قال أبوعلي: (مَنْ) إذا جازيْتَ بها كان بمنزلة (إنْ)، ولا يجوزُ أنْ تقولَ: (كان إن يأتِني آتِه)، لأنَّ الفعلَ لا يرتفع به (إنْ) وما بعدَه، فكذلك لا يرتفع به (مَنْ) وأخواتها إذا كُنَّ بمعنى (إنْ)، وإذا لم يَجُزْ أنْ يرتفعَ (إنْ ومَنْ) وما أشْبَهه من الفعل خلا الفعل مِن الفاعل فلم يَجُزْ.
[ ٢ / ١٨١ ]
وحُكمُ (إنْ) في أنّه لا يجوزُ أنْ يعملَ في مَنْ، وأنْ ينقطعَ منه حكمُ (كان)، وقال تعالى: "أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا"، وليس هذا، أي قولُ الشّاعر:
فلو أن حُقَّ اليومَ
قَوِيّ في الكلام كقُوَّة ألا تقولُ.
قال أبو العباس: يعني إنّ (حُقَّ اليومَ) لا يَقوى في الكلام كقُوة (إنْ) إذا خُفِّضَتْ فَوَلِيَت الفعلَ، وكانت (لا) في الكلام لا تصير عوضًا من الإضمار، (وإنْ) مُخفّفة، والمُثقّلة لا يُضمَرُ فيها إلاّ اضطرارًا.
قال سيبويه: فمِنْ ذلك: أتَذْكُرُ إذْ مَنْ يأتينا نأتيه.
قال أبو العباس: غَلِطَ سيبويه في هذا الباب، ووافقَه عليه أبو
[ ٢ / ١٨٢ ]
إسحاق الزّياديّ.
قال أبو علي: ذهب أبو العباس والزّيادي إلى أنّ الجزاءَ لا يمتنعُ بعد هذه الحروف كما امتنع بعد (إنّ وكان)، لأنّ (إنّ وكان) يختصّان بالدّخول على الأسماء والعمل فيها، فلا مَدْخَلَ لدخولهما في الأفعال وفيما يعملُ فيها ولا يدخلان على ما كان من الأسماء قائمًا مقام الحروف العاملة في الأفعال، كما لا تدخل على الحروف أنفسِها.
وأمّا (إذْ) فليس كذلك، لأنّه لا يختصّ بالدّخول على الأسماء والعمل فيها دون الأفعال كما كان ذلك في (إنْ وكان)، ألا ترى أنّك تقول: (كان هذا إذْ قام زيدٌ، وإذْ زيدٌ منطلقٌ)، فلا يمتنع من الدّخول على واحدةٍ منهما، وإلى هذا ذهب أبو العبّاس.
فأمّا في قوله: (وما مَنْ يأتينا فنحن نأتيه)، فإنْ كانت الحِجازيّة لم يجز الجزاءُ بعدَها ألبتة كما لم يجز بعد ليس، (وكان) لأنّها لا تدخلُ إلاّ على الأسماء كما أنَّ (ليسَ) لا تدخلُ إلاّ على الأسماء لأنّ (ما) ليس بفعلٍ، فلا يُضمَر فيه كما يُضمَرُ في (ليس) المرفوع. وإنْ كانتِ التَّميميّة، جاز الجزاءُ بعدها لأنّها لا تمتنع مِن الدّخول على الأفعال في
[ ٢ / ١٨٣ ]
مثلِ قولك: ما يقومُ زيدٌ، فهذه (الاسمُ والفِعل جميعًا)، كما لا تمتنِعُ ألفُ الاستفهام مِن الدّخول عليهما.
قال: وتقول: (أتذكُرُ إذْ نحنُ مَنْ يأتِنا نأتِهِ)، فنحنُ فَصَلتْ بين إذْ ومَنْ كما فَصَلَ الاسمُ في كانَ بين كان وَمَنْ.
قال أبو علي: نَزَّلَ (إذْ) منزلةَ (كانَ وإنَّ) في أنَّ الجزاءَ لا يكون بعدَه كما لا يكون بعدهما، فإذا فُصِلَ بين (إنّ وكان) باسمٍ جاز أن يقعَ الجزاءُ بعد الاسم الذي يرتفعُ أو ينتصِبُ (بإنَّ وكان)، فكذلك إذا فُصِلَ باسمٍ بين (إذْ) والجزاء جازَ وقوعُ الجزاء بعد الاسمِ الفاصلِ بين الجزاء وإذْ، كما جاز ذلك في (إنَّ وكان).
