قال: ومِمّا يُجازَى به من الظُّروفِ: أيُّ حين.
قال أبو علي: (أي) اسمٌ ممّا تُضيفُه إليه إنْ ظرفًا فظرفٌ، وإنْ اسمًا فاسمٌ.
قال: وإنّما مَنَعَ (حيثُ) أنْ يُجازى بها أنَّك تقول:
قال أبو علي: (حيثُ) ظرفٌ من المكان شُبِّهَ (بحين) مِنْ ظرفِ الزَّمانِ فأضِيفَ إلى الجُمَل كما أضيفَ (حين).
(وإذْ) ظرفٌ من الزَّمان، يُضاف إلى الجُمل، وكل واحد من "حيثُ وإذْ وإذا" أضيفَ إلى الجُمل صار موضعُ الجملة جَرًّا بالإضافة فإذا وقع الفعل بعدهما وقع في موضع اسمٍ مجرور، والفعلُ متى وقع موقع اسمٍ لم يجز فيه إلا الرفعُ.
فلو جُوزِيَ بحيثُ وإذْ، ولم يضُمَّ إليهما (ما) لم تجز المجازاةُ بهما لأنّك إذا جازيت جزمْتَ، وهذا موضعٌ لا يكون فيه الفعلُ إلا مرتفعًا، لوقوعه موقع الاسمِ، فلمّا امْتَنَعَتْ المجازاةُ بهما لما ذكرنا، ضُمَّ
[ ٢ / ١٧١ ]
إليهما (ما) الكافَّةُ فمنعتهما الإضافةَ، كما أنَّك ضَمَمْتَها إلى سائرِ الحروف، والأسماء الجارّة فكفَفْتَها عن الإضافة كقوه: (بعْدَ ما أفْنانُ رأسِك)، وكقوله ﷿: وقول الشاعر:
وإنّا لمِمّا نَضْربُ الكَبْشَ
قال: وأمّا قولُ النّحويين: يُجازى بكُلِّ شيءٍ يُسْتَفْهَمُ به، فلا يستقيمُ، مِن قبل أنّك تُجازي بإنْ وبحَيْثُما وإذْ ما.
قال أبو علي: يُريد قولَ النّحويين لا يُجازى إلاّ بما يُسْتفهَمُ به لا يستقيمُ.
[ ٢ / ١٧٢ ]
قال أبو إسحاق: وأبو العباس ردّ على سيبويه هذا، وَوَهِمَ عليه فيما أراد به.
قال: ليس الفعلُ في الجزاء بصِلَةٍ لما قبلَه، كما ليس في الاستفهام بصلة لما قبله.
قال أبو علي: الدليلُ على أنّ الفعلَ في كلا الموضعين ليس بصلة لما قبله لأنّك تقول: مَنْ يَقْدُمُ، وما يأتيني، فيكونُ الكلامُ في كِلا الموضعين تاما مستغنى عليه، ولو كانا صِلتين لِما قبلهما لم يَتِمّ الكلامُ، كما أنّك إذا قلتَ: مَنْ يقومُ، فجعلت (مَنْ) (كالذي) لَمْ يَتمّ الكلامُ، فلو كان الفعلُ في المجازاة صلةً لما قبلَه، لم يتمّ الكلامُ في قولك: مَنْ يأتِني آتِه، كما لا يَتِمُّ في قولك: الذي إنْ يأتِني آتِه حتّى يقول مَنْ يقومُ حَسَنٌ، أوْ في الدّار وما أشبه ذلك، وكذلك لو كان الفعلُ في المجازاة صلةً لما قبله لم يتمّ الكلامُ في قولك: مَنْ يأتني آته، كما لا يتم في قولك: الذي يأتني آتِه حتى يقولَ حسنٌ أو منطلقٌ وما أشبه ذلك من الأخبار.
قال: وسألت الخليل عن (مهما) فقال: هي (ما) أدخلت عليها
[ ٢ / ١٧٣ ]
(ما) لغوا بمنزلة (ما) مع (متى) إذا قلت: متى ما تأتني آتك.
قال أبو علي: لَمّا اسْتُعْمِلَ (ما) في الجزاء كما اسْتُعْمل في الاستفهام فجُوزِيَ به، كما استُفْهِمَ به ضُمَّ إليها في الجزاء، كما ضُمَّ إلى (أيّ) في قوله ﷿ "أيا ما تدعو" إلاّ أنَّ (ما) لَمَّا ضُمَّ إليها (ما) الزائدةُ قُلِبَتْ ألفُها هاءً لتقارُب المخرجين، وكراهة اجتماع اللفظين.
قال: وسألت الخليل عن قوله: كيف تصنعْ أصنعْ، فقال: هي مُسْتكرَهةٌ، وليست من حروف الجزاء ومَخرجُها على الجزاء لأنَّ معناها: على أيِّ حالٍ تكنْ أكنْ.
