال أبو عثمان: وبيانها مع حروف الفم لحن".
قال المُشَرِّحُ: النون الساكنة لها أربع أحوال: إدغامها مع هذه الحروف وبيانها مع الحلقية، قال سيبويه: وذلك أن هذه الستة تباعدت عن مخرج النون فلم تخف ها هنا كما لا يدغم في هذه المواضع، وكما أن حروف اللسان لا تدغم في حروف الحلق، وإخفاؤها مع سائر الحروف، وهي
[ ٤ / ٤٦٨ ]
خمسة عشر حرفًا لكونها مع النون في المرتبة الوسطى وقلبها إلى الميم قبل الباء في نحو شمباء وعمبر، وإنما أبدلت فيه من النون الميم لطلب التعديل بينها وبين الباء، وذلك الميم مواخية للنون بالغنة، والباء بالمخرج فتوسطت بينهما لذلك فاللفظ بها بالميم عند البصريين والكتاب بالنون. قال الكوفيون: النون في العنبر ونحوها مخفاة عند الباء كما هي عند التاء والثاء وغيرهما مما يخفى عنده في اللفظ والخط جميعًا وأما (منخل) و(منغل) فقد مضيا في هذا الصنف.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ): والطَّاء والدَّال والتَّاء والظَّاء والذَّال والثَّاء ستتها يدغم بعضها في بعض، [وفي الضاد والزاي والسين".
قال المُشَرِّحُ] (^١): أبو سعيدٍ السِّيرافي: وهذه الستة الأحرف الطاء والدال والتاء والظاء والذال والثاء كل ما جاز أن يدغم فيه واحدة منهن جاز أن يدغم في البواقي ويجوز إدغامهن في أمثالهن ويجوز إدغام بعضهن في الشين والضاد والجيم والصاد والزاي والشين وإنما جاز ذلك في هذه الأحرف الستة لأن أصل الإِدغام لحروف اللسان والفم، ولكن حروف الفم من طرف اللسان وطلب الخفة فيما كان أكثر أولى.
قال جارُ اللَّه: "وهذه لا تدغم في تلك إلا أن بعضها يدغم في بعض".
قال المُشَرِّحُ: اعلم أن في الحروف حرفًا لا تدغم فيما قاربها ويدغم ما قاربها فيها، وهي الحروف التي لها فضل ومزية على ما قاربها بزيادة الصوت، ولا يدغم الأفضل في الأنقص، لما في ذلك من الإِجحاف به، ويدغم الأنقص في الأفضل، لأنه يخرج إلى الحرف الأقوى وهي خمسةُ
_________________
(١) في (ب).
[ ٤ / ٤٦٩ ]
أحرفٍ عند البصريين، الشين والضاد والراء والفاء والميم، وزاد بعضهم فيها حروف الصفير الصاد والزاي والسين والشين لا تدغم فيما قاربها لما فيها من التفشي والضاد لا تدغم فيما قاربها لما فيها من الاستطالة، والراء لا تدغم فيما قاربها لما فيها من التكرير، والفاء لا تدغم فيما قاربها لما فيها من النفح الذي هو بمنزلة التفشي، وحروف الصفير لا تدغم (^١) في غيرها لما فيها من زيادة الصوت بالصفير الذي فيها، فهن أندى في المسموع مما قاربها. والميم لا تدغم فيها قاربها لما فيها من اجتماع شيئين: الغنة التي فيها، وأنها كحروف الصفير لأنها أندى في المسموع.
قال جار اللَّه: "والأقيس في المطبقة إذا ادغمت تبقية الإِطباق كقراءة أبي عمرو (^٢): ﴿فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ﴾ ".
قال المُشَرِّحُ: نظير هذه المسألة تبقية الغنة عند الإِدغام وإسقاطها، أما التبقية فإبقاء على فضيلتي الغنة والإِطباق. وأما الإِسقاط فلتسهيل وصحة الإِدغام.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ): والفاء لا تدغم إلا في مثلها كقوله تعالى (^٣): ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ ".
