قال: وجَعَلْتَ الاسمَ الآخِرَ عَديلًا للأوّل، وصارَ الذي لا تسألُ عنه بينهما.
قال أبو علي: الذي لا تسألُ عنه هو كونُ المسؤول عنه في قولك: أزيدٌ عندكَ أمْ عمروٌ، لأنّه ثَبَتَ عندَه الكون بالمسألة (بأوْ) أوْ بغيرِه فَلمْ يسألْ عنه، وإنّما يسْألُ عن نَفْسِ أحد الاسمين أو الأسامي، فأمّا كونُ أحدِ المُسَمَّيْنِ عندَه فقدْ عَلِمَهُ، فليس يحتاجُ إلى المسألة عنهُ.
قال: ومِنْ هذا الباب قولُه: (ما أُبالي أزيدًا لَقِيتُ أمْ عَمْرًا)، (وسَواءٌ عَلَيَّ أزيدًا كَلَّمْتُ أمْ عَمْرًا).
[ ٢ / ٢٧٩ ]
قال أبو علي: جرى هذا على حرف الاستفهام مِنْ حيثُ كان تسويَةً وإنْ لم يكنْ استفهامًا، لأنّ كُلَّ استفهامٍ تسويةٌ، ألا ترى أنّك إذا استفهمتَ عن شيءٍ كان ما اسْتفهمْت عنه عندك وخِلافُه سواءٌ. ولو لمْ يكنْ كذلك كُنْت مُتيقّنًا له غيرَ مُسْتَفْهِمٍ عنه، فإنّما جرى على التّسْوِيةِ حرفُ الاستفهام هنا من حيثُ كان التَّسْوِيةُ يَعُمُّ الاستفهام، فلمْ يكنْ استفهامٌ إلاّ تسوية، كما جرى على تخصيص حروف النِّداء وإنْ لم يكنْ مُنادَى، لأنَّ الاختصاصَ يقعُ عند النّداءِ، وكُلُّ مُنادَى مُخْتَصٌّ.
قال: ولم تَسْألْ عن موضعِ أحدهما.
أي عن (زيدٍ) المنصوب الذي هو موضعُ أحد الفعلين.
قال: وتقول: ما أدري أقام زيدٌ أمْ قعَدَ إذا أرَدْتَ أنّه لم يكنْ بينهما شيءٌ.
تقول: لا أدّعي أنّه كان منه في تلك الحال قيامٌ ولا قُعودٌ.
قال أبو علي: إذا قال: لا أدري أقامَ أمْ قَعَدَ، وأراد أنْ يصِفَ أنَّ فعلَه لمْ يطُلْ، كأنّه ساعةَ قامَ قَعَدَ، أوْ ساعة قَعدَ قام، فإنّه قد عَلِمَ مِن المخْبَرِ عنهُ فعلٌ، كما أنّه إذا قال: ما أدري أقامَ أو قعدَ، فقدْ عَلِمَ منه فعلٌ مِنْ أحدِ هذين، وإنّما يسألُ تعيينُ أحدِهما، إلاّ أنّه لَمّا كان قليلًا جَعَلَه بمنزلة ما لم يكنْ ولم يُعْلَمْ، فاسْتفهمَ عنه بأوْ، وإنْ كان أحدُ الفعليْن فيه بأوْ معلومًا فقد عُلِمَ هنا أحدُ الفعلَيْن، كما عُلِمَ فيما يُسْتَفْهَمُ
[ ٢ / ٢٨٠ ]
عنه (بأمْ) أحد الفعلين، إلاّ أنّه لِقِلّتِه جُعلَ بمنزلة ما لم يُعْلَمْ، ويَدُلُّك على أنّ أحد الفعلين هنا معلومٌ أنّك إذا قلتَ: (تَكَلَّمْتَ ولم تكلَّمْ) فقدْ كان منه كلامٌ معلومٌ، إلاّ أنّه لمّا لم يبلغ المراد منه، ولم يُعَدَّ كلامًا، لم يُعَدّ بأحدِ فعليه لَمّا لم يُبالغْ فيه فعلٌ.