وذلك أنها لا تضاف ولا تصرّفُ تَصرُّفَ غيرها ولا تكون نكرة.
أي لا تكون نكرة متمكنة مثل رجلٍ وفَرَسٍ.
[ ٣ / ٩٦ ]
قال في ترجمته الباب (لا يُضاف)، وقد ذكر (حيثُ وإذْ وإذا)، وهي تضاف إلى ﴿الجُمَل﴾. فإنما ذلك لأن إضافتها غير محضة.
قال: وقالوا: (جَيْرِ) فحرّكوه لئلا يُسَكَّنَ حرفان.
قال أبو علي: (جَيْرِ) كسر آخره لالتقاء الساكنين ولم يفتح وإن كان قبلهُ ياء، كما فتح (أيْنَ وكيفَ) لأن أصل الحركة لالتقاء الساكنين الكسر؛ فجاء هذا على الأصل، ليعلم أن ما جاء منه مفتوحًا فذا أصله، كما جاء (اسْتَحْوَذَ) و(أغْيَلَت المرأةُ) غير معتلّ ليعلم أن أصل المعلل التصحيح.
[ ٣ / ٩٧ ]
قال: وجُزِمَتْ (لَدُنْ) ولم تجعل كعِنْدَ.
قال أبو علي: لأن (لدُنْ وعندَ) جميعًا لِما قَرُبَ، لكن (لدُنْ) أشد اختصاصًا للقرب.
وقال أبو علي: حَسْبُ وقَطُّ يعمهما الانتهاء، إلا أنّ (قطّ) انتهاء لما مضى (وحَسْبُ) انتهاء لما يخص للوقف.
قال: وسألت الخليل عن (مِنْ عَلُ)، هلا جُزمت اللام، فقال: لأنهم قالوا: منْ عَلٍ.
قال أبو علي: (عَلُ) لامه واوٌ فحذفت كما حذفت لامُ (غَدٍ) لا
[ ٣ / ٩٨ ]
كما يُحذف من عَمٍ وَرَدٍ لالتقاء الساكنين، والدليل على ذا قولهم: (من عَلُ) فبنَوْهُ على الضم كما بني (قَبْلُ)، ولو كان قولك: (مِنْ عَلِ) مثل قولك: (عمٍ) لوجب أن يكون في قولك: (مِنْ عَلُ)، (مِنْ عَلا)، فتثبت لامُ الفعل، لأنه ليس فيه شيء يجب أن يسقط له من ساكن اجتمع معه. فأمّا قول الشاعر:
[ ٣ / ٩٩ ]
فهْيَ تَنُوشُ الحوضَ نَوْشًا من عَلا
فإن كان (عَلا) معرفة فالنِّية بلامها أن تكون مضمومة، كما ضمّت (من عَلُ) لما كانت معرفة للغاية وإن كانت نكرة ولم تجعله من أعلى شيء معلوم معهود كان اللام في موضع جرّ، كما أن (مِنْ عَلُ) مجرورٌ فاللفظ فيه (علا) واحدٌ والتقدير مختلف، والأشبه في (عَلا) في البيت أن يكون معرفة، لأنه إشارة إلى أعلى الحوض، وإن قدَّرت (منْ عَلا) غايةً معرفةً لم تنوّنه في الدّرج كما لا يُنوّن (قبلُ) فيه، وإن قدّرته نكرة مؤنثة فقلت: (جيت من عَلًا) فاعلم.
قال أبو علي: الغاية على الحقيقة هو الاسم الذي يضاف إليه الاسم المبني على الضّمّ، لأن غاية الشيء نهايته، ونهايات هذه الأسماء المبنيّة على الضّمّ هي ما تضاف إليه، فغاية (قَبْلُ) هو ما هو قبل له، وكذلك (أولُ وعلُ)، وإنما يحذف المضاف منه إذا علم المضاف إليه، لذكر له قد سبق نحو قول الله تعالى "لله الأمر من قبل ومن بعدُ" بعد ذكره أمر الروم، والتقدير فيه والله أعلم: الأمر منْ قَبْلِ أنْ تُغْلَبَ الرُّومُ وبعدَه، فحذف ذلك لتقدم ذكره، فقَبْلُ غاية، أي أنه قد تعرّف في هذا الموضع كما يتعرف لو أضفته إلى ما هو غاية له، والغاية على الحقيقة إنما هو المضاف إليه، فإنما تكون هذه الظروف مبنيّة على الضّمّ متى حُذف منها
[ ٣ / ١٠٠ ]
غاياتها، لعلم المخاطب بما هو غايتُه، وإن لم يعلم لم يَجُز أن يُبنى على أنه غاية لو قلت: حيثُ من قبلُ، فلم يفهم عنك من قبلُ ماذا جئت كان غير جائز.
قال: وجميع ما ذكرنا من الظروف التي شُبِّهت بالأصوات ونحوها من الأسماء غير الظروف إذا جُعل شيء منها.
قال أبو علي: الظروف التي شبهت بالأصوات مثل (أمْسِ) فبمن كسر، والأسماء التي في هذا النحو مثل (ذا وكيفَ وألا).
قال: لأنّ (ذا) قبل أن يكون اسمًا خاصًا كـ (مَنْ) في أنّه لا يُضاف ولا يكون نكرة.
قال أبو علي: المعارف لا تضاف لأنها تستغني عن الإضافة بالتعريف والمضافات كلها نكرة.
[ ٣ / ١٠١ ]
قال: وعلى أيّ الوجهين جعلته اسمًا لرجل صرفته.