قال المُشَرِّحُ: إنما لا تدغم الفاء إلا في مثلها لئلا يسلبها الإِدغام ما فيها من فضيلة النفخ.
قال جارُ اللَّه: "وقرئ (^٤): ﴿نَخْسِفْ بِهِمُ﴾ بإدغامها في الباء وهو ضعيفٌ تفرد به الكسائي".
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) سورة الزمر: آية: ٥٦.
(٣) سورة البقرة: آية: ٢١٣.
(٤) سورة سبأ: آية: ٩. وقراءة الكسائي في البحر المحيط: ٧/ ٢٦١.
[ ٤ / ٤٧٠ ]
قال المُشَرِّحُ: إدغام الفاء في الباءِ لا يجوزُ، وإن جاء إدغام الباء في الفاء، وذلك أن الفَاء من باطِنِ الشَّفة السفلى وأطراف الثَّنايا العُليا وانحدر الصوت به إلى الفم حتى اتصلت بمخرجِ الباءِ ومن ثم جاء مثل الجدث والجدف، والمغاتير والمعافير فتعاقبتا على الحرف للمقاربة التي بينهما فلما اتصلت بمخرج الباء صارت بمنزلة حرف من ذلك الموضع فكما أن ذلك (^١) الحرف الذي اتصل به الفاء لا يدغم في الباء كذلك الفاء لا تدغم في الباء، ونظير هذه المسألة حذو القذة بالقذة أن الضاد لما استطال مخرجها متجاوز صوتها مخرج اللام حتى اتصل الصوت بها لمخرج الطاء والدال والتاء نزلت الضاد بمنزلة حرف من ذلك المخرج حتى أدغم هذه الحروف في الضاد ما يدغم ما هو من مخرجه، ولا تدغم الصاد في شيء منها حتى لا يسلبها الإِدغام ما فيها من الاستطالة. كذلك الفاء لما اتصل بها الصوت بمخرج الياء نزلت الفاء منزلة الحرف من ذلك المخرج فكما لا تدغم الثاء في الياء، كذلك الفاء لا تدغم فيها حتى لا يَسلبها الإِدغام فضيلة النَّفخ، ولهذا قالوا بأن التاء والطاء والدال والضاد والثاء والذال تدغم في حروف الصفير ولم يدغم شيء من حروف الصفير في هذه الستة لئلا يسلبها الإِدغام فضيلة الصفير كذلك الباء أدغمت في الميم نحو: اصحب مَّطرًا، ولم تدغم هي في الباء نحو: اضمم بكرًا، وذلك لئلا يسلبها الإِدغام فضيلة الغنة وكذلك الرَّاء لا تدغم في اللام نحو اختر ليلة، وإن كانت اللام قد أدغمت في الراء نحو اسعل رحبه، لئلا يسلبها الإِدغام فضيلة التكرير.
وأما حجّة الكسائي في هذه المسألة فقد ذكرتها في كتابي الموسوم بـ (السّبيكة) في شرح المفصل، وهي الشرح الأوسط وأما (المُجمرة) في شرحه أيضًا فأصغر من (السّبيكة) (^٢).
_________________
(١) في (أ).
(٢) تنظر المقدمة.
[ ٤ / ٤٧١ ]
قال جارُ الله: " (فصلٌ): والباء تدغم في مثلها، قرأ أبو عمرو (^١): ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ وفي الفاء والميم نحو (^٢): ﴿اذْهَبْ فَمَنْ﴾ و﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٣) ولا يدغم فيها إلا مثلها".
قال المُشَرِّحُ: وهذا لأنه لما يبعثك ويعذب تدغم الميم المنقلبة من النون في الباء كانت الميم الأصلية أولى بأن لا تدغم فيها، وأن في الميم والفاء فضيلتي الغنة والنفح فلا يجوز إدغامها فيها. وأما قراءة أبي عمرو (^٤): ﴿أَنَا أَعْلَمُ بِمَا﴾ بذهاب حركة الميم فذاك إخفاء لا إدغام.
