قال أبو علي: الفصل بين قولك: (لا تأتيني فتُحَدِّثُني) إذا أشركته مع الفعل الأول أو حملته على أنه خبر مبتدأ، وبين قولك (ما تأتيني فتُحدّثَني) أنك إذا نصبت فتقدير الكلام جملة واحدة وإذا رَفَعْت فالكلام جملتان، ألا ترى أنك إذا قلت: (ما تأتيني فتحدّثُني) فكأنك قلت: لم يكن إتيان فحديث، وإذا رفعت نفيت كل واحدة من الجملتين على حدة، إلا أن الجملة الثانية إذا جعلتها خبرًا لمبتدأ محذوف كان جملة من مبتدأ وخبر والخبر فعل وفاعل إذا أشركته مع الأول كان جملة من فعل وفاعل.
قال: كما لا يَقَعُ معنى الاستثناء في (لا يكونُ) ونحوِها إلا أنْ تُضْمِرَ.
أي تضمر ما يكون المستثنى خبره، كقولك: أتاني القومُ لا يكونُ زيدًا، أضمرت بعضهم لأن التقدير: لا يكونُ بعضُهم زيدًا.
[ ٢ / ١٥٠ ]
قال: ونَظِيرُ جَعْلِهم لَمْ آتِكَ، ولا آتِيكَ وما أشْبَهَهُ بمنزلة الاسم في النّيَّةِ حتّى كأنّهم قالوا: لَمْ يَكُ إتْيانٌ، إنشادُ بعض العربِ قولَ الفرزدق:
مَشائيم لَيسوا مُصلحين عَشيرةً ولا ناعبٍ إلا بِبَيْنٍ غُرابُها
قال أبو علي: يقول: إنك إذا قلت: ما تأتينا فكأنك قلت: لم يكن إتيانٌ، كما أن الشاعر لَمَّا قال: لَيْسُوا مُصْلِحينَ فكأنه قد قال: ليسوا بمصلحين، ومعنى ليسوا مصلحين كمعنى ليسوا بمصلحين، كما أن معنى (ما تأتيني) معنى لم يكن منك إتيانٌ ولو قال قائل: إن دلالة الفعل على مصدره أقوى في الدلالة من هذا الذي مثَّلَه به، لكان عندي هو القول، ألا ترى أن الفعل يدل على مصدره في مثل قولك: مَنْ كَذَبَ كان شَرا له، "ولا تحْسَبَنَّ الذين يَبْخلون"، والمصدر أيضًا يدل على فعله في مثل سُقْيًا وما أشبهه وفي مثل:
شَلا كما تطْردُ الجَمَّالَة الشُّرُدا
[ ٢ / ١٥١ ]
المصدر ها هنا دل على الفعل فحذف الفعل لدلالة مصدره عليه وقد خطَّأ أبو العباس أبا عُبَيْدةَ فيما أخبرنا أبو بكر عنه في تأوله هذا البيت على أن إذا محذوف الجواب، وفي تأويله إياه في موضع آخر على أن إذا زيدٌ، وقال: كل واحد من تأويل أبي عبيدة مناقض للآخر، والقول ما قلنا من أن المصدر قام مقام الفعل الذي هو جواب إذا، وكأن سيبويه أراد بتمثيله ذلك بهذه الأبيات التي ينشدها في غير هذا الموضع على جهة الغلط أنه إذا جاز مثل هذا مما هو كالغلط، فما يكون فيه الفعل دالًاّ على المصدر أجوز، هذا وجه التشبيه عندي.
قال: في قوله: ما تأتيني فتُحدّثني: فإن تُحَدِّثَ في اللفظ مرفوعةٌ بيَكُنْ، لأنّ المعنى: لم يكنْ إتيانٌ فيكون حديثٌ.
قال أبو علي: يستنبط من قوله: فإنَّ تُحدّث في اللفظ مرفوعة بيكن ما قلناه من أنّك إذا نصبت فتقدير الكلام جملة واحدة على خلاف تقديره إذا رفعت.
