قال: في قول الخليل في (لَنْ): إنّها (لا أنْ)، كما قالوا: (ويْلِمِّهِ)، وكما قالوا يَوْمَئذٍ.
قال أبو علي: أصل وَيْلِمّه: ويلٌ لأمّه، فحذفت اللام من (ويل) والهمزة من (أمه)، والدليل على أن اللام المحذوفة هي لام (وَيل)، كسرهم اللام الباقية، ولو كانت اللام المحذوفة لام الإضافة، لوجب أن تكون اللام الباقية مضمومة.
وأصل (إذْ) أن تضاف إلى جملة من فعل وفاعل أو مبتدأ وخبر، وقد تحذف منها الجملة التي تضاف إليها، فإذا حذفت الجملة منها عوض منها التنوين، وإذا عوض التنوين التقى ساكنان الذال والتنوين وإذا
[ ٢ / ١٢٦ ]
اجتمعا وجب أن يكسر الأول، فإذا كسر صار (يَومئذ). فأما قولهم: (إذْ ذاك) فإشارة إلى حديث ماض، ويجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوفًا، كأنه قال: (يَومَ إذ ذاك كائنٌ) أو واقع ونحو هذا.
قال: ولو كانت على ما يقول الخليلُ لما قلت: أمّا زيدٌ فَلَنْ أضْرِبَ لأنَّ هذا اسمٌ والفعلُ صلةٌ.
قال أبو علي: لو كان (لَنْ) على ما يقول الخليل إنما هو (لا أنْ)، لما جاز أن تقول: (زيدًا أن أضربَ)، فتنصب (زيدًا) بأضربُ، لأنه في صلة (أنْ)، وما يعمل فيه الصلة لا يجوز أن يتقدم عليها، كما أن نفس الصلة لا يجوز أن تتقدم على الموصول، وإذا لم يجز أن يتقدم العامل لم يجز أن يتقدم المعمول والعامل نفس الصلة، والمعمول زيد.
قال: وصارت بدلًا من اللفظ بأنْ، كما كانت ألف الاستفهام بدلًا من واو القسم.
قال أبو علي: لأن اللام وأنْ لم يجتمعا كما لم تجتمع (يا) مع اللهم والفعل مع إيّاك وزيدًا ونحو ذلك.
[ ٢ / ١٢٧ ]
قال: لم يذكروا إلا أحد الحرفين إذ كان نفيًا لما معه حرف لم يعمل فيه شيءٌ ليُضارِعَه، يعني يَفْعَلُ والحرف الذي معه السِّينُ لم يعمل فيه شيئًا، أي في يَفْعَلُ.
قال أبوعلي: ليضارعه، أي ليضارع النّفيُ الإيجابَ، لأنّ في إيجاب (ما كان لِيَفْعَلُ) حرفًا في الفعل لم يعمل فيه وهو السّين وسوف، وكذلك نفي حرف لم يعمل في الفعل، وهو اللام في ليَفْعَل، ألا ترى أن هذه اللام لم تعمل في الفعل، كما أن السين في سَيَفْعَلُ لم تعمل في (يَفْعَلُ)، فهذا هو المضارعة بين الإيجاب والنفي.
قال: في إضمار الجازم: وقد أضمره الشاعرُ، شَبَّهَهٌ بإضمار (رُبَّ) وواو القسم في كلام بعضهم.
قال أبو علي: (ربّ) لم تضمر، وقولهم: (وبَلَدٍ)،
[ ٢ / ١٢٨ ]
(ودَوِّيّةٍ)، الواو فيه عوض من (ربّ)، إلا أن من قال: (اللهِ) قد أضمر الخافض لا محالة وإذا جاء إضمار الخافض في بعض الصور لم يلزم إضمار الجازم وإن كان (الجازم) في الفعل نظير الجار في الاسم، لأن ما يعمل في الفعل أقل مما يعمل في الاسم.