قال جارُ الله: " (فصلٌ): والميم لا تدغم إلا في مثلها، قال الله تعالى (^٥): ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ﴾ وتدغم فيها النون والياء".
قال المُشَرِّحُ: إما أنها لا تدغم إلا في مثلها فللإِبقاء على ما فيها من خصلتي الغنة والشبه بالصفير، وإما أنه يدغم فيها النون والياء فلا حرار الخصلتين.
قال جارُ الله: " (فصلٌ): و(افتعل) إذا كان بعد تائهًا مثلها جاز فيه البيان والإِدغام".
قال المُشَرِّحُ: العرب تختلف في إدغام تاء (افتعل) فمن أبا الإِدغام كره أن يزيل البناء الذي دخلت له التاء فيزول المعنى وذهب إلى [أن] التاء غير لازمة وأنها ليست مثل راء احمررت وهذا لأنه يجوزأن يقع بعد تاء افتعل كل حرف من حروف المعجم ومنهم من أدغم لما كان الحرفان في كلمة واحدة ومضى على القياس.
_________________
(١) سورة البقرة: آية: ٢٠.
(٢) سورة الإسراء: آية: ٦٣.
(٣) سورة البقرة: آية: ٢٨٤، والمائدة: آية: ١٨.
(٤) سورة الممتحنة: آية: ١.
(٥) سورة البقرة: آية: ٣٧.
[ ٤ / ٤٧٢ ]
قال جارُ الله: "والإِدغام سبيله أن تسكن التاء الأولى وتدغم في الثانية وتنقل حركتها إلى الفاء فيستغني بالحركة عن همزة الوصل فيقال: قتلوا -بالفتح- ومنهم من يحذف الحركة وينقلها، فيلتقي ساكنان فتحرك الفاء بالكسر، فيقال: قتلوا فمن فتح قال: يقتلون، ومقتلون بفتح الفاء. ومن كسر قال: يقتلون ومقتلون بكسرها".
قال المُشَرِّحُ: الوجه الأول: حذف الحركة من الحرف المدغم وإلقاؤه على الساكن قبله، قال الشيخ أبو علي الفارسي: وهذا أحسن الوجوه بدليل قولهم: رد وقر وغض فألقوا حركة العين على الساكن.
والوجه الثاني: حذف الحركة أيضًا، إلَّا أنها لم تلق على الساكن لما ألقيت في الوجه الأول وجعلت بمنزلة قولهم: مسنا السماء فلما لم تلق الحركة على ما قبلها التقى ساكنان فحرك الحرف الذي قبل المدغم.
قال جارُ الله: "ويجوز: مقتلون -بالضم- اتباعًا للميم لما حكى عن بعضهم: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ (^١) ".
قال المُشَرِّحُ: ابنُ السَرَّاج (^٢): وهذا أقلُّ اللُّغاتِ. ونحوه: منتن بضم التاء في منتن. وهو منحدر من الحنك.
قال جارُ الله: "وتقلب مع تسعة أحرف إذا كن قبلها مع الطاء والظاء والصاد والضاد طاء، ومع الدال والذال والزاي دالًا، ومع الثاء والسين تاء وسينًا".
_________________
(١) سورة الأنفال: آية: ٩. وفي الكتاب: ٢/ ٤١٠، "حدثني الخليل وهارون أن ناسًا يقولون: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ يريدون: مرتدفين أتبعوا الضمة الضمة". وينظر: الأصول: ٣/ ٤٠٩.
(٢) الأصول: ٣/ ٤٠٩، وهو كلام سيبويه.
