قال: وحَدَّثني مَنْ لا أتّهِمُ عن رجُلٍ مِنْ أهلِ المدينة موثوقٍ به أنّه سَمِع عربيا يتكلم بمثل قوله: إنْ زيدٌ لذاهبٌ، وهي التي في قوله: "وإنْ كانوا ليقولون لوْ أنّ عندنا"، وهذه (إنْ) محذوفةٌ.
قال أبو علي: (إنْ) هذه مُخَفَّفَةٌ مِن الثَّقيلة، وإنّما لم تدخل الثقيلةُ على الأفعال، فلمّا خُفِّفَت زال الشّبَهُ بالفعل، فدَخَلَتْ عليه، ولم يمتنع ذلك، لأنّه حرفُ تأكيدٍ، والفعلُ يُؤَكَّدُ كما يُؤَكَّدُ الاسمُ.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
قال: وتصْرفُ (ما) إلى الابتداء كما صَرَفَتْها ﴿ما﴾ إلى الابتداء وذلك قولك:
ما إنْ زيدٌ ذاهبٌ، وما إنْ طبُّنا جُبْنٌ
قال أبو علي: تصْرِفُ (إنْ) (ما) إلى الابتداء كما صرفْتَ (ما) (إنَّ) الثّقيلةَ إلى الابتداء فيمن قال: ما زيدٌ ذاهبًا إذا أدْخَلَ (إنْ) هذه
[ ٢ / ٢٦٥ ]
قال: ما إنْ زيدٌ ذاهبٌ، كما أنّ مَنْ قال: إنَّ زيدًا منطلقٌ إذا أدْخَلَ (ما) قال: إنّما زيدٌ منطلقٌ، ولا يجوزُ أنْ تكون (إنْ) في قولك: (ما إنْ لنا فيه)، كالتي في قوله "إن الكافرون إلا في غرور"، لأنّها لو كانت تلك، لَكان الكلامُ إيجابًا.
قال: ويكونُ الكلامُ على التّفسير الذي فَسَّرَه الخليلُ في بابِ (إنّ) الثّقيلة والتفسيرُ الأوّلُ لغيرِ الخليل، وجُملةُ القول إنَّ مَنْ كان (إنْ) هناك عندَه في موضع كان (إنْ) هنا عنده في موضع جَرّ.
قال: وتقول: إنّي مِمّا أنْ أفْعَلَ ذاك، كأنّه قال: إنّي مِن الشّأن أو الأمر أنْ أفْعَلَ، فوقَعَتْ (ما) هنا كما تقول العربُ، بِئْسَما، يريدون بِئْسَ الشَّيْءُ.
قال أبوعلي: موضع (إنْ) في قولك: إنّي مِمّا أنْ أفْعَلَ ذاك رفعٌ، وقدْ أقيمَ المضاف إليه مقام المضاف، كأنّك قلت: إنّي من الأمر صاحِبَ أنْ أفْعَلَ، أي صاحِبَ فِعْلِ ذلك، فحذفْتَ المضاف أعني (صاحب) المُقَدَّرَ.
قال: وتقول: ائْتني بعد ما تقولُ ذاك القولَ، كأنّك قلت بعد قولك ذاك القولَ، كما أنّك إذا قلت بعدَ أن تقولَ، فإنّماتريد [بعد] ذلك. أي المصدرَ، ولو كانت (بعدَ) مع (ما) بمنزلة كلمةٍ واحد لم تقلْ:
[ ٢ / ٢٦٦ ]
ائْتِني من بعد ما تقول ذاك، ولكانت الدّالُ على حالةٍ واحدةٍ.
قال أبو علي: يقولُ: لو كانت (ما) كافَّةً ولم تكن هي التي مع ما بعدها من الفعل بمنزلة المصدر لم تزل الفتحةعن الدّال مِنْ (بَعْد)، كما لا تزولُ الفتحةُ عنها إذا كانت (ما) كافَّةً، فإذا جُرَّ بِمنْ ولم يُنَوَّنْ عُلِمَ أنّها مُضافةٌ إلى (ما)، تقولُ وإنَّ ما تقولُ بمنزلة القول.
قال: وسَمِعْنا فُصَحاءَ العرب يقولون: لحقٌّ أنّه ذاهبٌ.
قال أبو الحسن: لم أسمع هذا من العرب، وإنّما وجَدْتُه في الكتاب، وهو جائزٌ في القياس، وإنّما قبَّحَه عندي حذفُ الخبر، ألا ترى أنّك لو قلت: لَعبْد الله، وأضْمرْت لمْ يجُزْ؟.
قال أبو علي: لِقائل أن يقول: إضْمارُ خَبر (لحقّ أنّه ذاهبٌ) أحْسَنُ مِنْ إضمارِ (لعَبْدُ الله)، لأنّه إذا طال الكلامُ حَسُنَ الحذفُ.
