إن اقتضى فعل مصوغًا له باطراد اسم مفعول تام نصبه مفعولًا به، وسمي متعديًا، وواقعًا ومجاوزًا، وإلا فلازمًا، وقد يشهر بالاستعمالين، فيصلح للاسمين، وإن علق اللازم بمفعول به معنى عدي بحرف جر، وقد يجرى مجرى المتعدي شذوذًا، أو لكثرة الاستعمال، أو لتضمين معنى يوجب ذلك.
واطراد الاستغناء عن حرف الجر المتعين مع «أنْ» و«أنّ» محكومًا على موضعهما بالنصب لا بالجر، خلافًا للخليل والكسائي، ولا يعامل بذلك لتعين الجار غيرهما، خلافًا للأخفش الأصغر، ولا خلاف في شذوذ بقاء الجر في نحوه
أشارت كليبٍ/ بالأكف الأصابع [٣: ٩٢/ب]]-
ش: التعدي لغة التجاوز، يقال: عدا طوره، أي: جاوزه. وفي الاصطلاح هو تجاوز الفعل فاعله إلى مفعول به، فإن تجاوزه إلى غير مفعول به من مصدر أو ظرف أو حال أو غير ذلك فلا يسمى متعديًا.
ومعنى مصوغًا له باطراد اسم مفعول أي: اسمًا مصوغًا له اسم مفعول، مثاله ضرب وقتل، تصوغ منهما اسم مفعول باطراد، فتقول مضروب ومقتول.
واحترز بقوله باطراد من الفعل المتعدي بحرف جر، ثم حذف ذلك الحرف ضرورة، كقوله:
تمرون الديار، ولم تعرجوا
فإنه إذا اضطر قال: الديار ممرورة.
[ ٧ / ٥ ]
وقوله تام احتراز مما يصاغ منه اسم مفعول، لكنه مفتقر إلى حرف الجر، فيعلم بذلك لزومه، نحو ذهل، فإنك تقول فلان مذهول عنه، طمع، فإنك تقول: فلان مطموع فيه، فذهل وطمع فعلان غير متعديين.
وقال أصحابنا في رسم اللازم: إنه الذي لا يبني منه اسم مفعول، ولا يصح السؤال [عنه] بأي شيء وقع.
وقوله نصبه مفعولًا به ظاهره أن العامل في المفعول به النصب هو الفعل أو ما جرى مجراه. وهذه مسألة خلاف: مذهب البصريين هذا. وقال هشام: العامل النصب فيه هو الفاعل. وقال الفراء: الفعل والفاعل معًا. وقال خلف الأحمر: معنى المفعولية.
ويستدل لهشام بأنه إذا لم يوجد الفاعل لا في اللفظ ولا في التقدير لم يوجد النصب، فوجوده مع وجوده وعدمه مع عدمه دليل على العلية. ورد بوجود النصب مع المصدر وإن لم يكن فاعل لا في اللفظ ولا في التقدير.
واستدل الفراء لمذهبه بأنهما كالشيء الواحد؛ بدليل الإسكان والتركيب في حبذا، ومنع العطف عليه- يعني في نحو قمت- والنسب إليهما، كما قالوا منتي، وما هو واحد، فإن عمل أحدهما كعمل بعض شيء، ولا يعمل لأنه غير مستقل، ولأن الفعل لو عمل لوليه، لكن لا يلزم، فلا يكون. انتهى.
وما ذكروه فاسد: أما الأول فلا نسلم أنهما كشيء واحد من جميع الوجوه، ولو كان لما جاز الفصل بينهما بالمفعول. وقولهم «لا يعمل بعض الشيء»
[ ٧ / ٦ ]
غير مسلم؛ فإنك تقول: قام الضارب زيدًا، ولأن الحروف تعمل، وهي كالجزء مما دخلت عليه. وقوله «لو [عمل] لوليه» لا يلزم؛ لأنه منقوص بإن في الدار لزيدًا؛ ولأنه يتقدم عليهما باتفاق، نحو: زيدًا ضرب عمرو.
وقال أبو علي: ويدل على فساد قول الفراء أنه يلزمه ألا يجوز قولك: ضرب زيدًا عمرو، فيعمل النصب قبل تمام العامل، والعامل لا يعمل حتى يتم.
ونقض مذهب الأحمر بما لم يسم فاعله، وبقولهم: لم أضرب زيدًا، وبقولك: مات زيد، فإن وقع به في الحقيقة.
واستدل البصريون/ بوجهين [٣: ٩٣/أ]
أحدهما: أنه لا مستدعي له إلا الفعل، المستدعي له هو العامل، ولأن الفاعل لا يستدعي، فلا يكون عاملًا، ولا زائد غير الفعل.
والثاني: لا يكون الفاعل هو العامل لأنه اسم مثله، فعمله فيه ترجيح من غير مرجح، ولا أولوية بينهما. قال أبو علي: ولأنه يختلف تصرفه بحسب تصرف الفعل، ولو كان ارتفاعه بالفاعل لم يختل بحسب اختلاف الفاعل.
وقوله ويسمى متعديًا وواقعًا ومجاوزًا المشهور تسميته متعديًا.
وقوله وإلا فلازمًا أي: وإلا يقضه فيسمى لازمًا، ويسمى أيضًا قاصرًا، وغير متعد.
[ ٧ / ٧ ]
وقوله وقد يشهر بالاستعمالين- أي: بالتعدي واللزوم- فيصلح للاسمين، أي: لأن يسمى متعديًا ولازمًا. قال المصنف في الشرح: «ما تعدى تارة بنفسه وتارة بحرف جر ولم يكن أحد الاستعمالين متندرًا فيه قيل فيه: متعد بوجهين، نحو: شكرته، شكرت له، ونصحته، ونصحت له» انتهى. وهذا النوع من الفعل قسم برأسه، لما تساويا في الاستعمال صار أصلًا بنفسه.
وزعم بعض النحويين أنه لا يتصور أن يوجد فعل يتعدى بنفسه تارة وبحرف جر أخرى على حد سواء؛ لأنه محال أن يكون الفعل قويًا ضعيفًا في حالة واحدة ولا المفعول محلًا للفعل وغير محل للفعل في حين واحد.
وصحح الأستاذ أبو الحسن بن عصفور وغيره هذا المذهب، قال: «فينبغي أن يجعل نصحت زيدًا وأمثاله الأصل في أن يتعدى بحرف جر، ثم حذف حرف الجر منه في الاستعمال، وكثر فيه الأصل والفرع؛ لأن النصح لا يحل بزيد، فإن كان الفعل يجل بنفس المفعول ويجود تارة متعديًا بنفسه وتارة بحرف جر جعلنا الأصل وصوله بنفيه وحرف الجر زائدًا، نحو: مسحت رأسي، ومسحت برأسي، وخشنت بصدره وصدره؛ لأن التخشين يحل بالصدر». انتهى.
وقال الأستاذ أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن إبراهيم، عُرف بالشلوبين الصغير: «دعوى الاستحالة باطلة؛ إذ يتصور أن يكون بعض العرب يلحظه قويًا بطبعه، فيوصله بنفسه، وآخر يضعف عنده، فيقويه بالحرف، ثم
[ ٧ / ٨ ]
اختلطت اللغات وتداخلت، بل يتصور أن يقع ذك من شخص واحد في زمانين، وإنما يستحيل ذلك في الفعل الواحد في الزمن الواحد من الشخص الواحد».
وذهب أبو الحسن طاهر بن بابشاذ إلى أنه إذا وجد فعل يتعدى تارة بنفسه وتارة بحرف جر فالأصل التعدي/ بحرف جر؛ لأن الزيادة لا يقدم عليها إلا بدليل، ولذلك اعتقدنا ان الحرف دخل لمعنى التعدية، ثم اتسع في الجار، فحذف. انتهى. [٣: ٩٣/ب]
فتخلص في مثل نصحت زيدًا ونصحت لزيد مما كثر استعمال الوجهين في ثلاثة مذاهب: أحدها: أنه قسم برأسه. والثاني أن الأصل فيه التعدي بحرف جر. والثالث: أن الأصل التعدي بنفسه، وحرف الجر زائد.
ووجه تعدي نصح بنفسه أنه محمول على ضده، وهو غش، كما حمل في تعديه بحرف الجر على نظيره، وهو خلص، فإذا قال نصحت لزيد فمعناه خلص عملي له.
وكذلك شكر، وجه تعديه بحرف الجر أن الشكر في اللغة هو الظهور، دابة شكور: ظهر أثر العلف عليها، والشكر ظهور الاعتراف بالنعمة، فكما أن ظهر تعدي بحرف جر كذلك شكر. ووجه تعديه بنفسه حمله على نظيره من الحمد لاجتماعهما في الثناء وإن كان متعلق الحمد راجعًا إلى المحمود في نفسه على شجاعته وحسبه وفضيلته المختصة بذاته، ومتعلق الشكر فيما تعدى منه إل غيره، فلذلك تقول: شكرت فلانًا على معروفه عندي، ولا تقول: شكرته على حسبه، فالحمد لكونه الأصل يتسع فيه، فيستعمل فيه الأمران، تقول: حمدته على فضيلته ومعروفه عندي.
[ ٧ / ٩ ]
وذكروا من هذه الأفعال أيضًا كال ووزن، تقول: كلت زيدًا، وكلت لزيد، ووزنت زيدًا ووزنت لزيد، وعددت زيدًا، وعددت لزيد. وهذا النوع من الأفعال مقصور على السماع.
وزعم ابن درستويه أن نصح من باب ما يتعدى لواحد بنفيه وللآخر بحرف الجر، والأصل: نصحت لزيد رأيه. واستدل على ذلك بأنه منقول من نصحت لزيد ثوبه، بمعنى: خطته، فشبه إصلاح الرأي لويد بخياطة الثوب لأن الخياطة إصلاح للثوب. وهذا فاسد لأنها دعوى لا دليل عليها؛ إذ لو كان الأمر على ما ذهب إليه لسمع في موضع: نصحت لزيد رأيه، بوصول نصحت إلى منصوب ومجرور، وحيث لم يسمع دل على فساده.
وقال الأستاذ أبو الحسين بن أبي الربيع: «الذي يتعدى تارة بنفسه وتارة بحرف جر ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون الأصل حرف الجر، ثم أسقط اتساعًا، نحو: شكرت لزيد وزيدًا؛ وذلك أن الفعل يطلبه بحرف إضافة طلب الفضلات لأنه قد أخذ عمدته، فالفعل يطلبه بالنصب، وحرف الإضافة يطلبه بالخفض، فوجب ظهور عمل الحرف لأن الحروف لا تعلق، والأفعال تعلق، فإذا زال الحرف ظهر عمل الفعل.
الثاني: أن يكون أصله التعدي بنفيه، ثم زيد حرف الجر توكيدًا، نحو: قرأت السورة وبالسورة.
الثالث: /أن يكونا أصلين، نحو: جئتم وجئت إليك فمن قال جئتك لحظ قصدتك، ومن قال جئت إليك لحظ وصلت إليك». [٣: ٩٤/أ]
[ ٧ / ١٠ ]
وقوله وإن عُلّق اللازم بمفعول به معنى عُدي بحرف الجر قال المصنف في الشرح: «ما لا بد له من حرف الجر لازم، ولا يتميز المتعدي من اللازم بالمعنى والتعلق، فإن الفعلين قد يتحدان معنى وأحدهما متعد، والآخر لازم، نحو صدق وآمن ونسي وذهل وحب ورغب وأراد وهم وخاف وأشفق واستطاع وقدر ورجا وطمع وتجنب وأعض.
وإنما يتميز باتصال كاف الضمير أو هائه أو يائه به باطراد، وبصوغ اسم مفعول تام باطراد. وبهذا علم أن «قال» متعد لاطراد نحو: قتله فهو مقول، ولو بمي من ذهل ورغب ونحوهما لقيل: مذهول عنه، ومرغوب فيه» انتهى، وفيه بعض تلخيص.
