قال: ومثل هذا (مِنْ غُلامِ يَبِيْكَ).
قال أبو علي: الهمزة المفتوحة إذا انكسر ما قبلها لم يجز أنت جعل بين الهمزة وبين الحرف الذي منه حركتها، لأنّك إذا جعلتها كذلك نحوت بها نحو الألف، والألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحًا، فلما لم يمكن التليين فيها قُلبت إلى الحرف الذي منه حركة ما قبلها، وهو الياء، وأنشد:
[ ٤ / ٤٣ ]
مِنْ حيثُ زارتْني ولم أوْرا بها [١٥٠/أ]
قال أبو علي: قوله: لم أوَرابها، أي لم أعلمْ بها.
وقال عبد الله بن هاني صاحب الأخفش: هو مقلوب من (رَأيْتُه)، قلب اللام التي هي الياء إلى موضع الفاء، ثم قُلبت واوًا لانضمام ما قبلها فصار أوْرَأ مثل أوْرَع، ثم خفّف الهمزة فقلب ألفًا لأنها ساكنة وما قبلها مفتوح، فوزنه من الفعل على هذا التقدير: (ألْفَعْ).
قال: وقد قالوا الكَمَاةُ والمرَاةُ ومثلُه قليل.
قال أبو العباس: هذا بَدلٌ يعني قولهم: الكَمَاةُ، أبدل الألف من الهمزة كما أبدلت الهمزة من الهاء وليس بتخفيف.
[ ٤ / ٤٤ ]
قال: ولم يكن ليلتقي ساكن وحرف ذِهْ قصَّته، يعني بقصته إخفاؤه وتقريبه من الساكن.
قال: غير أن كلّ شيء كان في أوله زيادة سوى ألف الوصل (مِنْ رَأَيْتُ) فقد اجتمعت العرب على تخفيفه.
قال أبو علي: يعني بقوله سوى ألف الوصل من رأَيْتُ مثل قولك: يفعل كل ما كان في أوله زيادة من زيادات المضارعة، خففت الهمزة بعدها، ومن يخفف مع هذه الزيادات فقد يحقِّق مع همزة الوصل، فيقول: (إِرْأ).
قال: فكرهوا أن يُبدلوا مكان الألف حرفًا ويغيّروها، لأنه ليس من كلامهم أن يغيِّروا السَّواكن.
[ ٤ / ٤٥ ]
قال أبو علي: لا يبدل الحرف الساكن إذا ألقيتْ حركةُ الهمزة المحذوفة عليه لكنّه يُحرّكُ، فأمّا نفس الحرف فلا يُبدل ولا يُغير.
قال أبو علي: يقول: لو ألقيت حركة الهمزة التي قبلها الألف على الألف لانقلبت فصارت همزة، ولو انقلبت لخرج كلام كثير من حدِّ كلامهم والخارج كان من الحدِّ مثل (شاءَ، وأاءَةٍ، وفاءَ)، لو خففت هذه الهمزات على حسب تخفيف جَيْألٍ، والخَبْءِ، للزم أن يقال: (سأزيْد)، (وناءَ عَدُوُّكَ)، وكذلك كل ما أشبه هذا، ولو خففت (أاءةً) كما خففت (الخَبَا)، للزم أن يقال: (أاَةٌ)، فكان يجتمع همزتان، ثم كان يلزم أن
[ ٤ / ٤٦ ]
تخفَّف الثانية فيقال: (أاةٌ)، وكل ذلك خروج عما ينبغي.
قال: لأنه ليس من كلام العرب أن تثبت الياء والواو ثانية فصاعدًا وقبلها فتحةٌ، إلا أن تكون الياء أصلها السكون.
قال أبو علي: الياء إذا كان أصلها السكون وما قبلها مفتوح لم تنقلب نحو (عَيْبٍ، وبَيْتٍ)، وإذا تحركت وما توسطها انقلبت ألفًا نحو (باَعَ، وباتَ).
قال: وكانت مدَّة في الاسم والحركة التي قبلها منها بمنزلة الألف، (يريد أنّها الألف في أن حركة ما قبلها أبدًا منها) ﴿رَجَع﴾ أبدل منها، وإن كانت بعد واوٍ وياء إن كانت بعد ياء، ولا تُحذف فتحرك.
[ ٤ / ٤٧ ]
قال أبو علي: أي لا تحذف الهمزة إذا وقعت بعد ياء أو واو، لأنّها إن حذفت لزم أن تلقى حركتها عليها كما تلقى على سائر السّواكن، وهذه [١٥٠/ ب] الحروف، أعني الياء والواو إذا كُنَّ مَدَّاتٍ لغير الإلحاق، لم يجز تحريكهن كما لا يجوز تحريك الألف، لأنها إن حركت صارت غير ألف، والواو والياء يحركان ولا يُغيَّران.
