قال: واعلم أن كل شيء من بنات الياء والواو كان على هذه الصفة فإنه ينصرف في حال الجر والرفع، وذلك أنهم حذفوه فخفّ عليهم فصار التنوين عوضًا.
قال أبو علي: قولهم: يعني الياء من قولهم (جَوارٍ)، لأن الياء فيها عنده حذفت حذفًا فلذلك نُوِّن، فقد علمت من قوله: حذفوه أنه ليس بقول: إن الياء حذفت لالتقاء الساكنين، لأن الساكنين لم يجتمعا هنا، إذ لو ثبتت الياء لم يجتمع معها الساكن الآخر.
وأخبرنا أبو بكر عن أبي العباس عن أبي عثمان أنه قال: كان عيسى بن عُمر ويونس وأبو زيد والكسائي ينظرون إلى باب (جَوارٍ) فما لا يلحق في نظيره من الصحيح التنوينُ لم يحذفوه، وما لحقه التنوينُ في نظيره من الصحيح نوّنوه، فكانوا يقولون: هَؤلاء جَواري، ومَرَرْتُ بجواري، فلا يحذفون الياء ولا يُنوِّنون، لأن نظيره من الصحيح لا يُنَوَّنُ.
[ ٣ / ١٢٠ ]
قال أبو علي: فهؤلاء لم يذهبوا إلى أن الياء من (جَوار) حذفت حذفًا كما ذهب إليه سيبويه، لكنهم قدّروا أن الياء تحذف لاجتماع الساكنين فإذا لم يجتمعا لم تحذف، وعلى مذهب الجميع تنوين (قاضٍ) لاجتماع الساكنين.
قال أبو عثمان: وصرف (جَوارٍ) تنوينُه هو الذي عليه النحويون اليوم.
قال: واعلم أن كل ياءٍ أو واوٍ كانت لامًا وكان الحرف قبلها مفتوحًا فإنّها مقصورة يُبدل مكانها الألف ولا تحذف في الوقف وحالها في التنوين وترك التنوين بمنزلة ما كان من الصحيح على وزنه في الصرف والامتناع
[ ٣ / ١٢١ ]
منه.
قال: إلا أنّ الألف تُحذف لسكون التنوين، ويُتِمُّونَ الأسماء في الوقف.
قال أبو علي: الوقف على (مَثْنَى) ونحوه في موضع الجر والنَّصب والرفع على لفظ واحد، إلاّ أن القياس أن يكون الألف من (مَثْنَى) ومن جميع ما ينصرف في موضع النصب هي التي تكون بدلًا من التنوين، وذلك أن الاسم المنصرف يبدل من تنوينه في حال النصب ألفًا، فيجب أن يبدل من التنوين في هذا الضرب أيضًا الألف في الوقف، فإذا أبدل منه الألف ثبتت المبدلة وسقطت التي هي لام لالتقاء الساكنين، وتثبت التي هي بدل من الياء، والواو التي هي لامٌ في موضع الرفع شيء، كما أبدل منه في حال النصب، فيصير الوقف على الألف المنقلبة عن اللام أوما أشبهه اللام من الملحق والمزيد.
[ ٣ / ١٢٢ ]
قال: وإن كانت الألف زائدة وقد فسرنا أمرها.
قال أبو علي: فسّر أمرها حيث ذكر ما كان منها زائدًا ملحقًا، وزائدًا غير ملحق، والزائد كالأصلي في باب لحاق التنوين إن كان مما ينصرف وذكر هذا في أول الحدّ.
قال: قُلتُ: فإنْ جَعَلْتَهُ، يعني (جَوارٍ)، اسم امرأة، قال: أصرفها لأن هذا التنوين جُعل عِوَضًا، فيثبت إذا كان عوضًا، كما ثبتت التنوينة في (أذْرِعات)، إذْ صارت كنون (مُسلِمِنَ).
قال أبو علي: التنوينة في (جَوارٍ) عوض من الياء التي حذفت حذفًا، فكما أنك لو سميت به والحرف الذي هو عوض منه ثابت لم تحذفه، كذلك لا تحذف العوض منه، وليست هذه التنوينة كالتي تلحق (نَوارًا) قبل أن يسمى به، لأنّك لم تحذف من (نَوارٍ)، ونحوه من الصحيح شيئًا يصير عوضًا منه، وقد حَذَفْتَ من (جَوارٍ) عنده حرفًا صار التنوين عوضًا منه.
وقال أبو علي: كل ما أجاز الخليل فيه التنوين في هذا الفصل مقيس على (جَوارٍ)، أمّا (قاضٍ) اسم امرأة فكان يجب لولا حذف الياء منه ألا
[ ٣ / ١٢٣ ]
يُصرف ولا يُنوّن، كما أنك لو سميت امرأة (بقاسِمٍ) لم تنوّن ولم تَصْرِف، لكن لما وقعت الياء موقعًا لم يجب أن تصرف االاسم فيه حذفت الياء، كما أن (جَوارِيَ) لما وقعت الياء منه موقعًا لم يجب أن يُصرف فيه حذفت الياء منه، وصار التنوين عوضًا.