وما لا يتعدى بنفسه إلى مفعول به يجوز أن يُعدى بحرف جر، وكذلك ما يتعدى يجوز أن يُعدى إلى اسم غير ما ينصبه بحرف جر، فتقول: خرجت إلى زيد، وركبت الفرس إلى عمرو، هكذا تلقنا من الشيوخ.
وقال ابن هشام: «أما نحو خرجت إلى زيد، ووقفت إلى عبد الله- فلا ينبغي أن يسمى تعديًا؛ لأن الخروج لا يقتضي مخروجًا إليه ولا بد، وكذلك الوقوف. فأما خرجت من الدار فتعد؛ لأن خروجًا بلا مخروج منه لا يصح» انتهى.
وما قاله ليس بصحيح؛ لأن الفعل اللازم إذا عُدي بحرف الجر صار مقتضيًا للاسم بوساطة حرف الجر، وكونه لا يقتضيه بخصوصه لا يدل على أنه لا يقتضيه مطلقًا؛ لأن الفعل قد يكون له متعلقات مخصوصة ومتعلقات مطلقة، كما ان الفعل المتعدي قد يكون له متعلق مخصوص بحس الوضع، ومتعلق مطلق، لكن
[ ٧ / ١١ ]
إذا ذكر أحد المطلقات تعلق به، وصار إذ ذاك واصلًا إليه بوساطة الحرف؛ ألا ترى أن سمع يقتضي مفعولًا مخصوصًا، وهو الصوت وما دل عليه، ثم إنه قد يتعدى بحرف جر لشيء لا يقتضيه على جهة الخصوص، فتقول: سمعت من داري صوت زيد. والذي يدل على أن حكم ما يقتضيه على جهة الخصوص وما يقتضيه على جهة الإطلاق حكمهما سواء بناء الفعل للمفعول منهما، فيجوز خرج إلى زيد، وخرج من الدار، ورُكب الفرسُ، ورُكب إلى زيد.
وقوله وقد يجري مجرى المتعدي شذوذًا مثاله قول الشاعر:
تحن، فتبدي ما بها من صبابةٍ وأخفي الذي لولا الأسا لقضاني
قول الآخر: [٣: ٩٤/ب]
كأني إذ أسعى لأظفر طائرًا مع النجم في جو السماء يصوب
وقال تعالى: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، و﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾، التقدير: لقضى علي، وبطائر، وعلى صراطك، وعن أمر ربكم، وهذا من تمثيل المصنف في الشرح. وقال الشاعر:
[ ٧ / ١٢ ]
تمرون الديار، ولم تعوجوا طعامكم علي إذا حرام
يريد: تمرون عن الديار.
وقال المصنف في الشرح: «يدل على صحة تقدي الحرف في لأظفر طائرًا أنك لا تقول ظفرته فهو مظفور، بل تقول: ظفرت به فهو مظفور به، وكذا في الصراط، لا يقال إلا قعدت عليه فهو مقعود عليه».
وقوله أو لكثرة الاستعمال قال المصنف في الشرح: «إن ورد حذفه وكثر قبل، وقيس عليه، نحو: دخلت الدار والمسجد، فيقاس عليه نحو: دخلت البلد والبيت وغير ذلك من الأمكنة، وإن لم يكثر ولم يقس عليه، نحو: توجه مكة، وذهب الشام، ومطرنا السهل والجبل، وضرب فلان الظهر والبطن، لا يقاس على هذه ما أشبهها».
وقوله أو لتضمين معنى يوجب ذلك مثاله قول نصر بن سيار:
«أرحبكم الدخول في طاعة الكرماني» ورحب على وزن لا يجيء متعديا البتة، لكنه عداه لما ضمنه معنى وسع، فأجرى مجراه، وليس بقياس فيفعل ذلك في غيره دون سماع. وكذا قول علي: «إن بسرًا قد طلع اليمن»؛ لتضمينه معنى بلغ، فعداه تعديته.
وإذا شيب اللازم معنى فعل متعد فأكثر ما يكون فيما يتعدى بحرف جر، فيصير يتعدى بنفسه، فمن النحويين من قاس ذلك لكثرته، ومنهم من قصره على
[ ٧ / ١٣ ]
السماع لأنه يؤدي إلى عدم حفظ معاني الأفعال، والقائلون به جعلوا منه: أمرتك الخير، بمعنى كلفتك، وكلت بمعنى أعطيت، وكسبتك كذا، بمعنى أعطيتك، ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾، أي: لا تقعدوا، ونحوه كثير، والأصل حرف الجر، وإذا دخل التأويل فيما يتعدى بنفسه فنُقل إلى ما لا يتعدى بنفسه، كقوله تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾، لما دخله معنى الخروج والانفصال تعدى بعن- فهنا أجوز؛ لأنه نُقل من الأضعف إلى الأقوى كما في أصل التعدي. والمنكرون يتأولونه على الحذف والاقتصار على الأول.
ورد بأنه لو كان على ما ذكروا ما كان متصلًا بالأول إذ تقول أمرتُكه، ولو كان الحذف ما وقع إلى منفصلًا، ولم يقع كذلك، وهذا التأويل ينقل المتعدي بنفسه إلى حرف الجر، وبالعكس، وما تعدى بحرف إلى غيره، وكذلك ما يتعدى إل امصدر؛ لأنك إذا قلت ضربت، واقتصرت فالمعنى فعلت فعلًا، وهل يكون بالعكس، لم يُسمع إلا في قولهم: رحُبكم الدخول، بمعنى: وسعكم الدخول. وأنكره الأزهري. وقد حُكي أن بعض العرب يقول في قولك كاثرناهم: كثرناهم، وهو قبيح.
وأما إذا لم يُشب معنى فعل آخر فإنه سماع، نحو: رجع زيد، ورجعته، بمعنى: جعلت له ذلك وهيأته، أو بمعنى: أفعلته. ملخص من البسيط.
وقوله واطرد الاستغناء عن حرف الجر المتعين مع أنْ وأنّ مثال ذلك: غضبت ان تخرج، وعجبت أنك تقوم، التقدير: من ان تخرج، ومن أنك تقوم،
[ ٧ / ١٤ ]
فلو أتيت بصريح المصدر فقلت عجبت من خروجك لم يجز حذف الحرف، وإنما جاز مع أنْ وأنّ لطولها بمتعلقهما، واستدعى الطول التخفيف. وفي محفوظي أن الكسائي أجاز حذف الحرف المتعين مع المصدر كما اجازه مع أنْ وأنّ.
فإن لم يتعين الحرف بأن يكون الفعل يتعدى بحرفين مختلفي المعنى كرغب، تعدى بـ «في»، وتعدى بـ «عن» - لم يجز حذفه، فلا يجوز أن تقول: رغبت أن تقوم؛ إذ يحتمل أن يكون التقدير: رغبت في أن تقوم، فتكن مؤثرًا للقيام، ويحتمل أن يكون التقدير: رغبت عن أن تقوم، فتكون مختارًا عدم القيام، وقد جاء الحذف في قوله تعالى ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾، فقدر بعضهم: في أن تنكحوهن، واستدل كل لمذهبه بما هو مذكور في كتب التفسير.
وقوله محكومًا على موضعهما بالنصب لا بالجر، خلافًا للخليل والكسائي الأصل والأكثر أنه إذا حذف حرف الجر ألا يبقى له عمل البتة، ولا يُضمر، وإنما يكون على حسب طلب الموضع، فإن كان الموضع للرفع رُفع الاسم، نحو كفى بالله، وكفى الله، وما في الدار من أحدٍ، واحدٌ، وإن كان الموضع للنصب نُصب الاسم، هذا الأكثر، وإنما وقع الخلاف هنا لأن حرف الجر لم يظهر له عمل وتأثير فيما دخل عليه، وإنما ذلك مقدر بشيء لو ظهر لظهر فيه التأثير.
وفي البسيط: أجاز الخليل وس أن يكون في موضع جر في نحو قوله ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾. وكذلك في المفعول من أجله، وهو قول الكسائي أيضًا. ومنع من ذلك الفراء. وأكثر النحويين على أنه إذا
[ ٧ / ١٥ ]
حُذف كان المحل نصبًا. وجوزه الكوفيون قياسًا على ما سُمع إذ كان كثير الاستعمال للتخفيف وفهم المعنى، ومنه:
حتى تبذخ فارتقى الأعلام
يريد: إلى الأعلام.
وذكر المصنف أن مذهب الخليل والكسائي أنهما بعد حذف الحرف في موضع جر، وأن مذهب س والفراء أنهما في موضع نصب، قال: «وهو الأصح؛ لأن بقاء الجر بعد حذف عامله قليل، والنصب، كثير، والحمل على الكثير أولى من الحمل على القليل، وقد استشهد لمذهب الخليل والكسائي بما أنشده الأخفش من قول الشاعر:
وما زرت سلمى أن تكون حبيبة إلى ولا دين بها أنا طالبه»
انتهى.
ولا حجة في هذا البيت؛ إذ يحتمل أن يكون في موضع نصب، وعطف على توهم الجر، كما قال:
ليسوا مُصلحين عشيرة ولا ناعقٍ
وما ذكره المصنف وصاحب البسيط من أن مذهب الخليل أنه بعد الحذف في موضع جر، وأنه في مذهب س في موضع نصب- ليس بصحيح، بل مذهب
[ ٧ / ١٦ ]
الخليل أنه في موضع نصب، وهو منصوص في كتاب س، قال س في قوله «هذا باب آخر من أن»: «تقول: جئتك أنك تريد المعروف، إنما أراد: جئتك لأنك، ولكنك حذفت اللام». ثم قال: «وسألت الخليل عن قوله ﵎ ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾، فقال: إنما هو على حذف اللام».
قال: «ونظيرها ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾؛ لأنه إنما هو: لذلك فليعبوا، فإن حذفت اللام من أن فهو نصب، كما أنك لو حذفت اللام من ﴿لِإِيلافِ﴾ كان نصبًا، هذا قول الخليل ﵀». ثم قال: «وقال جل وعز ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾، وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، أراد: بأني مغلوب، وبأني لكم نذير مبين، ولكنه حذف الباء». ثم ذكر س مثلًا من ذلك. «وتقول: لبيك إن الحمد والنعمة لله، وغن شئت قلت: أن، ولو قال
[ ٧ / ١٧ ]
شئت قلت: أن، ولو قال إنسان إنّ أنّ في موضع جر في هذه الأشياء ولكنه حذف لما كثر في كلامهم، فجاز فيه حذف الجار كما حذفوا رب في قولهم:
وبلد تحسبه مكسوحا
لكن قولًا قويًا، وله نظائر، نحو قوله: لاه أبوك، والأول قول الخليل، ﵀» انتهى. فقول س «والأول»، أي: كونه في موضع نصب لا في موضع جر، وس إنما أورد كونه في موضع جر على سبيل أنه لو قيل، ولم يصرح أنه مذهب له كما صرح به صاحب البسيط وهذا المصنف أنه مذهب س.
وقوله ولا يُعامل بذلك لتعين الجار غيرهما أي: غير أنْ وأنّ، خلافًا للأخفش الأصغر، هو علي بن سليمان البغدادي تلميذ ثعلب والمبرد، قال المصنف: «وأجاز- يعني الأخفش هذا- أن يحكم باطراد حذف حرف الجر والنصب فيما ليس فيه، كقول الشاعر:
وأخفي الذي لولا الأسا لقضاني
والصحيح أن يتوقف فيه على السماع، قال س بعد أن حكى عددتك، ووزنتك، وكلتك: (ولا تقول وهبتك؛ /لأنهم لم يعدوه، ولكن وهبت لك).
