قال أبو علي: موضع هذا الباب للإنكار، ثم ينقسم الإنكار إلى الشيء وإلى خلافه، فمثال إنكارك الشيء أن يقول قائل: ضُرِبَ الأميرُ، فتقول: آلأميراه؟!، مُنكرًا لضرب الأمير، فأما ما ينكر أن يكون على خلاف ما ذكر، فكقول الأعرابي: آأنا إيَّه؟! وقد سئل: أتخرج
[ ٢ / ١٢٠ ]
إن أخصبت البادية؟ منكرًا لسؤال السائل عن خروجه إذا أخصبت البادية، يريد أنّ ذلك مما لا يجب أن يَشُكَّ فيه السائل.
قال: فَتَحَرَّك كما تحرك في الألف واللامُ السّاكنُ مكسورًا.
قال أبو علي: يريد بقوله: (أزيدٌ نِيْهِ) فتحرك الساكن الأول بالكسر كما تحرك اللام إذا قلت: زيدٌ الطّويل بالكسر.
قال: وقد يقول لك الرّجلُ: أتعرف زيدًا؟ فتقول: أزَيْدَنِيهِ، إمّا مُنْكرًا لرأيه أن يكون على مثل ذلك، (أيْ هو أخْمَلُ مِنْ أنْ أعرفَه)، وإمّا على خلاف المعرفة.
قال أبو علي: قوله: على خلاف المعرفة، أي أعرف زيدًا، فأنكرُ عليك سؤالَك إياي بما أعرفه.
قال: ألا ترى أنّك تقول إذا قال: ضربتُ عُمَرَ، قلتَ: أضربْتَ عُمَراهُ؟.
قال أبوعلي: الفصل بين (أعُمَراه) وبين (أزيدنيه)، أن (عُمَر)
[ ٢ / ١٢١ ]
لا يلحقه التنوين، وإذا لم يلحقه التنوين لم يُكسر، لأنه لا يلتقي فيه ساكنان، لكن حرف اللين للإنكار يتبع الحركة التي هي في اللام وهي الفتحة، فيصير ألفًا، وفي (أزيدنيه) لما حُرّك التنوين لا لالتقاء الساكنين بالكسر صارت العلامة ياءً لانكسار ما قبلها.
قال: وإنْ قال: أزَيدًا يا فتى؟ تركْتَ العلامةَ كما تركت علامة التّأنيث والجمع، وحرف اللين في (مَنا ومَنِي، ومَنُوا)، حين قلت: مَنْ يا فتى؟.
قال أبو العباس: للوصل في هذا علة لا تكون في الوقف، لأن الوقف خفيٌ والوصل يجيء فيه ما يقوم مقام العلامة من اتصاله بكلام آخر.
قال: وإذا قال: رأيتُ رجلًا وامرأةً، (فَمَنَهْ) قد مَنَعَتْ (مَنْ) مِنْ حروف اللين، فكذلك (يا فتى) هنا يَمْنَعُ.
قال أبو علي: يريد إذا قلت: أزيدًا يا فتى؟ فوَصَلْتَ وأنت مُنْكِرٌ، حذفت علامة الإنكار في الوصل، كما أنّك إذا استثنيت قول القائل: (رأيتُ رجلًا وامرأةً)، قلت: (مَنْ، ومَنَةٌ)، فحذفت حرف اللين للوصل.
[ ٢ / ١٢٢ ]
قال: كما يمنع ما كان في كلام المسؤول العلامة من الأول.
قال أبو علي: منع قولك (عَمْرو) في قولك: أتيتُ زيدًا وعَمْرًا أن تلحق علامة الإنكار زيدًا لما كان زيدًا في صلة الكلام ودرجه، ولم ينكره آخرًا، فكذلك منع قولك: (يا فتى) أن تلحق (زيدًا) العلامة للإنكار في قولك: (أزيدًا يافتى)؟.
قال: ولا تدخل العلامة في (يافتى) لأنّه ليس من حديث المسؤول.
