قال: وقد يجيء (خَمْسَةُ كلابٍ) يُرادُ به خمسةٌ من الكلاب.
قال: أضاف أسماء العدد القليل إلى معدود كثير، وكان الوجه إضافتها إلى المعدود القليل نحو (أكْلُبٍ) لو لم يحمله على ما ذكره من التأويل، وعلى هذا قوله تعالى: "ثلاثةُ قُرُوءٍ".
قال: وقال الراجز:
ظَرْفُ عَجُوز فيه ثِنْتا حَنْظَلِ
[ ٤ / ٧٠ ]
قال أبو علي: في هذا شيئان نادران: أحدهما أنه أضاف (اثنين) إلى عدّة يبيّن بها مِمَّ هو، وحكم هذه الإضافة أن تكون في الثلاثة وما فوقها مما لا يجتمع لك به معرفة النوع والعِدَّة، ألا ترى أن ثلاثة لو لم تضفها إلى ما بيَّنتَها لم تعرف ممَ هي، فلما قلت: (ثلاثةُ دراهمٍ)، وأضفْتَ بيَّنْتَ، واثنان [١٥٣/ب] وواحدٌ تجمع تعريف الأمرين، ألا ترى أنّ قولك: رَجُلٌ ورجلان يُبَيّنُ فيهما معرفة العدد والمعدود معًا؟، فعلى هذا القياس الاستعمال الشائع إلا أن يجيء في شعر مثل: اثْنا أفْراسٍ، وثنتا حَنْظَلاتٍ. فإذا جاء فقياسه أنه عدد كما أن (ثلاثة) عدد، فيضاف إلى المعدود كما أضيف إليه الثلاثةُ، إلا أن هذا نادرٌ عن الاستعمال.
والوجه الآخر من الشذوذ في "ثِنْتا حَنْظَلٍ" أنه أضيف إلى العدد الكثير وكان حكمه أن يضاف إلى العدد القليل، فيقال: (ثنتا حنظلات)، إن لم يُرد به ثِنْتانِ من الحنظل.
[ ٤ / ٧١ ]
قال: وذلك نحو: قَتَبٍ وأقْتابٍ، ورَسَنٍ وأرْسانٍ.
قال أبو العباس: حكم ثلاثة وأربعة ونحوه أن يضاف إلى ما يقع لأدنى العدد، فإذا جاء جمع لم يكن فيه أدنى العدد أضيف إلى ما هو للكثير نحو "ثلاثةُ شُسُوعٍ"، كما أنّ أدنى العدد فيما ليس له اسم أكثر العدد يجري مجرى ما هو للكثير وذلك نحو: أيْدٍ، وأرْجُلٍ، وأرْسانٍ.
قال: ووَثَنٍ وَوُثْنٍ، بَلَغَنا أنّها قراءة.
قال أبو علي: وجدت في هذه النسخة الطاهرية: قال: بعض القراء يقرأ قوله: "إنْ يَدعون من دونه إلا إناثًا" "إنْ يَدعون من دونه إلا أَثْنًا".
[ ٤ / ٧٢ ]
قال: إذْ لم يكن كثيرًا مثلُه، كما لم يجيء في مضاعَفٍ (فَعَلٍ) ما جاء في مضاعف (فَعْلٍ) لقلّته.
أي: لم يجيء فيه بناء الكثير كما جاء (صِكاك وضِباب)، لم يجيء في (فَنَنٍ) بناء الكثير.
قال: فلمّا جاز لهم أن يَثبُتُوا في الأكثر على (أفْعال) كانوا له في الأقل ألزم.
قال أبو علي: الأكثر وهو (فَعَلٌ)، أي لما جاز ألا يجاوز بناء أدنى العدد في الأكثر وهو (فَعَلٌ)، نحو قولهم في: (رَسَنٍ: أرْسانٌ)، كان ألا يجاوزه في الأقلّ أولى.
[ ٤ / ٧٣ ]
قال: وقال الله تعالى: "في الفلك المشحون"، ولما جمع قال: "الفُلْكِ التي تجري في البحر" كقولك: أسَدٌ، وأسْدٌ.
قال أبو علي: كسّر (فُعْل)، (وفَعَل) على (فُعْل)، كما كسّر عليه (فَعَل)، لأنّ (فُعْل)، و(فَعَل) أختان وهما يعتقبان على الكلمة الواحدة نحو حَزَنٍ، وحُزْنٍ وما أشبه ذلك.
قال: كما قالوا: ثلاثةُ قِرَدَةٍ، وثلاثةُ حِبَبَةٍ وثلاثةُ جُروحٍ وأشباه ذلك.
أي على أن تضع ما هو لأكثر العدد في موضع الأقل.
﴿رجع﴾ وهذا في (فُعْلَةٍ) كبناء الأكثر في (فَعْلَةٍ).
قوله: وهذا، يعني (فُعَل) في جمع (فُعْلة)، نظير (فِعال) في جمع (فَعْلةٍ).
قال: والفُعَلة تكسّر على (فُعَل) إذا لم تجمع بالتّاء، وذلك قولك: (تُخَمَةٌ، وتُخَمٌ)، وليس (كرُطَبَةٍ ورُطَب)، ألا ترى أنّ (الرُّطَبَ) مذكر
[ ٤ / ٧٤ ]
(كالبُرّ، والتّمْر)، وهذا مؤنث (كالظُّلَمِ والغُرَفِ).
قال أبو علي: يريد أن (الرُّطَبَة) جمعها (رُطَبٌ)، كما أن جمع (بُرَّةٍ بُرٌّ)، فلم يكسّروا الواحد للجمع كما لم يكسّر (بُرٌّ وتَمْرٌ)، لأنه من المخلوقات.
فأمّا (تخُمٌ)، فإنه تكسير (فُعَلَةٍ)، كما أن (فُعْلَة) تكسيرها (فُعَلٌ)، فليس تُخَمٌ كرُطَبٍ، لأنّك تقول: هو الرُّطَبُ، كما تقول: [١٥٤/ب] هو التَّمْرُ، فتذكّره كما تذكّر الواحد، والتُّخَمُ، والظُّلَمُ وما أشبهه مؤنث.
قال أبو علي: يقول أبو العباس: الواحد من هذا الباب فيه هاء التأنيث والجميع لا هاء فيه، كبقرة وبقر، فلو جعل الفصل بين المذكر والمؤنث إثبات الهاء وحدها وحذفها لالتبس الواحد المذكر بالجمع، ولو جعل الاسم الذي فيه الهاء كبقرة للمذكر، وزيدت عليه علامة أخرى للمؤنث لم يجز أيضًا، لأن علامتين للتأنيث لا تجتمعان، فلما لم يجز ذلك، صيغ للمذكر لفظ من غير لفظ المؤنث كثَوْرٍ في ذَكَر بَقَرَةٍ.
قال: وقد قالوا: حَلَقٌ وفَلَكٌ، ثم قالوا: حَلْقَةٌ وفَلْكَةٌ، فخفَّفوا في الواحد حيث ألحقوه الزيادة وغيّروا المعنى.
[ ٤ / ٧٥ ]
قال أبو علي: لما رُدَّ الجمع إلى الواحد وأُلحق التأنيث فقيل: حَلْقَةٌ، وغيّر المعنى غُيِّر البناء، كما أن الاسم لمّا ألحق ياء الإضافة. وغيِّر معناه بهما، غُيِّر بناؤه.