قال أبو العباس: إنّما جُوزِيَ مِنْ حروف الاستفهام بما كان منه يَقَعُ على المعرفة والنكرة، نحو: إنْ يأتِني زيدٌ أعْطِهِ، وإنْ يأتني رجلٌ أعطِه، وأمّا (كيفَ) فحقُّ جوابها النَّكرة تقول: كيف زيدٌ؟ فيُقال: صالحٌ، ولا يقال: الصّالحُ، وكذلك (كم)، لم يُجازَ بها، لأنّ جوابَها
[ ٢ / ١٧٤ ]
لا يكون إلا نكرةً.
قال: وسألته عن "إذا) ما مَنَعَهم أن يُجازوا بها، فقال: الفعل في إذا بمنزلته في إذْ؛ إذا قلت: أتذكّرُ إذْ تقول؟.
قال أبو علي: ما بعد إذا مُعَيّن معلومٌ، وما بعد الحروف التي جُزِمَ بها في المجازاة ليس بمُعَيّن ولا كائنٍ لا محالة كقوله تعالى "إذا السماء انشقت" و"إذا السماء انفطرت" وأيضًا فإنَّ الذي منع من المجازاة بإذا أنّه يُضافُ إلى الجُمل التي هي من الفعل والفاعل كقولك: إذا يقوم زيدٌ، فالجملة بعده في موضع جرّ بالإضافة، فالفعل إذنْ بعدَه في موضع اسمٍ فلا يجوز أن يُجزَمَ، كما لا يجوز أن يُجزم بعد (حيثُ وإذْ) حتّى تُكفّا بما عن الإضافة؛ فلمْ يُجازَ به في الكلام لذلك، وكان قياسُ الشاعر إذا اضطُرَّ فجازى به أن يكفّهُ عن الإضافة كما كَفَّ (حيثُ وإذْ) إذا جوزي بهما عنها، إلا أنَّ الشاعر إذا
[ ٢ / ١٧٥ ]
ارتكب الضرورةَ استجار كثيرًا بما لا يجوز في الكلام على نحو ما مضى في أوّل الكتاب.
قال: والفعل في (إذا) بمنزلته في الحين، كأنّك قلت: الحينُ الذي تأتيني فيه آتيك فيه.
قال أبو علي: يريد أنّ (إذا) إذا ﴿أضيف﴾ اختصّ كما أنّ الحينَ إذا أضيف اختصّ، وإذا اختصّ بَعُدَ من المجازاة.
قال أبو علي: قوله:
فنُضارِبِ.
[ ٢ / ١٧٦ ]
مُنجزمٌ لعطفه على فعلٍ في موضع جزمٍ وهو قوله: (كان)، لأنه جواب الشّرط الذي هو يَضربْ وبانجزام (نُضارِب) أسنِدَ للنّا على أنه جازى بإذا.
قال: وسألت الخليل عن قوله ﷿: "وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون"، فقال: هذا مُعَلّقٌ بالكلام الأول كما كانت الفاء معلقة بالكلام ﴿الأول﴾ وهذا ها هنا في موضع ﴿قنطوا﴾ كما كان الجوابُ بالفاء في موضع الفعل.
قال: ونظيره "سواءٌ عليكم أدعوتموهم أم أنتم
[ ٢ / ١٧٧ ]
صامتون" بمنزلة أمْ صَمَتُّمْ.
قال أبو علي: لَمّا كان (إذا) مثل الفاء في أنّها تُتْبع الثاني الأول كما يُتبع الفاءُ، وأنها تدخل على جملة من مبتدأ وخبر، كما أن الفاء كذلك لم يُحتجْ مع (إذا) إلى الفاء.
قال: ومِمّا يجعلها بمنزلة الفاء أنها لا تجيءُ مُبتدأة كما أن الفاء لا تجيءُ مبتدأة.
