أي بالفعل الذي قبل (حتى) في قولك: سِرْتُ حتى أدخُلُها وما انتصب لأنه غايةٌ.
قال أبو علي: إذا بلغ الغاية جاز أن﴾ يتوغلها ﴿وأن يقف عندها.
قال: ومن زعم أنَّ النّصبَ يكون في ذا، أي في (أرى زيدًا سار حتى يدخلُها)، لأنَّ المتكلم ليس بمُتَيَقِّنٍ، فإنَّه يدخلُ عليه (سَارَ زيدٌ حَتَّى
[ ٢ / ١٣٩ ]
يدخُلُها فيما بَلَغني لا أدري).
قال أبو علي: أدخل عليهم هذه المسألة لإجماعهم على رفعها بتيقن فقد بان أن النصب ليس يكون فيما بعد (حتى) من أجل زوال التيقُّن، إذ قد رفعوا ما بعدها حيث لم يتيقنوا.
قال: وتقول: كنتُ سِرْتُ حتّى أدخُلُها إذا لم تجعل الدُّخولَ غايةً.
قال أبو علي: من زعم أن الرفع لا يجوز في كُنْتُ سِرْتُ حتى أدخُلُها، لأن القلب لا يجوز فيه دخل عليه: قد سِرْتُ حتى أدخُلُها، ولزمه أن لا يجيز في الفعل بعد (حتى) في قولك: (سِرْتُ حتى أدخُلُها) إلا النصب، لأن القلب لا يجوز في هذه المسألة بإجماع من العرب ألبتة، لا يجوز: (سِرْتُ حتى أدخُلُها قَدْ) (ولا سِرْتُ حتى أدخُلُها) فقد بان أنَّ القلب في هذا ليس يكون النصب من أجله.
قال: وتقول: قَلَّما سِرْت حتى أدخُلُها، إذا عنيْتَ غيرَ سَيْرٍ، وكذلك أقلُّ ما سِرْتُ حتى أدخُلَها.
قال أبو علي: قوله: قَلَّما سِرْتُ حتّى أدْخُلُها على ضَرْبَيْن:
إن أردت (قلَّما سِرْتُ حتى أدخلُها) سرتُ قليلًا جاز الرفع في
[ ٢ / ١٤٠ ]
الفعل بعد (حتى).
وإن أردت بقلَّما نفي السير أصلًا حتى كأنك قلت: (ما سِرْتُ) لم يجز الرفع أصلًا، كما أنّك إذا قلت: ما سِرْت حَتّى أدخلها لم يجز الرفع في الفعل بعد (حتى).
وأقلُّ ما سِرْتُ بمنزلة قلّما سِرْتُ في النفي، فكما أنه لا يجوز الرفع في الفعل بعد (حتى) في قولك: قلّما سرتُ حتّى أدخلَها كما لم يجز في: ما سِرْتُ حتّى أدخلَها، كذلك لا يجوز الرفع في الفعل بعد حتّى في قولك: أقلُّ ما سِرْتُ حتّى أدخلَها، وإنما لم يجز الرفع في الفعل بعد (حتى) إذا نفيت الفعل الذي قبل (حتى) لأن الفعل الذي بعد (حتى) إذا رفع كان سببه الموجب له الفعل الذي قبله، فإذا بقي الفعل الذي هو السبب لم يكن المتولد عنه، فإذا رفع الفعل بعد (حتى) فهو للحال، ومن أجل ذلك ارتفع، فإذا نفي السبب الكائن عنه لم يكن ولم يتولد، فاستحال أن يرتفع وهو معدوم على الحال، فإذا لم يجز رفعه، لأنه ليس في الحال لنفي السبب صار (حتى) بمعنى إلى في أنه غاية، وانتصب الفعل بعده على إضمار (أنْ)، وصار الفعل المنتصب مع (أنْ) المضمرة الناصبة للفعل في موضع اسم مجرور، وصار (حتى) مع الاسم المجرور بعدها في موضع اسم منصوب.