[ ٤ / ٤٧٣ ]
قال المُشَرِّحُ: أمّا قلب التاء طاء مع الطاء فللهرب من التقاء المتقاربين إلى الإِدغام لا سيما وأحدهما مستعل، والآخر مستفل فإن طالت لم تنقلب الطاء تاء للهرب من التقاء المتقاربين إلى الإِدغام.
فإن سألتَ: لم تقلب الطاء تاء للهرب من التقاء المتقاربين إلى الإِدغام؟.
أجبتُ: لأن التقاء المتقاربين لم يكن حين التكلم بالطاء وحين وقع الالتقاء وقع التكلم بالطاء فمست الضرورة إلى قلب التاء طاء، وأما مع أحد (^١) هذه الثلاثة المطبقة فلأن الظاء أخت الذال مخرجًا، وجنس الثلاثة إطباقًا فتوسطت بينهما، وكذلك قلبها مع الدال والذال والزاي دالًا. أمّا قلبها مع الدال فظاهر. وأما قلبها مع الذال فلأن التاء أخت الذال فقلبتا إليها فبعد ذلك لنا طريقان: إن شئنا قلنا الذال إلى الدال مخافة أن يعتور الحرف الواحد قلبان، وإن شئنا قلبنا الدال إلى الذال مخافة أن يبدل مخرج الحرف بعد إمضائه. وأما قلبها مع الزاي فلأن التاء حرف مهموس خفي، والزاي حرف مجهور له صفير فقلب الثاني إلى الدال لأن الدال مجهور غير خفي، وكذلك قلبها مع الثاء والسين ثاء وسينًا وهذا لما بين التاء والثاء والسين من الجوار.
قال جارُ الله: "وأما مع الطاء فتدغم ليس إلا كقولك اطلب واطعنوا ومع الظاء تبين وتدغم بقلب الظاء طاء والطاء ظاء كقولك: اظطلم واطلم، واظلم ورويت الثلاثة في بيت زهير:
* ويُظْلَمُ أحيانًا فَيَظَّلِمُ *
قال المُشَرِّحُ: أما الإِدغام مع الطاء فلأنه إذا قلبت التاء طاء لم يكن إلا الإِدغام، وأما البيان والإِدغام مع الظاء فلأنه إذا قلبت التاء طاء فإما أن لا
_________________
(١) ساقط من (ب).
[ ٤ / ٤٧٤ ]
ينصرف فيه بعد ذلك فيكون: اظطلم وإما أن تقلب الطاء إلى الظاء هربًا من أن يكون القلب على حرف واحد، وهو أكثر اللغات ومنهم من يكره أن يدغم الأصلي في الزائد فتقول: اظّلم. وفي بيتِ زُهير لغةٌ رابعةٌ وهي (^١) (يَنْظَلِمُ) بالنون يقال: اظلمته فانظلم، أي: احتمل الظلم. أول البيت (^٢):
هُوَ الجَوَادُ الَّذي يُعْطِيكَ نَائِلُهُ … عَفْوًا ويُظْلَمُ أَحْيَانًا فَيَنْظَلِمُ
قوله: يُظْلَمُ، أي: يسأل فوق طاقته.
قال جارُ الله: "ومع الضاد تبين وتدغم بقلب الطاء صادًا كقولك: مصطبر ومصبر، واصطفى واصطلى، واصف واصلى وقرئ (^٣): ﴿أَنْ يُصْلِحَا﴾ ولا يجوز مطبر".
قال المُشَرِّحُ: إنما لا يجوز ذلك لئلا يسلب الإِدغام الضاد ما فيها من الصفير.
قال جارُ الله: "وتقلب مع الدال والذال والزي دالًا فمع الدال والذال يدغم كقولك ادان وادكر واذكر، وحكى أبو عمرو عنهم: اذدكر وهو مذدكر، قال الشاعر (^٤):
_________________
(١) في (ب).