قال أبو علي: قوله: ومما يجعلها أي مما يجعل (إذا) هذه بمنزلة الفاء أنها لا تجيء مبتدأة، كما أن الفاء لا تجيء مبتدأة، وإنما تجيء بعد كلامٍ كقولك: (خرجتُ فإذا زيدٌ)، كما أنّ الفاءَ لا تجيءُ مبتدأة في اللفظ، إنّما يُذكَرُ ما تُتْبَعُ به، فإذا هذه هي التي للمفاجأة، ولو كانت التي هي ظرفٌ من الزّمان لم يُحْتَجْ إلى وقوعها هنا، لأنّ تلك لا يكون بعدها إلا الفعل، والجملة التي هي فعلٌ وفاعلٌ إذا وقعت في جواب الشّرط اتّصل به غيرُ محتاجٍ إلى ما يربطُه بالشّرط، ألا ترى أنَّ الفاءَ إنّما تقعُ في الجزاء إذا كان الجزاءُ جملةً من مبتدأ وخبر، فإذا كان من فعل وفاعلٍ ارتبط بالأوّل، ولم يُحتَجْ في الارتباط به إلى الفاء، وكذلك الجملة الواقعة بعد (إذا) في قوله تعالى: "إذا هم يقنطون" جملة من مبتدأ وخبر، فلَوْ كانت إذا هذه التي هي ظرفٌ من الزّمان لَمْ يَحْتجْ إلى وقوعها هنا، فإن قيل: إنَّ تلك قد يقع المبتدأ بعدها كما يقع بعد التي للمفاجأة قبل الاسم إذا وقع مرتفعًا بعد تلك نحوُ "إذا السماءُ انشقت" لمْ
[ ٢ / ١٧٨ ]
يُقَدَّرْ ارتفاعُه على الابتداء إنّما يُقدَّرُ ارتفاعُه على فعلٍ مُضمرٍ يُفَسِّرُه ما بعدَه، كما أنّك لو قلت في ضرورة الشّعر: لمْ زيدٌ يَقُمْ، وهَلاَّ زيدٌ يقومُ، لم يُقدّر ارتفاعُ (زيد) ونحوه في هذا على الابتداء، لكنّك تُقدّرُ ارتفاعَهُ على فعلٍ مُضْمَرٍ الظّاهِرُ يُفَسِّرُه، وليس الاسم في الّتي للمفاجأة كذلك إنّما يرتفع بالابتداء عند مَنْ يرتفع عنده (في الدّار زيدٌ) بالابتداء، وبالظّرْف عند مَنْ يرتفع عنده (في الدار زيدٌ) بالظّرف، مع أنّ (إذا) التي هي ظرفٌ مِنَ الزمان حكمُها أنْ تقعَ مُبتدأةً لما فيها من معنى الجزاء، وحُكْمُ ما يقعُ جوابًا للشّرْطِ ألاّ يكونَ ممّا يَقعُ مبتدأ، إنّما حكمُهُ أنْ يكونَ تابعًا لشيءٍ كالفاءِ، فبهذا يُسْتَدَلُّ على أنَّ (إذا) هذه هي الَتي للمفاجأة.
قال: وزعم أنّه لا يحسُنُ في الكلام (إن تأتِني لأفعلَنَّ)، منْ قِبَل أنَّ (لأفعلنَّ) تجيءُ مُبتدأةً، ألا ترى أنّ الرجلَ يقولُ: لأفعلنَّ كذا وكذا، فإنْ قُلْتَ: إنْ أتيْتَني لأكرمنّك، وإنْ لم تأتِني لأغُمَّنَكَ جاز لأنّه في معنى لإنْ أتيتني لأكرمنّك، وإن لم تأتني لأغُمّنَّك. فلا بدّ مِنْ هذه اللاّم مُضْمَرَةً، (يعني اللامَ الدّاخلة على هذا الشَّرْط) أو مُظهرة لأنّها لِليمين، كأنّك قُلتَ: والله لإن أتَيتني لأكرمنّك.
قال أبو علي: قولُه: لأنّها لليمين، أي دخَلَتْ مِنْ أجلِ اليمين، لا أنّها هي التي يعتمدُ عليها القَسَمُ، قال تعالى: "وإن لم ينتهوا عمّا
[ ٢ / ١٧٩ ]
يقولون لَيَمَسَّنَّ الذين"، وقال: "لإن لم تنته لأرجُمَنَّك".
قال: فإن قلت: لإن تفعلْ لأفعلَنَّ، قَبُحَ، لأنّ لأفْعلنَّ على أوّل الكلام.
قال أبو علي: يعني قولُه: على أوّل، أي تقديرُه أن يقع قبلُ لأنْ ويكون مبتدأ.
قال: ولا يحْسُنُ (إنْ تأتِني آتِيكَ) مِنْ قِبَلِ أنَّ (إنْ) هي العاملةُ، وقد جاء في الشّعر:
إنَّك إنْ يُصْرَعْ أخوك تُصْرَعُ
قال أبو علي: قوله: (يُصْرَعْ) ليس بجواب للشّرط، لو كان جوابًا له لكان مُنْجزِمًا، وإنّما النّية فيه التّقديمُ، كأنّه قال: إنّك تُصْرَعُ إنْ يُصْرَعْ أخوك تُصْرَعْ، فاجتزأ بقوله: يُصْرَعُ المرفوع عن أن يذكر (يُصْرَعْ) مجزومًا
[ ٢ / ١٨٠ ]
جوابًا للشّرط فأضْمَرَ، كما اجْتزأ بقوله:
والمرءُ عند الرُّشا إنْ يَلْقَها ذِيبُ
عنْ أن يذكرَ لقوله (إنْ يلقَها) جوابًا، فأضمره كما أضمر في البيت الأوّل، وكما أضمر في قوله: "أنت ظالمٌ إنْ فعلت" الجوابَ لتَقديمِ "أنت ظالمٌ" عليه والاجتزاءُ عن الجوابِ به.
****