قال: وإن شئت جَزَمْت على النهي في غير هذا الموضع، إذا أردت أن تنهاه عن الثاني كما تنهاه عن الأوّل، قال جرير:
ولا تَشْتِم المولى وتبْلُغْ أذاتَه
قال أبو علي: نهاه عن الشَّتْم وبُلوغ الأذى معًا.
وأنشد:
فلم أفْخَرْ بذاك وأجْزَعا
أي: أجمعُ بينهما ولو كان (أجْزَع) على حِيالِه لكان (وأجزَعُ).
[ ٢ / ١٦٠ ]
قال: وتقول: لا يَسَعُني شيءٌ ويعجزَ عنك.
قال أبو علي: معنى ذلك لا يجتمع ألاَّ يسعني شيءٌ ويعجزَ عنك.
قال: ومِن النَّصْب في هذا الباب قولُه ﷿ "ولَمّا يعلمِ اللهُ الذين جاهدوا منكم ويعلمَ الصابرين" وقد قرأها بعضُهم "ويعلمِ الصابرين".
قال أبو علي: مَنْ نَصَبَ "ويعْلَمَ الصابرين" فالمعنى: أمْ حَسِبْتُم أنْ تدخلوا الجنَّة ولَمّا يجتمع العلمُ بالمجاهدين والعلم بالصابرين فتقديرُ الكلام جُملة واحدة، ومَنْ جَزم فالتَّقديرُ جملتان.
قال: وقال تعالى: "يا ليتنا نُرَدُّ ولا نُكذّبُ بآيات ربّنا ونكونَ من المؤمنين" فالرّفعُ على وجهين:
فأحدُهما: أن يشْرَكَ الآخِرُ الأوّل، أي يدخلُ كلُّه في التَّمنّي.
[ ٢ / ١٦١ ]
والآخر: على قولك: دَعْني ولا أعودُ، أي فإنّي مِمَنْ لا يعودُ فإنّما يسأل التّرْكَ، وقد أوْجب على نفسه ألاَّ عودةَ له ألبَتّةَ تُرِكَ أو لم يُترَك، ولم يُرِدْ أن يسأل أن يجتمع له التّركُ وألا يعود وأمّا عبدُ الله بنُ أبي إسحاق فإنه كان ينصب هذه الآية.
قال أبو علي: الرّفع عندي في "نكونُ من المؤمنين" على قولك: دعني ولا أعودُ، كأنّه أقوى منه في الوجه الأول، وذلك أنهم على هذا التأويل إنما يتمنون الرّدّ، وقد صدّقوا بآيات الله، والإيمان به لما ظهر لهم من أعلام القيامة، والآياتُ التي ترتفع معها الشُّبَه، فهم يتمنون الرّدّ ويجرُون أنهم لا يُكذّبون ألبتة، وليس يتمنون أن يعرفوا الآيات وأن لا يُكَذّبوا، إنما يتمنون الرّدّ والرُّجوع فقط.
ومَنْ نَصب فالنصبُ في المعنى كالرفع في الوجه الأول، والذي وَفَّقَ بينهما أن الثاني المنصوب داخلٌ في التمني كما كان المرفوع في الوجه الأول الذي قدمه سيبويه داخلًا فيه، وهو في التمثيل ياليتنا يكون لنا رَدّ وامتناع من التكذيب وكون من المؤمنين، فهذا موافقٌ للوجه الأول مِن وجهي الرّفع في المعنى، مُخالف له في اللفظ، لأنّك إذا نصبتَه فالكلامُ جملةٌ واحدة، وإذا رفعت لم يكن الكلام بجملة واحدة.
[ ٢ / ١٦٢ ]
قال أبو علي: المعنى في البيت:
وما أنا للشيء الذي ليس نافعي ويغضبَ منه صاحبي بِقَؤول
وتقدير الكلام غَضَبُ صاحبي، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامَه، لأنّ الغضب لا يُقال، فإذا رفعتَ (يغْضَبُ) كان معطوفًا على (ليس) الذي في الصّلة، كأنّك قلت: ما أنا للشيء الذي يغضب منه صاحبي بِقَؤولٍ.
[ ٢ / ١٦٣ ]