قال المبرد: لا يقال وهبتك لئلا يوهم كون المخاطب موهوبًا، فإذا زال الإشكال، نحو وهبتك الغلام- جاز. وحكى أبو عمرو السيباني: انطلق معي أهبك نبلًا، يريد: أهب لك»، انتهى كلام المصنف. [٣: ٦٩/أ]
[ ٧ / ١٨ ]
وتبع ابن الطراوة الأخفش، فأجاز حذف الحرف إذا تعين هو وموضعه. وأورد أصحابنا خلاف الأخفش هذا على غير ما أورده المصنف، فأوردوه فيما يتعدى إلى اثنين أحدهما بحرف جر، والآخر بنفسه، وأنا أورد ما ذكروه ملخصًا، فأقول: ما تعدى بحرف جر لا يجوز حذف الحرف منه ووصول الفعل إليه بنفسه إلى مع أنْ وأنّ، أو في أفعال مسموعة، تحفظ، ولا يقاس عليها، وهي: اختار، واستغفر، وأمر، وسمى، ودعا، وكنى، وزوج، وصدق، ومنها عير، تقول: اخترت زيدًا من الرجال، واستغفرت الله من الذنب، والذنب، وأمرت زيدًا بالخير، والخير، وأبا الحسن، وزوجته بامرأة، وامرأة، وصدقت زيدًا في الحديث، والحديث، وعيرت زيدًا بسواده، وسواده، فهذه الأفعال سُمع حذف حرف الجر منها، قال الشاعر:
ومنا الذي اختير الرجال سماحة وجودًا إذ هب الرياح الزعازع
وقال:
أستغفر الله ذنبًا لست محصيه رب العباد، إليه الوجه والعمل
وقال:
أمرتك الخير، فافعل ما أُمرت به فقد تركتك ذا مالٍ وذا نشب
[ ٧ / ١٩ ]
وقال:
وسميت بشرًا بشر العظام وكان أبوك يسمى الجعل
وقال:
دعيني أخاها أم عمروٍ، ولك أكنْ أخاها، ولم أرضع لها بلبان
وقال:
أنا الذي سمتن أُمي حيده أضرب بالسيف رؤوس الكفرة
وقال:
وما صفراء تكنى أم عوفٍ كأن سويقتيها منجلان
وقال: [٣: ٩٦/ب]
/وعيرتني بنو ذبيان خشيته وهل عليك بأن أخشاك من عار
وقال تعالى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾.
[ ٧ / ٢٠ ]
وزعم الجرجاني أن «من باب اختار قولهم: كلته كذا وكذا جريبًا، ووزنته كذا درهما، والأصل: كلت له، وونت له، ثم حُذفت اللام كما حُذف من والباء في اخترت وأمرت، فتعدى الفعل إلى مفعولين، وجرى مجرى أعطيت في الظاهر، قال تعالى ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾، والمعنى: كالوا لهم أو وزنوا لهم، ولم يذكر المكيل والموزون» انتهى.
وزعم ابن الطراوة وتلميذه السهيلي أن استغفر ليس أصلها التعدية إلى الثاني بحرف الجر، بل الأصل أن تتعدى إليه بنفسها، وأن تعديتها بـ «من» إنما هو ثان عن تعديتها بنفسها، وإنما عُدّيت بـ «من» لتضمينها معنى التوبة من الذنب والخروج منه، والأصل: استغفرت الله الذنب؛ لأنه من غفر إذا ستر، وتقول: غفر الله ذنوبنا، ولا تقل من ذنوبنا إلا أن تريد بعضها، ومعنى استغفر: طلب أن يغفر له، فهو بمنزلة استسقيت زيدًا الماء، واستطعمت عمرًا الخبز، أصله: سقاني زيد الماء، وأطعمني عمرو الخبز، فكما أن الماء والخبز في المثالين منصوبان في الحالتين كذلك يكون الذنب في الحالتين منصوبًا في أحدهما مجرورًا في الآخر، فإذا دخل حرف الجر دلّ على تضمينه معنى ما يتعدى بحرف الجر، فكأنك قلت: استتبت الله من ذنبي، أو سألته النجاة منه. قال السهيلي: ولذلك لا يجوز الاقتصار على الاسم المنصوب بعد إسقاط من، لا تقول استغفرت ذنبي حتى تذكر المستغفر المسئول منه التوبة والنجاة من الذنب.
[ ٧ / ٢١ ]
وهذا الذي ذهبا إليه لا يلزم؛ إذ العرب تقول: استفهمت زيدًا عن المسألة، وتقول: فهمني زيد المسألة، واستغفرت الله من الذنب كاستفهمت زيدًا عن المسألة، ولم يجيء مجيء استعطمت، فلا يلزم من سين الاستفعال أن يتعدى الفعل بها إلى ما كان يتعدى إليه قبل دخولها. ويقطع ببطلان مذهبه أنّ س نقل أنّ بعض العرب يقول: استغفرت الله ذنبي، والجميع يقولون: استغفرت الله من ذنبي، فلو كان الأصل أن يتعدى بنفسه لكثر، ولقل تعديه بـ «من». فهذه الأفعال التي حُذف من مفعولها حرف الجر لا يقاس عليها غيرها، وجاز ذلك فيها لأن حرف الجر متعين، وموضع الحذف متعين، وهذه علة قاصرة لا تتعدى إلى غيرها من الأفعال.
وزعم علي بن سليمان الأخفش- وتبعه ابن الطراوة- أنه يجوز حذف الحرف إذا تعين مكانه قياسًا على تلك الأفعال؛ /وطردًا لتلك العلة حيث وجدت، فأجاز أن تقول: بريت القلم السكين، أي: بالسكين؛ لأنه قد تعين المحذوف، وهو الباء، ومكان الحذف، وهو السكين، ومن ذلك قول زهير:
القائد الخيل منكوبًا دوابرها قد أُحكمت حكمات القد والأبقا
أي: أُحكمت بحكمات القد وبحكمات الابق. ومنه قوله تعالى: ﴿أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ﴾، أي: لأولادكم، دل على ذلك الاسترضاع؛ لأنه لا يكون إلا للأولاد.
[ ٧ / ٢٢ ]
فإن اختل الشرطان أو أحدهما منع، نحو: رغبت الأمر، لا يجوز؛ لأنه لا يعلم هل أردت رغبت في الأمر أو عن الأمر. وكذلك لا يجوز: اخترت إخوتك الزيدين؛ لأنه لا يعلم على أردت: إخوتك من الزيدين، أو: اخترت الزيدين من إخوتك.
والصحيح أنه لا يقاس ذلك وإن وجد الشرطان، فلا يقال: أحببت الرجال زيدًا، ولا: اصطفيت الرجال زيدًا، والتقدير: من الرجال؛ لقلة ما وجد من ذلك؛ إذ لا يُحفظ إلا تلك الأفعال التي ذكرناها.
وأما قوله:
تمرون الديار، ولم تعوجوا كلامكم علي إذا حرام
وقوله:
تحن، فتبدي ما بها من صبابة وأخفي الذي لولا الأسى لقضاني
وقوله:
فبتّ، كأنّ العائدات فرشنني هراسًا، به يعلى فراشي ويُقشب
وقوله:
[ ٧ / ٢٣ ]
كأنها واضح الأقرب في لقحٍ أسمى بهن، وعزته الأناصيل
وقوله:
كأني إذ أسعى لأظفر طائرًا مع النجم في جو السماء يصوب
يريد: تمرون على الديار، ولقضى علي، فرشن لي، وعزت عليه، ولأظفر على طائر- فضرورة شعر لا يقاس عليها.
وذهب السهيلي إلى أنه لا يجوز الحذف إلا إذا تؤول في الأول معنى فعل يصل بنفسه، ولا يكون إلا بشرط، وهو ألا يفصل بينه وبين الفعل؛ لأن عامله معنوي، فلا يقوى على الفصل، فلا تقول: أمرتك يوم الجمعة الخير. وكذلك لا يكون على حذف، فلا تقول: أمرتك زيداّ، تريد: بزيد، أي: بأمره وشأنه؛ لضعف المعنى، فلما كان معنى أمرتك كلفتك جاز/ انتهى. [٣: ٩٧/ب]
وأصحابنا لم يشترطوا ما شرطه السهيلي، بل يجيزون حذف الحرف في تلك الأفعال مع الفصل كما يجيزونه مع عدمه. ولا خلاف في شذوذ بقاء الجر في نحو:
أشارت كليبٍ بالأكف الأصابع
[ ٧ / ٢٤ ]
أي: إلى كليب، وصدر البيت:
إذا قيل: أي الناس شر قبيلةٍ
ومثله قول الآخر:
وكريمة من آل قيس ألفته حتى تبذخ، فارتقى الأعلام
أي: إلى الأعلام.
[ ٧ / ٢٥ ]
-[ص: فصل
المتعدي من غير بابي ظن وأعلم متعد إلى واحد، ومتعد إلى اثنين، والأول متعد بنفسه وجوبًا، وجائز التعدي واللزوم، وكذا الثاني بالنسبة إلى أحد المفعولين. والأصل تقدم ما هو فاعل معنى على ما ليس كذلك، وتقديم ما لا يُجر على ما قد يُجر. وترك هذا الأصل واجبٌ وجائزٌ وممتنعٌ لمثل القرائن المذكورة فيما مضى.]-
ش: تقدم الكلام على ظن وأعلم وأخواتها، وكلامه في هذا الفصل فيما تعدى من غيرهما، فقسم المتعدي إلى متعدّ لواحد، ومتعدّ إلى اثنين، والمتعدي إلى واحد متعدّ إليه أبدًا، كضرب وأكل. وجائز التعدي واللزوم شرحه المصنف بأنه متعدّ بنفسه وبحرف الجر تارة، كشكر ونصح، ولغة القرآن في شكر ونصح التعدية بحرف الجر، وهذا الذي يتعدى بحرف الجر يصدق عليه أنه متعدّ، ولذلك قسّم أصحابنا المتعدي إلى متعدّ بنفسه، ومتعدّ بجرف جر، ومتعدّ بنفسه تارة وبحرف الجر أخرى. ولولا أنه شرح قوله «وجائز التعدي واللزوم» بما يتعدى تارة بنفسه وتارة بحرف جر كنصح شكر لتبادر الذهن إلى شرحه بنحو فغر وشحا ورجع، فإنها تستعمل متعدية بنفسها، فتقول: فغر زيد فاه، وشحا زيدٌ فاه،
[ ٧ / ٢٦ ]
ورجع فلان فلانًا، أي: فتح، ورد، وتارة لازمة، فتقول: فغر فم زيدٍ، وشحا، أي: انفتح، ورجع زيدٌ، أي: انقلب. وتقدم الكلام في شكر ونصح، ولغة القرآن تعديتهما بحرف الجر، قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَنصَحُ لَكُمْ﴾.
وقوله وكذا الثاني- أي: الذي يتعدى إلى اثنين- بالنسبة إلى أحد المفعولين أي: يتعدى إليه [إما] بنفسه، نحو كسا وأعطى، وإما بحرف جر، نحو اختار وأمر، وتقدم حكم باب اختار. وأمّا كسا فإنها تتعدى إلى اثنين، فلا يجوز أن يدخل على أحدهما حرف جر، وكذلك أعطى.
فأمّا كسا فتعديها لاثنين بحق أصالة الوضع. وذهب الكوفيون إلى أنها تعدت بالحركة إلى اثنين، والأصل فيها: كسي زيد الثوب، كما تقول: لبس زيد اثوب، ثم إنها عُدّيت بالحركة إلى اثنين، كما قالوا: شترت عين/ الرجل، وشترها الله، فالنقل وقع بالتغيير من فعل إلى فعل. والصحيح أن كسا وشترها الله أصل، وأن النقل لا يكون بتغير الحركة. مما جاء في كسي بكسر السين قول الشاعر:
وأن يعرين إن كسي الجواري فتنبو العين عن كرمٍ عجاف
[ ٧ / ٢٧ ]
وقد جاء «كسا» متعدية لواحد بمعنى غطى، قال:
وأركب في الروع خيفانة كسا وجهها سعف منتشر
واختلف النحويون في أقوى الأفعال بالنسبة للتعدي بعد إجماعهم على أن اللازم أضعف الأفعال، فقال بعضهم: أقواها ما تعدى إلى ثلاثة؛ لأنه قد صار إلى حالٍ عمل فيه ما لا يعمل غيره، وذهب عنه الإلغاء.
وقال بعضهم: أقواها ما تعدى إلى اثنين يجوز الاقتصار على أحدهما. قال النحاس: وهذا هو القول الصحيح؛ لأن ما يتعدى إلى ثلاثة إنما هو مما يتعدى إلى مفعولين مما يلغى.