قال: الموجب للرفع في هذه الأفعال وقوعها موقع الاسم مجرورًا كان الاسم أو مرفوعًا أو منصوبًا، وإنما لم تعرب في هذه المواضع بإعراب ما قبلها من الأسماء، لأن عوامل الأسماء لا تعمل في الأفعال.
قال: وَمِنْ ذلك أيضًا: هَلاَّ يقول ذاك زيدٌ، (فيقولُ) في موضعِ ابْتِداءٍ، (وهَلاَّ) لا يعمل في اسم ولا فعل.
قال أبو علي: (هلاّ) من الحروف التي يقع الفعل بعدها، فإذا وقع بعدها اسم نحو (هلاّ زيدٌ يقول ذاك)، ارتفع (زيدٌ) بفعل مضمر
[ ٢ / ١٢٩ ]
يفسر (يَقولُ)، فيقول القائل: كيف ارتفع الفعل بعده، لوقوعه موقع الاسم، والاسم ليس بعده؟!.
والجواب: إنه وإن كان سبيل وقوع الاسم فيه ما ذكرنا، فإن الحرف غير عامل في فعل ولا اسم، وما لم يختص بالعمل في واحد منهما من الحروف لم يمتنع وقوع الاسم والفعل جميعًا بعده، وإن صار بعض الحروف مع أحد الضربين من الاسم أو الفعل بعده أكثر.
قال: ومِنْ ذلك أيضًا: كِدْتُ أفْعَلُ ذاك، وكَرِبَ يَفْرَغُ.
قال أبو علي: التقدير في (أفْعَلُ)، الواقع بعد (كدْتُ) إنه في موضع اسم منصوب، كما أنه في (كُنْتُ) في موضع اسم منصوب، فالموضع موضع اسم في المعنى، وإن لم يقع الاسم فيه في الاستعمال، ولو وقع اسم فيه لم يكن إلا منصوبًا كما انتصب أبؤسًا في:
عسى الغُوَيْرُ أبُؤْسًا.
[ ٢ / ١٣٠ ]
(وكِدْتُ) ونحو مما يقع بعده الفعل أكثر، كما أن (هَلاّ) كذلك.
قال: كأنّك قلت: كدْتُ فاعِلًا، ووَضَعْتَ (أفْعَلُ) مَوْضِعَ فاعِلٍ، ونظيرُ هذا في العربية كثير، وستراه إن شاء الله تعالى، ألا ترى أنك تقول: بَلَغَني أنَّ زيدًا جاء، (فأنَّ زيدًا جاء) اسمٌ وتقول في التَّعَجُّبِ: ما أحْسَنَ زيدًا.
قال أبو علي: هذه مواضع قد استغني فيها بشيء عن شيء وأقيم فيها شيء مقام شيء، ولم يستعمل الشيء الذي استغني عنه استعمال المُستغنى به، ألا ترى أن (أنّ) في قولك: (لَوْ أنَّ زيدًا جاء)، بمنزلة (لَمْ يَجِيءْ زيدٌ)، وقائم مقامه؟ ولم يستعمل (لم يجيء زيدًا؟)، كما أن (أفْعَلُ) في (كِدْتُ أفْعَلُ) واقع موقع فاعل وإن لم يستعمل الفاعل هناك استغناء عنه بيفعل؟. (وأحْسَنَ) في (ما أحسن زيدًا) فعل واقع موقعه الاسم، ولم يستعمل الاسم هنا، ألا ترى أنه لا يقال في التعجب: (ما مُحْسِنٌ زيدًا) فالدليل على أن (أحْسَنَ) فعل وقع موقعًا يجوز أن يقع فيه الاسم أنه في موضع خبر اسم مبتدأ وهو (ما)، وخبر المبتدأ قد يقع اسمًا ويقع فعلًا، ولم يستعمل في التعجب إلا الفعل، كما أن (يَفْعَلُ) في قولك: (كاد يَفْعَلُ)، واقع موقع فاعل، ولم يقع فاعل موقعه.
[ ٢ / ١٣١ ]
قال: ومنه جعل يقول ذاك.
