قال: اعلم أنَّ هذه الحروف كُلّها تكون وصفًا للمُضمَرِ المجرور والمرفوع والمنصوب، وذلك قولك: مَرَرْتُ بك أنتَ.
قال أبو بكر: لا يقع الاسم عندي في أول وهلة مرفوعًا ولا منصوبًا ولا مجرورًا إنما يكتسي الرفع والنصب والجر من العوامل.
قال أبو علي: إنما هذا هنا لأن لقائل أن يقول: كيف صار (أنت) وما أشبهه من علامات المضمرين المرفوعين صفات للمضمرين المنصوبين والمجرورين؟ فيقال: إن هذه الأسماء تكون للخطاب والغيبة في أوضاعها، وإنما تكتسي الإعراب من العوامل، فتكون منصوبة ومرفوعة بها لا بأنفسها، فلا يمتنع على هذا أن يكون (أنتَ) وما أشبهه صفة للمجرور والمنصوب، ومن هنا قيل: (لَوْلايَ)، فوقع الياء موقع (أنا)،
[ ٢ / ٩٦ ]
لأن الخطاب يجمعهما في الإخبار، وليس يقع الاسم في أول مرة رفعًا ولا غير ذلك.
وقال سيبويه في الوصف بأنت ونحوه: وليس وصفًا بمنزلة (الطويلِ) إذا قلت: (مررت بزيدٍ الطويلِ)، ولكنه بمنزلة (نفسِه).
قال أبو علي: الفصل بين الوصف (بالطويل) وما كان مثله وبين (نفسه)، أن الصفات التي هي (الطويل) ونظائره حُلَى، والتأكيد قد يكون نفس المؤكد أو لفظه نحو (رأيت زيدًا زيدًا)، (ورأيت زيدًا نفسَه).
قال: واعلم أن هذه الحروفَ لا تكون وصفًا لِمُظْهَرٍ كراهيةَ أن يصِفوا المُظْهَرَ بالمُضْمَر، كما كرهوا أن يكون (أجمعون ونفسه) معطوفًا﴾ على النكرة ﴿.
قال أبو علي: يوفق بين (هو) و(أجمعين) الاشتراك في الاختصاص، لأن المضمر أخص من المظهر، كما أن (أجمعين) أخص من النكرات.
قال: وأمّا البدل فمُنْفَردٌ، كأنّك قلت: زيدًا رأيتُ، أو رأيتُ زيدًا
[ ٢ / ٩٧ ]
ثم قلت: إيّاه رأيتُ.
قال أبو علي: كأنه قد أشار هنا إلى أن البدل والمبدل منه هما جملتان وكلامًا، وكان أبو بكر يقول ذلك.
قال: واعلم أنه قبيح (مررت به وبزيد هما)، قال: ألا ترى أنه قبيح أن يقول: مررت بزيد وبه الطويلين؟!
قال أبو علي: قوله (هما) لا يكون صفة للظاهر، كما أن (الطويل) لا يكون صفة للمضمر.
قال أبو علي: مثّل الحال بالظرف لأنها فضلة كما أنه فضلة، والفصل لا يكون بالفضلات، إنما يكون بين مالا يستغنى عنه وهو الحديث والمحدّث عنه.
في الكتاب: "هو الحقّ، وإنّما فَصَلَ لأنّك إذا قُلْت (كان زيدٌ
[ ٢ / ٩٨ ]
الطّويلَ، فقد يجوز أن تريد﴾ بالطويل ﴿نعتًا لزيد، فإذا جئت بهو علمت أنها متضمنة للخبر.
قال أبو علي: هذا الاعتلال للكوفيين، وعند أبي العباس أن الفصل إنما زيدَ ليؤذن أن الخبر معرفة.
قال أبو العباس: وهذا ينكسر من قولهم: (إن زيدًا هو العاقلُ)، لأن في ارتفاعه دليلًا أنه ليس بنعت.
قال أبو علي: لو كان هذا الاعتلال للفصل فصيحًا لوجب أن يزاد الفصل بين ما ابتدئ به من النكرة نحو: ما رجلٌ هو خيرٌ منه، ليعلم أن (خيرًا منه) خبر لا وصف، لأن (خيرٌ منه) قد يجوز أن يكون صفة لرجل، كما أن (الظريفَ) في (كان زيدٌ الظريفُ) يجوز أن يكون وصفًا لزيد؛ ومن قول الجميع: إن الفصل لا يقع بين النكرات.
قال: وإنّما فَصَل لِما لا بُدَّ له منه، ويُجْزئُ مِنْ (أيّا) كما تُجْزئُ منه الصفةُ لأنّك جئت بها توكيدًا.
قال أبو علي: المثال في مالا يجمع بينهما من الفصل والبدل (رأيتُه هو خيرًا) لا يجمع مع (هو) (إياه)، ومثال مالا يجمع فيه مع (هو إيّاه).
[ ٢ / ٩٩ ]
ومثال ما لا يجمع فيه بين الصفة والفصل: (رأيته هو خيرًا)، إن جعلت (هو) صفة استغنيت بها عن الفصل، وإن جعلته فصلًا استغنيت به عن الصفة.