(٢) شرح ديوان زهير: ١٥٢. توجيه إعراب البيت وشرحه في إثبات المحصل ٢٥٤، والمنخل: ٢٢٤، وشرح المفصل لابن يعيش: ١٠/ ١٤٩. وينظر: الكتاب: ٢/ ٤٢١، والمنصف: ٢/ ٣٢٩، والخصائص: ٢/ ١٤١، وشرح شواهد الشافية: ٤٩٣.
(٣) لعله يقصد الآية: ١٢٨ من سورة النساء: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا﴾ وهي قراءة عاصم والجحدري في المحتسب: ١/ ٢٠١. وفي النسختين والمفصل و(خ) وشرح ابن يعيش (إلا أن يصلحا) و"إلا" ليست موجودة في الآية وتصحيحي هذا عن نسخة الصغاني ﵀.
(٤) في المنخل: ٢٢٤: "قال أبو حكاك"، ولم ينسبه ابن المستوفي في إثبات المحصل: ٢٥٤، وشرح المفصل لابن يعيش: ١٠/ ١٥٠. وينظر: سر صناعة الإعراب: ١٨٧، والممتع: ٣٥٨، والمقرب: ٥٢٣.
[ ٤ / ٤٧٥ ]
تُنْحِي على الشّوكِ جُرازًا مُقْضَبَا
والهَرْمَ تُذْرِيْهِ اذْدِرَاءً عَجَبَا"
قال المُشَرِّحُ: الهرمُ: ضربٌ من الحمض، وبعيرٌ هارمٌ للذي يرعاه، وإبل هوارم ويقال: "أَذَلُّ مِنْ هَرْمَةٍ".
قال جارُ الله: "ومع الزاي تبين، وتدغم تقلب الدال إلى الزاي كقولك: ازدان وازان".
قال المُشَرِّحُ: لا يجوز ها هنا قلب الزاي إلى الدال، ولا الإِدغام لئلا يذهب ما في الزاي من الصفير، ولذلك لا يجوز ازدرع وادرع.
قال جارُ الله: "ومع الثاء تدغم ليس إلا، تقلب كل واحدة منهما إلى صاحبتها فتقول: مثرد ومترد، ومنه: آثار وآتار".
قال المُشَرِّحُ: أما أن تدغم في الثاء الثانية وهو الأصل، أو على العكس ولا يجوز البيان ها هنا، لما بين التاء والثاء من القرابة القريبة، ولذلك ترى طائفة من الفرس يقلبون الثاء تاء أينما وقعت.
فإن سألتَ: فما تقول في (اذدكر) فإنه قد جاء في البيان والإِدغام مع القرابة القريبة، ولذلك تقلب تلك الطائفة بين الفرس الذال دالًا أينما وقعت؟.
أجبتُ: أينما أجيز ترك الإِدغام في (اذدكر) هربًا من الإِجحاف بالكلمة (^١) بثلاث إعلالات بخلاف آثار وآتار فإنه لا يلزم بالإِدغام فيه ثلاث إعلالات.
قال جارُ الله: "ومع السين تبين وتدغم بقلب التاء إليها كقولك مستمع ومسمع".
_________________
(١) في (أ).
[ ٤ / ٤٧٦ ]
قال المُشَرِّحُ: جارُ قلب التاء إلى السين ها هنا لما بينهما من الجوار، ولم يجز إدغام السين في التاء لئلا يذهب الصفير الذي في السين.
قال جارُ الله: "وقد شبهوا تاء الضمير بتاء الافتعال فقالوا: خبط، قال:
* وفي كلّ حيّ قَدْ خَبَطْتُّ بِنِعْمَةٍ *
وفزد وحصط عينه، وعد ونقد، يريدون: حبطت، وفزت وحصن، وعدت ونقدت، قال سيبويه: أغرب اللغتين أجودهما أن لا تقلب".