قال: فمثل﴾ النصب ﴿قوله ﷿ "لا يُقْضى عليهم فيموتوا" ومثلُ الرَّفْع قولُه تعالى "هذا يوم لا ينطقون، ولا يُؤذَنُ لهم فيعتذرون".
[ ٢ / ١٥٢ ]
قال أبو علي: تأويل هذه الآية: لا ينطقون ولا يعتذرون، كما أن معنى ما تأتينا فتُحَدّثُنا: ما تأتينا وما تحدثُنا، فالثاني منفي كما أن الأول منفي، وقد يُسأل عن هذه الآية فيُقال: كيف جاز لا ينطقون مع يعتذرون وقد نُفي عُذْرُهم، والاعتذار نُطْقٌ؟ فهذا على أحد تأويلي سيبويه لا يلزم هذا السؤال، لأن الاعتذار منفي، كما أن النطق منفي، فالفعل الثاني قد شرك، وهذا السؤال إنما يلزم إذا كان لم يَشْرِكْ الفعلُ الثاني الأول، وجُعل الثاني منقطعًا من الأول، وخبرُ المبتدأ محذوفٌ، كأنه في التقدير: ولا ينطقون، ولا يُؤذن لهم فهم يعتذرون، فالتأويل الأول أسوغ لأن الكلام فيه على وجه لا إضمار فيه.
ولو حملت الآية على الوجه الثاني لكان اعتذارهم ليس بعذر على الحقيقة كَلا نُطْقَ، وصار هذا كقولك: تَكَلَّمْتَ ولم تتكلّمْ إذا لم يأتِ بكلامٍ جَيّد.
وقال في عطف الأفعال المضارعة على فعل الأمر المبني على الوقف: فإذا أردت أنْ تجعل هذه الأفعال أمرًا أدخلت اللام، وذلك قولُك: ائْتِه فَلْيُحَدِّثْكَ وفيُحدّثَكَ إذا أردْتَ المُجازاةَ، ولو جاز الجزمُ في ائْتِني فأحدِّثَكَ ونَحوها لَجاز تحدّثْني تُريدُ به الأمرَ.
[ ٢ / ١٥٣ ]
قال أبو علي: إنما لزم هذا لأنّك إذا قلت: ائتني فأحدّثْكَ فلا جازم في الكلام عطفت عليه (أحدّثْك) وجزمته به، كما أنك إذا قلت: (تُحدِّثُني) مبتدئًا فلا جازم له، فلو جاز جزمه في العطف ولا جازم له لجاز جزمه في الابتداء، وإذا لم يكن له جازم فكما لم يجز في الابتداء جزمه ولا جازم، كذلك لا يجوز في العطف جزمه ولا جازم.
قال: وتقول: ألَسْتَ قد أَتَيْتَنا فتُحدِّثَنا إذا جَعَلْتَه جوابًا، ولم تجعل الحديثَ وقع﴾ إلا ﴿بالإتيان، وإذا أردت فتحدِّثُنا رَفَعْتَ.
قال أبو علي: أي إن أردت بقولك فتُحدّثُنا حَدِّثْنا فوضعْتَ المضارع موضع الماضي رفعْتَ.
قال: وتقول: حَسِبْتُه شَتَمَني فأثِبَ عليه إذا لم يكن الوثوبُ واقعًا.
قال أبوعلي: العمدة في نصب ما بعد الفاء أن يكون ما قبله غير واجب فلذلك جاز حَسِبْتُهُ شَتَمَني فأثِبَ عليه.
قال: وقال ﷿: "فلا تكفر فيتعلمون" فارتفع لأنه لم يُخبر عن المَلكين أنهما قالا: لا تكفر فيتعلمون ليجعلا كُفره
[ ٢ / ١٥٤ ]
سببًا لِتَعَلُّم غيره ولكنّه على كفروا فيتعلمون.
قال: ومثْلُه "كن فيكون" كأنّه قال: إنّما أمرنا ذاك فيكون.