قال أبو علي: كأنّ قائلًا قال له: فإذا لم تدخل العلامة في قولك: (أزيدًا) من قولك: أزيدًا يا فتى؟ لأنه موصول (بيا فتى) كما لم تدخل (زيدًا) في قولك: (أزيدًا وعَمْرَنِيه)، لأنّه موصول بقولك: (وعَمْرَنيه)، فأدخل العلامة في (يافتى) كما أدخلتها في (عمرو) من قولك: (وعَمْرنيه) لما كان آخر الكلام: ففصل سيبويه بين (عَمْرو) وبين (يافتى)، بأن قال: قولك يافتى ليس من حديث المسؤول فتدخل عليه العلامة، وإنما تدخل العلامة فيما كان من حديث المسؤول مُنكرًا أو مُتعجّبًا، فأما إذا لم يكن من حديث المسؤول لم تدخل فيه العلامة، ألا ترى أن قولك: (وعَمْرَنيه) مِن حديث المسؤول، والمسؤول هو المخبر آنفًا بقولك: (ضربتُ زيدًا وعمرًا)، هو إذا حدّث مخبرٌ، فإذا سُئِل مُنكرًا
[ ٢ / ١٢٣ ]
عليه، أو مُسترشدًا منه فمسؤول بعد إخباره.
قال: فصار هذا بمنزلة (الطويلِ)، حين مَنَع العلامة (زيدًا) كما مَنَعَ (مَنْ) ما ذكرتُ لك، وهو قول العرب.
قال أبو علي: قوله: فصار هذا بمنزلة (الطويل)، أي قولك (يافتى) في أن منع (زيدًا) علامة الإنكار بمنزلة (الطّويل) في أن منع (زيدًا) العلامة في قولك: (أزيدًا الطويلاه)، إلا أن الفرق بين (يافتى) وبين (الطويل) أن (الطويل) من حديث المسؤول عنه، (ويا فتى) ليس كذلك.
وقوله: ما منع (مَنْ) ما ذكرت لك، (فَمَنْ) في موضع نصب، لأنّها مفعولة (وما) في موضع رفع لأنها فاعله، أي: مَنَعَ يا فتى زيدًا أن تلحقه العلامة في الإنكار للوصل، كما منع (مَنْ) قولك (وَمَنَهْ) حرف اللين اللاحقة في الوصل، وهو الذي ذكره، فقال: فَمَنَهْ قد منعت من حرف اللين، وقد شرحناه أيضًا فيما تقدم من تفسير لفظ هذا الفصل.
قال: ومِمَّا زادوا به الهاء بَيَانًا قولُهم: أضْرِبُهْ، وفي نسخة أخرى أضْرِبْهُ، فمن قال: أضربُهْ ألقى حركة الهاء على الباء.
[ ٢ / ١٢٤ ]
أنشد:
مِنْ عَنَزي سَبَّني لَمْ أضْرِبُهْ
والوجه إسكان الباء لتكون الهاء للبيان ولا تكون للضمير، لأنع على أنه للبيان وضعُه.
قال: كما فُعِل ذلك في (مَنْ عبدَ اللهِ) أي إذا حكاه بَعد (مَنْ) على اللفظ.
قال: وإذا قال: ضَرَبْتُهُ فقلتَ: أقُلْتَ ضَرَبْتُهُ لَمْ تُلْحِق الزيادة.
قال أبوعلي: إنما تدخل علامة الإنكار فيما يكون من كلام المسؤول أو يكون على معنى كلامه أيضًا، وإن لم يكن نفس لفظه كقولك: (آنا إنِيهْ)، جوابًا لقوله: (أتَخْرُجُ إنْ أخصبت البادية؟) فأما إذا خلا من هذين لم تدخل العلامة كما لم تدخل العلامة في (يا فتى) من قولك: أزيدًا يا فتى.
[ ٢ / ١٢٥ ]
قال أبو العباس: وقد قيل في مثل هذا إنه يجوز فيه الإنكار، كأنك أنكرت أن يكون ممن تكلم بهذا، فيقال لمن قاله: إنما يحكى كلامه لفظًا أو معنى وأنت إذا قلت: (أقلتَ؟) فليس (قلت) من كلامك، فهذا خطأ فلا تقله.
*****