قال: سألتُ الخليلَ عن قوله تعالى "فأصَّدَّق وأكنْ مِنَ الصالحين".
فقال: هذا كقول زُهَيْرٍ: ولا سابِقٍ شيئًا.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
قال أبو علي: يُريدُ: ومِثْلُه في الموضع لا في الجودة، وتقديرُ الآية: لولا أخَّرْتَني إلى أجلٍ قريبٍ أصَّدَّقَ، (فلَوْلا) حرفٌ فيه معنى التحضيض، فلذلك وَجبَ أنْ يكونَ الفعلُ بعده مُنْجَزِمًا كما انْجزمَ بعد الأمر.
وقولُه: (فأصَّدَّقَ) وَقَعَ موقعَ فعلٍ مجزومٍ، و(أكُنْ) على موضع (فأصَّدَّقَ) كما حَمَلَ مَنْ قرأ "ويذَرْهُم" على موضع الفاء مع ما بعدَه، وهو قولُه: "فلا هادِيَ له".
قال: ومثلُه مِنَ النَّهْي: لا يَرَينَّكَ، النّهيُ للمتكلّم في اللفظ، وهو في المعنى للمُخاطَب، كأنّه قال: لا تكونَنَّ هاهُنا، فإنَّ مَنْ كان ها هنا رأيْتُهُ.
قال: ومِثْلُ ذلك قولُ الله تعالى "ولا تَموتُنَّ إلاّ وأنتم
[ ٢ / ٢٠٨ ]
مسلمون" لَمْ يَنْهَهُمْ عن الموت، ولكنّه أراد: اثْبُتُوا على الإيمان، لِيُدْرِكَكُم الموتُ وأنتم مُسلمون.
قال: وسألتُه عن قوله: أمّا أنتَ منطلِقًا أنطلقُ معك، فرَفَعَ، وهو قولُ أبي عمروٍ، وحدّثنا به يونس.
قال أبو علي: (أنْ) هذه هي النّاصِبَةُ للفعل وما عُوّضَ مِنَ الفعل، و(أنت) مُرتفعٌ بالفعل الذي صار (ما) عِوَضًا منه، وهو (كان) والتقديرُ: أنْ كنتُ منطلقًا، إلاّ أن (ما) لَمّا صار عِوَضًا مِنَ الفعل، لم يَجُزْ أن يجتمعَ الفعلُ معه، كما لا يجوزُ أنْ يدخُلَ فعلٌ على فعلٍ، وحَكى أبو عُمَر في كتابه عن بعضِ العلماءِ أظُنُّه الأصْمعي أنّه حكى الجزاءَ (بأمّا)، قال: ولمْ يَحكِه غيرُه.
قال: وسألتُه عن قوله: ما تدومُ لي أدومُ لك، فقال: ليس في هذا جزاءٌ مِنْ قبل أنَّ الفعلَ صلةٌ (لما)، فصار بمنزلة (الذي).
أي: في أنّه موصولٌ كما أنّه موصولٌ.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
قال: ويدُلُّك على أن الجزاء لا يكون ها هُنا أنّك لا تستطيع أن تستفهم (بما تدومُ) على هذا الحَدِّ أي لا يجوزُ أن يُسْتفهَمَ به وهو مصدرٌ.
قال أبو علي: موضع (ما) عندي نصبٌ على الظَّرْف، كأنّه قال: أدومُ لك دوامَك لي، أيْ وقتَ دوامِك، فحَذَفَ الوقت، وأقام الدَّوامَ مَقامَه، كما حُذِفَ وقتٌ مِن قولِك: حيثُ مقدَم الحاجّ.
قال: ومِثْلُ ذلك: كُلَّما تأتيني آتيك، فالإتيانُ صِلَةٌ لِما، كأنّه قال: كُلُّ إتْيانِك آتيكَ (وكُلّما تأتيني)، يقعُ أيضًا على الحينِ، كما كان (ما تأتيني) يقع على الحين، ولا يُستفهَمُ بِكُلَّما، كما لا يُسْتَفْهمُ بما تَدُومُ.
قال أبو علي: قوله: لا يُسْتَفهم بكُلّما، يريدُ: إذا كان (كُلّ) مُضافًا إلى (ما) الذي هو مع الفعل بمنزلة المصدر، يَدُلُّك على ذلك أنّه ذكر أوّل الفصل فقال: ومثلُ ذلك كُلّما، أي مثلُ (ما تدومُ لي أدومُ لك) في أنّ الجزاءَ لا يجوزُ فيه كما لم يجزُ في (ما تدومُ)، ومثَّلَه بالمصدر، فقال:
[ ٢ / ٢١٠ ]
كأنّه قال: كُلُّ إتيانِك، فإنّما أراد بِكُلّما المضافَ (كُلّ) فيه إلى (ما) التي مع الفعل بتأويل المصدر كما قُدّم ذِكْرُه في أوّل الفصل، ولم يُرِدْ (كُلّما) المضاف إلى (ما) التي للاستفهام كما رَدَّ أبو العبّاس عليه في الغَلَط.
قال: وسألتُ الخليلَ عن قوله تعالى: "حتى إذا جاءوها وفَتَّحتْ أبوابُها".
قال أبو العباس: حذفُ الجواب في مثل هذه المواضع أفْخَمُ، لأنّ المخاطبَ يَتَوَهّمُ كُلَّ شيءٍ، فإذا ذُكِرَ شيءٌ بعينِه حَضَرَهُ فَهْمُه.
[ ٢ / ٢١١ ]