قال: وتقول: أيُّها تشاءُ لك، فتشاء صِلَةٌ
قال: فإن أضمرت الفاء جاز وجزمت (تشاءُ) ونصبت (أيَّها).
[ ٢ / ١٠٥ ]
قال أبو علي: يريد الفاء التي تكون جوابًا للجزاء.
وقوله: جاز أي جاز في الشعر لا في الكلام كما أجازه في غير هذا الموضع في الشعر.
قال: حَدَّثنا هارون أنّ الكوفيين يقرأونها "ثم لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أيَّهم أشَدّ"
قال أبو علي: (أيّهم) في الآية بمعنى (الذي) عند سيبويه، وهو عنده مبني على الضم، لأنه قد حذف من صلته ما يعود إليه، (وأشَدُّ) خبر المبتدأ المحذوف، ولو ذكر في صلته العائد لم يجر البناء فيه وهو عند الكوفيين إذا رفع استفهام، كأنه قيل: (لننزعن من الذين تشايعوا لينظروا أيُّهم أشَدّ)، أي (أذَا أشدُّ أمْ ذا؟) فيقدِّرونها استفهامًا،
[ ٢ / ١٠٦ ]
ولا يجعلون (لَنَنْزِعَنَّ) منعوتًا يُعَدّونَه إلى (مِنْ) كما تقول: (أَكَلْتُ مِنْ طعامِك)، أي طعامك، وكذلك "لننزعن من كل شيعة"، أي لننزعن كلّ شيعة، هكذا يقدره الكسائي وأبو العباس يختار في هذا قولهم، لأن حذف المبتدأ من الصلة كإتباعه، كما أنه في غيرها من المواضع التي إذا حذف منها تدل على حذف المبتدأ شيء كان حذفه كإثباته.
قال: وزَعَمَ الخليلُ أنّ (أيُّهم) حِكايَةٌ، وأمّا يونُسُ فَزَعَمَ أنّه بمنزلة "أشهد أنّك لَرسولُ الله".
قال أبو علي: التوفيق بين المسألتين على قول يونس أنه لم يعد (أشهد) إلى (أنك)، كما لم يعد (اضرب) إلى (أيّ).
[ ٢ / ١٠٧ ]
قال: فَلَمّا لَمْ تَصرفْ تَصَرُّفَ الفعلِ تُرِكَتْ على هذه الحال، يريد: تركت ساكنة الياء، ولم تقلب ألفًا كما قلب من باعَ وقال.
قال: وأمّا قولُ يونسَ: فلا يُشْبِهُهُ أشْهد أنّك لَزيدٌ، وسترى ذلك في باب (إنّ).
وإن قلت: (اضرب أيّهم) لا يشبه (إنّك لزيدٌ)، لأن لام الابتداء وتقديره أن يقع قبل (إنّ)، وإنما أخر إلى الخبر لئلا يجتمع مع (إنّ) في موضع واحد، وإذا كان التقدير باللام قبل (إنّ) حجز اللام الفعل أن يصل إلى (إنّ) وليس ذلك في (اضْرِبْ)، ومع ذلك فإنَّ (اضْرِبْ) ليست من
[ ٢ / ١٠٨ ]
الأفعال التي تعلق، وإنما الذي يعلق من الأفعال ما يلغى، ونحو (عَلِمْتُ)، لأن الإلغاء فيه أشد من التعليق لأنها إذا ألغيت لم تعمل في لفظ شيء ولا موضعه، وإذا علقت عملت في موضع الجملة.
فأما (أشْهَدُ) فقد علق، لأنه قد شابه (عَلِمْتُ وظننْتُ) في أنه غير مؤثر، كما أن هذين وبابها غير مؤثرين وهو علم مثل (عَلِمْت)، وقد استعمل استعمال القسم كما استعمل هذين استعمالها في قولك: عَلِمْتُ لِيَنْطَلِقَنَّ، "وظَنُّوا ما لهم من محيص" فكذلك تقول: أشْهَدُ لَيَنْطَلِقَنَّ.
قال: ومِنْ قولهما (اضربْ أيّ)، وغيرهما يقول: اضْرِبْ أيا أفْضَلُ.
قال أبو علي: قياسًا للمفرد على المضاف.
قال: ولَوْ جَعَلوا (أيّا) في الانفراد بمنزلته مُضافًا﴾ لكانوا ﴿خُلَقاء إذ كان بمنزلة الذي معرفةً لا يُنَوّن، لأنّ كل اسمٍ ليس يَتَمَكّنُ
[ ٢ / ١٠٩ ]
لا يدخُلُه التّنوينُ في المعرفة، ويدخله في النّكرة.
قال أبوعلي: قوله (لا يُنَوَّنُ)، أي يُبْنى، مثل (قَبْلُ وبَعْدُ).
وقوله: كانوا خلقاء، معناه لكانوا خلقاء ألاّ ينوّنوا في الإفراد، لأن الاسم المفرد المبني لا يُنَوَّن في التعريف، ولكنهما أخلصاه لكل واحد منهما، يريد المتكلم والمخاطب.
****