وذلك قولُك: أحقا أنّك ذاهبٌ، وآلْحَقَّ أنّك ذاهبٌ؟
قال أبو علي: إذا قال: أحقا أنّك ذاهبٌ فلا يخلو أنْ تنصِب حقا على أنّه ظرفٌ، أو مصدرٌ، فإنْ نصبْتَه نصبَ المصادر وَجَبَ أن تفتَح أنَّ التي بعدها بالفعل النّاصِب للمصدر، كأنّه قال: أحَقّ ذهابكَ حَقًّا، وإذا نصبتَه نصبَ الظروف، فكسرُ إنَّ لم يجُزْ لأنّ الظرفَ لا ناصبَ له، وما بعد أنّ لا يعمل فيما قبلَه.
وإذا قلتَ: لا محالةَ أنّك ذاهبٌ، أوْ يومَ الجمعةِ، لم يجزْ كسرُ (إنّ) بعدَها مِنْ حيثُ لم يجزْ بعدَهما.
وأنشد:
أحَقًّا أنَّ جيرَتَنا اسْتَقَلُّوا فَنِيَّتُنا ونِيَّتُهم فَريقٌ
[ ٢ / ٢٤٨ ]
قال أبو علي: معناه: أفي الحقّ أنَّ، وموضعُ (أنَّ جيرَتنا) رفعٌ، كأنّه قال في الجواب: اسْتقلالُ جيرتِنا على هذا وضعُه، ويُحْتَملُ أنْ يكونَ موضعُ (أنّ) نصبًا إذا لم تجعل (حَقًّا) ظرفًا، لكنّك تَنْصِبُهُ نصبَ المصدر فَيَكونُ التّقديرُ: أتَحِقُّ استقلالَ جيرتِك حقًّا، وجميعُ الباب على هذا.
قال: وسألتُه عن قولهم: أمّا حَقًّا فإنّك ذاهبٌ، فقال: هذا جَيِّدٌ، وهذا الموضعُ مِنْ مواضعِ (إنّ)، ألا ترى أنّك تقول: أمّا يومَ الجمعة فإنّك راحلٌ.
قال أبو علي: جاز انتصابُ حقًّا قبلَ (إنّ) في قولك: أمّا حقًّا فإنّك ذاهبٌ، وإنّما جاز انتصابُ الظرف مع (أمّا) وإنْ وقعَتْ قبل (إنّ) لأنّه ينْتصِبُ بالمعنى الذي في (أمّا) مِنَ الفعل فتقديرُه: مهما يكنْ مِنْ شيءٍ يومَ الجمعة فإنّك ذاهبٌ، ومهما يكنْ مِنْ شيءٍ في حقٍ فإنّك ذاهبٌ، فيومُ الجمعة وفي الحقِّ ينتصبان بما في (أمّا) مِنْ معنى الفعل.
وقوله: لأنَّ فيها معنى يوم الجمعة يكُنْ مِنْ شيءٍ.
فالمُرادُ (بيومَ الجمعة) أن يقع (مهما)، لأنَّ ما قبلَ (مهما) لا يتعلَّقُ بما بعدَه.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
قال: وأمّا قولُه: "لا جَرَمَ أنّ لهم النارَ".
قال أبو علي: موضعُ (أنَّ) بعد (جَرَمَ) لأنَّه فاعِلٌ، والتّقديرُ: لقدْ حقَّ كونُ النّار لهم، ولا زيادةَ كزيادتِها في "لِئَلاَّ يَعْلَمَ أهلُ الكتابِ"، "ولا تستوي الحسنةُ ولا السَيِّئَةُ"، وهلا.
قال أبو العباس: قولُ الشاعر: جَرمتْ فَزَارةَ
أي جَرَمَت الطَّعْنَةُ فَزارَةَ بعدَها البيت.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
قال: وتقولُ: أمّا جَهْدَ رأيي فإنّك ذاهبٌ، لأنّك لم تُضْطَرّ إلى أنْ تَجعله ظرفًا كما اضْطرِرْت في الأوّل.
قال أبو علي: أيْ في قولك: يومَ الجمعة أنّك ذاهبٌ، وإنّما اضْطرَّ هناك إلى أنْ يجعلَه ظرفًا ليَبْني عليه (أنّك ذاهبٌ).
قال: ومع ذلك أنّك لم تجيءْ بالمبتدأ، وفي نُسخة أبي العبّاس: ومع ذلك أنّك لم تجيء بخبر المبتدأ.
قال أبو علي: قولُه: ومع ذلك أنّك لم تجيءْ بما بَنَيْتَهُ إذا قلت: جَهْدَ رأيي لمْ يَجُزْ إلاّ أنْ تفْتَحَ (أنَّ) لأنَّك لو لم تفتحْه لم تجيءْ بما بَنَيْتَهُ على (جَهْدَ) فسمّاهُ مُبتدأ لأنّه وإنْ أوْقَعَهُ بالظّرْف فهو مُحدّثٌ عَنْه، كما أنّ المُبتدأ كذلك، وليس يرتفعُ (أنّك عالمٌ) بعد (جَهْدَ رأيي) عندَه على الابتداء، إنّما يرتفع على الظّرف.
