قال: ففُوكَ: لم يُغيَّر له فمٌ في الإضافة.
قال أبو علي: لم تُحذفت الميم من (فم) لتردّ الواو، وإنّما حذفت الميم في الإضافة لما أُمِنَ من التنوين وأن يبقى الاسم للحاق التنوين به على حرف واحد (فِ)، فإذا أضفت لم يلحقه التنوينُ للإضافة، وصار بمنزلة (ذو) في قولك: (ذُو مال)، في أنَّ الفاء تكون على الحركة المجانسة للحرف الذي تنقلب إليه العين. فكما أنك لو سمَّيت رجلًا (ذو)، قلت: (ذَوًا)، فإذا أضفته قلت: (ذَواكَ) ولم تقل: ذُوكَ، كذلك تقول: فَمُكَ ولا تقول: فوك، لأن الميم هنا بمنزلة ردّ العين واللام في (ذُو).
[ ٣ / ٢٥٢ ]
قال: وسألت الخليل عمّن قال: رأيتُ كِلا أخَوَيْكَ.
قال أبو علي: جعلوه بمنزلة (عليْكَ ولدَيْكَ) في أن قلبوا ألفه ياء إذا أضيف إلى المضمر، وقلب ألف (كِلا) ياءً في الجر والنصب كما أنّ ألف (لدى وعلى) تُقلبُ ياءً وهو في موضع جر أو نصب.
قال: ولا يُفرد كلا إنما يكون للمثنى أبدًا.
قال أبو علي: قد جاء في شعر قديم: كِلا ذلك.
فإنما أضيف إلى ذلك من حيث أضيف (بَيْنَ) إليه في قوله ﷿: "عَوانٌ بين ذلك"، (وبَيْن) لا يقع إلا لاثنين، كقولك: المال بينهما وبين زيدٍ وعمرٍو، وإنما أضيف إلى (ذلك) لأن المراد به ما فوق الواحد، وجاز هذا فيه، لما فيه من الإبهام، لأن الأسماء المبهمة تقع على لفظ الآحاد والمراد بها أكثر من الواحد، فلو أضيفت (كِلا) إلى مخصوص
[ ٣ / ٢٥٣ ]
واحد غير مبهم لم يجز، كما أنّك لو أضفت (بَيْنَ) إلى مخصوص كزيد ونحوه ولم تثن لم يجز، فأما رواية من روى "بَيْنَ الدَّخولِ فحومَلِ" فإنه ذهب بحَوْمَلٍ مذهب المبهم لما كان يقع على أماكن شَتَّى، فكأنه قال: بين هذه الأماكن، كقوله ﷿ "عَوانٌ بين ذلك" وهو إشارة إلى ألوان وأوصاف.
ورواية الأصمعي: "بين الدخول وحَومل" فيما سمعت من أبي بكر، وهذا بَيِّنٌ لا عَملَ فيه، فأما قوله تعالى: "ألم تر أن اللهَ يُزْجِي سحابًا ثم يؤَلِّفُ بينَهُ" فلأنَّ (بَيْنَ) مضاف إلى ضمير السّحاب جمع سحابة كما كان قولك: ذاك، إشارة إلى جمعه؛ فأما قولهم: بَيْنَ نحنُ كذا إذْ لَحِقَنا العدُوُّ، فقال أبو العباس: المعنى: بَيْنَ الأمرُ الذي تعرفُ والأمر الذي لا تعرفُ إذْ كان كذا.
[ ٣ / ٢٥٤ ]
قال: كما شُبِّهَ أمْسِ بغاق، وكما قالوا: مِنَ القومِ فشبَّهوه بأيْنَ.
قال أبو علي: شَبَهُ (مِنَ القوم) (بأين) في أن فتحت النون منهما لالتقاء الساكنين كما فُتحت من (أيْنَ)، فكان حكمها أن تكسر لالتقاء الساكنين، لأن الساكنين إذا اجتمعا من كلمتين حُرِّك الأول بالكسر، إلا أن الساكن مِنْ (مِنْ) تَحرَّك بالفتح من أجل الكسرة التي قبله، كما فتح من (أيْنَ) للياء قبلها، فشُبِّهت الكسرة بالياء وإن لم تكن مثله.