وذلك قولك: سرت حتى يدخلَها زيدٌ، إذا كان دخول زيد لم يُؤَدِّه سَيْرُك، ولكنّك لو قلت: سرتُ حتى يدخلُها ثقَلي أو بدني رَفَعْتَ، لأنّك جعلْت دخولَ ثِقَلِكَ يُؤدّيه سَيْرُكَ، وبَدَنُكَ لم يكن دُخولُه إلاّ بِسَيْرِكَ، وبَلَغَنا أنَّ مُجاهِدًا قَرَأ "وزُلْزلوا حتى يقولُ الرّسولُ"، وهي قراءة أهل الحجاز.
قال أبو علي: تأويل ذلك والله أعلم أنهم لما أنْ كان (زُلزِلوا) سببًا لقول الرسول كما صار السّير سببًا لدخول البدن والثّقل، ومن قرأ "وزُلزلوا حتى يقولُ الرّسولُ" جعله بمنزلة سِرْتُ حتى يدخلُها زيدٌ، وسِرْتُ حتى تَطلع الشمسُ فلم يجعل قول الرسول سببًا لزلزلوا، كما لم يجعل سيره سببًا لطلوع الشمس، ولكن جعل قول الرسول غاية، كأنه على التقدير: وزُلزِلوا إلى أنْ قال الرسولُ، كما جعل طلوع الشمس غاية لسيره حتى يدخلَها زيدٌ، أي قبل أن يقطعه على قولك: حتّى أدخُلَها فلما عطفته عليه لم يجز غيره.
قال: وصارَ﴾ ت ﴿إعادتُك حتّى كإعادتِكَ له في تبا لهُ، وويلٌ لك، منْ عمرًا ومنْ أخو زيدٍ؟!.
[ ٢ / ١٤٧ ]
قال أبو علي: يقول: لما أعدت (له) بعد (ويل) ابتدأته، وقطعته مرتبًا، وكذلك لما أعدت (مَنْ) ثانية بعد عمرو محكيًا قطعته منه رفعته.
قال: وإنّما كانتْ (أدْخُلُها) حائلةً بين (حتّى)، يريد (أدخُلُها) من قولك في المسألة (سِرْتُ حتّى أدخُلَها وتطْلُعُ الشَّمْسُ).
قالوا: بين أن تنصب لأن (حتى) لا تنصب إلا ما يليها.
أي: قولك وتطلعُ الشمس لم تل (حتّى) فيجوز أن تنصبه.
في الكتاب: قال أبو الحسن: أنا أزعم أنّ هذه التي ترفع ما بعدها ليست حتى التي تنصب ما بعدها.
قال أبو علي: هكذا قول الخليل وسيبويه إن التي ينصب بعدها الفعل هي التي تخفض الاسم، والتي يُرفع الفعل بعدها هي بمنزلة حرف من حروف الابتداء.
قال: ويَحْسُنُ أنْ تقولَ: سِرْتُ حتّى تطلُعَ الشَّمْسُ، وحتّى أدْخُلَها كما تقول: سِرْتُ إلى يوم الجمعة وحتّى أدخُلُها.
[ ٢ / ١٤٨ ]
قال أبو علي: جعل الفعل المنصوب بعد (حتّى) بمنزلة اسم لأن أنْ مضمرة، ألا ترى أنه مثَّلَهُ باسم فقال: كما يجوز أن تقول: سِرْتُ إلى يومٍ الجُمُعةِ.
قال: قال امْرُؤ القَيْسِ:
سَرَيْتُ بهم حتّى تَكِلَّ مَطِيُّهم وحتّى الجيادُ ما يُقَدْنَ بأرْسانِ
فهذه الآخِرة هي التي تَرْفَعُ
قوله: هي التي ترفع، يريد التي يرتفع الفعل بعدها، كما يرتفع الاسم في قولك: حتّى كُلَيْبٌ، لأنه بمنزلة حرف من حروف الابتداء.
قال: وإنْ نَصَبْتَ وقد رَفَعْتَ فعلَك فهو مُحالٌ.
أي لأنك لا تعطف بمنصوب على مرفوع.
[ ٢ / ١٤٩ ]