قال: فتركوا صرفه كما تركوا صرف الأعجمي وهو مصروف في النكرة.
أي: الاسمان اللّذان جعلا اسمًا واحدًا.
قال: وإنّما بُني ليُلحقَ بالواحد الأوّل.
قوله: (ليُلْحَقَ) ليس يريد أن يُلحق بناءٌ ببناء، لكنه يريد أنّه ضُمّ اسم إلى اسم ليكونا كالواحد.
[ ٣ / ١٠٨ ]
قال: وأصل (حادِيَ عَشَرَ) أن يكون مضافًا (كثالِثِ ثلاثةٍ)، فلما خُولِفَ به عن حال أخواتِه.
قال أبو علي: يقول: لمّا لم يُضف، وأُضِفْنَ كان ذلك خلافًا بينهما.
قال: فلمّا اجتمع فيه هذان أُجري مجراه.
قال أبو علي: يعني إبهامه، وتصييرهم إياهما اسمًا واحدًا.
[ ٣ / ١٠٩ ]
قال: في خَمْسَةَ عَشَر: ونحو هذا في كلامهم حَيْص بَيْصَ مفتوحة.
قال أبو علي: حيصَ بيص أقعد في البناء، لأنه لا يصح له معنى إضافة فالأول كبعض حروف الاسم.
قال: واعلم أن العرب تدعُ خمسةَ عَشَر في الإضافة والألف واللام على حال كما تقول: اضرب أيُّهم أفْضلُ.
قال أبو علي: شَبَّهَ خمسةَ عَشَر مضافًا بقولهم: اضْرِبْ أيُّهم أفْضَلُ إذا حذفت من صلته العائد إليه، لأنه اسم مضاف مبنيٌّ، كما أن (أيُّهم) اسم مضاف مبنيّ، مثّلهُ بقولك: (ألآنَ) أيضًا، لأنه اسم فيه الألف واللام مبنيّ، والألف واللام كالإضافة، فأمّا من قال خَمْسَةَ عَشَرُكَ
[ ٣ / ١١٠ ]
فأعرب ولم يَبْنِ.
قال أبو العباس: هي لغة رديئة، لأنه إذا لم يعرب في حال تنكير فهو من الإعراب في حال تعريفه أبعد، ومما يضعِّف إعرابَه أن المعنى الذي بُني له في حال التنكير قائم فيه في حال التعريف، وهو معنى حرف العطف، ألا ترى أنك تريد في حال التعريف خَمْسَة وعَشَرَةً كما تريده في حال التنكير؟، بل هو في المعرفة أبعد، لأن التعريف أحد ما لا يصرف له الاسم، وترك الصرف يقرّب من البناء فإعراب (خَمْسةَ عَشَر) في حال التعريف والإضافة بعيد في القياس شاذٌّ عنه.
قال: ومثل ذلك (الخازِبازِ) جعلوا لفظه كلفظ نظائره في البناء.
[ ٣ / ١١١ ]
قال أبو علي: يعني أنه جعله (كحيص بَيْصَ) في البناء، لأنه بُني كما بُنيَ، إلاّ أن هذا بُني على الكسر (كجَيْرِ، وغاقِ)، وأن تقول جعله كخمسَةَ عَشَرَ.
لأن (خمْسَةَ عَشَرَ) أشبه (بالخازَبازِ) من (حيصَ بيصَ)، لأن الألف واللام يدخلان عليه كدخولهما على الخمسة عَشَرَ أجود.
قال: وكما جعلوا الآن كأيْنَ وليس مثله في كل شيء ولكنه يضارعه.
قال أبو علي: الذي يخالف فيه (الآنَ) (أين) أن (الآنَ) معرفة (وأيْنَ) نكرةٌ، ووقع تعريف الآن قبل تنكيره فلذلك بُني كذلك.
قال أبو العباس: (وأيْنَ) نكرة لا يجوز تعريفه فلهذا بني.
قال: ومن العرب من يقول: حَيَّهَلا.
قال أبو علي: الألف في (حَيَّهَلا) للإشباع للفتحة، ذا فيمن لحقه في الوصل والوقف، فأما من ألحقه في الوقف دون الوصل فكالأشياء التي تلحق لبيان الحركة في الوقف كالهاء في (ماهِيَهْ)، والألف في (أنا).
[ ٣ / ١١٢ ]
قال: في عَمْرَوَيْهِ: جعلوا ذا بمنزلة الصوت لأنهم رأوه قد جمع بين أمرين.
قال أبو علي: يعني العُجمة وضم الصوت إليه لم يكن في أسمائهم ﴿فحطّوه درجة عن إسماعيل وأشباهه، وجعلوه في النكرة بمنزلة (غاقٍ) منونة مكسروة في كل موضع﴾.
قال أبو علي: في ذا إشارة إلى أن البناء يعد ترك الانصراف.
قال: وأمّا يومَ يَوْمٍَ، وصباحَ مَساءٍَ.
