قال: وقال تعالى: "ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنّهم إليهم لا يرجعون".
قال أبو علي: (كم) لا يجوز أن يكون منصوبًا (بِيَرَوْا)، ولكنّها في موضع نَصْبٍ مِمّا بعدَه (وأنّ) بدَلٌ مِنْ موضعِ (كمْ) فعلى هذا يكونُ (أنَّ) بَدَلًا منْ (كَمْ)؛ وقد فَسَّرَ أبو العباس الآية تفسيرًا لمْ يجعلْ أنّهم فيها بَدَلًا مِنْ (كمْ)، فقال: (كمْ) في موضعِ نَصْبٍ (بيَرَوْا)، والمعنى: ألمْ يروا كم أهلكنا من القرون بالاسْتِئْصال، (فأنَّ) موضعُهُ نصبٌ كأنّه ألم يروا كم أهلكْنا من القرون اسْتِئْصالًا.
قال: ومِمّا جاء من هذا الباب قولُه تعالى "أيَعِدُكم أنّكم إذا مِتُّم وكنتم ترابًا وعِظامًا" الفصل.
قال أبو العبّاس: (أنّكم الثانية هي (أنّ) الأولى كُرِّرَتْ تأكيدًا لمّا تراخى خبرُها عنها، قال: وهو الاختيارُ عندي وهو قولُ أبي عُمَرَ.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
وقيل: إنّه يجوزُ أنْ تكونَ (أنّكم) الثانية في موضعِ رفعٍ بإذا كأنّه قال: أيَعِدُكُم أنّكم إذا مِتُّم إخراجُكم؟، والظّرفُ وما ارتفع به في موضع (أنّ).
وقولُ أبي العبّاس في قوله ﷿: "ألم يعلموا أنّه مَنْ يُحادِد الله ورسولَه فأنَّ له "، كقوله في الآية الأولى: أنّه كرّر تأكيدًا.
قال: وأبو الحَسَن يقول: إنّ المعنى: فَوُجُوبُ النّارِ له، وخَبَر أنّ التي بعد الفاعل.
قولُ أبي الحَسَنِ مُضْمَرٌ، كأنّه لَهُ أو نحوُهُ مِمّا يُضْمَرُ مِنَ الأخبارِ.
قال: وإنْ جاءَ في شعرٍ قد عَلِمْتُ أنّك إذا فَعَلْتَ إنّك تَغْتَبِطُ، تريدُ معنى الفاء جازَ، والوجهُ ما قُلْتُ لك أوّل مَرَّةٍ.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
قال أبو علي: الفاءُ إذا ذُكِرت هنا كان جوابَ (إذا)، وإذا حُذِفَتْ في الشّعْر فكَما تُحذَفُ الفاءُ إذا كانتْ جوابَ (إنَّ)، وإذا نُوِيَت حذفُ الفاءِ ابْتُدِئَتْ (إنَّ) فَكُسِرَتْ، لأنَّ ما بعد الفاءِ في موضع ابتداءٍ.
قال: ونظيرُ ذلك في الابتداء "لا جَرَمَ أنّهم في الآخرة هم الأخسرون"، ومِثْلُه "ثم إنّ ربّك للذين عَمِلوا السّوءَ .. " الآية.
قال أبو علي: ابْتَدَأ (هم) قبل أن يُؤْتى بخبر (أنّ)، (فهُم) مُبتدأ، (والأخسرون) الخبرُ، والجملةُ خَبَرُ (أنّ)، فهذا الاسمُ المبتدأ بعد (أنَّ) في الابتداء نَظيرُ (إنّ) المكسورةِ يعد (أنَّ).
[ ٢ / ٢٤٧ ]