قال أبو علي: الألف لا تغيّر إذا خففت الهمزة بعدها في كلمة واحدة وفي كلمتين منفصلتين، تقول: (اضْرِبا أباهُما، ومَساءَكَ)، فلا تلقي حركتهما في الموضعين على الألف كما تلقي حركتهما على الياء والواو إذا كانت لغير مدٍّ في الاتصال والانفصال.
[ ٤ / ٤٨ ]
أنشد: كُلَّ غَرَّاءَ إذا ما بَرَزَتْ
سمعنا من العرب من ينشده هكذا.
قال أبو علي: قوله: ينشده هكذا، أي يحقق الأولى، ويخفف الثانية كما يختار الخليل، ويخفف الأولى ويحقق الثانية كقول أبي
[ ٤ / ٤٩ ]
عمرو.
فالإنشاد على القول الأول: (غَرّاءُ بِذا)، وعلى القول الثاني: (غَرَّا إذا).
قال: ومَن حَقَّق الأولى قال: (أقَرآية)، لأنك خففت همزة متحركة قبلها حرفٌ ساكن.
قال أبو علي: يريد بالهمزة المخففة المتحركة الهمزة التي هي فاء من (آيَةٍ) والحرف الساكن الذي قبلها هي الهمزة التي هي لامٌ من (اقْرَا)، سكنت للأمر، فحذفت الهمزة التي هي فاء من (آيةٍ)، وألقيت حركتها على الساكن الذي هو همزة لام من (اقْرَأ)، فصار على وزن (اقْرَعَّايَة).
قال: فأمّا أهل الحجاز فيقولون: (اقْرَا آيةً)، لأن أهل الحجاز يخففونهما جميعًا.
[ ٤ / ٥٠ ]
قال أبو علي: قال أهل الحجاز: (اقْرَا آيةً) فخَفَّفوهما جميعًا، والهمزة الأولى إذا خففت في (اقرأ) لزم قلبها ألفًا لأنها ساكنة وما قبلها مفتوح، مثل (راسٍ وفاسٍ)، والهمزة من (آية) حكمها أن تجعل بين الألف وبين الهمزة لأنها متحركة، وجاز وقوعها مخففة بعد الألف من حيث جاز وقوع الساكن بعدها، ومن حيث جاز أن تقع مخففة قبل الساكن في (أانْ رَأيْتَ رجلًا) ونحوه.
قال: وسألت الخليل عن (فَعْلَل) من (جِئْتُ) فقال: جَيْأى.
قال أبو علي: العين من (جِئْتُ) ياءٌ، يدلك عليه: (يَجِيءُ)، واللام منه همزة فإذا بَنَيْتَ منه مثل (فَعْلَلَ) زدت على اللام لامًا، لأن حكم ما ألحق من الثلاثي بالرباعي بغير حروف المد أن تكرر لاماتها، كما كررت في (مَهْدَدٍ) ونحوه، فإذا كرّرت اجتمعت همزتان، وإذا اجتمعت همزتان في كلمة واحدة أبدلت الثانية.
[ ٤ / ٥١ ]
قال: وإذا جمعت آدَمَ، قلت: أوَادِم، كما أنّك إذا حقَّرت قلت أوَيْدِم.
قال أبو علي: الهمزة الأولى همزة (أفْعَل)، والثانية بدل من الهاء، وهو يوافق الزيادة – أعني الألف التي هي بدل من الفاء – في أنها ليست من نفس الكلمة، كما أن ألف (فاعِل) الزائدة ليست من نفس الكلمة، هي الهمزة التي هذه بدل منها، فقد وافق البدل [١٥١/أ] الزيادة في أنه ليس من نفس الحرف، كما أن الزيادة ليست من نفس الحرف، فلذلك قلبت هذه الألف في التصغير والتكسير واوًا، كما قلبت الزائدة واوًا فيها.
[ ٤ / ٥٢ ]
قال: فلمّا أبدلُوا من الحرف الآخِر ألفًا استثقلوا – يعني الحرف الآخِر- الهمزة التي هي لام من (خطيئة)، المبدلة في الجمع ألفًا إذا قلت: (خَطايِىءٌ)، ثم أبدلت الهمزة الأخيرة ياءً لانكسار ما قبلها، واجتماع همزتين، ثم أبدلت الياء ألفًا كما أبدلته في مَدارَى.
قال: لأن الاسم قد يجري في الكلام، ولا يلزم في الألف الآخِر أن تهمزها.
قال أبو علي: أي الألف التي هي بدل من التنوين، أو الألف التي هي رفع الاثنين، يريد: أن هذه الألفات الأخيرة لا تلزم الكلم الذي هي فيها كما يلزم الألف المنقلبة عن اللام في (خَطايا ومَطايا)، لأن هذه الألفات قد سَقَطْنَ، وذلك إذا كان الاسم في موضع جَرّ، أو رفع أو تثنية،
[ ٤ / ٥٣ ]
منصوب أو مجرور.