قال أبو علي: يعني (كفروا) من قوله تعالى "ولكنَّ الشياطين كفروا، فيتعلمون منهما"، فقوله: (فيتعلمون منهما) معطوف على (كفروا) وإن كان (كفروا) ماضيًا (ويتعلمون) مضارعًا، لأن (كفروا) وإن كان ماضيًا فهو في موضع فعل مرفوع ولو حمل على الابتداء والقطع على (فلا تكفر فهم يتعلمون) كان حسنًا، ولا يجوز أن يكون جوابًا لتكفرْ، لأنه لو كان كذلك لكان لا تكفر فيتعلمون.
وقال قائل أظنه أبا العباس: (فيتعلمون) معطوف على قوله: يُعلِّمون فيَتَعَلَّمون.
وردّ أبو إسحاق عليه هذا بأنْ زعم أنّه لو كان كذلك لكان فيُعَلِّمون منهم، وأن التثنية بعد فيتعلَّمون دلت على أن يتَعَلَّمون ليس بمعطوف على يُعَلِّمون، إذ لو كان العطف على يُعَلِّمون لكان موضع التثنية جمع.
قال أبو إسحاق: واستحسن أن يكون معطوفًا على يُعَلِّمونَ، كأنه على يُعَلِّمونَ فيتَعَلَّمون منهما.
[ ٢ / ١٥٥ ]
قال: وقد يجوز النَّصْبُ في الواجب في اضطرار الشعر، ونصبُهُ في الاضطرار مِنْ حيثُ انتصبَ في غير الواجب، وذلك أنّك تجعلُ (أن) العاملةَ، فَمِمَّا نُصِبَ في الشّعْرِ اضطرارًا قولُه:
سأترُكُ مَنزلي
قال أبو علي: دلالة المصدر على الفعل في الإيجاب كدلالته عليه في النفي، ألا ترى أنك إذا قلت: أنت تأتيني، فقد دل على (يكون منك إتيانٌ)، كما أنك إذا قلت: (لا تأتيني) فقد دل على (لا يكون منك)، فالإيجاب والنفي وما أشبهه ممّا كان غيرَ واجبٍ هو الذي عليه الاستعمال، ووُجِد كذلك بالاستقراء فَنَصْبُ الفعلِ بإضمار في الفاء بعد الفعل الموجَبِ شاذّ عن الاستعمال مطّرِدٌ في القياس لا يجيءُ إلا في شِعْرٍ.
[ ٢ / ١٥٦ ]
ونَصْبُه في الفاء والواو وما أشبههما من الحروف التي تُضمَرُ (أنْ) بعدها في النّفي مُطّرِدٌ في الاستعمال والقياس جميعًا.
قال: وسألتُه عن "ألم تر أن الله أنزلَ من السماء ماء فتصبحُ الأرض مخضرة"، فقال: هذا واجب وهو تنبيه ليس بنفي فيُحْمَلَ عليه (فتُصبحُ)، ألا ترى أنَّ اخضرارَ الأرض ليس سببُها رؤيَتَكَ؟!.
قال: وإنّما خالف الواجبُ النّفي لأنك تنقُضُ النّفيَ إذا نَصَبْتَ وتُغَيّرُ المعنى، يعني أنّك تنفي الحديثَ وتوجِبُ الإتيانَ، تقول: ما أتيتني قَطُّ فتُحدِّثَني إلا بالشَّرِّ فقد نَقَضْتَ نَفي الإتيان، وزعمْتَ أنّه قد كان.
قال أبو علي: يذكرُ في هذا الموضع أشياء مُختصٌّ بها النّفي ولايكون في الإيجاب، فلا يُستنكر أيضًا أنْ يُنْتَصَبَ الفعلُ بعد الفاء بإضمار (أنْ) في النّفي، ولا يُنْتَصَبُ في الإيجاب.
فقوله: وإنّما خالف الواجبُ النفي لأنك تنقض النفي إذا نصبت.
أي: إنما خالف الواجب النفي في أنْ لم يَحْسُنْ انتصابُ الفعلِ بعد الفاء بإضمارٍ في الواجب، وحَسُنَ انتصابُه في النّفي لأنّك تنقُضُ النفي أي لأنك قد تنقض في النفي معنى النفي حتى يَؤولَ إلى الإيجاب إذا
[ ٢ / ١٥٧ ]
نصبْتَ بعد الفاء.