والدليل على أن (قَلَّما) نفي بمنزلة (ما) النافية نصبك الفعل بعدها بعد الفاء في قولك: قَلَّما سِرْتُ فأدْخُلَها.
فإن قيل: أليس علتُك في بطلان الرفع بعد (حتَّى) إذا نفيت السَّير زوال السبب المؤدي إلى الحال، فهلا أبطلت النصب أيضًا فيه،
[ ٢ / ١٤١ ]
ولم يجز لزوال السبب المؤدي إلى الغاية إذا نفيت؟! قلت: النفي يدخل على الإيجاب، والإيجاب قبله، وإنما أثبت الغاية في النفي من حيث أثبته في الإيجاب ألا ترى أنك إذا قلت: سرتُ إلى البصرة، فقد أثبت غاية فإن نفيت السير أدخلت النفي على الإيجاب المثبت فيه الغاية فقلت: ما سِرت إلى البصرة، فالغاية نَفَيْتَ السَّيْرَ أو أوْجَبْتَهُ ثابِتَةٌ، والحالُ إذا نفيْتَ السببَ الموجبَ لها لم تكنْ.
قال: وتقول: إنّما سِرْتُ حتَّى أدخلَها، إذا كنتَ مُحْتَقِرًا لِسَيْرِكَ الذي أدَّى (إلى) الدخول.
قال أبو العباس: ليس شيء أقرب إلى النفي من القلة، فلذلك أجرى الاحتقار مجرى النفي، فنصب الفعل بعده كما ينصب بعد النفي.
قال: وتقول: كان سَيْرِي أمْس، فإذا أنا أدخُلُها لم يَجُزْ.
قال أبو علي: إذا نصبت الفعل بعد (حتّى) في قولك: كان سيري أمس حتى أدخلَها، كان جيدًا، لأن (حتى أدخلها) خبر كان، وهو في موضع نصب المعنى: كان سيري إلى دخولها وجعلت (أمْسِ) ظرفًا غير مستقر، فإن رفعت الفعل بعد (حتى) على هذا لم يجز، لأنه لا يكون في الكلام لكان خبر، ألا ترى أن قولك: فأدخلها من قولك: كان سَيْري فأدخلُها لا يكون خبرًا لكان، ولو جعلت أمْسِ مستقرًا جاز في قولك: كان سَيْري أمْسِ حتى أدخُلُها الرفع، ولو جعلت (كان) التي بمعنى
[ ٢ / ١٤٢ ]
(وقعَ)، وأمس غير مستقر لجاز الرفع في قولك: حتى أدخلُها، لأن (كان سَيْري) على هذا جملة تامة، كما أن (سِرْتُ) كذلك، فكما جاز الرفع بعد (سِرْتُ)، فكذلك يجوز بعد (كان) التي بمعنى وقع.
قال: واعْلم أنَّ ما بعدَ حَتّى لا يَشْرَكُ الفِعْلَ الذي قبلَ حَتّى في موضعِه كشَرِكَةِ الفعلِ الآخر الأوّل إذا قُلْتَ: لم أجىءْ فأقُلْ ولو كان ذلك لاستحال (كان سيري أمس شديدًا حتى أدْخُلُ) ولكنَّها تجيءُ كما يجيءُ ما بعْدَ إذا وبعدُ حرف الابتداء، وكذلك هي أيضًا بعد الفاء إذا قلتَ: ما أحْسَنَ ما سِرْتُ فأدخُلُها.
قال أبو علي: هي كناية عن قوله (فأدخُلُها).
قال أبو علي: يريد أنَّ حتّى هنا لا تشرك ما بعدها فيما قبلها كما تشرك حروف العطف فيما قبلها.
وقوله: ولو كان كذلك، أي لو أشركتْ كما تشرك حروف العطف فيما قبلها لاستحال رفع (أدْخُلُ) في قولك (كان سيري أمس شديدًا حتى أدخلُ) وإنما كان يستحيل هذا لأنها لو أشركت كما تشرك الواو لما جاز أن يعطف بها الفعل على الاسم، لكنك كنت تضمر أنْ بعدها، ليصير الفعل معها في تأويل الاسم ويصير أنْ والفعل في موضع رفع للعطف على سَيْرِي.