ولم يتعرض المصنف إلى أنّ ما يتعدى بنفسه قد يجوز في بعضه أن يُعدى باللام في حال ما. ونقول: المتعدي بنفسه إلى واحد يجوز أن يتعدى إليه بحرف الجر، وهو الام، وذلك إذا تقدم على الفعل، تقول: لزيد ضربت، ولا يجوز: ضربت لزيد؛ بدخولها على المفعول متأخرًا إلا ضرورة أو نادرًا، قال الشاعر:
فلما أن تواقفنا قليلًا أنخنا للكلاكل فارتمينا
وقال:
وملكت ما بين العراق ويثرب مُلكا أجار لمسلم ومُعاهد
أي: أنخنا الكلاكل، واجر مُسلمًا. قال الجرمي: قال الأخفش وأبو عمرو: تدخل تأكيدًا إذا قُدم المفعول، ولا يجوز في غير ذاك إلا إذا اضطر شاعر، نحو قول النابغة:
[ ٧ / ٢٨ ]
ولم أقذف لمُسلمة حصانٍ بحمد الله مُوجبة عُضالا
وظاهر كلام أبي الفتح أن دخول اللام في غير الشعر جائز، قال في «التنبيه»: «لك أن تجعل اللام موصلة إلى المفعول توكيدًا، كقوله تعالى: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾، و﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾، غير أن هذا قُدم فيه المفعول، فحسنت اللام لإعانة الفعل». انتهى. وكذا قال المبرد، قال: «هذه اللام يجوز ان تدخل تقدم أو تأخر، لكن أحسنها إذا تقدم، ومنه قوله تعالى: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾» انتهى.
ولا يجوز ان تدخل عليه إذا تقدم غير اللام إلا أن يحفظ، فيكون من باب ما زيد فيه حرف الجر، فلا يتجاوز مسحت رأسه/ وبرأسه، وخشنت صدره وبصدره، أو في ضرورة، نحو قوله: [٣: ٩٨/ب]
هن الحرائر، لا ربات أحمرةٍ سُودُ المحاجر، لا يقرأن بالسور
وقال الآخر:
نضرب بالسيف، ونرجو بالفرج
وإن كان مما يتعدى إلى أكثر لم يجز دخول اللام على شيء منها تقدم أو تأخر. وعلل بعض أصحابنا امتناع ذلك بأنه لو أدخلت اللام فإما أن تُدخلها
[ ٧ / ٢٩ ]
على كلها أو على بعضها، إن أدخلتها على كلها لم يكن لذلك نظير؛ لأنه لا يوجد فعل يتعدى إلى مجرورين أو مجرورات بحرف واحد، وغن أدخلتها على واحد وتركت ما بقي صار كأنه قوي ضعيف في حين واحد، قويّ من حيث قوي في حق الواحد، ضعيف من حيث لم يقو في حق الآخر، وذلك تناقض.
وقال أبو عبد الله محمد بن علي الشلوبين الصغير: «ليس هذا تناقضًا؛ إذ ليس الضعف من حيث القوة، ولا غرو أن يجتمع في الموصوف الواحد وصفان متناقضان باختلاف النسب وإنما التناقض أن لو كان من حيث قوي ضعف، فلم يحقق التناقض. وأما قوله (إن أدخلتها عليهما معًا أو عليها لم يكن لذلك نظير) فهذا غير لازم؛ إذ ليس كل ما سمع من العرب يوجد له النظير، فالأولى أن يعلل بامتناع دخول حرف واحد على اسمين ويؤثر فيهما. وإن شئت أن تقول: لعل العرب لم تقل ذلك لأن ما يتعدى إلى اثنين أو إلى ثلاثة قد طال لاتصال الكلام بعضه ببعض، فعسُر عليهم الزيادة في موضع الطول، هذا مما يناسب كلياتهم، وبعد ذلك لو سُمع لقبلناه، ولم يبعد أن يقولوا: لزيد أعطيت درهما» انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره أنه لم يبعد قد قالته العرب مع تأخير المفعول، فبالأحرى أن يجوز مع التقديم، قال الشاعر:
أحجاج، لا تعط العصاة مناهم ولا الله يعطي للعُصاة مُناها
فأدخل اللام على مفعول أعطى الأول، وهو متأخر عن الفعل، لكن ذلك من القلة بحيث ينبغي ألا يقاس عليه.
وقوله والأصل تقديم ما هو فاعل معنى على ما ليس كذلك الأول من باب أعطى هو مفعول في اللفظ فاعل من جهة المعنى؛ لأنه آخذ، بخلاف الثاني، فإنه مفعول في اللفظ والمعنى، فأصله أن يتأخر، وأصل الأول أن يتقدم، والأصل تقديم ما يتعدى إليه الفعل بنفسه وتأخير ما يتعدى إليه بحرف الجر؛ لأن عامة ما
[ ٧ / ٣٠ ]
يتعدى بلا واسطة أقوى مما يتعدى إليه بواسطة، قال المصنف في الشرح: «فلذلك يقال: أعطيت درهمه زيدًا، /ولا يقال: أعطيت صاحبه الدرهم، إلا على قول من قال: ضرب غلامه زيدًا» انتهى. [٣: ٩٩/أ]
وقال ابن عصفور: «لا يجوز باتفاق: أعطيت مالكه الغلام، ولا: مالكه أعطيت الغلام، إلا عند الكوفيين، فإنه يجوز ذلك إذا قدرت أن الإعطاء آخذ للغلام أولًا، فالأول عندهم هو الذي يقدر الفعل آخذًا له قبل صاحبه.
وتقول: ظننت زيدًا ضاربًا نفسه، وإن شئت: ظننت ضاربًا نفسه زيدًا، إلا عند الكوفيين، فإن ذلك لا يجوز لأن في ضارب ضميرًا مرفوعًا يعود على «زيدًا»، وعند من يمنع من البصريين: أعطيته درهمه زيدًا. فإن قلت ضاربًا نفسه ظننت زيدًا جاز عند كافة البصريين، ولم يجز عند الكوفيين لأجل الضمير المرفوع في ضارب.
وتقول: ظننت في الدار صاحبها، ولا يجوز: ظننت صاحبها في الدار، ولا: صاحبها ظننت في الدار، عند أحد من البصريين، والكوفيون يجيزون ذلك إذا قُدر أن ظننت تناولت المفعول الذي هو خبر قبل المفعول الذي هو مبتدأ في الأصل. ولو قلت ظننت زيدًا غلامه لم يجز لتقديم عند احد خوف التباس المعنى.
وتقول أعلمت هندًا قائمة أباها، ولا يجوز أعلمتُ أباها هندًا قائمةً عند أحد من البصريين، وأما الكوفيون فيجيزون ذلك إذا قُدر أن الفعل تناول هندًا قبل تناول الأب.
وتقول: أعلمتُ زيدًا في الدار مالكها، ولا يجوز أعلمتُ زيدًا مالكها في الدار إلا عند الكوفيين إذا قُدر أن أعلمت تناول في الدار قبل تناوله مالكها.
وتقول: أعلمت زيدًا هندًا في دارها، ويجوز اعلمتُ زيدًا في دارها هندًا عند جميع النحويين إلا عند من منع من البصريين أعطيت درهمه زيدًا» انتهى كلامه.
[ ٧ / ٣١ ]
وما ذكر المصنف في الشرح من أنه يجوز أعطيت درهمه زيدًا فيه خلاف: ذهب البصريون إلى جواز ذلك لأن النية به التأخير لأنه مفعول ثانٍ، فهو نظير ضرب غلامه زيدٌ؛ إذ أصله: ضرب زيد غلامه.
وذهب هشام إلى منع ذلك، قال هشام: محال أعطيت ثوبه زيدًا؛ لتقدم المكني قبل زيد؛ لأن العامل في الثوب غير وصف زيد.
وقال ابن كيسان: «أعطيتُ درهمه زيدًا قبيحة؛ لأن الدرهم وزيدًا جميعًا يتصل بهما الفعل اتصالًا واحدًا؛ لأن كل واحد منهما مفعول به، فليس أحدهما أولى بأن يكون الفعل أشد له مواصلة من اللآخر، إلا أنه لما كان المعلوم أن المقصود بالعطية هو زيد، وأنه من أحله اتصل الفعل بالدرهم- كان هو المقدم في الرتبة» انتهى كلامه. [٣: ٩٩/ب]
ولو قدمت على الفعل المفعول الثاني متصلًا به ضمير الأول فقلت ثوبه أعطيت زيدًا جاز ذلك عند البصريي/ كحال توسطه. وتباعهم الفراء وأحمد بن يحيى. وقال هشام: هي محال، لا تجوز. وقال ابن كيسان: درهمه أعطيت زيدًا أجود من أعطيت درهمه زيدًا. وذكر ابن عصفور أن بعض البصريين منع أعطيت درهمه زيدًا، وبنى معه على أن المفعولين في مرتبة واحدة، مرتبتهما أن يكونا بعد الفاعل، وأيهما تقدم فذلك مكنه، قال: «فإن قلت درهمه أعطيت زيدًا جازت المسألة بلا خلاف؛ لأن النية بالمفعول أن يكون بعد الفعل، فالنية فيه التأخير، وإذا كان النية به التأخير لزم أن يكون مقدرًا بعد المفعول الذي يعود عليه الضمير؛ لأن ذلك المفعول الذي عاد عليه الضمير قد وقع بعد الفعل، فهو في محله» انتهى.
وما ذكره من أنه لا خلاف في جواز درهمه أعطيت زيدًا فيه الخلاف كما ذكرنا، ونقل الخلاف فيه ابن النحاس.
[ ٧ / ٣٢ ]
قال ابن عصفور: ولو قلت أعطيت ما أراد زيدًا جاز عند البصريين إلا عند من منع منهم أعطيت درهمه زيدًا، وما أراد أعطيت زيدًا جائزة عند جميع البصريين، ولا تجوز هذه والتي قبلها عند الكوفيين؛ لأن الضمير ضمير رفع.
وقوله وتقديم ما لا يجر على ما قد يجر قال المصنف في الشرح: «فلذلك يقال: اخترت قومه عمرًا، ولا يقال: اخترت أحدهم القوم، إلا على قول من قال: ضرب غلامه زيدًا» انتهى. يعني أن قومه هو الذي أصله أن يدخل عليه حرف الجر، وقد اتصل به ضمير المفعول الأول، وهو عمرو، والنية به التأخير، فكأنه قال: اخترت عمرًا قومه، أي: من قومه. وأما المسألة الثانية ففي المفعول الأول ضمير يعود على المفعول الثاني الذي هو يدخل عليه حرف الجر، وقد وقع المفعول الأول موقعه من الرتبة، فتقدم المفسر، وهو الضمير، على المفسر، وهو القوم؛ إذ أصله: اخترت من القوم أحدهم، فإذا قدمت أحدهم تقدم لفظًا ورتبة، فلا يفسر الضمير ما بعده، وصار نظير: ضرب غلامه زيدًا، وهو لا يجوز عند الأكثرين.