قال المُشَرِّحُ: يريد كما قلبوا تاء الافتعال طاء في نحو [اطعن، وذالًا في نحو اذرع فكذلك هذه الأمثلة يعني خبطت لكل حي بنعمة وأنعمت عليهم فكنت كمن] (^١) خبط لهم الشجرة، ألا ترى إلى قوله:
* له وَرَق السّائلين رَطِيْبُ *
تمامه (^٢):
* وحقّ لشأسٍ من نَدَاكَ ذَنُوْبُ *
شأسُ: هو أخو علقمة بن عبدة. مدح بهذه القصيدة الحارث بن أبي شمر الغساني وكان شأس عنده أسيرًا.
_________________
(١) في (ب).
(٢) البيت لعلقمة (الفحل) بن عبدة التميمي في ديوانه: من قصيدته المشهورة التي مطلعها: * طحا بك قلب في الحسان طروب * توجيه إعراب البيت وشرحه في إثبات المحصل: ٢٥٥ والمنخل: ٢٢٥، وشرح المفصل لابن يعيش: ١٠/ ١٥١. وينظر: الكتاب: ٢/ ٤٢٣، وشرحه للسيرافي: ٦/ ٥٦٤، وشرح شواهده: ٢/ ٤٠٠، والأصول لابن السراج: ٣/ ٢٧٢ والتمام: ١٢٣، والمنصف: ٢/ ٣٣٢، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ١٨١.
[ ٤ / ٤٧٧ ]
قال جارُ الله: " [قال سيبويه] (^١): وإذا كانت التاء متحركة وما بعدها هذه الحروف ساكنة لم يكن إدغام يريد: استطعم واستضعف واستدرك، لأن الأول متحرك والثاني ساكن فلا سبيل إلى الإِدغام. واستدان واستضاء واستطال بتلك المنزلة لأن فاءها في نية السكون".
قال المُشَرِّحُ: لأن أصلها استدين واستضوأ واستطول.
قال جارُ الله: " (فصلٌ): وأدغموا تاء تفعل وتفاعل فيما بعدها فقالوا: طيروا وازينوا واثاقلوا وادارؤا مجتلبين همزة الوصل للسكون الواقع بالإِدغام ولم يدغموا نحو تذكرون، لأن لا يجمعوا بين حذف التاء، وإدغام الثانية".
قال المُشَرِّحُ: لعل هذا الإِدغام والهمزة يفيد الفعل مزيد مبالغة.
قال جارُ الله: " (فصلٌ): ومن الإِدغام الشاذ قولهم: ست أصله سدس فأبدلوا السين تاء، وأدغموا فيها الدال ومنه (ود) في لغة بني تميم، وأصلها وتد وهي الحجازية الجيدة، ومثله عدان في عتدان، وقال بعضهم عتد وعتيد فرارًا من هذا".
قال المُشَرِّحُ: العتدان: مكسر عتود، وقد مضى.
قال جارُ الله: " (فصلٌ): وقد عدلوا في بعض ملاقي المثلين والمتقاربين لإِعواز الإِدغام إلى الحذف، فقالوا في ظللت ومسست وأحسست: ظلت ومست وأحست، قال:
* أَحَسْنَ بِهِ فهنَّ إليه شُوْسُ *
قال المُشَرِّحُ: في التنزيل: ﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾.
فإن سألتَ: المحذوف في هذه الأمثلة العين أو اللام؟.
أجبتُ: قال ابن جني: إن المحذوف هو الأول، وذلك أنهم شبهوا
_________________
(١) في (أ).
[ ٤ / ٤٧٨ ]
المضعف بالمعتل العين، فكما قالوا: لست قالوا: ظلت ومست وأحست.
فإن سألتَ: فكيف لم يكن المحذوف في: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ﴾ (^١) بسكون الراء وتخفيفها هو الأول؟.
