قال أبو علي: (حَتّى) ينتصب الفعل بعدها بإضمار (أنْ)، والتي ينتصب الفعل بعدها هي العاملة في الاسم الجرّ، و(أنْ) المضمرة والفعل المنتصب في موضع اسم مجرور كما أنّ (أكْرِمَكَ) من قولك: جئتُ لأكرِمَكَ، مع (أنْ) المضمرة في موضع اسم مجرور، (وحتى وأنْ) المضمرة والفعل المنتصب كله في موضع نصب، كما أن (يَزيدَ) من
[ ٢ / ١٣٥ ]
قولك: (مَرَرْتُ بيَزيدَ) في موضع نصب.
قال: وأمّا الوجه الآخر فأن يكونَ السَّيْرٌ قد كان، والدخولُ لم يكن، وذلك إذا جاءت مثلَ (كَيْ) التي فيها إضمارُ (أنْ)، وفي معناها وذلك قولك: كَلَّمْتُكَ حتى تأمر لي بشيءٍ.
قال أبو علي: إنّما مَثَّلَه بكَيْ ليُرِي أنّ الأوّل سَبَبٌ للثاني، ألا ترى أنّ الكلام سَبَبٌ للأمر بالشيء؟!.
قال: فحَتّى صارت هنا بمنزلة (إذا) وما أشْبَهَها.
أي في أنه لا يعمل في الفعل، كما أن (إذا) لا تعمل في الفعل ولا في الاسم.
قال أبو علي: الفعل في وجهي الرفع في (حتّى) للحال وله ارتفع، إلا أن السبب في الوجه الأول متصل بالمسبّب وبينهما في الثاني مهملة، والفصل بين الرفع والنصب بعد (حتّى) أن الفعل إذا رفع بعدها فالكلام جملتان، وإذا نصب فالكلام جملة واحدة وكان موضع (حتى) وما تعمل
[ ٢ / ١٣٦ ]
فيه نصبًا، كما أن موضع (يزيد) بعد (مَرَرْتُ) موضع نصب، لأن قولك: (مررتُ) جملة تامة، كما أن (مررتُ) جملة تامة بعدها منصوب، وإذا رفعت الفعل بعد (حتّى) لم يكن لحتى موضع، كما أنك إذا قلت: ذَهَبَ زيدٌ وقَعَدَ عَمْرٌو لم يكن لذَهَبَ زيدٌ، ولا الجملة التي بعدها موضع، إنما هي جملة منقطعة من جملة، فقوله:
حَتّى كُلَيْبٌ تسُبُّني
جملة منقطعة عن الأول، وليس كذلك (حتى) إذا جررت الاسم بها، لأنك إذا جررته كان الجار مع المجرور في موضع نصب كقولك: سِرْتُ حتّى مَطْلَعِ سُهَيْلٍ.
قال: والرَّفْعُ ها هنا في الوجهين جميعًا كالرّفع في الاسم. قال الفرزدق:
حتى كليبٌ
قال أبوعلي: ارتفع الفعل بعد حتى من حيث ارتفع الاسم﴾ "لأن حتى لو كانت الجارة، ولم تكن التي هي بمنزلة حرف من حروف
[ ٢ / ١٣٧ ]
الابتداء لانتصب الفعل بعدها كما ينجرّ الاسم بعدها، ولم يرتفع ﴿، ويدلك على (حتى) أنها من حروف الابتداء أنك تقول: حتى إنه يفعل ذلك.
قال أبو علي: لو كانت الجارّة للاسم لوجب أن يفتح (أنّ) بعدها لأن تلك لا تدخل إلا على اسم، وأن مع صلته اسم.
قال: وإذا قلت: لقد ضُرِبَ أمْس حتَّى لا يستطيعُ أن يتَحَرّكَ اليوم، فليس كقولك: سِرْتُ فأدْخُلُها، إذا لم تُرِدْ أن تجعلَ الدّخولَ السّاعةَ، لأنَّ السَّيْرَ والدُّخولَ جميعًا وَقَعا فيما مضى وكذلك: مَرِضَ حتى لا يَرْجُونَهُ، أي حتى إنه الآن لا يَرْجُونَه.
قال أبو علي: مثَّلَ (حتّى) إذا كان الفعل بعدها مرتفعًا متصلًا بالفاء، ثم قال: إذا قلت: سِرْتُ فأدخلُها، فعطفت أفْعَلُ على فَعَلْتُ، وأنت تريد أن الفعلين جميعًا قد مضيا، فلا يجوز أن تشبه (حتى) إذا رفعت الفعل بعدها وكان متصلًا بالفعل بالفاء إذا كان الفعلان فيه قد نُصِبا، وإنما شبهه بالفاء للاتصال فقط.
قال: وليس بَيْنَ حَتَّى في الاتصال وبَيْنَهُ في الانفصال فَرْقٌ.
يريد في وجهي الرفع.
قال: وإنّما اتّصالُه في أنّه كان فيما مَضى، وإلا فَلأنّه لَيْسَ
[ ٢ / ١٣٨ ]
يُفارِقُ موضعه الآخر في شيء إذا رفعتَ.
قال أبو علي: يجب أن يُفهم من قوله: وإنما اتصاله إلى آخر الباب أن الفعل المرتفع بعد (حتى) في وجهي الرفع جميعًا للحال لا يختلفان في ذلك، وإنما الخلاف بين الوجهين أن أحد الفعلين في أحد الوجهين متصل بالثاني، وفي الآخر غير متصل.