قال: وإذْ وأشباهُها لا يقعن هذه المواقع، ولا يكون الكلامُ بعدها إلا مبتدأ.
أي لا يكون لغوًا ولا زائدًا ولا بمنزلة ما ليس في الكلام.
[ ٢ / ١٨٤ ]
قال: وسَمِعْناهم يُنشِدون:
وما ذاك أنْ كان ابنَ عمّي ولا أخي ولكنْ متى ما أمْلِكِ الضَّرَّ أنْفَعُ
والقوافي مرفوعةٌ، كأنّه قال: أنْفَعُ متى ما أملِكُ الضُّرَّ، ويكونُ (أملكْ) على متى.
قال أبو علي: يقول: (أملكْ) منجزم بمتى، و(أنْفعُ) النّيّة به التّقديم كأنّه قال: ولكنْ أنا أنْفعُ متى ما أملكُ أنفعُ، وهذا مثلُ قوله:
إنّك إنْ يُصْرَعْ أخوك تصرعُ
قال: وأمّا قولُه تعالى: "وأمّا إن كان مِن أصحاب اليمين، فسلامٌ لك". فإنّما هو كقولك: أمّا غَدًا فلك ذاك، حَسُنَتْ لأنّها لم يُجزَمْ بها كما حَسُنَتْ في قوله: أنتَ ظالمٌ إنْ فَعَلْتَ.
قال أبو بكر: يعني أنَّ الفاءَ في (فَسلامٌ)، دخلتْ من أجل (أمّا)،
[ ٢ / ١٨٥ ]
لا من أجل (إنْ) كما دخلت في قولك: أمّا غدًا فلك ذاك.
قال أبو علي: قولُه: وحسُنَتْ لأنّه لم يُجزَمْ بها كما حَسُنَتْ في قوله: (أنت ظالمٌ إنْ فعلتَ)، أي حَسُنَ ألاّ يأتي لقوله تعالى "إن كان من أصحاب اليمين" جوابٌ في اللفظ لأنه غير منجزم، كما أن قولك: أنت ظالمٌ قد دلَّ متقدّمًا على الجملة التي تكون جوابًا للشّرط، فكذلك قوله تعالى.
وأمّا مع ما اتّصل به يَدُلُّ على الجملة التي تكون جوابًا، كما دَلَّ أنت ظالمٌ عليه، كأنّك قلت: مهما يكنْ من شيءٍ فسلامٌ لك إنْ كان من أصحاب اليمين فسلامٌ لك، إلاّ أنّك استغنيت عنه للدّلالة عليه بما تقدَّم ولم يكن الشّرطُ مُنجزِمًا.
في الكتاب: وأبو الحسن يراه جوابًا لهما جميعًا، ولا يُجيزُ ذلك.
[ ٢ / ١٨٦ ]
أي لا يُجيزُ حذفَ الفاء إذا جَزَمَ لأنّه لا يخْلُصُ الجوابُ للجزاء.
قال أبو علي: قولُ ابي الحسن في المعنى يرجعُ إلى تقدير سيبويهِ لأنّ الفاءَ إذا صار جوابًا، لأنّ (أمّا) لا بُدّ لها في الكلام من جوابٍ و"إنْ" قد يُحْذَفُ جوابُها في الكلامِ مثلَ قولِك: أنت ظالمٌ إنْ فعلْتَ، فكان قولُه: أراه جوابًا لهما جميعًا، أي إنَّ الفاءَ جوابٌ لأمّا، وأمّا مع الفاء جوابٌ لإنْ، ولا يجيز ذلك إذا جزم كأنّه قال: أمّا إنْ يكن من أصحاب اليمين فسلامٌ لك، لم يُجزه، لأنّه قد جزم الفعل ولم يأت له بجوابٍ مجزومٍ، وهذا لا يجوز في الكلام، إنّما يجوزُ في ضرورة الشعر.
والفاءُ لا يجوزُ أنْ تكون جوابًا للفعل المجزوم، لأنّك لو جعلتها جوابَه لم تأتِ لأمّا بجوابٍ، وهذا قبيحٌ في الكلام غيرُ جائز فيه، فإذا لم يُجزَم الفعلُ الذي هو شرطٌ فقُلْتَ: أمّا إنْ كان من أصحاب اليمين فسلامٌ، كان حسنًا، وصار (أمّا) مع ما يتّصلُ به جوابًا لإنْ، إذْ لم يجيءْ شرطُها.
[ ٢ / ١٨٧ ]