وقول المصنف على ما قد يجر يشعر أنه ليس مجرورًا في الحال، ولو كان مجرورًا فالحكم كذلك، لو قلت اخترت من قومه عمرًا جاز، ولا يجوز: اخترت أحدهم من القوم، إلا على قول من قال: ضرب غلامه زيدًا، وهذه المسألة فيها خلاف، فإذا قلت لبست ألينها من الثياب، وأخذت درهمه من زيد، وأنت تريد: لبست من الثياب ألينها، وأخذت من زيد درهمه- فذهب الكوفيون قاطبة إلى أن ذلك لا يجوز، قالا: إذا كان المكني من مخفوض، والمخفوض في غير تأويل المنصوب- لم يجز لمكنيه أن يتقدم عليه، ولذلك امتنع: دارها يسكن غلام هند،
[ ٧ / ٣٣ ]
وفي دارها غلام جاريتك، فأما إذا كان /المخفوض بمعنى المنصوب فلا اختلاف بينهم في تقديمه، نحو: في داره مرت بزيد. [٣: ١٠٠/أ]
وقال ان عصفور: «لا يجوز: لبست ألينها من الثياب، كما لا يجوز: أعطيت صاحبها الجارية. ويجوز ذلك عند الكوفيين إذا قدرت أن الفعل تناول المجرور قبل، فإن قلت أتيت في داره زيدًا جاز ذلك باتفاق» انتهى. وهو مخالف لما حكيناه عن الكوفيين قاطبة أنه لا يجوز: لبست ألينها من الثياب من غير تفصيل. والذي حكيناه نقلناه عن أبي جعفر النحاس. وقال أبو جعفر النحاس: أكثر البصريين لا يجيز: لبست ألينا من الثياب. وحجته أن من الثياب بمنزلة الظرف، وحق الكلام أن يذكر الفعل ثم الفاعل ثم المفعول ثم الظرف، فإذا قلت لبست ألينها من الثياب فقد وضعت كل شيء موضعه، فلم يجز أن تنوي بشيء منه التأخير، فتقدم مكنيًا على ظاهر.
وقوله وترك هذا الأصل واجب وجائز وممتنع مثل الوجوب: ما أعطيت درهمًا إلا زيدًا، وأعطيت الدرهم صاحبه، وهما نظيرًا: ما ضرب عمرًا إلا زيدٌ، وضرب زيدًا غلامُه. ومثال الامتناع: ما أعطيتُ زيدًا إلا درهمًا، وأضربتُ زيدًا عمرًا، بمعنى: جعلتُ زيدًا يضرب عمرًا، وهذان نظيرا: ما ضرب زيدٌ إلا عمرًا، وضرب موسى عيسى. وما خلا من سبب الوجوب وسبب الامتناع جائز أن يبقى على الأصل، نحو: كسوتُ زيدًا ثوبًا، جاز أن يخالف الأصل، نحو: كسوت ثوبًا زيدًا، وهذه كلها مُثُل المصنف في الشرح، إلا أن قوله أضربتُ زيدًا عمرًا في جوازه نظر، فإن الظاهر من مذهب س ان التعدية بالهمزة قياس في اللازم سماع
[ ٧ / ٣٤ ]
في المتعدي، فعلى هذا يحتاج إلى سماع تعدية ضرب لمفعولين بالهمزة، وإلا لم يجز، وسيأتي حكم التعدية بعد هذا بقريب إن شاء الله.
[ ٧ / ٣٥ ]
-[ص: فصل
يجب تأخير منصوب الفعل إن كان أن مشددة أو مخففة، وتقديمه إن تضمن معنى استفهام أو شرط، أو أُضيف إلى ما تضمنهما، أو نصبه جواب أما. ويجوز في غر ذلك إن عُلم النصبُ تأخيرُ الفعل غير تعجبي، ولا موصول به حرف، ولا مقرن بلام ابتداء أو قسم مطلقًا، خلافًا للكوفيين في [منع] نحو: زيدًا غلامُه ضرب، وغلامه أو غلام أخيه ضرب زيدٌ، وما أراد أخذ زيدٌ، وما طعامك أكل إلا زيداٌ.
ولا يُوقع فعلُ مضمرٍ متصلٍ على مفسره الظاهر، وقد يقع على مضاف إليه أو موصول بفعله.]-
ش: منصوب الفعل أعم من أن يكون مفعولًا به أو ظرفًا أو غيرهما، ومعنى/ إن كان- أي منصوب- ان مشددة، فلا تقول في عرفت أنك منطلق: انك منطلق عرفت. أو مخففة فلا تقول في علمت أن سيخرج زيد: أن سيخرج زيد علمت. [٣: ١٠٠/ب]
وقياس ما أجازه هشام من: إن أن زيدًا منطلق حق، وما أجازه الفراء من الابتداء بـ «أن» الثقلة، فتقول: أنك قائم يعجبني- يقتضي أني جوز: أنك منطلق عرفت. فأما قوله تعالى: ﴿وأنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فاتقون﴾، ﴿وَأَنَّ
[ ٧ / ٣٦ ]
الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، فزعم الأخفش أنه على إضمار لام الجر، ولأن أمتكم، ولأن المساجد، فهي في موضع جر باللام. وهو عند س أقوى من جعل أن في موضع نصب كما يراه الخليل؛ لأنه إذا قدر نصبًا فلا يجوز التقديم كما لا يجوز في علمت أن زيدًا منطلق تقديم ان على علمت، فإن المنصوب بعد حذف الحرف فرع لمنصوب بالتعدي، فلا يقع إلا حيث يقع.
وقوله وتقديمه إن تضمن معنى استفهام مثال ذلك: من رأيت؟ وأيهم لقيت؟ ومتى قدمت؟ وأين أقمت؟
وهذا الذي ذكره المصنف من أنه يجب تقديم معمول الفعل إذا كان اسم استفهام هو مذهب البصريين، زعموا أن أسماء الاستفهام كلها لها الصدر، سواء أكان في ابتداء الاستفهام أم قصد بها الاستثبات، ولم يحفظوا مت تقديم العامل عليها في الاستثبات إلا قولهم: ضرب من منا، واعتقدوا شذوذه.
وأما الكوفيون فإنهم فصلوا في الاستفهام فما كان في ابتداء الاستفهام وافقوا فيه البصريين، وما كان يقصد به الاستثبات فإنه لا يلزم اصدر، حكى الكسائي ضرب من منّا، بالإعراب، وضرب من منّا، ببناء من الأولى، وضرب غلام منٍ منا، بالإعراب، وضرب غلام من منّا، ببناء الأولى.
وحكى الكوفيون أن العرب تفعل ذلك في ما، فيقولون لمن قال ضربت رجلًا: ضربت ما؟ وضرب ماذا؟ وضربت مه؟ ولمن قال ضربت الرجل: ضربت الما؟ وضربت الماذا؟ وضربت المه؟ بإدخال أل عليها، وبحذف الألف وإلحاق هاء
[ ٧ / ٣٧ ]
السكت لفظًا في الوقف، وخطا دون لفظ في الوصل، و(ما) في جميع ذلك مبقاة على بنائها.
وحكى الطبري أن العرب يقولون: تفعل ماذا؟ تصنع ماذا؟ بنصب المضارع، وكذلك يفعلون بكل مضارع يقع قبل ماذا، إلا تريد، فيقولون: تريد ماذا؟ بالرفع، ولا يجيزون نصبه، ونصب تفعل وتصنع شبههما إنما هو بإضمار أن، و«أن تصنع» في موضع مفعول بفعل محذوف، تقديره: تريد أن تصنع ماذا؟ وتريد أن تفعل ماذا؟ وهذا هو الموجب لرفع تريد وامتناع نصبه؛ إذ لو جاز نصبه لكان يحتاج إلى إضمار تريد،/ فكان يكون التقديم: تريد أن تريد ماذا؟ وذلك لا يجوز. [٣: ١٠١/أ]
وحكى الكوفيون أن العرب تفعل ذلك في أس، فيقولون لمن قال ضربت رجلًا ضربت أيًا؟ ولم يقدموا العامل في الاستثبات على شيء من أسماء الاستفهام غير ما ومن وأي إلا ما حكاه بعض الكوفيين عن بعض العرب أنه قال: إن أين الماء والعشب؟ جوابًا لمن قال: إن في موضع كذا ماءً وعشبًا. فعلى هذا لو قال قائل: ضربت عشرين رجلًا، فأردت أن تستثبت قلت: كم ضربت؟ ولم يجز أن تقول: ضربت كم؟
وقوله أو شرط مثاله: من تكرم أكرمه، وأيهم تضرب أضربه.
وقوله أو أضيف إلى ما تضمنهما مثال ذلك غلام من رأيت؟ وغلام أيهم رأيت؟ وغلام من تضرب أضربه.
وقوله أو نصبه جواب أما مثاله ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾.
ونقص المصنف مما يجب فيه تقديم منصوب الفعل عليه أن يكون ضميرًا منفصلًا لو تأخر لزم اتصاله، مثاله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، لو تأخر فجاز اتصاله لم يلزم
[ ٧ / ٣٨ ]
تقديمه؛ لأنه لو تأخر لم يجب اتصاله، بل يجوز، فتقول: الدرهم أعطيتك إياه، وأعطيتكه.
ونقص المصنف أيضًا أن يكون المعمول كم الخبرية، فإنه يجب تقديمها على العامل، فتقول: كم غلام ملكت! تريد: كثيرًا من الغلمان ملكت.
وحكى الأخفش أنه يجوز تقديم العامل في كم الخبرية عليها في لغة ردية للعرب، فتقول: ملكت كم غلام! أي: ملكت كثيرًا من الغلمان.
ونقصه أيضًا أن يكون الناصب فعل أمر دخلت عليه الفاء، نحو: زيدًا فاضرب، وجعفرًا فاشتم، ذكر ذلك بعض أصحابنا فيما يلزم فيه تقديم المفعول.
وقوله ويجوز في غير ذلك إن عُلم النصب تأخير الفعل سواء أعلم ذلك من جهة إعراب، نحو: زيدًا ضرب عمرو، أو من جهة قرينة، نحو: حُبارى صاد موسى. فإن جهل النصب لم يجز، فلا تقول: موسى ضرب عيسى، فيكون موسى مفعولًا مقدمًا، بل يُحمل على أنه هو الضارب، ويُعرب مبتدأ.
وقوله غير تعجبي احتراز من نحو: ما أحسن زيدًا! فلا يجوز: ما زيدًا أحسن.
وقوله ولا موصول به حرف مثاله: من البر أن تكف لسانك، لا يجوز ان تقول: لسانك أن تكف، ولا: أن لسانك تكف.
وأطلق المصنف هذا الحرف، وينبغي أن يقيده بالناصب، فيقول: «ولا موصول به حرف ناصب»، فإنه إذا لم يكن ناصبًا جاز أن يتقدم على العامل، يجوز أن تقول في عجبت مما تضرب زيدًا أن تقول: عجبت مما زيدًا تضرب.
[ ٧ / ٣٩ ]
وقوله ولا مقرون بلام ابتداء مثاله: لسوف يرضي زيد عمرًا، لا يجوز: /عمرًا لسوف يرضي زيد. [٣: ١٠١/ب]
وأطق المصنف في مكان التقييد، فكان [ينبغي أن] يقول: «لا تصاحب خبر إن» فإنها إذا صحبت خبر إن جاز التقديم، فتقول: إن زيدًا عمرًا ليضرب.
وقوله أو قسم مثاله: والله لأضربن زيدًا لا يجوز أن تقول: والله زيدًا لأضربن.
وقوله مطلقًا ليس رادعًا لقوله «أو قسم» - وإن كان ظاهره ذلك- بل هو راجع لقوله «ويجوز في غير ذلك»، أي: إن خلا الفعل من ذلك جاز تقديم منصوبه عليه مطلقًا.
وقله خلافًا للكوفيين هذه مسائل خمس أجاز البصريون فيها تقديم المفعول كما مثل المصنف، ومنع الكوفيون تقديم المفعول فيها. والصحيح مذهب البصريين لثبوت ذلك في لسان العرب، فمثال الأول قول الشاعر:
كعبًا أخوه نهى، فانقاد منتهيًا ولو أبى باء بالتخليد في سقرا
ومثال الثانية قول الشاعر:
رأيه يحمد الذي ألف الحز م، ويشقى بسعيه المغرور
ومثال الثالثة قول الشاعر:
شر يوميها، وأغواه لها ركبت عنز بحدجٍ جملا
[ ٧ / ٤٠ ]
ومثال الرابعة قول الشاعر:
ما شاء أنشأ ربي، والذي هو لم يشأ فلست تراه ناشئًا أبدا
ومثال الخامسة قول الشاعر:
ما المرء ينفع إلا ربه، فعلا م تستمال بغير الله آمال
وقوله ولا يوقع فعل مضمر متصل على مفسره الظاهر مثاله: زيدًا ضرب، ففي ضرب ضمير يعود على زيد، ولا خلاف أن هذا لا يجوز، قال أبو العباس: إنما لم يجز ذلك لأنه يصير المفعول لا بد منه، وبه علل امصنف. قال: «لأن جوازه يستلزم توقف مفهومية ما لا يُستغنى عنه، وهو الفاعل على مفهومية ما يستغنى عنه، وهو المفعول».