وكذلك (أدْلٍ) اسم رجل كان يجب ألا ينصرف، كما أنّك لو سميت
[ ٣ / ١٢٤ ]
بأكْلُبٍ لم تصرفه، ولكن الياء لما وقعت موقعًا وجب ألا ينصرف الاسم منه حذفت كما حذفت في (جوارٍ) لمّا وقعت االياء منه موقعًا وجب ألا ينصرف. وطريق قياس (أعَيْمٍ) اسم رجل إذا سميت به مصغَّرًا هذا الطريق، وكذلك كل ما أشبهه، وعلى مذهب سيبويه والخليل وجميع هذا على مذهب يونس، ومن ذكرناه يجب ألاّ يُنون ولا تحذف الياء منه.
قال: ولأن ذا قد ينصرف في المذكّر.
قال أبو علي: (ذا) إشارة إلى قاضٍ.
قال: فإنْ صَرَفَ فَجَوارٍ قبلَ أن يكون اسمًا بمنزلة قاضٍ اسم امرأة.
قال أبو علي: قوله فإن صَرَفَ، أي إن صرف (جَوارٍ) فهو بمنزلة قاضٍ اسم امرأة، أي جَوار لا ينصرف، ونظيره من الصحيح.
وقد صرف في هذا الباب، فينبغي أن يصرف (قاضٍ) اسم امرأة في ذا
[ ٣ / ١٢٥ ]
الباب، وإن كنت إذا سميت مؤنثًا بفاعلٍ في غيره لم تصرفه ولا يكون (فاعِلٍ) ما بعد فيه من فواعل إذا كان (فاعل) قد ينصرف على كل حال، (وفَواعِل) لا يصرف البتة، فإذا صَرَفَ (جَوارٍ) اسمًا كان صرفه لقاضٍ إذا سمى به امرأة أولى.
قال: وسألت الخليل: كيف تقول: مررتُ بأفَيْعِلَ منك من قوله: مَرَرْتُ بأعيْمَى منك؟ فقال: مررتُ بأعَيْمٍ منك لأنَّ ذا موضع تنوين.
قال أبو علي: يعني أنه موضع فيه الياء ولا ينصرف فيحذف حذفًا كما حذف من (جَوارٍ) وعوِّض منه التنوين.
قال: ألا ترى أنّك تقول: مررتُ بخيرٍ منك.
قال أبو العباس: أعَيْمٍ موضع تنوين، كما كان (بِخَيْرٍ منه) موضع تنوين لا أن ثبت التنوين واحد.
قال أبو علي: فرقُ ما بين النُّونَيْن أن النون في (أعَيْمٍ) عوضٌ من الياء المحذوفة كما أن التي في (جوارٍ) كذلك، وليست التي في
[ ٣ / ١٢٦ ]
(بخير) بعوض إنما هو لعلم الانصراف.
قال: وليس (أفْعَلُ منك) بأثقل من (أفْعَلَ) صفة.
قال أبو علي: يقول: ليس أعْمى منهُ بأثقل من (أعْمى) بغير (مِنْ) فإذا صرفت أعَيْميًا مصغرًا فكذلك تصرف بأعَيْمٍ منه.
قال: وأمّا يونس فكان ينظر إلى كلّ، فقال الخليل: هذا خطأ، لو كان من شأنهم أن يقولوا، هذا في موضع الجر، لكانوا خلقاء أن يلزموه الرفع والجرّ إذ صار عندهم بمنزلة غير المعتل.
قال أبو علي: يقول: لو كان حكم المعتل الصحيح لكان تحرك في موضع الرفع والجرّ كما تحرك الصحيح، فإذا جاز في المعتلّ ألاّ يحرك في هذين الموضعين ويخالف الصحيح فيهما، فلا ينكر أن يخالفه في حذف الياء منه، وفي بيان التنوين فيه عوضًا منه.
[ ٣ / ١٢٧ ]
قال: وسألته عن رجل يسمّى (يَغْزُو)، فقال: رأيت يَغْزِيَ قبلُ، وهذا يغزٍ، وقال: لا ينبغي أن يكون على قول يونس إلاّ (يَغْزِي) وثبات الواو خطأ.
قال أبو علي: يقول يونس: يَغزي، ولا تنوين، لأنه يجعله مثل الصحيح إذا سمي به من ذا لم ينوّن نحو (يَشْكُرُ)، فأمّا قلب الواو ياءً فواجب عند الجميع، ليصير على مثالٍ تكون عليه الأسماء.
قال: كما كرهوا أن يكون (إِيْ وفي) في السكوت وتركِ التَّنوين على حالٍ يخرجُ منه إذا وُصِلَ ونُوِّنَ.