وإذا كان على ما في نسخة أبي العباس وهو قوله: (ومع ذلك أنّك لم تجيءْ بخبر المبتدأ)، فكأنّه يقول: إذا] أدْخَلْتَ [(أنّ) فلا بُدّ أنْ
[ ٢ / ٢٥١ ]
تجعلَ (جَهْدَ رأيي) ظَرْفًا له ليكونَ خبرًا لما هو بمنزلة المبتدأ في أنّه مُحدَّثٌ عنه وهو قوله: أنّك عالم.
قال: وأمّا قولُه: أمّا بعدُ، فإنّ اللهَ قال في كتابه، فإنّه بمنزلة "أمّا اليومَ فإنّك".
قال أبو علي: يقول: مَنْ فَتَحَ (أنّ) في قوله: (أمّا اليومَ فأنّك مُرتحِلٌ).
يريدُ: أمّا اليومَ فرحلتُك، لم يقول: أمّا بعدُ فإنّ اللهَ قال: إذا أراد أمّا بعدُ فقولُ الله.
قال: وسألتُه عن قوله، شَدَّ ما أنّك ذاهبٌ الفصل.
قال أبو علي: إذا مثّل شدّ ما أنّك ذاهبٌ بنِعْم ما، فجاء بعد قولك (شدَّ ما) نكرةٌ في موضع نصْب، كما أنّها بعد (نِعْمَ ما) كذلك، وتقديرُه (نِعْم الشيءُ شيئًا)، كما أنَّ تقديرَ نعمَ رجلًا: نِعْمَ الرّجُلُ رجُلًا، و(أنّك) على هذا خبرُ مُبتدأ، كأنّك قلت: نِعْمَ شيئًا هو أنّك تقول الحقَّ، لما قيل لك: ما هو؟.
ومن قدّر (زيدًا) مُبتدأ في قولك: نعْمَ الرّجُلُ زيدٌ، فقال: كأنّه قال في التّقدير زيدٌ نعم الرجلُ، فإنّه ينبغي له أنْ يوافِقَ من يقول: إنّ زيدًا خبر مبتدأ محذوف في قولك: نِعْمَ الرجلُ زيدٌ، لأنّه إنْ لم يُقدِّرهُ هذا
[ ٢ / ٢٥٢ ]
التقدير لزِمَهُ أنْ يبتدئ بأنَّ المفتوحَةَ، كأنّه قال: أنّك ذاهبٌ نِعْمَ العملُ، وهذه لا يجوزُ ابتداؤُها.
قال: وسألتُه عن قوله: كما أنّه لا يعلمُ ذاك، فتجاوزَ اللهُ عنه، وهذا حَقٌّ، كما أنّك هنا، فزَعَمَ أنَّ العاملة في (أنّ) الكافُ، وما لغوٌ، ويدُلُّك على أنَّ الكافَ العاملةَ قولُهم: هذا حقٌّ مثلما أنّك هنا.
قال أبو علي: أيْ يعملُ (مثل) في إنَّ، وفتحُه إيّاها كفتح الكاف إيّاها، وإنّما فُتِحت (أنّ) بعد الكاف كما فُتِحَتْ بعد (مثل) لأنّها مُضافٌ إليها، والمُضاف إليه يكون اسمًا، و(أنَّ) إذا وقَعَتْ موقعَ اسمٍ فُتِحَ.
قال: وبعضُ العرب يرفعُ – أي (مثل) - فيما حَدَّثنا يونسُ، وزَعَم أنّهم يقولون "إنّه لحق مثلُ ما أنّكم تنطقون".
[ ٢ / ٢٥٣ ]
قال أبو بكر: قال أبو العباس: قال أبو عثمان:
فتداعى منخراه بدَمٍ مِثْلَ ما أثْمَرَ حُمّاضُ الجَبَلْ
قال أبو بكر: قال أبو العباس: قال أبو عثمان: سيبويه والنحويون يقولون: إنما بني (مثلُ) لأنه إضافة إلى غير معرب وهو أنكم.