وقولُ أبي الحسن هنا حُجّةٌ عليه في حَمْلِه (ما أحْسَنَ زيدًا) على أنّه بمعنى الذي.
قال: وعَسَيْتَ بمنزلة اخْلَوْلَقَتِ السّماءُ.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
قال أبو علي: في أنّه يقعُ بعد كل واحدٍ (أنْ يفعَلَ)، وموضعُهُ في كلا الموضعين نَصْبٌ.
قال: وكَيْنونَةٌ عسى للواحد والجميع، والمُؤَنّث تَدُلُّك على ذلك.
قال أبو علي: إنَّ بعد عسى رَفْعٌ كأنّك قلت: عسى فِعْلُهم أو عسى فِعْلُهما، لأنّ (أنْ) مع ما بعده اسمٌ واحدٌ، وكان الفعلُ الذي في صِلَتِه لِمُثَنّى أو مجموع، ألا ترى أنّك إذا قلت: عسى أنْ يفعلوا فتَمْثِيلُهُ عسى فِعْلُهم، فالاسمُ المرتفعُ بعسى واحدٌ وإنْ كان المضافُ إليه جميعًا، وإنّما الفاعلُ هو المضافُ لا المضاف إليه.
قال: واعلم أنّهم لم يستعملوا عسى فِعْلُكَ اسْتَغْنَوا بأنْ تَفْعَل عن ذلك.
قال أبو علي: يقول: لم يستعملوا المصدرَ نحو الضَّرْب في قولك عَسى أنْ يَضْربَ، كما لم يستعملوا اسمَ الفاعل موضعَ الفعلِ في قولك: كادَ زيدٌ يفعَلُ، وعسى يفْعَلُ، إلاّ في الضّرورةِ، للاستغناء بأنْ يفعلَ عن الفعل، وبِيَفْعَلَ عن الفاعلِ.
قال: واعلم أنَّ من العرب من يقول: عسى يفْعَلُ، يُشَبِّهُها بكادَ
[ ٢ / ٢٦٨ ]
يفعلُ فيَفْعَلُ حينئذٍ في موضع الاسم المنصوبِ.
قال أبو علي: (عسى) فعلٌ، و(يفْعَلُ) فعلٌ، والفعلُ لا يَدْخُلُ على الفِعْل، ففي (عسى) ضميرٌ فاعلٌ، ويَفْعَلُ في موضع نَصْبٍ، لأنّه جاء بعد فعلٍ وفاعلٍ، ويَدُلُّ على أنَّ موضعَه نصْبٌ "عَسى الْغُوَيْرُ أبْؤُسًا"، فأبْؤُسًا في موضِع أنْ يفعلَ، والشّاذُّ في قولهم "عسى الغوير أبْؤُسًا" وقوعُ الاسم غيْر (أنْ يَفْعَلَ) موضعَ (أنْ يفعَلَ)، لأنَّ حكم (عسى) أن يقعَ بعدها (أنْ) مع ما يَتَّصِلُ بها، لأنّها خلافُ (كاد)، لبُعْدِها مِنَ الحالِ، فَمِنْ حَيْثُ لم يُسْتَعْمَلْ بعدَ (كادَ) (أنْ) لِقُرْبِها مِن الحالِ، اسْتُعْمِلَ بعد (عسى) لبُعْدِها مِن الحال، فحُكمُ (عسى) أنْ يُسْتعملَ بعدها (أنْ)، وحُكْمُ (كاد) ألاّ يُسْتعملَ بعدها (أنْ)، وهذا على جميع ما في التَّنزيل مِنْ هذا، ثمَّ يُضْطَرُّ الشَّاعِرُ فيُشَبِّه (عسى) (بكاد) وكادَ بعسى، فيقعُ بعدَ كُلِّ واحدٍ منهما يفْعلُ في موضعِ نصبٍ، ثمَّ يقعُ اسمُ الفعلِ موضعَ (يفعلُ)، كما جاء في المثل (أبْؤُسًا) لم يجيءْ غيرُها.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
قال: وسألتُه عن معنى أريدُ لأنْ تفعلَ، فقال: إنّما يريدُ أن يقول: إرادتي لهذا كما قال "وأُمِرْتُ لأن أكون أوّلَ المسلمين".
قال أبو بكر: قال أبو العباس: الفعل يَدُلُّ على مصدرٍ، فلَمّا قال: أرَدْتُ، دَلَّ على الإرادة، فكأنّه قال: أرَدْتُ وإرادتي لهذا، فحُذفَتْ (إرادتي) لدلالة (أريدُ) عليه، وكذلك "ردِفَ لكم" و"إنْ كنتم للرُّؤْيا تعبرون" وما أشْبَهَهُ، أي رَدِفَ هذه الرَّدافَة لكُمْ، وإنْ كنتم تعبرون العبارةَ للرُّؤْيا.