قال أبو علي: يقول: لو لم يكن يرد على (إيْ وفي) إذا سُمِّي بها، جرت مثل المزيد عليه، ليغيّر في حال التنوين والوصل عن حاله في غير التنوين
[ ٣ / ١٢٨ ]
والوصل، لأنه كان ينبغي في الوصل في نحو قولك: (هذا إيُّ القوم) على حرف واحد، فكذلك كان يصير في التنوين في مثل (هذا أإفاعلم).
قال: ففرُّوا من هذا كما فرُّوا من ذلك، أي من تبقي الاسم على حرف واحد، كما فروا من ذلك، أي من أن يكون الاسم في التعريف على خلاف حاله في التنكير.
قال: ويكفيك من ذا قولهم: هذه أدْلي زيدٍ.
قال أبو علي: يعني أن (أدْلِي زيدٍ) معرفة ﴿و﴾ مع أنه معرفة، فقد كانت الواو فيه ياء.
قال: وقوله: فإن قلت: أي إن قال هذا القائل: إنما أعرب (أدْلِيٌ) في النكرة وغُيِّر فيها، فلما جعل معرفة بالإضافة إلى (زيد) ترك على ما كان عليه وهو نكرة، فلم يغير بناؤه في التعريف عما كان في التنكير عليه، قلتُ مجيبًا له: كما أنك لم تغيّره في التعريف عن البناء الذي يكون عليه
[ ٣ / ١٢٩ ]
في التنكير، كذلك لا يكون في التنكير على خلاف ما يكون عليه في التعريف، بل يكون الاسم على ما لا يتغير عنه معرَّفًا ومنكّرًا.
قال: وتقول في رجل سمّيته بإرْمِهِ: هذا إِرْمٍ قد جاء، ويُنَوَّنُ في قول الخليل وهو القياس.
قال أبو علي: هذه المسألة مفرّعة على ما أصّله الخليل في (جَوارٍ)، لأن مثاله من الصحيح لا ينصرف ولا يجب تنوينها في قول يونس.
قال: فإنْ سمَّيْتَ رجلًا بعِهْ قلت: هذا وَعٍ.
قال أبو علي: إنما قلت: هذا وَعٍ، لأنه لما زال عن أن يكون أمرًا من أجل التسمية، رددت إليه ما كنت حذفت.
[ ٣ / ١٣٠ ]
قال: صيّرْتَ آخره كآخر (إرْمِهْ) حين جعلته اسمًا.
أي: رددت الياء المحذوفة للوقف في (عِهْ)، كما رددته في (إرْمِهْ) حين سمَّيْت به فقلت: رأيتُ إرْمِيَ، وهذا إرْمٍ.
قال أبو علي: ولو سميت بعِهْ، قلت (وَعٍ)، رددت الياء التي هي لام والواو التي هي فاء، ولم تزد على (عِيّ) حرفًا مثل المزيد عليه كما زدت في (فِيّ) حين سميت به، لكنك تردّ إليك المحذوف منه، فرددت الفاء المحذوفة منه، وقلت في تصغير (شِيَةٍ): (وُشَيَّةٌ)، ولم تزد على الياء شيئًا ليس منه إذا عرفت الذي هو منه فرددته إليه.
قال: ولا يجوز أن تقول: (هذا عِهْ).
قال أبو علي: لا يجوز ذلك لأن هذه الهاء تلحق لعلامة الوقف، فإذا وصل شيء وجب أن تسقط، فعلى هذا لا يجوز أن تلحق اسمًا متمكنًا لأنه يلزم أن يحرك، وهذه الهاء لا يجوز فيها الحركة.
[ ٣ / ١٣١ ]
قال: ولو لم يدغم ذا، يعني (اعْضَضْ) إذا سُمِّيَ بها، كما أدْغَمْتَ إذا سمَّيْتَ بيَعْضَض في قولك: إن تعضَضْ أعضَضْ.
قال أبو علي: يقول: لو لم يُدغم فعل الأمر الذي هو موقوف، ولم تكن حركة المدغم على الفاء لما أدغمت الفعل المجزوم بإنْ وبلا النهي، فإذا أدغمت لأنه يصير في موضع حركة إذا سميت به، كذلك تدغم الموقوف وتلقي حركة المدغم على الفاء، لأن العلَّة التي أوجبت الحركة في المجزوم قائمة في الموقوف، وهي تحريك ما كان ساكنًا إذا سمَّيت به.
قال: وإذا سَمَّيْتَ رجلًا بألبَبَ من قوله:
قد عَلِمَتْ ذاك بناتُ ألْبُبِ.
تركته على حاله.
[ ٣ / ١٣٢ ]
قال أبو علي: كان القياس في (ألبَبِ) أن تُدغم فتُلقي حركة النون منه على الفاء كما فُعل بأضَمَّ، وكذلك كان القياس في حَيْوَةَ، وضَيْوَنٍ، أي تُقلب الواوان ياءين، وتُدغم الياءان فيه كقوله تعالى "أوْ كَصَيِّبٍ".