قال: ولكن (إضمار) المجرور علاماتُه كعلاماتِ المنصوب التي لا تقع مَوْقِعَهُنَّ (إيّا) إلا أنْ تُضيفَ إلى نفسِك نَحو: بِي، وعندي.
قال أبو العباس: هذا استثناء منقطع يعني بقوله: إلا أن تضيف إلى نفسك الضمير الذي لا ينفصل، فإذا لم ينفصل الضمير استوى فيه المجرور والمنصوب.
قال: كما لم يستحكم في (عجبت من ضربي إياك). ولا (في) كان إيّاهُ.
قال أبو علي: إنما كان الأحسن أن يقال: كان إيّاهُ، لأنّ (كان) داخل على المبتدأ وخبره. فالكناية عن اسمها وخبرها يجب أن تكون كالكناية عن المبتدأ وخبره، فكما أن كناية خبر المبتدأ منفصل، فكذلك يجب أن تكون كناية (كان) منفصلًا، ومَنْ وَصَلَه فلأنَّ (كان) كالفعل.
قال: وذلك قولك: حَسِبْتُنِي. وكذلك ما أشْبَهَ هذه الأفعالَ تكون حالُ علامةِ المُضْمَرين المنصوبين فيها إذا جَعَلْتَ فاعلِيهم أنفُسَهُمْ كحالِها إذا كان الفاعلُ غيرَ المنصوب.
[ ٢ / ٨٦ ]
قال أبو علي: يقول: يتصل الضمير في هذا الباب إذا كان الفاعل هو المفعول، كما يتصل إذا كان الفاعل أجنبيًا غير المفعول، تقول: (ظَنَنْتُني منطلقًا)، فتَصِلُ الضمير بالفعل كما تصله به إذا قلت: (ظَنَنْتَني).
قال: في قَطْنِي ومِنّي، فلم يكن لهم بُدٌّ مِنْ أن يجيئوا بحرفٍ لياء الإضافة مُتَحرّكٍ.
قال أبو العباس: النون التي في علامة المتكلم مثل قولك: (ضَرَبَني)، إنما جاءوا بها لأنها قد تكون زائدة في أواخر الأسماء وعَلَمًا لانصرافها ولما أرادوا أن يزيدوا حرفًا زادوا ما يزاد في غير هذا الموضع وكان أولى من غيره.
قال أبو علي: إنما قال: إن (قَطّ)، (ومِنْ) لو حرك الآخر منهما لأشبه (يَدًا وهَنًا)، لأن (يَدًا وهَنًا) على حرفين لنقصانهما، كما أن (قَطّ ومِنْ) على حرفين.
[ ٢ / ٨٧ ]
قال: في (مَعَ وَلَدُ)، فقد صار كأواخر هذه الأسماء، فَمِنْ ثَمَّ لَمْ يجعلوها بمنزلتها.
يقول: لم يجعلوا المتحرك الآخر مثل المسكّن الآخر في اختلاف النون له، إنما فعل ذلك بالمُسكّن، ألا تراهم قالوا: معي لَمّا كانت العين متحركة.
قال: لَمْ تُحَرّكْ واحدةٌ منهما لياء الإضافة، ويكون التحريكُ لازمًا لياء الإضافة.
قال أبو علي: معناه، ولا يكون التحريك لازمًا لياء الإضافة.
قال: ولو أضَفْتَ إلى الياء الكافَ التي تَجُرُّ بها لَقُلْتَ: (ما أنتَ كِي)، لأنّها مُتحركةٌ، كما أنَّ أواخرَ الأسماء مُتحرّكةٌ، وهي تجُرّ كما أنّ الاسْمَ يَجُرُّ.
قال أبو علي: يقول: لا تختلف النون لأنها متحركة كما أن العين من (مَعَ) متحركة، ولو قلت: (كَيْ) لكان خطأ لأن ياء الإضافة تكسر المتحركات قبلها ولا تفتحها.
[ ٢ / ٨٨ ]
قال أبو بكر: إنما جاز (أنتَ كِيْ) وكان الاسم على حرف واحد لأنه متصل بما بعده فأشبه الكاف في قولك: (ضربتُكَ).
وقوله: لأنّها تَجُرّ كما أن الأسماء تَجُرّ.
أي: يقال: ككما يُؤثفين فتكون مجرورة، ومثْل كَعَصْفٍ.
قال: وذلك لَوْلاكَ ولوْلايَ.
قال أبو علي: أبو العباس يذهب إلى أنه غلط، ويقول: أنّ الشعر الذي فيه (لولاي) ليس بالفصيح، وكذلك قول الآخر:
لولاك هذا العامَ لَمْ أحْجُجِ
[ ٢ / ٨٩ ]
قال: وإذا تأملت هذه الجيمية وجدت فيها غير لحن.
قال: وحكى لي أن أبا عمر اجتهد في طلب مثل هذا في شعر فصيح أو كلام منثور عن العرب فلم يجده.
قال: فهذان الحرفان لهما في الإضمار هذه الحالُ كما كان (للَدُنْ) حالٌ مع (غُدْوَةَ).
[ ٢ / ٩٠ ]
قال أبو علي: يعني (لولا وعسى)، فإن المظهؤ بعد كل واحد منهما مرفوع والمضمر بخلافه.
قال: أمّا ما يَقْبُحُ أن يَشْرِكَهُ المظهرُ فهو المضمر في الفعل المرفوع () وزعم الخليلُ أنّ هذا إنّما يقبح من قبل أنّ هذا الإضمار يُبْنى عليه الفعل.
قال أبو علي: قوله: ينبى عليه الفعل أن يُصاغ معه حتى يختلط زائدًا ويبلغ من التباس هذا الضمير بالفعل أن إعراب الفعل قد يجيء فيه بعد المضمر الفاعل، نحو يضربان، والإعراب في المعرب إنما يكون بعد تمامه متصلًا، لا فاصل بين الإعراب والمعرب.
قال: واسْتَقْبَحوا أن يَشْرِكَ المُظْهَرُ مُضْمَرًا يُغَيّر الفعلَ فيه عن حاله إذ بَعُدَ شَبَهُه منه
أي بَعُدَ شبه الفعل من الاسم.
قال: وإنّما حَسُنَتْ شَرِكَةُ المنصوب – أي شركة الظاهرِ المنصوبَ
-
[ ٢ / ٩١ ]
لأنه لا يُغَيِّرُ الفعلَ فيه عن حاله.
قيل ما في أنه يغير له الفعل بما يوجب امتناع عطف الظاهر المرفوع عليه.
قلت: لأن هذا المضمر يسلب الفعل حركة لازمة إذا ضم إليه، فتصير علامة الضمير كأنه بعض حروف الفعل، ولا يعطف اسم على فعل، هذا فيما له علامة ظاهرة في اللفظ، فأما ما لا علامة له في اللفظ مثل اضْرِبْ وضَرَبَ فهو أبعد من يعطف عليه.
قال في التّاء في فَعَلْتُ ونحوه: حتى صار كأنه شيءٌ في كلمة لا يفارقُها كألف (أعْطَيْتُ).
قال أبو علي: إنما شبهه بألف (أعْطَيْتُ) لأنها ليست من أصل الكلمة وهي ملازمة لها، كما أن التاء ليست من أصل الكلمة وهي ملازمة لها.
[ ٢ / ٩٢ ]