قال: فصارت كالهمزة التي تكون في كلمة على حِدَةٍ، فلما كان ذا من كلامهم أبدلوا مكان الهمزة التي قبل الآخر ياءً، (يعني في خطايا).
قال أبو علي: أي لما كان تخفيف الهمزة الواقعة بين ألفين غير لازمين من كلامهم كراهة الهمزة بين ألفين وإرادة لتقريبها من الياء بالتخفيف أبدلوا الهمزة المبدلة من حروف اللين في (فَعِيلةٍ) وما أشبهها ياءً لأنها بين ألفين لازمتين في كلمة واحدة، وليست بين ألفين لا يلزمان ككِساءَانِ، وبُرَآء.
[ ٤ / ٥٤ ]
قال: ليفرقوا بين ما فيه همزتان إحداهما بدلٌ مما هو من نفس الحرف.
قال أبو علي: هذا مثل الهمزة في (قَضاء) التي هي بدل من زائدة، لأنها أضعف يعني همزة (خَطايا)، أي الأولى التي هي من نفس الحرف وهي لام (قَضَيْتُ)، ﴿رجع﴾ أو همزة بمنزلة ما هو من نفس الحرف.
قال أبو علي: هذه الهمزة مثل الهمزة في (جَيْئاى) إذا جمعت
[ ٤ / ٥٥ ]
قلت: جَيائِي ﴿رجع﴾ إنما يقع إذا ضاعَفْتَ.
قال أبو علي: قوله: إنما يقع إذا ضاعفت، صفة لقوله أو همزة.
وقوله: إذا ضاعَفْتَ، أي إذا ضاعفْت الحرف الأخير من الثلاثي للإلحاق بالرباعي.
قال: وقد بَلغَنا أنّ قومًا من أهل الحجاز من أهل التحقيق يُحقِّقون (نَبِيءٌ) (وبَرِيئَةٌ)، وذلك قليل رديء، فالبدل ها هنا بمنزلة الألف في (مَنْسَأةٌ).
قال أبو علي: يريد، أنّه قليل رديء، لأنه مخالف لما عليه الاستعمال، لأن أصله غير الهمزة، فرداءة هذا كرداءة (وَدَعَ) في ماضي (يَدَعُ) كما قال:
حتّى وَدَعَهْ
[ ٤ / ٥٦ ]
قال أبو علي: قوله: فالبدل ها هنا كالبدل في (مِنْسَأة)، يريد أن الهمزة في (نبيء وبَريئة) أبدلت بدلًا كما أبدلت من (مِنْسَاة) بدلًا وإن كان لفظ التخفيف في (نَبِيّ) كلغة الإبدال، فأما لفظ التخفيف في (مِنْسَأة) فمخالف [١٥١/ب] للفظ الإبدال، لأن الإبدال ألف محضة والتخفيف فيه بين الألف والهمزة، والفصل بينهما بَيِّنٌ جدًا.
[ ٤ / ٥٧ ]
قال: وإن خففت (أجْلِبْني إبِلَكَ) في قولهم.
أي في قول من قال: (أوَنْتَ)، و(ارْمِيَ اباكَ).
قال: فمن ثم فعلوا ذلك.
أي فمن ثم قالوا: (أوَّنْتَ) و(ارميَّ اباكَ).
قال: وهؤلاء يقولون: (أنا ذُوُنْسِهِ)، حذفوا الهمزة ولم يجعلوها همزة تحذف.
قال أبو علي: قوله: حذفوا الهمزة، يريد: ﴿حذفوا الهمزة﴾ يريد
[ ٤ / ٥٨ ]
حذفوه للتخفيف، لأن قبله ساكنًا.
وقوله: ولم يجعلوها همزة تحذف، أي لم يجعلوها همزة تحذف فيُبدَلُ منها واوٌ كما حذفت التي في (أوَنْتَ) وأبدل منها الواو، فقيل: (أوَّنْتَ)، لم تبدل هنا واوًا للضمة التي كانت تقع على الواو المبدلة من همزة (أنْسِه)، كما لم تبدل من (أبُومِّك) للضمة التي كانت تقع عليها.
وقوله: (وهي مما يثبت)، أي الواو الساكنة والتي هي من نفس الكلمة، أو بمنزلة ما هو من نفس الكلمة إذا كانت ساكنة وألقي عليها حركة همزة مخففة تثبت ولم تبدل.
قال أبو العباس: قوله: ولم يجعلوها همزة
قال أبو العباس: يعني بواو (ذوُّنُسِه) لما انضمت.
قال أبو علي: وإنما قال ذلك لأن الواو إذا انضمّت قد تقلب همزة نحو: (أرْقَةٍ) في (وُرْقَةٍ).
قال: وعلى هذا تقول: هو يرمِ خْوانَه بحذف الهمزة، ولا تطرح الكسرة على الياء لما ذكرت لك.
[ ٤ / ٥٩ ]
قال أبو علي: قوله: لما ذكرت لك، أي لما ذكرت لك من كراهة حركة الياء والواو بالكسرة والضم.