قال أبو علي: أي من نظائر (كاد) قولك: قد جَعَلَ يقول، ويقول واقع موقع اسم، ولم يستعمل الاسم فيه، كأن التقدير: (جعل زيدٌ قائلًا)، ولكنه لا يقع قائلًا بعد (جَعَلَ)، كما لم يقع الاسم بعد (هلاَّ)، ومثل (كادَ تقولُ): (طَفِقَ يقولُ)، في أن لا يستعمل بعدها الاسم.
قال: فَلَمَّا كان المعنى فيهن هذا، تركوا الأسماء لئلا يكون ما هذا معناه كغيره.
أي: لئلا يكون ما معناه (أن يَفْعَلَ)، كما معناه غير ذلك.
قال: فَمِنْ ثَمَّ مُنِعَ الأسماء.
أي من الأسماء من الوقوع بعدها.
أنشد:
ارْدُدْ حمارَك لا تُنْزَعْ سَوِيَّتُهُ إذن يُرَدُّ
[ ٢ / ١٣٢ ]
قال أبو بكر: كأنه أجاب من قال: لا أفعل ذاك، أي لا أرْدُدْ حماري فقال: إذن يُرَدّ.
قال: ولو قلت: (والله إذنْ أفعَلَ)، تريد أن تخبر أنك فاعلٌ، لم يجز كما لا يجوز واللهِ أذهب﴾ إذن ﴿إذا أخبرت أنك فاعلٌ، فَقَبُحَ هذا، يَدُلُّك على أنّ الكلام معتمد على اليمين.
قال أبو علي: قُبْح جواز الإيجاب هنا يدل على أنّ النصب لا يكون في الفعل (بإذنْ)، وأنه معتمد على التمييز، ويراد به النفي إذْ كان للإيجاب لا يكون هنا.
قال أبو علي: إنما حذفت (لا) من قولك: واللهِ أفْعَلُ ونحوه في هذا الموضع، لأن النفي فيه لا يلتبس بالإيجاب، لأنه لو كان الفعل موجبًا باليمين للزمه اللام والنون، فتقول: لَأفْعَلَنَّ واللام وحدها في لغة ليست بالأكثر حكاها سيبويه.
[ ٢ / ١٣٣ ]
قال: فإذا لم يلزمه ذلك عُلِمَ أنّه نفيٌ.
وأنشد:
لَئِنْ عادَ لي عبدُ العزيز بمثلِها وأمْكَنَني منها إذن لا أقيلُها
قال أبو علي: لم يعمل (إذَنْ) في (لا أقيلها)، لأنّ الفعل معتمد على اليمين كأنه قال: واللهِ لئنْ عاد لي وأمكنني لا أقيلُها، فلا أقيلُها معتمد على اليمين.
قال: وإن شئْتَ رَفَعْتَ على قول مَنْ ألغى.
أي على قول من ألغى إذا جعلها بين الواو والفعل أو الفاء والفعل كقوله ﷿ "وإذن لا يؤتون الناس نقيرًا".
قال: فَلَمّا قَبُحَ ذلك جُعِلَتْ بمنزلة هَلْ وكأنَّما وأشباههما.
[ ٢ / ١٣٤ ]
أي في أنه لم يعمل، كما أنّ (هَلْ) (وكأنما) لا يعملان، وذلك لَمّا فَصَل بين (إذَنْ) والفعل بالاسم.
قال في (إذَنْ): لو كان بمنزلة اللام (و) حتى لأضْمَرْتَها.
يعني أن إذا قلت: عبدُ الله إذَنْ يَأتِيَكَ، فكان ينبغي له أن ينصب (إذَنْ يَأتِيَكَ)، لأن المعنى واحد.
يريد: (إذن يأتيَكَ) من قولك: عبدُ الله إذَنْ يأتيَكَ.
يقول: لو كان النصب بعدها بإضمار (أنْ)، لكنت تنصب بها إذا كان ما بعدها معتمدًا على ما قبلها كما تنصب إذا لم يكن ما بعدها معتدًا إلا عليها نحو: (إذَنْ يَأتِيَكَ) في الجواب.
****