قال أبو العباس: قال أبو عمر: هو حال من النكرة ولا اختلاف في جوازه على ما قاله أبو عمر.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
قال أبو علي: الدّليلُ على أنَّ (مثلَ) إنّما بُنِيَ على الفتح لأنّه مضافٌ إلى غير مُعْربٍ أنّك إذا أضَفْتَ هذا الذي بَنَيْتَهُ مِنَ الأسماءِ المُبْهَمَةِ إلى مُعْرَبٍ لمْ تَبْنِهِ، فمن قال:
على حينَ عاتبت، وهذا حقٌّ مثل ما أنّك، لم يَقُلْ: على حينَ تُعاقِبُ ولا هذا حَقٌّ مِثْل قولك، فهذا يَدُلُّك على البناء في (مِثْلَ) وما أشْبَهَهُ مِن المُبْهَمةِ للإضافة إلى مَبْنِيّ، فاكتسى البناءَ منه كما يكتسي منه التّعريفَ والتّنكيرَ، وأقوى الأقاويل في هذا القولُ، لأنَّ الحالَ مِنَ النَّكِرَةِ ليس بالقويِّ عندهم، فأمّا بناءُ (مِثْلَ) مع (ما) فإنّه بَعيدٌ لأنَّه إذا كانت (ما) زائدةً لمْ يَسُغْ بناؤُها مع ما قبلَها وتصييرها اسمًا واحدًا، ألا ترى أنّه لم يوجَدْ في الشَّيْئَيْن اللَّذَيْن جُعِلا اسمًا واحدًا ما أحَدُ الشَّيْئَيْن فيه حرفٌ زائدٌ، فأمّا البيتُ الذي أنشده أبو عثمان فيحتمِلُ أنْ يكونَ (مثل) فيه مضافًا إلى (ما)، وأنْ تكون (ما) فيه مع الفعل الذي بعده بمنزلة المصدر، إلاّ أنّ (مثل) فيه بُنِيَ أيضًا على الفتح، لأنّه أضيفَ إلى غيرِ مُعْربٍ، وعلى هذا التّأويل لا يكون حُجّة، لِكَوْنِ (مثل) مع (ما)، بمنزلة اسمٍ واحدٍ، لأنَّ (ما) لا تكونُ زائدةً في البيت على هذا.
وجاز أنْ يكونَ (مثل) مُضافًا إلى (ما أثْمرَ) إذا كان بمعنى المصدر، وكان (مثل) صفة لِدَمٍ، ودَمٌ نكرةٌ، و(ما أثمر) معرفةٌ لأنّه بمنزلة إثمارِ حُمَّاضِ الجَبَلِ، لأنّ (مثل) وإنْ أضَفْتَهُ إلى المعرفة لم يمتنعْ
[ ٢ / ٢٥٥ ]
مِنْ أنْ يكونَ وصفًا للنَّكِرة فعلى هذا قلت: (مررْتُ برجلٍ مثلِك)، ولذلك جعله أبو عُمر مُنتصِبًا على الحال. فمِثْلُ على قول أبي عُمَر مُعْربٌ وإنْ كان مُضافًا إلى مبنيّ، وهو مِنْ هذا الوجه جَيِّدٌ، ولا مَوْضِعَ لمِثْل مِن الإعراب على قوله، ونظيرُه قراءةُ مَنْ قَرَأ: "مِنْ عذابِ يَومئذٍ"، ولولا أنَّ الحالَ على قوله يصيرُ مِنَ الفِكْرَةِ لكان قولًا حَسنًا، و(مِثْلُ) على قول سيبويه وأبي عثمان في موضع رفعٍ صِفَةٌ (لحق) لأنّه عندهما مبْنيّ وإنْ اختلفا في وجه البناء.
قال أبو بكر: قال أبو العبّاس: قولي في هذا كقول سيبويه، قال: وقال: وقولُ أبي عُمر وأبي عثمان جائزان.
قال أبو علي: قد قلتُ أنا في قول المازنيّ ما عندي فيه، وإنَّ أقوى الأقاويل قولَ سيبويه، وهو أنّه بُنِيَ لأنّه أضيف إلى غير معربٍ.
قال: ولو جاءت (ما) مُسْقطةً مِنَ الكافِ.
أي مِنْ قولِك: (كما أنّك هنا) في الشّعر جاز.
قال النّابغة: كأنْ يُؤْخَذَ المرءُ الكريمُ
[ ٢ / ٢٥٦ ]
فـ (ما) لا تُحذَفُ ها هنا، كما لا تُحذَفُ في الكلام مِنْ (إنَّ)، ولكنّه جاز في الشّعر، يعني كما حُذِفَتْ (ما) التي في قوله في (إمّا).
قال أبو علي: يقول: لا تُحذَفُ (ما) مِنْ (كما) في الكلام، كما لا تُحذَفُ (ما) مِنْ (إنْ) في الكلام من قولك: (أمّا) لأنَّ عندَه أنَّ (إمّا) المكسورةَ الهمزة إنّما هي (إنْ) ضُمَّتْ إليها (ما)، ولا يجوزُ حذفُ (ما) فيها، إلا في الشّعرِ، وقد مضى القولُ في هذا في حَدِّ الإضمارِ والإظهارِ مِنْ باب الفاعلِ والمفعولِ.
وسألْتُ أبا بكرٍ عنْ نَصْبِ (فيُقْتَلا). فقال: لا يكونُ على قولِ سيبويه إلا على (فأستريحا، لأنّه بعد الإيجاب، قال: وهو في إنشاد أبي عثمانَ مُستقيمٌ لأنّ (أنْ) تُجْعَلُ النّاصِبَةَ للفعلِ والكافُ داخلةٌ عليها، فيكونُ حينئذٍ
[ ٢ / ٢٥٧ ]
(فيُقْتلا) على (أنْ).
قال أبو إسحاق: قولُ سيبويه أصْوَبُ، لأنّه أراد (كما أنّه يُؤْخَذُ) ولمْ يُرِد التّشبيهَ، ومتى أرَدْتَ التَّشبيه تنْصِبُ ويزولُ المعنى.
****