قال أبو علي: يريد أنها ليست كَمنْ، فإن (مَنْ) إذا وُصلت كان لفظ الواحد والاثنين والجميع كلفظ الواحد، تقول إذا رأيت رجلًا، أو رأيت رجلين: مَنْ يا فتى؟، وليست (أيّ) كذلك، لأنها في الوصل مثلها في الوقف.
قال: وإذا قال: رأيتُ امرأةً، قلت: أيّة يا فتى؟، وإنْ تَكَلَّم به مرفوعًا رفعتَ، لأنّك إنّما تستفهم عَمّا وضع المُتَكلم عليه كلامَه.
قال أبو العباس: إن شئت تركت الحكاية في باب (أيّ)، فرفعتَ واستأنفتَ على الابتداء والخبر، فقُلْتَ: (أيّ ياهذا)، لأنك إذا أظْهَرْتَ الخبرَ لكان تكون (أيّ مَنْ ذكرت)، (وأيّ هؤلاء).
قال: قلت: فإذا قال: رأيتُ عبدَ الله أو مررتُ بعبد الله، قال: يقول: مَنْ عبدُ اللهِ؟ وأيُّ عبدُ اللهِ؟ لا يكون إذا جئتَ بأيّ إلا الرّفْعُ.
قال أبو علي: هذا الموضع مما يخالف فيه (أيّ) (مَنْ)، وذلك أن الاسم العَلَم بعد (مَنْ) على ضَرْبَيْن: على الحكاية وعلى خبر المبتدأ، وليس في العَلَم بعد (أيّ) إلا الرفع، لا يجوز إذا قال: (رأيتُ زيدًا) أن تقول: أيُّ زيدًا؟ كما يجوز بعد (مَنْ)، (مَنْ زيدٌ، ومَنْ زيدًا)، وإنما
[ ٢ / ١١١ ]
قبح الحكاية بعد (أيّ) لظهور الإعراب فيه وامتناعه من الظهور في (مَنْ).
قال: اعلم أنّك تُثَنّي (مَنْ) إذا قلت: رأيتُ رجلين كما تُثَنّي (أيّا)، وذلك قولك: رأيتُ رجلين، فتقول: مَنَيْنِ كما تقول: أيَّيْن، وأتاني رجلان فتقول: مَنانِ؟
قال أبو بكر: هذا كله موقوف.
قال أبو علي: وإنما كان موقوفًا لأنه لا يحرك إلا في الوصل، وإذا وصل وجب أن تسقط هذه العلامات، وإفراد مَنْ جواب المثنى والمجموع في الوصل.
قال: فإن قال: رأيتُ امرأتين، قلت: مَنَتَيْن، كما قالوا: أيَّتين إلاَّ أنَّ النُّونَ مَجزومةٌ.
قال أبو العباس: تسكّن النون في (مَنْتَيْن) كما كانت مسكنة في (مَنْ)، وإنما حركت في قولك: مَنَة؟ لأن تاء التأنيث لا يكون ما قبلها إلا متحركًا.
قال أبو العباس: حركت النون من (مَنِي)، وثنّوا لأن حرف اللين إذا كان ساكنًا لم يكن ما قبله إلا متحركًا.
[ ٢ / ١١٢ ]
وقال أبو إسحاق: إنما أثبتت الزيادة في الوقف في (مَنُوا)، ليعلم المخاطب أنك تَسلُه عن الذي خاطبك به لا عن غيره.
قال: وأمّا (مَنْ) فَلا يُنَوَّنُ في الصِّلة، فجاء في الوَقفِ مُخالفًا أي مخالفًا لأيّ، لأنه قيل فيه: (مَنا، ومَنُوا)، ولم يقل مثل ذلك في (أيّ).
قال: وأمّا يونس فكان يَقيسُ (مَنَهْ) على أيّة، فيقول: (مَنَةٌ، ومَنَةً) في الوصل إذا قال: يا فتى، وكذلك ينبغي له أن يقول إذا آثَرَ ألاَّ يُغيّرها في الصلة، وهذا بعيدٌ، وإنّما يجوز ذا على قول شاعر قاله مَرَّةً لم يُسْمَعْ بعدُ، قال:
أتَوْا ناري فَقُلْتُ مَنُونَ أنتم؟
[ ٢ / ١١٣ ]
قال أبو علي: من أنّث فقال في الوصل (مَنَةٌ يا فَتى؟) لزمه أن يجمع للجميع فيقول: مَنُونَ، كما قال الشاعر.
قال أبو علي: (مَنُونَ أنتم) عندي مثل قول الشاعر:
سَبْسَبًا وكَلْكَلا
أجراه في الوصل للضرورة مجراه في الوقف.
[ ٢ / ١١٤ ]
قال: وزَعَم يونس أنّه سمع أعرابيًا مَرّة يقول: (مَنُوا) في الوقف، ولكنْ يجعله كأيّ (ضَرَب مَن مَنًا) وهذا بعيد لا يتكلّمُ به.
قال أبو علي: وينبغي ألا يقول (مَنُو) في الوقف، ولكن يجعله (كأيّ)، أي فيقول: (مَنْ) في الوقف كما يقول (أيّ).
قال أبو علي: من قال: مَنُونَ أنتم، وضرب مَنٌ مَنًا، لزمه أن يقول في الوقف في جواب هذا رجلٌ ومررتُ برجلٍ: مَنْ؟ فلا يلحقه الواو ولا الياء في الوقف، ولا يقول: مَنُو وَمَني، وتلحقه في النصب ألفًا فتقول: مَنَا، كما تقول: أيّا.
قال: وإذا قال: رأيت امرأةً ورجلًا، فبدأت في المسألة بالمؤنّث قلت: (مَنْ وَمَنا)، لأنك تقول: مَنْ يا فتى في الصِّلة.
[ ٢ / ١١٥ ]
قال أبو علي: علامة التأنيث والتثنية والجمع تلحق (مَنْ) في الوقف دون الوصل في اللغة الشائعة، وإذا ذكر رجل وامرأة فبدأت بالمسألة عن المرأة قلت: (مَنْ ومَنا)، فأسقطت علامة التأنيث من قولك: (مَنْ) لوصلك بالمرأة بقولك (ومَنا)، فأثبت الألف لما وقفت عليه، ولو بدأت بالسؤال عن الرجل، لأسقطت الألف من (مَنا)، كما أسقطت علامة التأنيث من (مَنَهْ) للوصل فقلت: (مَنْ ومَنَهْ).
****