أجبتُ: لم يكن، ها هنا الشبه بمعتل العين، لأن حرف العلة بعد الألف في هذا المقام يسلم من الاعتلال والحذف وذلك نحو عاود وبايع، والثانية أضعف وبتكريرها وقع الاستثقال فقلنا بأنها هي المحذوفة. هذه رواية أبي عُبَيْدَة في هذا البيت، والرِّواية المعروفة (حسَيْنَ به) بإبدال السين ياء. والبيت لأبي زبيد وصدر البيت (^٢):
خَلَا أَنَّ العِتَاقَ مِنَ المَطَايَا … حَسَيْنَ بِهِ
وهو أقرب إلى القياس.
قال جارُ الله: "وقول بعض العرب: استخذ فلان أرضًا لسيبويه فيه مذهبان:
أحدهما: أن يكون أصله: (استتخذ) فتحذف التاء الثانية.
والثاني: أن يكون (اتخذ) فيبدل السين مكان التاء الأولى ومنه قولهم: تستطيع بحذف التاء [الثانية] ".
قال المُشَرِّحُ: تحذف التاء الثانية كما حذفت الأولى من تقاه يتقيه، وهو نظير ظلت وأحست.
_________________
(١) سورة البقرة: آية: ٢٣٣.
(٢) ديوان أبي زبيد: ٩٦. توجيه إعرابه وشرحه في إثبات المحصل: ٢٥٥، والمنخل: ٢٢٥، وشرح المفصل لابن يعيش: ١٠/ ١٥٤. وينظر: مجاز القرآن: ٢/ ٢٨، ١٣٧، والمقتضب: ١/ ٢٤٥ والجمل: ٣٨١، والخصائص: ٢/ ٤٣٨، والمنصف: ٣/ ٨٤، والمحتسب: ١/ ١٢٣، ٢٦٩، ٢/ ٦٧، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٩٧، ٣٨٨.
[ ٤ / ٤٧٩ ]
والثاني: أن يكون (اتخذ) فتبدل السين مكان التاء الأولى إذ كل واحد من التاء والسين حرف مهموس ولذلك أبدل التاء من السين في (ست) و(تستطيع) مما حذف منه أحد المتقاربين.
قال جارُ الله: "وقولهم: (يستبع) إن شئت قلت: حذفت الطاء وتركت تاء الاستفعال، وإن شئت قلت: حذفت التاء المزيدة أبدلت التاء مكان الطاء".
قال المُشَرِّحُ: يحتمل أن يكون المحذوف هو الطاء، والمتروك تاء الاستفعال كما كان المحذوف في المسألة المتقدمة. وأن يكون المحذوف تاء الاستفعال، وكانت التاء فيه مبدلة عن الطاء، ونحوه فستاط في فسطاط بدليل أنهم قالوا: فساطيط، ولما يقولوا فساطيط.
قال جارُ الله: "وقالوا: بلعنبر وبلعجلان في بني العنبر وبني العجلان".
قال المُشَرِّحُ: إنما حذفت النون في (بلعنبر) و(بلعجلان) لأن النون واللام متقاربان ولذلك قالوا: (لعلي) في (لعلني) و(أني) في (أنني) فحذفوا النون عند اللامين كما حذفوا النون عند التنوين.
قال جارُ الله: "وعلماء بنو فلان، أي: على الماء، قال (^١):
_________________
(١) قال ابن المستوفي في إثبات المحصل: ٢٥٧: "هو من أبيات أنا ذاكرها رواها محمد بن يزيد المبرد لقطري بن الفجاءة المازني، وقال المدائني هي لصالح بن عبد الله العبشمي وقال خالد بن حداش: بل قائلها عمرو القنا. وقال وهب بن جرير عن أبيه: إن حبيب بن سليم قائله … " أورد الأبيات التي رواها المبرد في الكامل: ١٢٢٦. ثم قال ابن المستوفي بعد أن أورد الأبيات. "أم حكيم هذه كانت مع الخوارج من أشجع الناس وأجملهم وجهًا وأحسنهم بدينه تمسكًا، كانت تحمل على الناس وترتجز: أَحمل رأسًا قد سَئِمْتُ حملَهُ وقَدْ مللت دهنه وغَسلَهُ =
[ ٤ / ٤٨٠ ]
غَدَاةَ طَفَتْ عَلْمَاء بكرُ بن وائلٍ … وعاجَتْ صُدُوْرُ الخَيْلِ شطرَ تَمِيْمِ"
قال المُشَرِّحُ: حذف إحدى اللامين ها هنا، والواجب أن يكون هذا المثال عند قوله: (ظلت) و(ست).