قال: ولا يجوز (أظُنُّه هو هو أخاك) إذا جعلت إحداهما صفة والأخرى فصلًا، لأن كل واحدة تجزئ من أختها.
قال أبو العباس: هذا جائز على قبحه.
قال أبو علي: إنما جاز لأن كل واحدة منهما غير الأخرى.
قال: في قول قوم زعموا أن (هو) في مثل قولك: كان زيدٌ هو الظريفَ صفة، يدخل عليهم (إنْ كان زيدٌ لَهُوَ الظَّريفَ) و(إنْ كُنّا لَنَحْنُ الصّالِحِين).
قال أبو علي: لم تدخل اللام على (زيدٍ) في هذا الموضع لأنه مرتفع (بكان)، وحكم هذه اللام أن تدخل على المبتدأ، فلم تدخل عليه بعد كان، كما لم تدخل في (ضَرَبَ لزيدٌ).
قال: ومِنْ ذلك أيضًا "ولا يَحْسبَنَّ الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم".
قال أبو علي: وتقرأ أيضًا "ولا تحسبن" بالتاء، والقراءة الجيدة بالياء لأن حكم المفعول الثاني في باب (ظننتُ) أن يكون الأول في
[ ٢ / ١٠٠ ]
المعنى والبخل المضمر الذي دل عليه (يبخلون) هو الخير في المعنى، و(الذين هم) فاعلو (يَحْسَبَنَّ)، فإذا قرئ بالتاء صار الذي المفعول الأول، و(خيرًا) المفعول الثاني، وليس الذين يبخلون هو خيرًا في المعنى، كما كان البخل المضمر إياه في المعنى، فإن لم تحمل هذه القراءة على إضمار بَخِلَ قبل قوله (الذين) وحذفه وإقامة المضاف إليه مقام المضاف لم يجز، ومن قرأ بالياء لم يحتج إلى إضمار البخل الذي يدل عليه يبخلون الذي في الصلة، كما يضمره من قرأ بالتاء، لأنه يضمر "لا تحسبنَّ بُخْل الذين يبخلون خيرًا"، وحذف البخل بعد ذكر (يبخلون) أحسن من حذفه قبله، لأنك إذا حذفته من يبخلون دلَّ يبخلون عليه كما يدل الفعل على مصدره، وإذا حذفته قبل يبخلون لم يدل على حذفه شيء من اللفظ.
في الكتاب: واعلم أنها تكون في (إنّ) وأخواتها فَصْلًا وفي الابتداء يعني الفصل.
قال أبو بكر: هذا الفصل مخالف لما يكون عليه الباب، لأنه ذكر أنه لا يكون فصلًا إلا في الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر، وتأويل الآية
[ ٢ / ١٠١ ]
في﴾ ﴿.
على أنهم فيها مبتدأ وهو قوله: "لا جَرَمَ أنهم في الآخرة هم الأخسرُون"، فقال: هم ابتداء.
قال أبو بكر: فلعله زيادة وقع في الكتاب:
قال: أوْ ما أشْبَهَ المعرفةَ مِمَّا طال فلم يدخل عليه الألف واللامُ.
قال أبو علي: شبهه بالمعرفة من جهة اللفظ؛ أنَّ التعريف لا يدخل عليه كما لا يدخل على (زيد) ونحوه من الأعلام، ومن جهة المعنى أنه أخص من (رَجُل) ونحوه من النكرات، كما أن المعارف أخص منه.
وأنشد:
إذا ما المرءُ كان أبوه عَبْسٌ
[ ٢ / ١٠٢ ]
وأنشد:
متى ما يُفِدْ كَسْبًا يكن كُلُّ كَسْبِهِ له مَطْعَمٌ مِنْ صَدْرِ يَوْمٍ ومَأكَلُ
قال أبو علي: أي يكون هو كل كسبه، فأضمر فجعل فاعل (يكن)، ضمير الغائب دون قوله: (كُلُّ كَسْبِهِ)،وكل مبتدأ، وخبره (مَطْعَمٌ)، والجملة في موضع نصب.
قال: وأمّا (هذا عبدُ الله هو خيرٌ منك)، فلا يكون (هو) وأخواتها فَصْلًا فيها.
قال أبو علي: الفصل لا يدخل في قولك: (هذا عبدُ الله خيرًا منك)، لأنه لو كان (خير) خبر المبتدأ لم يكن (هو) فصلًا بينهما حتى يدخل على المبتدأ فعل نحو (ظننتُ) فإذا لم يكن (هو) فصلًا بين المبتدأ وخبره، كان وقوعه هنا أبعد، لأن (خيرًا منه) مُستغنى عنه، وليس بخبر وهو منتصب على الحال، وما انتصب على الحال لم يكن إلا نكرة،
[ ٢ / ١٠٣ ]
والفصل لا يقع من النكرات، ألا ترى أنك لا تنصب المعرفة على الحال فيقع (هو) فصلًا بين الحال وبين ذي الحال، لا تقول: هذا زيدٌ القائمَ.
*******