قوله: ويُغيِّرُ المعنى، معنى أنك تنفي الحديث فتوجب الإتيان، أي بغير النفي المعنى معنى نفيُك الحديثَ، فمعنى نفيُك الحديثَ بَدَلٌ من المعنى والنّفيُ هو المغير للمعنى، والمعنى مفعول به، وفائدةُ هذا الكلام أنّ النفي يُغَيّرُ معنى الكلام، فيصيرُ المنفيُّ موجَبًا، ألا ترى أنّك إذا قلت: ما أتيتني قطُّ فتُحدّثَني إلاّ بالشَّر، فقد نَفَيْتَ الإتيان في اللفظ وأوجَبْتَه في المعنى، لأنَّ المعنى أنّك تأتيه فتُحَدِّثُه بالشَّرِّ.
قال: وتقول: ائتني فأحَدِّثَك، فليس هذا من الأمر الأول في شيءٍ.
قال أبو علي: قولُه: فليس هذا من الأمر الأول في شيء، أي إذا قال: ائتني فأحدثك، فكأنه قال: لِيَكُنْ إتيانٌ فحديثٌ، وليس هذا كالمسائل التي قَدَّمها في أنَّ معنى النفي قد آل فيها إلى الإيجاب.
قال في الإيجاب نحو: سوف تأتينا فتُحدثُنا، فلم يحتاجوا إلى (أنْ) لِما ذكَرْتُ لك، ولأنَّ تلك المعاني لا تقع ها هنا.
قال أبو علي: أي المعاني التي بها النفي، ولو كانت الفاءُ والواوُ وأوْ يَنْصِبْنَ لأدخَلْت عليها الفاءَ والواوَ للعطف، ولكنّها كحتّى في الإضمار والبدل.
قال أبوعلي: الفاء والواو، وأو حروف عطف، والفعل ينتصب بعدهن على إضمار (أنْ)، كما أن ما بعد (حتّى) في الغاية، واللام في
[ ٢ / ١٥٨ ]
النفي موضع إضمار (أنْ)، وهذه الحروف العاطفة أبدال من (أنْ)، كما أن (حتى) واللام بدلان من (أنْ)، ألا ترى أن (أنْ) لا تظهر معهم كما لا تظهر معها، لا تقول: ما تأتيني فأنْ تُحدثَني، كما تقول: "ما كان زيدٌ لأن يفعلَ إذا أراد ليفعل، فإن قال قائل: إن هذه الحروف العاطفة هي الناصبة للفعل كما أن (أنْ ولن) ناصبان له، قيل له: لو كُنَّ مثلها للزم أن تدخل حروف العطف عليهن، كما يدخلان على (أن ولن)، فتقول: ما تأتيني فتُحدثني وتشتُمَني، كما تقول: يُعجبني أن تقومَ وأن تجلس، ولنْ يقوم ولن يذهبَ وامتناعُ دخول حرف العطف على هذه الحروف إذا انتصب الفعل بعدها دليلٌ على أنها ليست الناصبةُ للفعلِ، إذ كانت كذلك لدخلت حروف العطف عليها، ألا ترى أنَّ الواو في القَسَم لَمّا لم تكن حرفَ عطف، وكانت بدلًا من الباء الجارّة، دخلت حروف العطف عليها، وذلك قولُك: والله لأكرمنّك، ووالله لأعطينَّك، وكذلك (ثُمَّ) وسائرُ حروف العطف لا تمتنع من الدخول على واو القسم ولو كانت الفاء والواو التي ينتصب الفعل بعدها غير العاطفة لدخلها حروف العطف كما دخلت على واو القسم لَمّا لم تكن حرفَ عطف، وحُكِيَ أنَّ أبا عمر الجَرمي كان يذهب إلى أنّ الفاء وسائر حروف العطف هي الناصبة للفعل بمنزلة (أنْ)، وهذا القولُ يَفْسُدُ بهذه الحُجَجِ التي قَدَّمْنا هنا، والله أعلمُ.
[ ٢ / ١٥٩ ]