قال: وبمنزلة (أمْ) هنا قوله تعالى"ألم تنزيلُ الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين، أمْ يقولون افتراه ".
قال أبو العباس: فيُقال له: هذا الضَّرْبُ يجري على ما أصَّلْتَ من الشّكّ.
قال: والقولُ فيه أنَّ (أمْ) إنّما تجيءُ للتَّحَوُّل مِنْ خبرٍ إلى خبرٍ، ومعناها في القرآن التّوبيخُ والتّقريرُ كما كان في الألف، ونظيرُها في
[ ٢ / ٢٨١ ]
الخبر (بلْ)، نحوُ (جاءني عبدُ الله)، ثمّ يُضْربُ عنه فيقول: (بَلْ زيدٌ مررْتُ به)، والألف التي للتوبيخ، فتقديرُه: أتقولون: افتراه وتقديرُه على التّوبيخ والتّحوُّل جميعًا، بل أتقولون افتراهُ، فهي على معنى (بَلْ)، إذا كان معها استفهامٌ.
وأنْشدَ: كَذَبتْكَ عينُكَ أم رأيتَ بواسِطٍ
قال: معناه: بلْ رأيْتَ كقولك: إنّها لإبلٌ أمْ شاءٌ، ومثلُ ذلك قولُ كُثيّر:
أليس أبي بالنَّضْرِ أمْ ليس والدي
[ ٢ / ٢٨٢ ]
قال أبو العباس: ترك الاستفهام الأوّل ومال إلى الثاني، كأنّه لَمّا قال: أليسَ أبي بالنَّضْرِ مُقَرِّرًا تَرْكَ هذا، وأضربَ عنه لا إضرابَ إبْطالٍ، لكنّه إضرابُ تركٍ غيرُ إبْطالٍ، ثمَّ استَفْهَمَ الاستفهامَ الآخَرَ، فكأنّه قال: بَلْ أليسَ والدي كذا وكذا، ومثلُ الاستفهام الأوّل في أنْ لم يجْعَل (أمْ) إضرابَ إبْطالٍ إنّما جعلهُ إضرابَ تركٍ غير إبْطالٍ وإقْبالٍ على غيره قولُ الله ﷿: "أمْ يقولون افتراهُ" بعد قوله "الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه"، ألا ترى أنّ (أمْ) هنا مُحالٌ أنْ تكونَ إضرابَ إبْطال؟.