وقال غير أبي العباس من البصريين: لا يجوز لأن المستعمل في هذا ضرب نفسه، ولا يسمون، يعني: ولا يسلطون العامل على الاسم.
وقال الفراء: لا يجوز ذلك لأنك لو جعلت الكلام في موضعه لم يجز؛ لأنك كنت تقول: ضرب زيدًا، فيتقدم مضمر على مظهر، قال المصنف في الشرح: «فلو كان الفاعل ضميرًا منفصلًا جاز إيقاع فعله على مفسره الظاهر، نحو: ما ضرب زيدًا إلا هو؛ لأن الضمير المنفصل مقدر قبله ظاهر مبدل منه الضمير، فيقدر ما ضرب /زيدًا إلا هو: ما ضرب زيدًا أحد إلا هو، فقيام الضمير المنفصل مقام الظاهر المقدر سهل إيقاع فعله على مفسره الظاهر، فحكم بالجواز» انتهى [٣: ١٠٢/أ]
[ ٧ / ٤١ ]
ولو أبرز ذلك الضمير المستكن، فقيل: زيدًا ضرب هو- فأجاز ذلك الكسائي وحده، قال: لأن قولك «هو» بمنزلة الاجنبي، والذي تقتضيه الأقيسة أن ذلك لا يجوز؛ لنه ليس هذا من مواضع انفصال الضمير.
وقوله وقد يقع على مضاف إليه مثاله: غلام هند ضربت، فاعل ضربت ضمير، قال المصنف: «وجاز هذا لأنه في تقدير: ضربت هند غلامها» انتهى.
وفي جواز هذه المسألة خلاف: ذهب الأخفش والفراء إلى منعها، وذهب هشام إلى جواز، واختلف عن الكسائي والمبرد وأكثر البصريين، فنقل ابن كيسان عن الكسائي والمبرد الجواز، ونقل أحمد بن جعفر الدينوري المنع عن الكسائي، ومنعها المبرد في الشرح. ونقل الدينوري وابن عصفور جوازها عن البصريين، ونقل النحاس منعها عن أكثر البصريين. وقال المبرد محتجًا للجواز: ليس هذا بأبعد من قولك: ضرب زيدًا غلامه. وقال أيضًا محتجًا للمنع: هو معلق بالثاني- يعني في مثل: ثوب أخويك يلبسان- والثوب مضاف إلى الأخوين، فلو قال يلبسان ثوب أخويك لم يجز لتقدم المكني على الظاهر. وذكر غيره أن ذلك لا يجوز لأن المفعول فضلة، فيجوز الاستغناء عنه، وعود الضمير على ما اتصل به يخرجه عن ذلك لأنه يلزم ذكر المفعول ليعود الضمير الفاعل عليه؛ وذلك مُخرج له عن أصل وضعه.
قال بعض أصحابنا: «والصحيح الجواز لأن المفعول لا يلزم، وإنما يلزم ما أضيف إليه المفعول؛ ألا ترى أنك لو قلت هند ضربت لساغ، وليس كذلك: زيد
[ ٧ / ٤٢ ]
أظن قائمًا؛ لأنه لا سبيل إلى حذف المفعول؛ إذا لو حذفته لم يبق للضمير ما يفسره» انتهى كلامه.
والصحيح جواز المسألة لثبوتها في كلام العرب، قال الشاعر:
أجل المرء يستحث، ولا يد ري إذا يبتغي حصول الأماني
ففي يستحث ضمير فاعل به عائد على المرء الذي أضيف إليه المفعول، هو أجل، والمعنى: المرء في وقت ابتغاء الأماني يستحث أجله ولا يشعر.
وقوله أو موصول بفعله أي: بفعل مسند إلى مفسر الضمير، نحو: ما أراد زيد أخذ، فما مفعول بأخذ، ويد فاعل بأراد، وأراد زيد: صلة لما، وفي أخذ ضمير يعود على زيد. وجاز هذا لأن التقدير: أخذ زيد ما أراد. ومثله قول الشاعر: [٣: ١٠٢/ب]
/ما حبت النفس مما راق منظره رامت، ولم ينهها يأس ولا حذر
ولو اتصل بالمفعول ضمير يعود على الفاعل لم يلزم تأخير المفعول عند البصريين، وسوء أكان الضمير مرفوعًا أم منصوبًا. وفرق الكوفيون بين أن يكون الضمير ضمير رفع أغيره، فإن كان ضمير رفع التزموا تأخيره، نحو: أخذ زيد ما أراد، ففي أراد ضمير رفع، هو صلة ما، وما: مفعول. والبصريون يجيزون: اخذ ما أراد زيد، ففي أراد ضمير يفسره زيد، وجاز ذلك لأن التقدير: أخذ زيد ما أراد. وإن كان غير ضمير رفع جاز التقديم عندهم كمذهب البصريين، نحو: ضرب غلامه زيد؛ إذ التقدير: ضرب زيدٌ غلامه.
[ ٧ / ٤٣ ]
-[ص: فصل
يجوز الاقتصار قياسًا على منصوب الفعل مستغنى عنه بحضور معناه، أو سببه، أو مقارنه، أالوعد به، أو السؤال عنه بلفظه أو معناه، أو عن متعلقه، وبطلبه، وبالرد عن نافيه، أو الناهي، عنه أو على مثبته، أالآمر به.]-
ش: يعني بالقياس أنه لا يوقف فيه على مورد السماع. ومنصوب الفعل يشمل المفعول به وغيره من منصوباته وإن كان المقصود هنا التنبيه على الاقتصار على المفعول به، فتقول لمن قال من ضربت؟ زيدًا، والتقدير: ضربت زيدًا. ويجوز إظهار هذا الفعل. وتقول لمن قال متى ضربت زيدًا؟ حين ظلم، أي: ضربته حين ظلم. وكذلك الحال والمفعول له، ولغير المفعول به موضع يستوفى فيه حذف الفعل العامل فيه إن شاء الله.
فحضر المعنى قولك: زيدًا، لمن رأيته قد شرع في عطاء مثلًا، أي: أعط زيدًا، أو في ذكر رؤيا: خيرًا، ولمن قطع حديثًا: حديثك، أي: ذكرت خيرًا، وتمم حديثك.
وسببه مثاله قوله:
إذا تغنى الحمام الورق هيجني ولو تسليت عنها، أم عمار
أي: ذكرت أم عمار؛ لأن التهييج سبب للذكر.
[ ٧ / ٤٤ ]
والمقارن لمن تأهب للحج: مكة، أي: أراد، أو سدد سهمًا: القرطاس، أي: تصيب. أو كبر مرتقب الهلال: الهلال، أي: رأى. ومن هذا القبيل قوله:
لن تراها- ولو تأملت- إلا ولها في مفارق الرأس طيبا
أي: إلا وترى لها؛ لأن رؤية الشخص مقارنة لرؤية ما يشتمل عليه، و«ترى» المضمرة بمعنى تعلم؛ لأنها إن كانت بمعنى تبصر لزم من ذلك كونها حاسرة الرأس، و«ترى» المضمرة خبر مبتدأ، أي: وأنت ترى؛ لئلا يلزم من ذلك دخول واو الحال على المضارع المثبت، ولا يجوز عند الأكثرين. ومثل هذا البيت قول الشاعر:
/وجدنا الصالحين لهم جزاء وجناتٍ وعينًا سلسبيلا
وقول الآخر: [٣: ١٠٣/أ]
تذكرت أرضًا، بها أهلها، أخوالها فيها، وأعمامها
وقول الآخر:
قد سالم الحيات منه القدما الأفعوان والشجاع الشجعما
[ ٧ / ٤٥ ]
التقدير: ووجدنا له جنات، وصادفت على دمه، وتذكرت أخوالها، وسالمت القدم، فاستغنى بفعل أحدهما عن ذكر الآخر، ودل عليه.
والوعد به: زيدًا لمن قال: سأطعم.
والسؤال عنه بلفظه: بلى زيدًا، لمن قال: هل رأيت أحدًا؟ وبمعناه: «بلى، وجاذًا»، لمن قيل له: أفي مكان كذا وجذ؟ عن متعلقه ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾، أي: أنزل.
وبطلبه: ألا رجل إما زيدًا وإما عمرًا، أي: اجعله إما زيدًا وإما عمرًا، و«اللهم ضبعًا وذئبًا»، أي: اجمع فيها.
وبالرد على نافيه: بلى زيدًا، لمن قال: ما لقيت أحدًا. أو النهاي عنه: «بلى من أساء»، لمن قال: لا تضرب أحدًا. أو على مثبته: «لا، بل زيدًا»، لمن قال: ضرب زيدًا عمرًا. أو الآمر به: لا، بل زيدًا، لمن قال: اضرب عمرًا، بإضمار: لقيت، واضرب، وضرب، واضرب. فهذا وفق اللفظ والمعنى.
ومن المعنى دون اللفظ قوله تعالى ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾، أي: بل نتبع؛ لأن معنى كونوا هودًا أو نصارى: اتبعوا ملة الهود والنصارى.
ص: فإن كان الاقتصار في مثل أو شبهه في كثرة الاستعمال فهو لازم. وقد يجعل المنصوب مبتدأ أو خبرًا، فيلزم حذف ثاني الجزأين.
[ ٧ / ٤٦ ]
ش: مثال الاقتصار في مثل قولهم «كل شيءٍ لا شتيمة حر»، أي: ائت ولا ترتكب، و«هذا ولا زعماتك»، أي: هذا هو الحق، ولا اتوهم. وقدره بعضهم ولا أزعم زعماتك، ومعناه أن المخاطب كان يزعم زعمات، فلما ظهر خلاف قوله قال له قائل: هذا الحق، ولا أزعم، أو: ولا أتوهم زعماتك. و«كليهما وتمرا»، وأصله أن إنسانًا خير بين شيئين، فطلبهما، وطلب معهما تمرًا، ثم استعمل لمن خير بين شيئين فطلبهما جميعًا، والتقدير: أعطني كليهما، وزدني تمرًا.
وقوله وشبهه في كثرة الاستعمال مثاله: حسبك خيرًا لك، أي: وأت خيرًا لك، ووراءك أوسع لك، أس: وأت مكانًا أوسع لك من /ورائك، و﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾، ﴿انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾، أي: وأتوا خيرًا لكم. وهذا فيه خلاف:
ذهب الخليل وس إلى أن هذه الأشياء نصبها بإضمار فعل دل عليه الأول، فإنه ضده أو مثله، فإذا قال انته خيرًا لك فإنما نهاه عن أمر لا خير فيه، وأمره بإتيان أمر فيه الخير، فدل الأول على الآخر وإن كان ضده. وإذا قال اتبع
[ ٧ / ٤٧ ]
الحق خيرًا لك فكأنه قال اتبع الحق وأت خيرًا لك، فدل الأول على الآخر لأنه نظيره ومثله. ومنه ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾.
وذهب الكسائي إلى جعل هذا كله خيرًا لـ «كان» مقدرة، كأنه قال: انته يكن ذلك خيرًا لك، واتبع الحق يكن الاتباع خيرًا لك، وآمنوا يكن الإيمان خيرًا لكم. وهذا التقدير سهل إلا أن فيه إضمار لـ «كان» لا يطرد في نحو هذا؛ ألا ترى أنك إذا قلت «انته يا فلان أمرًا قاصدًا» لا يحسن فيه: انتهاؤك أمرًا قاصدًا؛ لأنك لم ترد هذا المعنى، وإنما أردت: انته عن هذا الأمر الذي ليس بقاصد ولا صواب، وأت أمرًا فيه اقصد والصواب. وكذلك انته عن شتم الكريم شتم اللئيم، لم يحسن إلا على إضمار: وأت شتم اللئيم، ولو أضمرت كان لم يصح.