قال: فإن قُلْتَ: كان سَيْري﴾ أمس ﴿حتى أدخلُها تجعل أمْسِ
[ ٢ / ١٤٣ ]
مستقرًا جاز الرّفْعُ، لأنّه استغنى فصار كَسِرْتُ.
قال: لأنَّ سِرْتُ جملة تامّةُ، كما أنَّ قولَه (كان سيري أمسِ) جملة تامة.
قال: واعلم أنَّ الفعلَ إذا كان غيرَ واجبٍ لم يكن إلا النَّصْبُ مِن قبل أنه إذا لم يكن واجبًا رَجَعَتْ حَتّى إلى أنْ وكَيْ.
قوله: (كان سيري أمس) كُلُّه غيرُ واجب، أي إذا كان منفيًّا مثل قولك: ما سِرْتُ حتى أدخلَها.
قال: وتقول: أيُّهم سارَ حتى يدخلُها، لأنَّك قد زعمتَ أنَّه كان سيْرٌ ودخولٌ وإنَّما سألتَ عن الفاعل.
قال أبو علي: كأن قائلًا قال له: لم رفعْتَ الفعل بعد (حتّى) والكلام استفهام غير واجب؟ وقد قلت: إن الفعل بعد (حتى) إنما يرفع إذا كان الكلام واجبًا؟! فقال: الفعل ها هنا موجب غير مُستفهم عنه، وإنما الاستفهام عن فاعل الفعل لا عن الفعل، ألا ترى أنك لو قلت: أيْن الذي سار حتى يدخلُها؟ وقد دخَلَها، لَجازَ أنْ يقَعَ الفعلُ الماضي الواجب مع استفهامك عن الفاعل، لأن الفعل واجب غير مُسْتَفْهم عنه.
وقوله: لَجازَ هذا الذي يكون لِما قد وقَعَ، أي جاز أن يقع
[ ٢ / ١٤٤ ]
الفعل الماضي في هذا الموضع لأن الاستفهام عن الفاعل.
وقوله: لِما قد وَقَعَ صِلَة، ليكون الذي هو صلة (الذي).
وقوله: لأنَّ الفعلَ ثمَّ واقِعٌ، أي في قولك: أيُّهم سارَ حتّى يدخلُها وأين الذي سار حتى يدخلُها، الفعل واقع وإن كان الفاعل مستفهمًا عنه.
قال: وليسَ بمنزلة قَلَّ ما سِرْتُ، إذا كان نافيًا لِكثر ما، ألا ترى أنّه لو قال: قَلَّما سِرْتُ فدخلتُها، وهو يريد أن يجعلها واجبةً أي يجعل قوله (فأدخلُها)، أو (حتى أدخلُها) واجبة، خارجة من معنى (قَلَّما) أي إذا كانت نافية بالجملة لم يستقم إلا أن تقول: قَلَّما سِرْتُ حتى دخلتُ، أي لم أسِرْ ولكنّي دخلْتُ، فإنّما تَرْفعُ بحتى في الواجب.
أي وليس (قَلَّما) إذا كان نفي كثر ما بواجب فترفع بعده، ويكونُ ما بعدها مبتدأ منفصلًا من الأوّل كان مع الأوّل، أي كان المنفصل المرفوع بعد (حتّى) فيما مضى أو الآن.
[ ٢ / ١٤٥ ]
قال: وتقول: أسِرْتَ حتى تدخلَها نصْبٌ لأنّك لم تثبتْ سَيْرًا تَزْعُمُ أنّه قد كان معه دخولٌ وأبو الحسن يجوّز الرّفْعَ لأنّك لو قلت: سِرْتُ فإذا أنت داخلٌ جاز.
قال أبو علي: قد تقدم رد أبي العباس عليه، وإن السبب إذا لم يكن، لم يوجد المتولد عنه.
[ ٢ / ١٤٦ ]