قال: ألا تراهم قالوا: يا لبَكْرٍ حين نادَوْهُ، لأنه قد عُلِمَ أنَّ تلك اللامَ لا تدخل هنا.
قال أبو علي: إنما لم تدخل لام الابتداء هنا، لأنها تدخل على الاسم المبتدأ المرفوع أو على غيره في باب (إنّ) والاسم المنادى في موضع نصب فلا يجوز أن تدخله هذه اللام.
قال أبو علي: قبح أن يؤكد المضمر المرفوع بنفسك حتى يؤكد بالضمير المنفصل من حيث قبح أن يعطف عليه الاسم حتى يؤكد بالضمير المنفصل، لأن نَفْسَكَ إذا أكَّدْتَ به اسمٌ، كما أن الذي تعطفه عليه بتوسط حروف اسمٌ.
قال: فإن قلتَ: فَعَلْتُم أجمعون حَسُنَ، لأنّ هذا يُعَمّ به.
يقول: (أجمعون) للإحاطة ويكون أبدًا تابعًا لا يزول عن الاتباع كما يزول (نفسُك)، فيكون مرة اسمًا غير تابع، ومرة تابعًا.
[ ٢ / ٩٣ ]
قال في التأكيد بنفسك: شَبَّهوها بالاسم الذي يَشْرِكُ المُضْمَرَ.
أي: شبهوه بالاسم الظاهر الذي يعطف على المضمر المرفوع فلم يعطف عليه إلا بتأكيد المضمر.
وقال في عطف الظاهر على الضمير المرفوع المنفصل: فإنّه يَشْرِكُهُ المُظهرُ لأنّه يُشبه المُظْهَر.
قال أبو علي: شبهه بالمظهر أنه منفصل من الفعل، كما أن الظاهر منفصل منه، ولا يغير الفعل كما لا يغيره الظاهر.
قال: لأنَّ (أنا) بمنزلة المُظهَر، ألا ترى أنَّ المُظهر﴾ لا ﴿يَشْرِكُه.
قال أبو علي: أي يشرك المنفصل، يقول: أنا وعبدُ الله شريكان.
قال في عطف الظاهر على المضمر المجرور؛ لأنّ هذه العلامة الداخلة فيما قبلها جمعت أنها لا يُتَكلّم بها إلا مُعْتَمِدَةً على ما قبلها، وأنّها بدلٌ من اللفظ بالتنوين، فصارت عندهم بمنزلة التنوين.
قال أبو علي: يقول لا يُتكلم بها إلا متصلة باسم أو بحرف، ولا تقع
[ ٢ / ٩٤ ]
مفردة ألبتة، وهو في كلا الموضعين بمنزلة التنوين في أنه لا يفصل مما قبله.
قال أبو علي: فإن قال قائل: إن الظاهر بمنزلة التنوين أيضًا لأنه قد عاقبه كما عاقبه المضمر، فلم أجزْتَ العطفَ على الظاهر ومنَعْتَهُ في المضمر؟.
فالجواب: أن المضمر أشبه بالتنوين من المظهر لأنه لا ينفصل على حال، كما لا ينفصل التنوين، وقد حذف المضمر لشبهه بالتنوين حيث حذف التنوين ولم يحذف الظاهر، وذلك في قوله تعالى "يا عبادِ فاتّقون".
قال: وجاز: قُمْتَ أنتَ وزيدٌ، ولم يجُزْ: مَرَرْتُ بك أنتَ وزيدٍ، لأنَّ الفعلَ يستغني بالفاعل، والمضافُ لا يستغني بالمضاف﴾ إليه ﴿لأنه بمنزلة التنوين.
قال أبو علي: استغناء الفعل بالفاعل يؤكد أن التاء في (ذهبتُ) اسم، وإن كان قد صار كأنه من نفس الفعل، فقولك: (ذهبتُ)، كلام مستغنٍ والاستغناء به كالاستغناء (بذهب زيدٌ)، وهذا مما يفسر به من أنه
[ ٢ / ٩٥ ]
اسمٌ يجوز العطف عليه بغير تأكيد، وحاجة الاسم إلى ما يتم به كلامًا مما يؤكد أن المضاف إليه بمنزلة التنوين، وأن الكلام لا يتم كما لا يتم بالتنوين، فالعطف على الأول غير مؤكد جائز للاستغناء وليس في الثاني كذلك لأنه بدل من التنوين، فكما يقبح بل لا يجوز العطف على التنوين كذلك يقبح على ما هو بمنزلته.
****