قال السيرافي: «وأيضًا فإنه ليس فيه دليل على أنه إذا نهاه عن شيء أو أمره به أنه يُدخله في أمر آخر، فينقله إليه كما يكون ذلك في تقدير الخليل؛ لأنه يأمره بالتزام شيء على طريق التوكيد والتثبيت، مع أن إضمار كان إنما ينبغي حيث يكون هناك حرف يطلب بالفصل، نحو: إن خيرًا فخير» انتهى.
ورد الفراء على الكسائي بأنه لو صح تقديره لجاز أن يقال: انته أخانا، على تقدير: تكن أخانا. وذهب الفراء إلى أن خيرًا منصوب باتصاله بالأمر لأنه من صفات الأمر. وصرح يعضهم عنه بأن انتصابه على أن صفة لمصدر محذوف، تقديره: انتهاءً خيرًا لكم. قال الفراء: «ويستدل على ذلك أنك ترى
[ ٧ / ٤٨ ]
الكناية عن الأمر تصلح قبل الخير، فتقول: اتق الله هو خير لك، فإذا أسقطت هو اتصل بما قبله، فنصب» انتهى.
ولا يكون نصبه على إضمار يكن في قوله ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ على ما قاله الكسائي؛ لأنه لا يقع على هذا دعاء إلى التوحيد، وليس المراد النهي عن التثليث فقط، ولكن المراد النهي عنه والتوجيه إلى التوحيد.
ورد المصنف في الشرح على الفراء بقولهم: حسبك خيرًا لك، وبقولهم: وراءك أوسع لك، ولا يتقدر هنا مصدر لأنه ليس قبله ما يكون عنه مصدرًا، ولأن أوسع صفة لمكان لا لمصدر.
ورد على الفراء بعض أصحابنا بأنه لا يحسن تقديره في ﴿انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾؛ لأنه إن كان خيرًا ضد /الشر قبح الوصف به لأنه اسم، ولا ينقاس الصف بالأسماء وغن كان أفعل التفضيل، فلا يحسن من حيث اللفظ لأنه ليس معه من، ولا من حيث المعنى لأن التقدير إذ ذاك: انتهوا انتهاءً خيرًا لكم من تركه، فيلزم أن يكون في تركهم الانتهاء خير؛ لأن أفعل التفضيل يقتضي الاشتراك، وليس كذلك؛ ألا ترى أن النهي إنما هو عن الكفر؛ لنه يراد به ما تقدم من قوله ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾، والكفر لا خير فيه أصلًا. انتهى. [٣: ١٠٤/أ]
وفي البسيط: «ومنه: انته أمرًا قاصدًا؛ لأنه لما نهاه علم أنه يرشده على غيره، فدل على: فأت أمرًا قاصدًا، وقال تعالى ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾، وقال ﴿انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾، أي: ائتوا خيرًا لكم؛ لأن الامر بالشيء أمر بما هو خير، وكذلك النهي أمر بإتيان بدله. وقيل: لا يكون مثل هذا في الخبر عند الخليل وس.
وأجاز الكسائي مثله في الخبر، وزعم أنه سمع: لتقومن خيرًا لك، ولا تبن البيت خيرًا لي. وقد قيل: هو على وصف المصدر المحذوف. وزعم الكسائي أن
[ ٧ / ٤٩ ]
النصب بخروجه من الكلام، قال: والعرب تقوله بعد الكلام التام، فإن كان مطلوبًا لغيره رفعوا، نحو: انته خير لك. وقال الفراء: ينصب؛ لأنه من تمام الأمر وصلته؛ ألا ترى أنك تقول: انته هو خير لك، فلما حذف هو اتصل. ولم يذكرا- أي الكسائي والفراء- وجه النصب. وقد قيل: هو على التمييز. ولا يصح. وقال أبو عبيدة: هو على إضمار يكن. وهو مردود؛ لن يكن لا تضمر- بخلاف غيرها من العوامل- إلا في مواضع» انتهى.
وفيه: وقد أجاز بن درستويه حذفها قياسًا بعد الأمر في نحو قوله تعالى ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. وقال ابن الوراق في قوله:
تروحي أجدر أن تقيلي
على تقدير: يكن أجدر. ولا يجوز عند س؛ لأنه كالأمر، وأنت لا تقول: عبد الله المقتول، تريد: كن عبد الله المقتل. قال أبو سعيد: «إذ ليس قبله ولا بعده ما يدل عليه، ولا في الحال دلالة عليه». ومن هذا عند س قول عمر بن أبي ربيعة:
[ ٧ / ٥٠ ]
فواعديه سرحتي مالكٍ أو الربا بينهما أسهلا
نصب أسهل بإضمار فعل؛ لأنه لما قال واعديه دل على أنه يقول: ائتني مكان كذا. و«أسهل» يحتمل ان يكون يريد به مكانًا سهلًا فيه رمل وليس بخشن، ويحتمل ان يكون مكانًا بعينه بين سرحتي مالك والربا. وقيل: المعنى: يكون ذلك أسهل لك، أي: المواعدة من هذا وهذا؛ لأنه لم يلجئها إلى تعيين أحدهما، فيشق /ذلك عليها ويصعب. ولا يحسن هذا التقدير؛ لأنه يبقى قوله «بينهما» ظرفًا مفلتًا لا عامل له، إلا إن كانت أو بمعنى الواو، فيكون التقدير: فواعديه سرحتي مالك والربا بينهما، فيكون «بينهما» بدلًا من سرحتي مالك والربا. وجعل س من هذا القبيل قول ذي الرمة: [٣: ١٠٤/ب]
ديار مية إذ مي تساعفنا ولا يرى مثلها عجم ولا عرب
قال س: «كأنه قال: أذكر ديار مية، ولكنه لا يذكر أذكر لكثرة ذلك في كلامهم». وقال س حين ذكر: قال: «ونظير ذلك من الكلام قوله: انته أمرًا قاصدًا، إلا أن هذا يجوز لك فيه إظهار الفعل»، يعني أن انته أمرًا قاصدًا ليس مثل انته خيرًا لك في كثرة الاستعمال، فيلتزم إضمار الفعل فيه كما التزم إضمار الفعل في ذلك. وقد غفل الزمخشري عن هذا، فجعل: ﴿انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ وانته أمرًا قاصدًا سواء في وجوب إضمار الفعل، وقد نص س على أنه لا يجب إضمار الفعل في انته أمرًا قاصدًا، وعلل ذلك بأنه ليس في كثرة الاستعمال مثل انته خيرًا لك.
[ ٧ / ٥١ ]
قال المصنف في الشرح «وقد تناول قولي (فإن كان الاقتصار في مثل أو شبهه في كثرة الاستعمال) نحو: إياي وكذا، بإضمار نح، ونحو: إياك وكذا، بإضمار اتق، وهذا المسمى تحذيرًا. ولا يلزم إضمار الناصب فيه إلا مع إياك وأخواتها، ومع مكرر، نحو الأسد الأسد، ومع معطوف ومعطوف عليه، نحو: (ماز، رأسك والسيف). ولا يُحذف العاطف بعد إياك إلا والمحذور مجرور بمن، نحو: إياك من الشر، وتقديرها مع ان كاف، نحو: إياك أن تسيء، فحذفت من لأن مثل هذا في أن مطرد، فلو وقعت الإساءة موقع أن تسيء لم يجز حذف من إلا في الضرورة، كقول الشاعر:
فإياك إياك المراء، فإنه إلى الشر دعاء، وبالشر آمر
أراد: إياك أن تماري، ثم اوقع موقع أن تماري المراء، فعامله معاملة ما هو واقع موقعه. ويجوز ان يكون نصب المراء بفعل مضمر غير الذي نصب إياك، وعلى كل حال فلا يجوز مثل هذا إلا في الشعر.
وليس العطف بعد إياك من عطف الجمل، خلافًا لابن طاهر وابن خروف، ولا من عطف المفرد على تقدير: اتق نفسك أن تدنو من الشر، والشر أن يدنو منك، بل هو من عطف المفرد على تقدير: اتق تلاقي نفسك والشر، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، /ولا شك في أن هذا أقل تكلفًا، فكان أولى. ويساوى التحذير في كل ما ذكته الإغراء، نحو: أخاك أخاك، بإضمار الزم وشبهه» انتهى كلامه، وقد أدرج فيه التحذير والإغراء. [٣: ١٠٥/أ]
[ ٧ / ٥٢ ]
ويجد في بعض نسخ هذا الكتاب القديمة باب معقود للتحذير والإغراء وما ألحق بهما، ومحله بين باب الاختصاص وباب أبنية الفعل، وقد أمعن المصنف فيه الكلام أكثر مما أمنعه هنا. ولما شرح ما شرح من الكتاب أسقط هذا الباب، واكتفى بما نبه عليه هنا من تناول قوله «فإن كان الاقتصار في مثل أو شبهه»، ونحن أخرنا الكلام معه في هذا الفصل إلى أن نشرح ذلك الباب المعقود للتحذير والإغراء، فإن الغرض شرح ذلك مستوفى إن شاء الله في الموضع الذي ثبت فيه في النسخ القديمة.
وقوله وقد يجعل المنصوب مبتدأ أو خبرًا فيلزم حذف الثاني الخبرين فال س: «من العرب من يرفع الديار، كأنه يقول: تلك ديار فلانة». وقال أيضًا: «ومن العرب من يقول: كلاهما وتمرًا، كأنه قال: كلاهما لي وزدني تمرًا. وكل شيء ولا شتيمة حر، كأنه قال: كل شيء أمم ولا شتيمة حر، وترك ذكر الفعل بعد لا». والأحسن أن يقول: فيلزم حذف أحد الجزأين؛ لأنه إذا حذف المبتدأ فليس هو ثاني الجزأين.
[ ٧ / ٥٣ ]
-[ص: فصل
يحذف كثيرًا المفعول به غير المخبر عنه، والمخبر به، والمتعجب منه، والمجاب به، والمحصور، والباقي محذوفًا عامله. ما حذف من مفعول به فمنوي لدليل، أو غير منوي، وذلك إما لتضمين الفعل معنى يقتضي اللزوم، وإما للمبالغة بترك التقييد، وإما لبعض أسباب النيابة عن الفاعل.]-
ش: لما ذكر في الفصل قبله حذف الفعل العامل في المفعول به جوازًا ووجوبًا ذكر في هذا الفصل حذف المفعول به. وعنى المخبر عنه المفعول الذي لم يسم فاعله، وبالمخبر به الثاني في باب ظن وأعلم، والمتعجب منه مثاله: ما أحسن زيدًا! والمجاب به مثاله: زيدًا، لمن قال: من رأيت؟ والمحصور [مثاله]: ما رأيت إلا زيدًا، والباقي المحذوف عامله مثاله: خيرًا لنا وشرًا لعدونا.
والاستثناء في قوله «غير المخبر» ومفهوم الصفة في قوله «يحذف كثيرًا» يدل على أن هذه الست تحذف قليلًا. والحكم ليس كذلك، بل المفاعيل الثلاثة الأخيرة لا يجوز حذفها البتة. وكذلك المخبر عنه، وهو المفعول الذي لم يسم فاعله؛ لأنه نائب عن الفاعل، فكما ان /الفاعل لا يحذف كذلك ما قام مقامه. فهذه الأربعة لا تحذف لا قليلًا ولا كثيرًا، بل يجب إثباتها. ١/ب]
وأما فعل التعجب فذكر في بابه أنه إذا علم جاز مطلقًا. وأقول: إن حذفه قليل عزيز، نحو قوله:
[ ٧ / ٥٤ ]
بكاء على عمروٍ، وما- كان- أصبرا
ويأتي الكلام على ذلك في بابه إن شاء الله.
وأما المخبر به في باب ظن وأعلم فتقدم الكلام على ذلك في باب الأفعال، وان الحذف في باب ظن إما أن يكون اقتصارًا أو اختصارًا: إن كان الحذف اقتصارًا فإما على الفاعل دون المفعولين، وفيه ثلاثة المذاهب السابق ذكرها. وإما على الفاعل وأحد المفعولين، وذلك لا يجوز. وإن كان الحذف اختصارًا وحذفت المفعولين جاز، أو أحدهما فالجمهور على الجواز، وهو عزيز قليل. وخالف ابن ملكون، فقال: لا يجوز حذف أحدهما اختصارًا. وإن كان في باب أعلم فيجوز حذف ما شئت من الثلاثة اختصارًا وحذف ثلاثتها اختصارًا، وأما اقتصار ففيه المذهبان المذكوران في فصل أعلم وأرى.