قال جارُ الله: -﵀- "وإذا كانوا ممن يحذفون مع إمكان الإدغام في (يتسع) و(يتقي) فهم مع عدم إمكانه أحذف".
قال المُشَرِّحُ: -هدى الله سعيه- هذا التخفيف لا يطرد، إنما جاء في (اتجه) و(اتسع) و(اتقى)، قال أوس بن حجر (^١):
تَقَاكَ بِكَعْبٍ واحدٍ وتَلِذُّهُ … يَدَاكَ إِذَا ما هُزَّ بالكَفِّ يَعْسِلُ
وقال خفَافُ بنُ نُدبة (^٢):
جَلَاهَا الصَّيْقَلُونَ فَأَخْلَصُوْهَا … خِفَافًا كلُّها يُتْقَى بإِثْرِ
وقال خداش بن زهير (^٣):
تَقُوْهُ أيُّها الفتيان إنّي … رأيتُ الله قد غَلَبَ الحُدُوْدَا
والله أعلم
* * * *
_________________
(١) = ألا فَتىً يحمِلُ عني ثُقلَهُ وأورد ابن المستوفي روايات مختلفة للأبيات وقصتها. توجيه إعراب البيت وشرحه في المنخل: ٢٢٦، وشرح المفصل لابن يعيش: ١٠/ ١٥٤. وتخريجه في شعر الخوارج ص ١٧٤، وشرح شواهد الشافية. ونقل عن الأغاني ما يصحح نص ابن المستوفي السالف الذكر.
(٢) ديوانه: ٩٦.
(٣) شعره (شعراء إسلاميون): ٤٧٥ برواية (يفري ببتر).
(٤) ديوانه: ٤١.
[ ٤ / ٤٨١ ]
قال مولانا الإِمام العالم الكبير المتقن المحقق مجد الملة والدين، حجة الإِسلام والمسلمين، صدر الأفاضل والعلماء العالمين علم الأَعلام حكم ملوك الكلام، علامة العالم، صاحب علمي المعاني والبيان متع الله المسلمين بطول بقائه، وأدام أنوار الإِسلام بأشعة روائه انتهى (تخمير المفصل) بيد منشئه القاسم بن الحسين الخوارزمي ضحوة يوم الأحد السابع عشر من شعبان الواقع في سنة إحدى عشرة وستمائة هجرية، والحمد لله على جزيل نواله والصلاة على نبيه محمد وآله [وسلم تسليمًا] (^١).
وافق الفراغ من تعليقه عشية الثلاثاء الرابع من شهر صفر من سنة ست وعشرين وستمائة نفع الله به معلقه وأمده بالإِسعاد فيما يرومه من التحصيل ووفقه وفتح له أبواب ما رمزه الشيخ في مفصله وأغلقه بمنه وكرمه.
_________________
(١) جاء في نسخة (ب): "فرغ من زبرة مالكه العبد الفقير إلى الله تعالى الراجي مغفرته وثوابه محمد بن علي بن محمد الصيفي الحميري ضحوة يوم الخميس لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول سنة ست وثمانين وستمائة. وذلك بالمشهد المقدس في حصن ظفار حرسه الله ببقاء الصالحين، والكاتب يستغفر الله العظيم من الزيادة والنقصان ويسأله المغفرة والرضوان له ولجميع المسلمين أنه على ذلك قدير بالاجابة جدير، والحمد لله وحده وصلواته على محمد وآله الطيبين الطاهرين وسلم تسليمًا.
[ ٤ / ٤٨٢ ]