قال أبو علي: إذا سميت (بأوّل) فجعلته (أوّل) الذي يصحبه (منك) المحذوف منه صرفته في النكرة، كما أنك لو سميته (بأفْضَل) وحذفت (منك) لصرفته في النكرة، لأن هذا إنما يكون بمنزلة (أحْمَر)، إذا كان معه (منك)، فإذا لم يكن معه صار بمنزلة (أفْكَل).
وأما إذا سميته (بأوّل) الذي هو اسم بمنزلة (أفْكَل) فهو منصرف في النكرة، وهو أجدر بالانصراف.
قال: وإذا قلت: عامٌ أوّلُ فإنما جاز هذا الكلام لأنك تُعْلِمُ به.
أي جاز ذكر (أوّل) مطلقًا دون المضاف إليه.
قال: وسألته عن قول بعض العرب وهو قليل: مُذْ عامٌ أوّلَ.
[ ٣ / ١٠٢ ]
فقال: جعلوه ظرفًا في هذا الموضع، وكأنه قال: مُذْ عامٌ قَبْلَ عامِك.
قال أبو علي: (أوّلُ) ظرف للعام، وإنما مثله (بقَبْلُ) لأنه مثله في السبق.
وقال: ياليتَها كانت لأهلي إبِلًا
أو هُزِلَتْ في جَدْبِ عامٍ أوَّلا
يكون على الوصف والظرف.
قال أبو علي: لم يُصرف وهو وصف لأن المراد به (منك) أو (من عامِك) ونحوه.
قال: وسألته عن (هَيْهات) اسم رجل؟ قال: ونظير الفتحة في الهاء الكسرةُ ﴿في التاء﴾ فهي نظير الفتحة في (هيهات).
[ ٣ / ١٠٣ ]
قال: ومثل (هَيْهاةَ) (ذَيةَ) إذا لم يكن اسمًا.
قال أبو علي: (ذَيَّة) كناية عن الخبر كما أ، (كَذا) كناية عن العدد في قولك: كذا وكذا دينارًا.
قال: ألا ترى أنها تبدل في الصلة وليست زيادة في الاسم.
قال أبو علي: أي ليست الحروف الأخر غير الهاء زيادة في الاسم كما أن الهاء زيادة.
قال: ولم يحتمل أن يسكن حرفان.
قال أبو علي: يقول: لم يحتمل أن يكون ما قبل تاء التأنيث ساكنًا لأنها بمنزلة خمْسَةَ عَشَرَ، وأيضًا فإن قبله ساكن وهو الياء الأولى المدغم، فلو أسكنت التي قبل التاء لاجتمع ساكنان.
[ ٣ / ١٠٤ ]
قال أبو علي: إذا خفف (ذيّة)، فقيل: (ذَيْتَ)، صار تاؤها في أنها للإلحاق بمنزلة تاء (أُخْت)، وإذا صار للإلحاق صار بمنزلة ما هو من نفس الحرف، والذي يدل على أن التاء في (ذَيْتَ) للإلحاق أن ما قبله ساكن وليس كما قبله تاء التأنيث في الانفتاح.
قال: وسألت الخليل عن (شَتَّانَ) فقال: تفتحها كفتحة (هيهاة) ونونها كنون (سُبْحان) زائدة، فإن جعلتها اسم رجل فهو كسَحْبان.
قال أبو عثمان: أصرف (شَتّانَ وسُبْحانَ) في النكرة اسمين كانا أو في موضعهما.
قال أبو علي: أي قبل التسمية.
وذهب أبو عثمان في صرف (شَتّانَ وسُبْحانَ) إلى أنهما نكرتين وليسا كسائر الأسماء التي يسمى بها الفعل، لأنهما مشتقان، و(شَتّانَ) اسم سمي به الفعل، فإذا قال: (شَتّان زيدٌ وعمروٌ) فهو اسم لبُعد أحدهما
[ ٣ / ١٠٥ ]
من الآخر.
قال: اعلم أن (غُدْوَةَ وبُكْرَةَ) جُعلت كل واحدة منهما اسمًا لِلْحِين.
قال أبو علي: يريد بالحين أنه لغدْوَة يومِك.
قال: وكذلك إذا لم تذكر العام الأوّل ولم تذكر إلا المعرفة.
قال أبو علي: يعني بالمعرفة (غُدوةَ)، يقول: وإن لم يذكر إلا (غُدْوَة) لم يصرفها.
قال: وزعم الخليل أنه يجوز أن يقول: آتيك اليومَ غُدوةً وبُكرةً تجعلها بمنزلة ضَحْوةٍ.
قال أبو علي: إذا جعله بمنزلة (ضَحْوَة) فقد نكَّره، وإذا نكّره زالت عنه إحدى العلّتين، وكان الحكم في غُدوة وبُكرة أن يصيرا معرفتين
[ ٣ / ١٠٦ ]
بالألف واللام، إلا أن غدوة غُيِّر لفظها وعُدل عن الغداة فتعرفت بهذه الصفة فلم تنصرف، وأجريت (بُكرة) مجراها لما كانت بمعناها، وإن لم تُصَغ صيغة (غُدوة)، كما أجري (كلُّهم) مجرى (أجمعين)، وإن كان (كُلّ) قد يكون اسمًا غير جارٍ على ما قبلَهُ، فكذلك (بكرة) لا تنصرف.
وقال في سَحَرَ: ويكون نكرة إلا في الموضع الذي عدل فيه.
قال أبو علي: الموضع الذي عدل فيه (سَحَر) هو أن تريد (سَحَرَ يومِكَ) فتعدله عن الألف واللام ولا تصرفه، إنما يكون منصوبًا غير منصرف.
[ ٣ / ١٠٧ ]