قال: واعلم أنَّ معنى ما انتصب بعد (أو) على (إلا أنْ) كما كان معنى ما انتصب بعد الفاء على غير معنى التمثيل.
قال أبو علي: قولُه: على غير معنى التمثيل، يريد أن التمثيل لِيَكُنْ لزومُ الإعطاءِ، والمعنى لألزَمَنَّك إلا أن تعطيَني، فالمعنى على غير التَّمثيل، لأنَّ في لَألْزَمَنَّك إلا أن تعطيَني إيذانٌ بالملازمة إلا أن يُعْطِيه، وفي لِيَكُنْ لزومٌ إو إعْطاءٌ إعْلامٌ أنَّ أحدَ الأمرين واقعٌ لا بُدَّ منه، لكنْ لم يَنُصَّ على الواقع منهما، فقد بان مُخالفةُ التَّمْثيلِ للمعنى.
قال: وتقول: الْزَمْهُ أو يَتَّقيكَ بحقِّك، واضْرِبْهُ أو يَسْتقيمَ.
وقال زياد:
كَسَرْتُ كُعُوبَها أو تَسْتقيما
معناه إلاَّ أن تستقيما، وإنْ شئتَ رَفَعْتَ في الأمر على الابتداء لأنَّه لا سبيل إلى الإشراك.
[ ٢ / ١٦٤ ]
قال أبو علي: في الغَلَطِ إنَّ سيبويه أراد بقوله: لا سبيلَ إلى الإشراكِ أن (يستقيم) لا يجوز أن يُعطف على (كسرتُ) لأنَّ (يستقيم) مضارع، و(كسرتُ) ماضٍ، قال: وهذا غَلَطٌ، لأنَّ العطفَ في هذا الموضع حسنٌ، لأنَّ ما بعدَ إذا وإنْ كان في لفظ الماضي فمعناه معنى المضارع يَحْسُنُ عطفُ المضارع عليه إذْ كان المعطوف عليه بمعنى المستقبل، كما حَسُنَ عطفُ الماضي على المستقبل إذْ كان في معنى المُضِيِّ، وذلك قولُه ﷿ "ووضعنا عنك وزرك" بعد قوله "ألم نشرح لك صدرك".
قال أبو علي: وهذا الاعتراضُ الذي حكيْناه شبيهٌ بالمغالطة لأنّه لم يقُل إنّ الإشراكَ لا يجوزُ في (أو يْستقيما)، إنّما قال: لا يجوزُ الإشراك في الأمر، وإشراكُ المضارع في الأمر يستحيلُ بلا شَكّ لأنّك تعطفُ فيه معربًا على مَبْنِيّ.
وقد ذُكِرَ فيما تَقدّم أنّه لو جاز ذلك لجاز أن تقول: تُحدّثُني، يريد الأمرَ، ويستقيمُ يريدُ به ليستَقيمْ، وقد كتبنا شرحَ ذلك في الفاء. "ولولا
[ ٢ / ١٦٥ ]
رجالٌ" أي لوْلا رجالٌ، ولولا مَساءَتُكَ لفعلْتُ كذا، مِمّا يَتَضَمَّنُه البيتُ الثاني، وقد كُفَّ عن خبره.
قال: وسألتُ الخليل عن قول الأعشى:
إنْ تركبوا فركوبُ الخيلِ عادتُنا أو تنزلون فإنّا مَعْشَر نَزُلُ
[ ٢ / ١٦٦ ]
قال أبو علي: جعل الخبر كأنّه وقع موقع الاستفهام، فكأنه قال: أتركبون أو تنزلون؟، وإنّما جاز أنْ ينوي بالجزاء الاستفهامَ، لأنّه غيرُ واجب، كما أنَّ الجزاء غيرُ واجب، وأنَّ الاستفهام قد يُجابُ كما يُجاب الشَّرْطُ.
قال: وأمّا يونسُ فقال: أرْفَعُه على الابتداء كأنّه: أوْ أنتم تنزلون وقولُ يونسَ أسهلُ.
قال أبو الحسن: إنّما كان قولُه أسهلَ، لأنَّ الجزاءَ لا يقعُ موقع الاستفهام وإنّما تقع حروفُ الاستفهام مواقعَ حروف الجزاء، فيُجازى بها، نحو: (أين) في قوله:
أين تَسْلُكُ بنا العُداةُ تَجِدْنا.
وحروفُ الجزاء لا يُسْتَفْهمُ بها.
قال: والإشراكُ على هذا التَّوَهُّم بعيدٌ.
أي على وضع الجزاء موضع الاستفهام، كبُعْد، (ولا سابقٍ شيئًا) ألا
[ ٢ / ١٦٧ ]
ترى أنْ لو كان هذا هكذا لكان في الفاء والواو.
أي لكان النَّصْبُ في الفاء والواو بعد الإيجاب على تقدير أنّك تَكَلَّمْتَ بالاسم قبلَه، كأنّك قلت في (هو يَاتِينا)، هو يكون منه إتيانٌ فَحديثٌ، فكُنْتَ تنصِبُ بعد الإيجاب كما تنصب بعد النّفي وإنّما قُدِّرَ هذا التَّقديرُ في النّفي دون الإيجاب إلا في الضرورة فلا يجبُ أن يُقاس عليه غَيْرُهُ.
قال: وإنّما تَوهَّمَ هذا فيما خالف معناه التَّمْثيلَ، يعني مثل قولك: لا تأتِه فيشْتُمَكَ.
قال أبو علي: هذا مثالٌ لِما خالف المعنى منه التَّمْثيلَ.
[ ٢ / ١٦٨ ]