[ ٣ / ١١٣ ]
قال أبو علي: يجوز في قوله: يومَ يومٍ أن يكون المضاف إليه بمعنى الزمان، لا يُراد به اليوم الذي هو والليلة دورة واحدة من دوران الفلك، (ويومَ) الأوّلُ مضافٌ إليه. كما تضاف الساعة إلى اليوم، واليوم إلى الشهر، والشهر إلى السنة، والسنة إلى الزمان المطلق، فلا يكون الشيء على هذا مضافًا إلى نفسه، فالمعنى فيه: يومٌ ليومٍ، وصباحٌ لمساءٍ، وبيتٌ لبيتٍ وكفَّةٌ لِكَفَّةٍ، فالإضافة صحيحة، فلذلك أضيف، فأمّا (شَغَرَ بَغَرَ)، (وأخوكَ أخوكَ) (وحيصَ بيْصَ) فلا يُضاف، لأن معنى الإضافة لا يصح فيه، والقياس فيما صح فيه معنى الإضافة، الإضافةُ، لأنه ليس في شيء منه معنى الحرف كما في خمسة عَشَرَ وفي الذي لا يصح فيه لواحد من الاسمين إذا أفرد عن الآخر معنىً نحو (شَغَرَ بَغَر)، فإن شَغَرَ وحده لا يدل على الافتراق حتى يضم إليه (بَغَرَ)، فمضارعة الحروف فيه قائمة لأنها كبعض حروف الكلم الذي لا يدل على معنى إذا يُجزئ.
قال: والآخِرُ من هذه الأسماء في موضع جَرّ.
قال أبو علي: كأنه يشير إلى أن القياس فيما صح له إلى معنى
[ ٣ / ١١٤ ]
إضافة الأول إلى الثاني، فإذا بني ولم يُضف فقد كان للاسم الثاني قبل البناء موضع إعراب وهو جرٌّ.
قال: وزعم يونس – وهو رأيُه – أنّ أبا عمرو كان يجعل لفظه كلفظ الواحد، إذا كان شيءٌ منه ظرفًا أو حالًا.
قال أبو علي: كان يجعل لفظه كلفظ الواحد المعرب المضاف، ولا يجعله بمنزلة اسمين ضُمّ أحدهما إلى الآخر فَبُنِيا معًا.
قال أبو علي: قوله كان يجعل لفظه كلفظ الواحد، أي (كفَّةَ كفَّةَ) وسائر ما ذكره من الفصل، ليس شيءٌ منها إلا في الظرف والحال وقد يعرب في موضع الحال والظرف، فأمّا في غير هذين الموقعين فلا تكون إلا مُعربةً.
[ ٣ / ١١٥ ]
قال: وزعم يونس أن كَفّةَ كَفّة كذلك.
قال أبو علي: أي يبنيهما في حال الظرف والحال ويُعربهما فيها.
قال أبو بكر: (أيادِي سَبَا)، أبدل من همزة (سَبَأ) ألفًا لكثرة الاستعمال وهم مَثَلٌ في التفرق.
قال: وسألت الخليل عن الياءات لِمَ لمْ تُنصبْ في موضع النّصب إذا كان الأول مضافًا وذلك قولك: رأيت مَعْدِي كَرِبَ.
قال أبو علي: وكأنه سأل فقال: لِمَ لمْ تُحرّك الياء بالفتح إذا أضيف وكان في موضع نصب كما يُحرّك (يا قاضِيَ)، فقال: هذه الياء
[ ٣ / ١١٦ ]
مشبهة بألف (مُثَنَّى) في أنه حرف اعتلال مثله، وهي أشبه بالألف من الواو بها لأنها أقرب إليهان فلما أعْرِبت الألف من الحركات في المواضع الثلاث عَرِيَتْ هذه الياء منهنّ أيضًا تشبيهًا بها.
وأبو العباس يستحسن من الضرورات إسكان هذه الياء في موضع النصب ويقول: هو كغير الضرورة، ويشبهه بما شبّه به من ألف مثنَّى.
وأنشدنا أبو بكر عنه قال: أنشد يونس:
أكاشِرُ أقوامًا جياءً وقد أرَى صُدُورَهم بادٍ عَلَيّ ضميرُها
قال: وأنشدني أبو مُحلّم:
أعناقَ حَنّانٍ وألْحٍ رُجفًا
[ ٣ / ١١٧ ]
وكان أبو بكر يقول: القياس يوجب على من أضاف حركتها في موضع النصب.
قال أبو علي: ومن جعل مَعْدي كَرِبَ اسمًا واحدًا لم يجعل الياء حرف إعراب فيلزمه تحريكه لأنه في تضاعيف الاسم بمنزلة حرف من حروفه، كما أن الياء من (دَرْدَبِيسَ) حرف في تضاعيف الاسم ليس بمنزلة حرف إعراب.
قال: وأما اثْنا عَشَرَ فزعم الخليل أنه لا يغيّره عن حاله قبل التسمية وليس بمنزلة خَمْسَةَ عَشَرَ.
قال أبو علي: (اثْنا) من قولهم: (اثْنا عَشَر) معربٌ، لأن في حرف الإعراب منه دليل الإعراب، وعشر مبنيّ بدلٌ من نون (اثنين)، يدلك على
[ ٣ / ١١٨ ]
ذلك أنهما لا يجتمعان، كما لا يجتمع البدل والمبدل منه، فإن سميت رجلًا لم تُغيِّره عما كان عليه قبل التسمية.
قال: ولا يجوز فيها الإضافة، كما لا يجوز في (مُسلِمينَ)، ولا يحذف (عَشَرَ) مخافة أن يلتبس باثنين.
قال أبو بكر: لا يجوز أن تضيف (مسلمين) فتقول (مُسلمِينَكَ)، لأن النون من (مسلمين) نظير (عَشَرَ) من (اثْنَيْ عَشَرَ) لأن (عَشَرَ) بدل من النون.
[ ٣ / ١١٩ ]