وقوله وما حذف من مفعول فمنوي لدليل هذا هو احذف اختصارًا، وهو حذف الشيء لدليل، ومثله المصنف بالضمير المنصوب العائد على الموصول، كقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾،أي: يريده.
وقوله أو غير منوي، وذلك إما لتضمين الفعل معنى يقتضي اللزوم مثاله أن يضمن جرح معنى عاث، ومنه قول الشاعر:
فإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها إلى الضيف يجرح في عراقيبها نصلي
[ ٧ / ٥٥ ]
أي: يعث في عراقيبها، ولذلك عداه بفي. وكتضمين أصلح معنى لطف في قولك: أصلح الله في نفسك؛ إذ لو لم يضمن لقال: أصلح الله نفسك، ومنه- والله أعلم- ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾، أي: الطف بي فيهم. وكما جاز أن يضمن اللازم معنى المتعدي فيصير متعديًا جاز أن يضمن المتعدي معنى اللازم، فيصير لازمًا، ونصوا على أن التضمين ليس بقياس، وإنما يذهب إليه إذا كان مسموعًا من العرب.
وقوله وإما للمبالغة بترك التقييد مثاله: فلان يعطي ويمنع ويصل ويقطع، فحذف المفعول هنا مبالغة في الاقتدار وتحكيم الاختيار، والمعنى أن هذا شأنه، ومنه: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾.
وقوله وإما لبعض أسباب النيابة عن الفاعل فللإيجاز: ﴿وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾، ولمشاكلة المجاور: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾.
ولإصلاح/ النظم قول الشاعر: ١٠/أ]
وخالد يحمد ساداتنا بالحق، لا يحمد بالباطل
أي: يحمده، بحذف الهاء للوزن، وللعلم ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾، ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾، ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ﴾، ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ
[ ٧ / ٥٦ ]
وَيَصْبِرْ﴾، ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾، وهو كثير. وللجهل به: ولدت فلانة، وأنت لا تدري ما ولدت. ولكون التعيين غير مقصود ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾، (وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة). ولتعظيم الفاعل ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾. ولتحقيره وتعظيم المفعول: شتم فلان. وللخوف منه: أبغضت في الله، ولا تذكر المبغض خوفًا منه.
[ ٧ / ٥٧ ]
-[ص: فصل
تدخل في هذا الباب على الثلاثي غير المتعدي إلى اثنين همزة النقل، فيزداد مفعولًا إن كان متعديًا، ويصير متعديًا إن كان لازمًا، ويعاقب الهمزة كثيرًا، ويغني عنها قليلًا- تضعيف العين ما لم تكن همزة، وقل ذلك في غيرها من حروف الحلق.]-
ش: لما كان هذا الباب معقودًا لباب تعدي الفعل ولزومه أخذ يذكر ما به بتعدى الفعل، واحترز بقوله «في هذا الباب» من باب علم ورأى؛ لأن الهمزة أوصلت فيه إلى مفعول ثالث، وتقدم ذكر ذلك. والغرض هنا ذكر ما تدخل عليه الهمزة من غير باب علم. وبين باستثناء المتعدي إلى اثنين أن كسوت ونحوه من المتعدي إلى اثنين لا تدخل عليه همزة النقل، ولا تضعف عينه على القصد المشار إليه بإجماع.
ومثال ما ازداد مفعولًا بالهزة مما كان يتعدى إلى واحد قولك: أكفلت زيدًا عمرًا، وأغشيت الشيء الشيء. ومثال ما صار متعديًا مما كان لازمًا: أزلت الشيء وأبنته.
وظاهر كلام المصنف اقتياس التعدي بالهمزة فيما ذكر إلا في الأفعال التي أغنى التضعيف فيها عن الهمزة، وفيه أربعة مذاهب:
أحدها: أنه سماع في اللازم والمتعدي إلى واحد، وهو مذهب المبرد.
والثاني: أنه قياس فيهما، وهو مذهب أبي الحسن، وظاهر أبي علي، وظاهر كلام المصنف في غير المتعدي.
[ ٧ / ٥٨ ]
والثالث: أنه قياس في اللازم سماع في المتعدي، قال شيخنا أبو الحسين بن أبي الربيع: وهذا ظاهر مذهب س.
والرابع: أنه قياس في كل فعل إلا في باب علمت، وهو مذهب أبي عمرو وجماعة.
وقال السهيلي وقد ذكر الفعل اللازم فقال: والقتل بالهمزة مذهب س أنه مسموع، ومذهب غيره أنه مقيس على الإطلاق. /قال: «والصحيح والتفصيل، فينظر إلى كل فعل اكتسب منه الفاعل صفة في نفسه لم تكن فيه النقل، ونحو قام وقعد ونام ومشى وجرى وفهم إلى غير ذك، ففي مثل هذا يقال أفعلته، أي: جعلته على الصفة، نحو أقمته، وأنمته، وأسمعته الحديث، وأعلمته الخبر، وأذكرته ربه إن أردت الذكر الذي هو ضد النسيان، فإن أردت الذكر الذي هو باللسان لم تقل أذكرته فلانًا، كما لا تقول أمدحته إياه، ولا أشتمته، وكذلك لا تقول أذبحته الكبش، أي: جعلته يذبحه؛ لأن الفاعل في مثل هذه الأفعال لم يصر منها على هيئة لم يكن عليها، ولا حصل منها في ذاته وصف باقٍ فيه؛ ألا ترى كيف تقول: أشربت الرغيف اللبن، وأشربت اليهود حب العجل؛ لأنه شيء خالط الفاعل، وهو الذي صار مفعولًا بعد دخول الهمزة، ويقبح أن تقول: أشربت زيدًا ماءً، لكن تقول: أرويته؛ لأن الري صفة حاصلة فيه بعد الشرب، كما تقول في ضدها: أعطشته، فقس على هذا الأصل يتلئب هذا القياس» انتهى كلامه.
[ ٧ / ٥٩ ]
وذكر س في آخر الكتاب أن العرب تزيد الهمزة للتعدي، فتقول: ذهب زيد، وأذهبته، وخرج، وأخرجته، وأكثر هناك من المثل، وهي كلها غير متعدية، ثم قال في أثر مثله: «وهذا كثير» انتهى. ولا شك أن مناط القياس الكثرة، فالظاهر أن مذهب س أنه ينقاس في كل فعلا لا يتعدى إذا لم تدخل عليه الهمزة لمعنى آخر. وقال س: «وليس كل فعل كأولني؛ ألا ترى أنك لا تقول: آخذني درهمًا». فهذا نص على أنه لا يقال آخذني بمعنى اجعلني آخذ، وأخذ متعد، فمذهبه أنه لا ينقاس في المتعدي، وينقاس في اللازم.
وقوله ويعاقب الهمزة كثيرًا، ويغني عنها قليلًا- تضعيف العين مثاله أنزلت الشيء وأنزلته، وأبنته وبينته. في التعدية بالتضعيف مذهبان: أحدهما: أنه سماعي في المتعدي واللازم، وهو ظاهر مذهب س. والثاني: أنه قياس.
وإذا عاقب التضعيف الهمزة في التعدية فهل هما بمعنى واحد أم معناهما مختلف؟ في المسألة خلاف: ذهب الزمخشري والسهيلي ومن وافقهما إلى أن التعدية بالهمزة لا تدل على تكرر والتمهل، ومن ثم جاء ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾؛ لأنه أنزل فيها دفعة واحدة إلى سماء الدنيا، ثم قال ﴿نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾، و﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾، يريد: تنزيله شيئًا بعد شيء على مكث
[ ٧ / ٦٠ ]
ومهل، فاللفظ مشاكل للمعنى، لما تكرر في اللفظ العين. دل على تكرر في المعنى، كما قالوا صر الباب، فإذا تكرر الصرير قالوا صرصر وصرر. ونحو منه ضراب فيمن تكرر منه الفعل. انتهى.
وهذا المذهب فاسد بدليل قوله تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾، فلو كان التضعيف يفيد التكرار لناقض أول الآية آخرها؛ لأنه إذا نزل جملة واحدة لا تكرار في نزوله، وإذا تكرر فيه النزول لم يكن نزوله جملة واحدة، وبدليل قوله/ تعالى ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾، وأجمع المفسرون على أن ﴿قوله وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ هو قوله تعالى ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾، وهذه الآية التي أخبر الله تعالى أنه نزلها لم يتكرر نزولها، إنما نزلت مرة واحدة، وكثرة معاقبة التضعيف للهمزة في مضارع ينزل في القرآن يدل على أنهما بمعنى واحد، فهذا المذهب هو الصحيح.
وقوله ويغني عنها قليلًا مثاله قويت الشيء، وهيأته، وحكمت فلانًا وطهرت الشيء، ونظفته، وسلمته، وقدمته، وأخرته، وخلصته. وهذا النوع مع كثرة مثله قليل بالنسبة إلى النوع المستغنى فيه بأفعل عن فعل، قال المصنف: "ولذلك وجد في أفعل ما يتعدى إلى ثلاثة دون حمل على غيره، ولم يوجد ذلك في فعل إلا في نبأ وحدث، وهما محمولان على أعلم بتضمين معناها" انتهى.
[ ٧ / ٦١ ]
ونقص المصنف خبر، فإنها في التضعيف مثل نبأ وحدث. وقول المصنف "ولم يوجد ذلك في فعل إلا في نبأ وحدث" ليس الاستثناء فيه صحيحا؛ لأنه لم يتعديا بالتضعيف إلى ثلاثة، فليس التضعيف فيهما نظير الهمزة في أعلم وأرى؛ لأن الهمزة في أعلم وأرى عدتهما من اثنين إلى ثلاثة، بخلاف التضعيف في نبأ وحدث وخبر، فإنه لم ينقلهما من تعديهما إلى اثنين إلى ثلاثة.
وقوله ما لم تكن همزة يعني: فلا يعدى بالتضعيف، إنما يعدي بالهمزة، ومثاله أنايت وأنايت. وشذ التضعيف فيما عينه همزة، قال الشاعر:
قطاة ككردوس المحالة، أشرفت إلى سند مثل الغبيط المذاب
وقوله وقل ذلك في غيرها من حروف الحلق يعني أن الغالب التعدي بالهمزة في حلقي العين، نحو أذهبته وألحمته وأسعده وأوغله وأدخله. وقد يتعاقب في هذا النوع أفعل وفعل، نحو أوهنه ووهنه، وأمهله ومهله، وأنعمه ونعمه، وأبعده وبعده، وأضعفه وضعفه.
ولم يذكر المصنف في هذا الفصل مما يعدى به الفعل إلا الهمزة والتضعيف للعين. وزاد بعضهم فيما يعدي تضعيف اللام، وهو غريب، وذلك نحو صعر خده وصعررته. والسين والتاء، نحو حسن زيد واستحسنته، وقبح الشيء واستقبحته، وطعم زيد الخبز واستطعمته الخبز. وألف المفاعلة، نحو سايرته وجالسته
[ ٧ / ٦٢ ]
وماشيته في سار وجلس/ ومشى. والتغيير بحركة العين، وذلك في مذهب الكوفيين، قالوا: شترت عين الرجل، وشترها الله، وكسى زيد الثوب، وكسا زيد عمرًا ثوبًا. فهذه أربع معديات، ولا يطرد شيء منها. وزادوا في المعديات الباء، لكنها حرف جر، وإنما ذكرنا هنا ما يظهر به للمفعول النصب، أما الباء فإنها- وإن كان ما بعدها مفعولًا في المعنى- فإنه ليس مفعولًا في اللفظ، وسيأتي الكلام عليها في باب حروف الجر إن شاء الله تعالى.
[ ٧ / ٦٣ ]