وذلك قولُك: أإنْ تأتِني آتِك، ولا تكتفي بمَنْ، لأنّها حرفُ جزاءٍ.
قال أبو علي: يقول: لا يُكْتفى بِمَنْ في الجزاءِ عن الألف كما كنت تكتفي بها عن ألف الاستفهام، لأنّها في الجزاء بمنزلة (أنْ)، فكما لا يُكْتفى بأنْ عن الألف، كذلك لا يُكْتفى بِمَنْ إذا كانت بمنزلتها.
قال: وإنّما الألف بمنزلة (الواو والفاء ولا) ونحو ذلك، لا تُغَيّر الكلام عن حاله، وليست (كإذْ وهَلْ).
قال أبوعلي: قولُه: وليست كإذْ، أي أنّ ألفَ الاستفهام ليست كإذْ، فيقبُحُ الجزاءُ بعدَه، كما قَبُحَ عندَه بعد (إذْ)، لأنَّ ألفَ الاستفهام تدخل على الاسم والفعل جميعًا، كما تدخُلُ الواوُ والفاءُ.
قال: ولا يجوزُ ذلك في هلْ وأخواتِها.
قال أبو العباس: لأنَّ هَلْ لاستقبال الاستفهام.
قال: ولَوْ قُلْتَ: هل مررْتَ بزيدٍ؟ كُنتَ مُسْتَأنِفًا، ألا ترى أنَّ الألفَ
[ ٢ / ١٩٤ ]
لَغْوٌ.
قوله: لَغْوٌ، أيْ لمْ تُغَيّرْ ما دخلتْه عمّا كان عليه.
قال: فإن قيل: فإنّ الألفَ لا بُدّ لها مِن أنْ تكون معتمدةً على شيء، فإنّ هذا الكلام (يعني الشّرطَ بجزائِه) مُعتمِدٌ لها، كما يكون صلةً للذي، إذا قلت: (الذي إنْ تأتِه يأتِك زيدٌ)، فهذا كلُّه وَصْلٌ، فإنْ قال: (الذي إنْ تأتِه يأتيكَ زيدٌ)، وجعل يأتيك صِلة الذي (قلتَ: تقديرُه: الذي يأتيك إنْ تأتِه، فيَسْتغني بيأتيك عَنْ جواب إنْ تأتِه وإذا كان كذا، فقَدْ فَصَلَ بين الصّلة والموصول بقوله: إنْ تأتِه، وإنْ كان هذا الفاعِلُ مِنْ سَبَب يأتيك، وفاعِلُ يأتيك الضَّميرُ العائِدُ إلى الذي) لم يجدْ بُدًّا مِنْ أنْ يقول: أنا إنْ تأتني آتِيك، (أي تُقَدّر آتيك مُقَدَّمًا، يعني عن جواب الشّرط المُنجزِم)، لأنَّ (أنا) لا يكون كلامًا حتى يُبنى عليه شيءٌ.
قال: وأمّا يونسُ فيقولُ: إنْ تأتِني آتيك، وهذا قبيحٌ يُكْرَهُ في الجزاء وإنْ كان في الاستفهام.
قال أبو علي: كان في الاستفهام إذا لم يكن معه شرطٌ منجزمٌ حسنًا.
قال أبو علي: كان يونسُ يذهبُ إلى أنّ الاستفهامَ لا يجوزُ أن يعتمدَ إلاّ على ما لمْ يعملْ فيه شيءٌ، وليس يجوزُ أن يعتمد على الاستفهام إلاّ
[ ٢ / ١٩٥ ]
ما لم يعمل فيه شيءٌ، فألزمَه ألاّ يجعل صلة (الذي) خبر المبتدأ إلا ما لم يعمل فيه شيءٌ.
قال: وقال ﷿: "أفإن مِتَّ فهم الخالدون"، لو كان ليس موضعَ جزاءٍ قَبُحَ فيه (إنْ).
قال أبو علي: يُفْسِدُ قولَ يونس أن الجزاء لا يعتمدُ على ألف الاستفهام قول الله ﷿: "أفإن مت فهم الخالدون) فقوله: (إنْ) معتمدٌ على ألف الاستفهام، والفاءُ جوابُ الشّرْط، ولا يجوز أن يقدر بقوله: (فَهُم) التَّقديم، كأنّه (فهم الخالدون إن مِتَّ)، كما قُدِّرَ في إنْ تأتني آتيك: (آتيك إن تأتِني)، لأنّه لو قدّر ﴿في﴾ الآية هذا التقدير لصارت الفاءُ الأولى لغوًا لا معنى لها، وإنّما الفاء الأولى دخل عليها ألفُ الاستفهام كما دخلت على الواو في قوله "أوَ أمِنَ أهلُ القرى" والثانيةُ جوابُ الشّرط، لأنّ الجملةَ التي هي جوابُ الشّرط مِن مُبتدأ وخبر، فهذه الآيةُ ليس يجوزُ فيها أنْ يعتمدَ الاستفهامُ إلا على ما عَمِلَ فيه (إنْ) الجزاء، فهذا يَرُدُّ قولَ يونسَ.
[ ٢ / ١٩٦ ]